العرب من هزيمة يونيو إلى سيطرة «داعش» – توفيق المديني


5 يونيو، 2015  

العرب من هزيمة يونيو إلى سيطرة «داعش» – توفيق المديني

634 مشاهدات اترك تعليق

العرب من هزيمة يونيو إلى سيطرة «داعش»

توفيق المديني

في حرب  5 يونيو 1967 الخاطفة حققت «إسرائيل» والولايات المتحدة الأميركية نصراً كبيراً على الزعيم الراحل عبد الناصروالحركة القومية العربية. كانت «إسرائيل» هي التي اتخذت المبادرة بتدمير الطائرات المصرية وهي جاثمة في المطارات. هكذا بدأت «حرب استباقية» احتلّت «إسرائيل» في نهايتها أربعة أضعاف مساحة أراضيها، في الضفة الغربية والقدس الشرقية وسيناء والجولان. وتم تشريد 400 ألف لاجئ فلسطيني جديد . ورفضت «إسرائيل»إعادة الأراضي المحتلة ،وأبقت تحت سلطتها شعباً فلسطينياً مقاوماً معتبرة أن اللجوء إلى القوة وحده يحلّ المشاكل؛ وهذا ما أغرقها في أزمة سياسية وأخلاقية عميقة، ليست فضائح الفساد المتكررسوى واحدة من ظواهرها.

ولا يزال  العالم العربي يلملم الشظايا المتناثرة لتلك الهزيمة المدوية.. وحين نتذكر هزيمة يونيو 1967 ،نتذكرهزيمة « المشروع القومي العربي» بشقيه الناصري و البعثي،وهي هزيمة تاريخية عادلة، بسبب عدم ديمقراطيته .والواقع أن « المشروع القومي  العربي» كان يعاني من تأخرالوعي الإيديولوجي السياسي للبلدان العربية التي رفعت لواء الحركة القومية العربية في مصروالمشرق العربي . إذ إن هذا التأخر التاريخي كان عاملاً حاسماً في استمرارالوعي المحافظ الامتثالي والتقليدي الذي  يرفض تجسيد القطيعة المنهجية والمعرفية مع كل نزعة ماضوية وتقليدية في تطورمستقبل المسألة القومية العربية على أسس ديمقراطية ،عقب الهزيمة العربية أمام الإمبريالية الغربية  والكيان الصهيوني . علماً أنه من الناحية السياسية والتاريخية،كان العالم العربي من محيطه إلى خليجه منجذباً بحماسة عاطفية لأهداف الحركة القومية العربية في التحرروالاستقلال والوحدة.وكانت مصر الناصرية في مرحلة الستينيات من القرن الماضي مركزاً إقليمياً طليعياً من الناحيتين السياسية والتاريخية،ومرجعية قومية موثوقًاً بها وقادرة على تفعيل الحيوية الشعبيةالكامنة،إذ حوّلت هزيمة حرب حزيران التلقف الطوعي، الذي ارتآه الرئيس عبد الناصرتعاطفاً دافئاً مع رغبة في المشاركة في التعدد وتصحيح الثغرالتي من خلالها حصل النزف ومهد لمراجعات تبلورت في الصمود وحرب الاستنزاف.

لكن الثقافة السياسية السائدةبعد هزيمة يونيو 1967 بقيت إلى حدٍ كبيرٍ مدمنة عدم المساءلة،وترفض عملية التحديث في البنية الفكرية والثقافية للدولة العربية المعاصرة،ذلك أن كل عملية تحررية ثورية حديثة تقتضي بلورة فكرية حديثة.فالتأكيد على الحداثة الفكرية ،هي بمنزلة التأكيد على جذرية البرنامج السياسي،وبالتالي راديكالية العملية الثورية ذاتها في ظل عالم عربي متأخر.واستمرالنقد للبنية الفكرية، وبالتالي« للمشروع القومي العربي»مشبوهاً بكونه معارضة يسارية أو تقدمية أووطنية راديكالية.وحتى يومنا هذا لا تزال عملية نقد الذات حتى من موقع الالتزام مدخلاً لدى معظم السلطات العربية إلى التشكيك وبالتالي اعتبارالنقد من موقع الالتزام بالمشروع القومي العربي نوعاً من التربص.

فما الذي حدث، منذ هزيمة يونيو 1967وحتى الآن ؟

على العرب أن يعترفوا بخطورة المشروع الصهيوني في المنطقة وأهدافه التي تتكشف كل يوم من تفكيك للمنطقة وعزلها وتجزئتها.ومنذ هزيمة 1967،انكفأت الدول العربية كل منها على ذاتها،وظهرت تيارات انعزالية تسيطرعلى تفكيرها، بحيث التفتت كل دولة لذاتها، وأسهم في ذلك ما يسمى بالعولمة التي ترمي في مصالح المخطط الأميركي -الصهيوني ،أبرزها المصالحة مع الكيان الصهيوني ، بحيث تحول الأمرإلى أن بعض الدول أصبحت تابعة ل«إسرائيل».

لقد انتصرالمشروع الصهيوني في حرب حزيران 1967، ونجح في إحداث الفرقة بين العرب ،إذ بات يتصوربعضهم أن البعض الآخر يسرق ثروته. وباتت مفردات « النكسة» تعني الهزيمة في وجه «إسرائيل»، لكن أيضاً – وخصوصا ً- نهاية قاسية للمشروع القومي العربي بإقامة دولة عربية تقدّمية قوميّة وحديثة كان ينادي بها جمال عبد الناصر (1918-1970) الذي تسلم  الحكم في مصر في العام 1952، مع الضبّاط الأحرار،وأصبح الداعي إلى الوحدة العربيّة. وكان لحزب البعث، الذي أُسّس في العام 1947 تحت شعار«أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» »، نفوذ في صفوف العسكريّين وأوساط الطبقات الوسطى، إذ تمكّن هذا الحزب الذي يتمتّع بـ«فروع» تابعة له في الدول العربية كافة ،من تسلم السلطة في سوريا والعراق في مرحلة الستينيات.غيرأنّ العلاقات السيئة والخلافات بين دمشق وبغداد ،ولا سيما داخل الحركة القومية العربية ستحول دون أيّ تحقيق لوحدة عربيّة.

 وقد بلغ هذا المشروع ذروته مع إعلان قيام الجمهورية العربية المتحّدة بين مصر وسوريا (1958-1961). فخلال نحو عقديْن من الزمن، بين العاميْن 1950 و1967،أمل العرب في الحصول على فرصة ثانية للـ«تعويض» عن «النكبة» الأساسية في خسارة فلسطين بين العاميْن 1948-1949. ومع العام 1967، أصبح وجود الدولة العبريّة حقيقة لارجوع عنها، في حين كان يتّضح في «إسرائيل» الخطاب حول اللاّرجوع عن احتلال الأراضي، وهكذا تغيّرت معالم اللعبة السياسيّة في المنطقة .

كما أن المشروع الصهيوني انتصرأيضاًفي حرب أكتوبر،1973.وكان الصراع دائراً بين مشروعين متناقضين، ف«إسرائيل » ترى أنها دولة معترف بها من هيئة الأمم المتحدة، بينما يعتبرالمشروع القومي العربي أن«إسرائيل» دولة دخيلة ولا يمكن الاعتراف بها .وهوالتناقض الذي أدى إلى حروب ومعارك  متتالية،انتهت باعتراف دول عربية بوجود «إسرائيل»،وبالتالي قد انتصرالمشروع الصهيوني،الذي يستوجب مقاومته من قبل الشعوب العربية والإسلامية بروح من الصمود في وجهه ولا بديل أمامها إلا بالالتفاف حول المقاومة. 

لقد طبعت هزيمة الجيوش المصرية والسورية والأردنية في مواجهة إسرائيل الهزيمة السياسية لجيلٍ راهن على التنمية والوحدة العربية والاشتراكية. ففقدت المجتمعات نقاط ارتكازها، وتحوّلت نحو الدين؛ وهكذا شاهدنا نشوء الحركات الإسلامية التي ازدادت قوّتها بقدر ما برهنت الدوائر الحاكمة عن عجزها وعن تسلّطها، دون هدف آخر سوى البقاء في السلطة.

وشكل احتلال العراق في سنة 2003 ،هزيمة مدوية للمشروع القومي العربي الذي قولب منطقة الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى .لأن الحركات القومية العربية التي عملت أو ادعت أنها بصدد بناء الدولة القومية، تراجعت في الميادين جميعها، ولاسيما في المواجهة مع الإمبريالية، والمشروع الصهيوني، وعلى الصعيد الدعوة والعمل للتغيير السياسي والاجتماعي لبناء الدولة الوطنية الديموقراطية، وعلى صعيد العمل الرسمي والسعي من أجل الوحدة العربية، حيث واكب ذلك انفصال وحدة 1958، وإخفاق المشاريع الوحدوية الأخرى، وحدوث انشقاقات وتصدعات في الحركات القومية.

وفي ظل الاحتلال الأميركي للعراق ، وتدمير دولته الثاوية ، انبعثت الهويات الإثنية –الدينية في بلدان الشرق الأوسط، وهي ليست سوى خلاصة موضوعية لبنى المجتمعات العربية ، التي لا تزال جماعاتها الإثنية والمذهبية والطائفية والعشائرية متحاجزة ومتفاصلة، كالزيت والماء،وهو انبعاث تشجعه الولايات المتحدة الأميركية و إسرائيل .

وفيما كانت الدول العربية تهتز تحت وطأة الاضطرابات الداخلية لما يسمى «ربيع الثورات العربية»، خرج تنظيم«داعش» الابن الشرعي لـ «القاعدة» وهو الابن البار لـ «طالبان»، ومن قبلهما «المجاهدون الأفغان والعرب» الذين سددوا خدمات جلى للأميركيين، ولكنهم أسقطوا البرجين في نيويورك ،ليعلن في شهر يونيو 2014عن إنشاء«الدولة الإسلامية في العراق و الشام »، بوصفها  دولة الخلافة الاسلامية ،ويدعو المسلمين إلى مبايعة أبي بكر البغدادي خليفة لهم.. وبمعزل عما إذا كانت هذه «الخلافة» قابلة للحياة والاستمرار، فإن مجرد الاعلان عن ولادتها، يعكس المدى الذي بلغه مشروع التطرف والتكفيرالذي ترفعه الحركات الجهادية ، على أنقاض مقولات الاعتدال والوسطية والعيش المشترك والتنوع.

لقد استفاق العرب من جديد بدوله الحديثة على ظاهرة«داعش» الموصوفة بـ«العصابات المسلحة» الإرهابية والتكفيرية ،وهي تعلن قيام دولة الخلافة في المناطق التي تسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، وهو ما يعني تدمير اتفاقيات سايكس بيكولسنة 1916 التي قامت على أنقاضها الدول الحديثة التي استولدها الاستعمار الغربي. فاستفاقت إيران وتركيا، ومن بعدهما الإدارة الأميركية والقيادة الروسية، على خطر جديد يهدد خريطة المنطقة بإعادة تقسيمها على أسس دينية ومذهبية وعرقية، بعد أن وصل انحدار ما كان يعرف في الأدب السياسي الحديث النظام الإقليمي العربي إلى مستوى الحضيض.

الخريطة الحالية في العالم العربي تتمزق، لأن الحدود التي تُحَدِّدُ أراضي كل من العراق، وسوريا، ولبنان ،وتركيا، واليمن ،قابلة للإختراق و التغييرمن الآن فصاعداً،و هي لا تعكس أبداً الواقع القائم على الأرض.ففي ظل «دولة الخلافة الإسلامية»-«داعش»  التي لاتعترف بالحدود بين الدول العربية الموروثة من التقسيم الاستعماري الفرنسي والبريطاني،رأينا كيف أن الدول الحديثة  الشرق أوسطية ،لا سيما في العراق، وسوريا، و اليمن، تقوضت أسسها رأساً على عقب ،و بنيتها غير التوافقية ، تحت تأثير ظاهرة  الحرب  الإرهابية التي تخوضها الحركات  الجهادية ضد النظم الحاكمة .