بقلم : الدكتور علي أسعد وطفة
“الحضارة تراكم بصيرة… والتخلف تراكم أعمى، والحضارة انتخاب… والتخلف تجميع؛ وفي الحضارة البقاء للأصلح، وفي التخلف البقاء للأقوى” (محمد حبش)
سنكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصومنا، ولكن بمقدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل. (غاندي)
مقدمة:
يشكل الخوض في المشروع الفكريّ الإنسانيّ للدكتور محمد حبش مغامرةً فكريّةً صعبةً ومعقّدةً، وكيف لا يكون الأمر شاقًا وأنت في رحاب مشروعٍ تنويريّ تترامى أطرافُه على امتداد أربعةَ عشرَ قرنًا من الزمن؟ وهو المشروعُ الذي صُمِّمَ لمواجهة تسعةِ قرونٍ من الجمودِ والتخلّفِ والسقوطِ الحضاريّ الذي اكتسى طابعًا دينيًا مقدسًا، فتصلّب في العقولِ وتكلّس في النفوسِ والقلوبِ. وما أشقّ وأصعب من مواجهة هذا النمطِ من التخلّفِ الحضاريّ الشاملِ الذي ارتبط زيفًا بالمقدّسِ واستغرق فيه ليأخذ صورةَ جهلٍ مقدّسٍ لا يمكن مواجهته أو معاندةُ حضوره.
في مواجهة هذا الواقعِ المتخلّفِ المتصلّبِ تصدّى عددٌ من المفكّرينَ العمالقةِ – وهم قِلّةٌ – لهذا المدّ الأسطوريّ للتخلّفِ والجهلِ المقدّس، وقد سجّل التاريخُ فيضًا من هذه المواجهاتِ بين روادِ التنويرِ وضدّ هذا التخلّفِ المقدّس. ولم يكن التنويرُ حدثًا مفاجئًا في التاريخِ الإسلاميّ، بل كان تيارًا خفيًّا يومض حين يتنفس العقلُ حريّتهُ وسرعان ما يخبو حين يشتدّ عليه طوقُ القداسةِ والتقليد. ومنذ البداياتِ الأولى، لمعَ في أفقِ الروحِ الإسلاميةِ رجالٌ حملوا شعلةَ النورِ وتناقلوها جيلًا بعد جيلٍ، كأنّهم خيطٌ ذهبيٌّ يشقّ العصور. ويتمثّل هذا الخطّ التنويريّ بمفكّرينَ عمالقةٍ أمثالَ الحسنِ البصريّ، وواصلِ بنِ عطاءَ (المعتزلة)، والسهروديّ، وابنِ عربيّ، وابنِ باجةَ، وابنِ طفيلٍ، وابنِ رشدٍ، وجلالِ الدينِ الروميّ، والشاطبيّ، والمعريّ، وصولًا إلى عمالقةِ الفكرِ التنويريّ المعاصرِ أمثالَ جمالِ الدينِ الأفغانيّ، ومحمدِ عبدهِ، وعبدِ الرحمنِ الكواكبيّ، وحسنِ حنفيّ، ومحمدِ عابدِ الجابريِّ، ونصرِ حامدِ أبو زيد، والطيبِ تيزيني، وجودتِ سعيد، وقد توهج هذا الخط التنويري بالعطاء الفكري التنويري الثوري للدكتور محمدُ حبشٍ الذي توَّجَ هذا الخطَّ التنويريَّ بوهجٍ فكريٍّ جديدٍ تميَّزَ بطابعِ العمقِ والشمولِ والابتكارِ في عصرِ الميديا والثورةِ الرقمية.
وعلى خُطى المدِّ التنويريِّ لروّادِ التنويرِ والعقلانيّةِ في العالمِ، مَجَدَّدًا خَطَى حبشَ على مساراتِ كلٍّ منْ مارتن لوثرَ، وإيمانويل كانطَ، وجان جاك روسو، وجون لوكَ، وباروخ سبينوزا، وجون ستيوارت ميلَ، بوذا، والمهاتما غاندي، وطاغورَ، ومانديلا؛ واستطاعَ أنْ يَتَمَثَّلَ معطَيَاتِ هذا الفكرِ العلميِّ وأنْ يُجَسِّدَهَا على نحوٍ مبتَكِرٍ في سياقِ مشروعِه الإنسانيِّ على نحوٍ جديدٍ. وعلى هُدًى هَؤُلاءِ جميعًا أرادَ حبشُ أنْ يَحطِمَ أوثانَ التصلُّبِ وأركانَ التعصُّبِ بكلِّ أشكالِهِ الدينيّةِ والسياسيّةِ والاجتماعيّةِ، وقدْ أَنْجَزَ أنْ يَجتَرِحَ مشروعًا إنسانيًّا تنويريًّا متكاملَ الأبعادِ والاتِّجاهاتِ في مجالي الفكرِ والعملِ ليُكرِّسَ مفهومَ التّسامُحِ الدينيِّ عبر رسالةٍ إنسانيّةٍ في الحبِّ والسلامِ الأبديِّ للإنسانِ والإنسانيّةِ. وقدْ تَوَخَّى أنْ يَبْدَدَ أوهامَ التصلُّبِ الدينيِّ وأنْ يَحطِمَ التقاليدَ العَمياءَ لِيُحدِثَ انتفاضةً فكريّةً عميقَةَ الجذورِ ضدَّ كلِّ أشكالِ الوهمِ الدينيِّ المُقدَّسِ التي وَضَعَتْ الإنسانَ العربيَّ في مَهَبِّ الجهلِ والجاهليّةِ الأولى.
وفي غمرةِ الأحداثِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ الرهيبةِ التي فَرَضَتْ حضورَها الجنونيَّ في الساحةِ الفكريّةِ والسياسيّةِ العربيّةِ المعاصرةِ، أَطلَّ علينا الدكتورُ محمدُ حبشٌ مُضِيئًا ومتوهِّجًا في رحابِ الفكرِ العربيِّ الإسلاميِّ التنويريِّ في العصرِ الأحدثِ؛ فَقَدَّمَ لنا مشروعًا فكريًّا إسلاميًّا تنويريًّا تميَّزَ بقدرَتِهِ على تغطيةِ مختلفِ القضايا الفكريّةِ والاجتماعيّةِ والسياسيّةِ في زمنِ الميديا والثورةِ الرقميّةِ المُذهِلَةِ. ومن يُراقِبِ الساحةَ الفكريّةَ سيَجِدُ أنَّ المشروعَ التنويريَّ للدكتورِ محمدِ حبشٍ يمتدُّ على صفحاتٍ أكثرَ من ستّينَ كتابًا ومئاتِ الأبحاثِ والدِّراساتِ التي تُغَطِّي مختلفَ القضايا الحيويّةَ والإشكاليّةَ في التراثِ والماضي والحاضرِ، وهيَ القضاياُ التي تَشغَلُ الفكرَ والثقافةَ والحياةَ في العالمِ العربيِّ. وهنا يجبُ علينا أن نَأخذَ بعينِ الاعتبارِ أنَّ قيمةَ هذهِ الكتبِ لا تَتمثَّلُ في عَدَدِها الكبيرِ، بل في الطّاقةِ الإبداعيّةِ لكلِّ عملٍ من هذهِ الأعمالِ، إذْ يُمثِّلُ كلُّ منها صرخةً إبداعيّةً مُتفرِّدَةً في مجالِ الدّعوةِ النّقديّةِ إلى تغييرِ الواقعِ وإصلاحِه وتجذيرِ القيمِ الإنسانيّةِ التّسامحيّةِ في الفكرِ الدّينيِّ الإسلاميِّ من أجلِ العملِ على تأسيسِ مجتمعٍ يَنْطَلِقُ من الأصالةِ الدّينيّةِ إلى الحداثةِ الفكريّةِ والأخلاقيّةِ للعصرِ الحديثِ. ولو حاولنا أن نُفرِدَ عناوينَ الكتبِ التي سطَّرَها حبشُ لَوَجَدْنَا أنها تُغَطِّي أخطرَ المشكلاتِ والتّحدّياتِ الفكريّةِ والاجتماعيّةِ التي واجَهَتِ الفكرَ العربيَّ والمجتمعاتِ العربيّةَ منذ عَصرِ الإسلامِ الأوّلِ حتى زمنِ الثورةِ الرقميّةِ.
وقدْ عُرِفَ حبشٌ مُفكِّرًا ومناضلًا إنسانيًّا اعتلى المنابرَ الفكريّةَ في مختلفِ المؤسسات العلمية في جميع أنحاءِ العالمِ، واستطاعَ أنْ يؤسِّسَ لَعَدَدٍ كبيرٍ من المؤسَّساتِ العلميّةِ والفكريّةِ. ولا غِبارَ في القولِ إنَّ حبشًا قدْ أَسَّسَ التيّارَ الإنسانيَّ في الفكرِ العربيِّ الإسلاميِّ وقدْ تَجَلّى ذلك في رسالتِه الإنسانيّةِ التي تَحمِلُ شعارَ “إخاءِ الأديانِ” وهو مفهومٌ أصبحَ رائجًا في الثقافةِ الإسلاميّةِ ويُمثِّلُ تيّارًا عميقًا ومؤثِّرًا في الثقافةِ الإسلاميّةِ المعاصرةِ. وقدْ أصبحَ مفهومُ “إخاءِ الأديانِ” للدكتورِ محمدِ حبشٍ بصمةً يُعرَفُ بها كما عُرِفَ غاندي بمفهومِ “النِّضالِ السِّلميِّ” ضدَّ العنفِ. وقد احتفَتْ جامعاتٌ كثيرةٌ بحضورِ حبشٍ أستاذًا زائرًا فيها، ولاسيّما في جامعةِ هلسنكي في فنلندا عامَ 1998 وجامعةِ لوند في السويدِ 2003، وجامعةِ كرايوفا في رومانيا 2009، وجامعةِ أوسلو في النرويجِ 2012، وجامعةِ روستوك في ألمانيا 2016، وجامعاتٍ أخرى كثيرةٍ.
المشروعُ التَّنويريُّ:
” الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ؛ فمن فاقَك في الخُلُقِ فاقَك في الدِّينِ» — ابنُ الجوزيِّ
يَتَمَيَّزُ مشروعُ الدكتورِ محمَّدِ حبشٍ بقدرَتِه على اختراقِ ثنائيةِ المعاصَرةِ والحداثَةِ؛ وهو نَمطٌ من التفكيرِ الخلّاقِ الّذي استَطاعَ أنْ يهْدِمَ الحواجزَ الّتي قامتْ بينَ الرُّوحِ الإسلاميّةِ السَّمحاءِ وقِيَمِ العصرِ الحداثيّةِ وتَطَلُّعاتِه الإنسانيّةِ. وعليهِ، فقد استَطاعَ الدكتورُ حبشٌ في غمرةِ نِضالِه الفكريِّ تَنقيَةَ الفكرِ الإسلاميِّ من شوائِبِ الخُرافاتِ والأوهامِ والفتاوى السياسيّةِ المَرَضِيّةِ الّتي مَزَّقَت وحدةَ هذهِ الأمّةِ ودَمَّرَت تراثَها الإنسانيَّ، وأنْ يَحْقِقَ الانسِجامَ بينَ الإسلامِ والفِكرِ الإنسانيِّ المعاصِرِ.
ويمثّلُ المشروعُ الفكريُّ للدكتورِ محمَّدِ حبشٍ أحدَ أبرزِ المحاوَلاتِ المعاصِرةِ لإعادةِ إحياءِ روحِ التنويرِ الإسلاميِّ من داخلِ النَّصِّ الدِّينيِّ ذاتِهِ، دونَ القطيعةِ مع التراثِ ودونَ الاغتِرابِ عن متطلّباتِ العصرِ. ويستندُ محمَّدُ حبشٍ في قراءتِهِ للدِّينِ إلى منهَجِ إعادةِ القِراءاتِ لا إلى تكرارِ الفَهمِ الموروثِ.
وهذا النَّهجُ يُقاربُ منهَجَ ابنِ رشدَ وكانطَ وسبينوزا ومحمدِ عبدهِ. فالدِّينُ الإسلاميُّ كما يراهُ حبشٌ يَتَّسِمُ بِجَلائِهِ الإنسانيِّ وسُمُوِّهِ الأخلاقيِّ. وقد بَيّنَ لنا في مشروعِهِ الإنساني هذا أنَّ الرُّوحَ الإنسانيّةَ الخلّاقةَ للإسلامِ لا تتناقَضُ مع روحِ الحداثةِ وجَوْهَرِها، ووجدَ أنهُ لا مَناصَّ لنا من القضاءِ على ثنائيّةِ الأصالةِ والمعاصَرةِ مِن أجلِ ثقافةٍ إسلاميّةٍ رَصينةٍ خلّاقةٍ تتخاصَبُ فيها القِيَمُ الدِّينيّةُ الأصيلَةُ مع معطياتِ الحُرّيّةِ والكرامةِ والحقوقِ الإنسانيّةِ للحداثةِ الفكريّةِ والاجتماعيّةِ المعاصِرةِ. وهذاَ يعني أنَّ حبشًا لم يَأتِ ليؤجِّجَ الصِّراعَ بينَ العقلِ والنَّصِّ، بينَ الحداثةِ والقدامةِ، بينَ الأصالَةِ والمعاصَرةِ؛ ولم يَأتِ ليُعيدَ صَدَى المنابرِ، بل جاءَ ليودِعَ في قلبِ الخِطابِ الدِّينيِّ هَمْسًا إنسانيًّا نَدِيًّا قِوامُهُ: أنَّ الدِّينَ لا يقِفُ على أبوابِ المحاكمِ ولا يكْمُنُ في أتونِ المعاركِ، بل هو طيفٌ رُوحانيٌّ يَسْكُنُ في قلبِ الإنسانِ روحًا أصيلاً تتجلّى في الكونِ جمالًا وحبًّا وعطاءً تَسامُحيًّا لا يُوصَفُ. وقد رأى في النَّصِّ نافِذَةً ناعِمَةً مُنْفَتِحَةً على العالمِ لا جِدارًا صَلِبًا وحِصنًا حَصينًا، واكتشفَ في الشريعةِ أَطيافَ أجنِحَةٍ خلّاقةٍ لا قُيُودًا وحُدودًا جامِدَةً؛ ووجدَ في الفِقهِ الإسلاميِّ انسيابًا إنسانيًّا يَتدفّقُ بالعَطاءِ ويَهِبُّ للقَلْبِ معناهُ الإنسانيَّ. وعلى هذاِ لم يَكُن في مشروعِهِ صَدًى لصَليلِ السُّيُوفِ لا مَوقِعًا للسِّجالِ والقِتالِ والهُجومِ والردِّ والرَّفضِ، بل كانَ مشروعُه كَشْفًا رُوحِيًّا يَنْدَى بالجَمالِ ويَضُوجُ بالحبِّ ويَسمو بالقِيَمِ العليا؛ وقد أرادهُ كشفًا لوجهِ الدِّينِ الحَقِيقِيِّ، الدِّينِ الحنيفِ الّذي يَتدفّقُ بالعطاءِ الإنسانيِّ، وأراد أنْ يُجَلِّيهِ وأنْ يُحرِّرهُ من أيديولوجيا السُّلْطانِ وسُلْطانِ الطُّغاةِ والطُّغيانِ، وغُبارِ الخوفِ والغَلَبةِ. هُناكَ، وهنا، وفي مشروعِهِ هذا يَتَجَلَّى الإنسانُ غايَةً للمعنىِ ومنصَّةً للرحمَةِ يَتدفّقُ تأويلًا في الحبِّ فِقْهًا وفي الدِّينِ مَأوًى للرُّوحِ والمعنىِ لا مِتراسًا للتوحُّشِ والعَنفِ.
ولم يَكُن مشروعُ الدكتورِ محمَّدِ حبشٍ مُجَرَّدَ امتدادٍ ميكانيكيٍّ لجهودِ التنويرِ الّتي سَبَقَتْهُ، ولا تِكرارًا لصَدًى أصواتٍ خَبَتْ في الذاكرةِ. لقد جاءَ مشروعُه كأنّه روحٌ جديدةٌ تُولَدُ في عُمقِ الخِطابِ الدِّينيِّ لِتُحرِّرهُ من أدرانِهِ بعدَ أن أثقَلَتْهُ القُرونُ الوُسطى بِظِلالِ الجَدَلِ والقواعِدِ والحُدودِ. لقد حاولَ روّادُ الإصلاحِ من قَبلُ أنْ يُعيدُوا فَتحَ بابِ العَقلِ، لكنَّ حبشًا ذَهَبَ إلى ما هو أبعَدُ؛ لم يَبْحَثْ عن العَقلِ لِذاتهِ، ولا عن النَّصِّ لِسُلطانِهِ، بل عن الإنسانِ بوصفِهِ مَركزَ الحُضورِ وغايَةَ الرِّسالَةِ. وكأنّه يَرْفَعُ رايةً تقولُ: «الدِّينُ خُلِقَ من أجلِ الإنسانِ، ولم يُخلقِ الإنسانُ من أجلِ الدِّينِ.» وقد أكّد في جَلِّ عطائِهِ أنَّ الفائِقَ في الأخلاقِ هوَ الفائِقُ في الدِّينِ لأنَّ الدِّينَ أخلاقٌ؛ وقد جاءَ في الحديثِ قولُ النبيِّ: «إنَّما جئتُ لأُتَمِّمَ مكارِمَ الأخلاقِ»، وجاء في النَّصِّ المقدّسِ: «إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ». وفي حينِ انشَغَلَ بعضُ التنويريّينَ بنقدِ التراثِ أو بتفكيكِه أو بجلدهِ، اختارَ حبشٌ طَريقًا آخرَ: طَريقَ الشِّفاءِ. لم يَكن يعيدُ قِراءَةَ النَّصِّ ليُحاكِمَهُ، ولا ليستدرِجهِ إلى العصرِ قَسرًا، بل كانَ يَفتَحُ فيهِ نوافِذَ للضُّوءِ، كَمَنْ يَبْحَثُ عن نَبضِهِ الأوَّلِ: الرحمةُ، السَّكينَةُ، اتِّساعُ القَلبِ، وكرامَةُ الرُّوحِ.
أمّا السِّيرةُ النبويّةُ — التي تحوّلت عند بعضهم إلى سجلّ معاركٍ وقوائمِ غزواتٍ — فقد أعادَ حبشٌ إليها نَبضَها الإنسانيَّ. استخرجَ منها ما يُكبّرُ الإنسانَ ولا يُصغّره، ما يُحرّره ولا يُقيّده، ما يجعلهُ أخًا لغيرهِ لا خصمًا له. فرأى النبيَّ مُعلّمًا للرحمةِ لا مُؤسّسًا لهيمنةٍ، وقرأ رسالتَهُ رسالةَ سلامٍ لا مشروعَ غلبةٍ.
وجاء حبشٌ كذلك يحملُ وعيًا واسعًا بالعالم؛ لا يرى الأديانَ شفراتٍ متصارعةً، بل أنهارًا تَنْبُعُ من منبعٍ واحدٍ، تتفاوتُ مجاريها وتتلونُ تُربتُها، ولكن ماءَها واحدٌ: ماءُ الروحِ. ولهذا كان صوتُهُ عاليًا في زمنٍ ترتفعُ فيه جدرانُ الكراهيةِ: الإيمانُ لا يَكْتَمِلُ إلّا باحترامِ حرّيّةِ الآخرِ في الإيمانِ أو في الاختيارِ أو في الاختلافِ.
ومع ذلك، لم يكن مشروعُهُ حبيسَ الكتبِ والمجالسِ الفكريّةِ؛ بل نَزَلَ إلى أرضِ الناسِ: في المنابرِ، والمناهجِ، ومجالسِ الحوارِ، وتعليمِ الشبابِ، وترميمِ الجراحِ النفسيّةِ التي خلّفتها خطاباتُ التكفيرِ والتحريمِ والمواجهةِ.
وفي الحينِ الذي حاولَ فيهِ التنويريونَ من قبلُ إنقاذَ العقلِ من الظلامِ، حاولَ محمدُ حبشٍ إنقاذَ القلبِ من القسوةِ وتطهيرَهُ من الشهوةِ والحقدِ والكراهيةِ. وفي الوقتِ الذي نادى فيهِ سابقوهُ بفتحِ بابِ الاجتهادِ، نادى هو بفتحِ بابِ الرحمةِ مع الاجتهادِ، وبابِ التوبةِ مفتاحًا للغفرانِ. وفي حينَ بحثَ الآخرونَ عن الحقيقةِ، بحثَ هو عن الحقيقةِ والحقيقةِ في الإنسانِ. ولهذا يمكنُ القولُ إنَّ مشروعَهُ ليسَ مجرّدَ فصلٍ جديدٍ في كتابِ التنويرِ، بل ارتفاعٌ في المقامِ؛ وانتقالٌ من التنويرِ الفكريِّ إلى التنويرِ الإنسانيِّ.
وممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ حبشًا اجترحَ لنفسهِ خطًّا فكريًّا جديدًا يتمثّلُ برسالتهِ الإنسانيّةِ في مجالِ الإخاءِ الإنسانيِّ وإخاءِ الأديانِ. ويمكنُ القولُ بأنَّ المشروعَ التنويريَّ للدكتورِ محمّدِ حبشٍ لا يقفُ عند حدودِ نقدِ التراثِ ولا يَتجلّى في تكرارِ خطابِ الإصلاحِ القديمِ؛ بل يسعى إلى إعادةِ تأسيسِ المعنى الدينيِّ على قاعدةِ الإنسانِ أوّلًا، والرّحمةِ ثانيًا، والتسامحِ ثالثًا، والسلامِ رابعًا، بأسلوبٍ يجمعُ بينَ العمقِ المعرفيِّ والرّوحِ التربويّةِ العمليّةِ والعلميّةِ القائمةِ على العقلِ والعقلانيّةِ. فشيَّدَ حبشٌ مشروعَهُ الفكريَّ على منظومةٍ من المفاهيمِ الأخلاقيّةِ القائمةِ على التسامحِ والسلامِ والحبِّ والعقلِ والعقلانيّةِ والإيمانِ بالرسالةِ الإنسانيّةِ للإسلامِ أوّلًا، وللحضارةِ الإنسانيّةِ ثانيًا.
ويمكنُ تحديدُ أهمِّ ملامحِ الرسالةِ الإنسانيّةِ للدكتورِ محمّدِ حبشٍ في النقاطِ الآتية:
أوّلًا: مركزيّةُ الإنسانِ:
بينما اكتفى كثيرٌ من المفكّرينَ المتنوّرينَ — أمثالُ محمدِ عبده والكواكبي والأفغاني — بالدعوةِ إلى «فتحِ بابِ الاجتهادِ» واستكشافِ أبعادِ العقلانيّةِ، ذهبَ حبشٌ إلى أبعدَ من ذلك؛ إذْ قدّمَ لنا رؤيةً يأخذُ فيها الإنسانُ صورةَ الغايةِ في الفكرِ الإسلاميِّ المتجدّدِ. فالإنسانُ في المنظومةِ الفكريّةِ لحبشٍ هو غايةُ الشريعةِ ومبتدؤها، لا مجرّدُ موضوعٍ جامدٍ لنواهيها وأحكامِها.
وبناءً على هذهِ الروحِ الفقهيّةِ الجديدةِ، فإنّه يعيدُ ترتيبَ مصادرِ التشريعِ على أولويّةِ قيمِ الرّحمةِ والعدالةِ. ومن المهمّ هنا أنّ حبشًا تجاوزَ ثنائيةَ الباطنِ والظاهرِ في النّصِّ؛ إذْ غالبًا ما اعتُبِرَ باطنُ النّصِّ لأهلِ العلمِ والاختصاصِ، بينما يكونُ ظاهرُهُ لعامةِ الناسِ. أمّا حبشٌ فقد كَسَرَ هذهِ القاعدةَ، ووضعَ العامّةَ في صورةِ المعنى الحقيقيِّ للنّصِّ الدينيِّ؛ لأنَّ الفهمَ الظاهريَّ للنّصِّ يدفعُ إلى تكريسِ واقعِ التخلفِ ويضعُ العامةَ في موقعِ الدونيّةِ، مع أنهم يشكلونَ القوّةَ الحقيقيّةَ للفكرِ والثقافةِ والحياةِ.
وهذا يعني أنَّ حبشًا توجّهَ إلى العامّةِ لا إلى خاصّتِهم، فعملَ على الارتقاءِ بوعيِ الناسِ من المعرفةِ السّطحيّةِ إلى المعرفةِ العميقةِ التي تتيحُ لهم ممارسةَ الحياةِ وفقَ جوهرِ الدّينِ الإنسانيِّ لا مظهرِه الشعبويِّ.
فالدّينُ كما يتجلّى في أعمالِ حبشٍ فعلُ تحريرٍ؛ قوّةٌ تُحرّرُ الإنسانَ ولا تستعبدُه. وعلى هذا الأساسِ يؤكدُ حبشٌ مفهومَ النبيِّ الدّاعيةِ، النبيِّ الإنسانيِّ لا الحاكمِ الجبّارِ. ومن هنا يركّزُ على مفهومِ السلامِ والتسامحِ ويُثبّتُ الرحمةَ بوصفِها جوهرَ الرسالةِ، في مقابلِ القراءاتِ التي جعلت السِّيرةَ دليلًا على القوّةِ والغلبةِ.
ثانيًا – الإخاء الدينيّ:
«لا تَزدَرِ دينًا لا تؤمنُ به.» بوذا .
يرى حبشُ في مفهومهِ «إخاءِ الأديان» أنَّ جميعَ الأديانِ تشتركُ في جوهرٍ أخلاقيٍّ قوامُه أنَّ النورَ واحدٌ، والعدلَ واحدٌ، والقيمةَ الإنسانيّةَ العليا واحدةٌ في جميعِ الأديان. وهذهِ الرؤيةُ تتجاوزُ منطقَ التَّفاضلِ الدينيِّ إلى منطقِ التَّعارفِ والحوارِ والتَّقديرِ المتبادلِ؛ فالأديانُ نوافذُ إلى الله، واللهُ غفورٌ رحيمٌ.
وقد عُرِفَ حبشٌ في هذا السياقِ بجهودِهِ الدوليّةِ المؤثّرةِ في مجالِ تحقيقِ الإخاءِ الإنسانيِّ بينَ الأديانِ والمللِ والنِّحلِ. فالعقيدةُ الدينيّةُ الخلّاقةُ كما يراها حبشٌ هي الّتي تجعلُ الإنسانَ أفضلَ وأقربَ إلى صورةِ الله في الأرضِ؛ عقيدةٌ تزيدُهُ رحمةً، وعقلانيّةً، ووعيًا، ومحبةً، وإنسانيّةً، لا جمودًا وتحيّزًا وعنصريّةً.
فالدِّينُ كما يراهُ وسيلةٌ لا غاية؛ إذ الغايةُ هي الخيرُ والتقوى والصلاحُ. والدّينُ سبيلٌ إلى تحريرِ الإنسانِ من الخوفِ والتعصّبِ والكراهيةِ. وما قيمةُ التَّعبّدِ إذا لم يصنعْ إنسانًا رحيمًا كريمًا، تتجذّرُ الإنسانيّةُ في قلبهِ وعقلِهِ؟ فالدّينُ رسالةٌ في الأخلاقِ والقيمةِ الإنسانيّةِ، وهذا الجوهرُ موجودٌ في جميعِ الأديانِ، لا في مظاهرِها السياسيّةِ والأيديولوجيّة.
ويوافقُ حبشٌ أستاذَهُ ابنَ عربيّ في قوله : “عَقَدَ الخلائِقُ في الإلهِ عَقائِدًا وأنا اعتقدتُ جميعَ ما عَقَدُوا وقد تجلّى هذا المعنى في أرقِّ أشعارِ التسامحِ وأجملِها:
لقد صارَ قلبي قابِلًا كلَّ صورةٍ —- فمَرعًى لغِزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ—— وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحُبِّ أنّى توجّهتْ—– ركائبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني
ويُفرّق حبشٌ بين رجلِ الدِّين والفقيه؛ فرجلُ الدِّين ينقلُ التراثَ ويعيدُ روايتَهُ، بينما الفقيهُ يُجَدِّدُ الشريعةَ ويستنبطُ أحكامًا جديدةً تُناسِبُ العصرَ. فالفقيهُ عند حبشٍ يجبُ أن يتزوّدَ بعلومِ الشريعةِ إلى جانبِ القانونِ والعلومِ الحديثةِ، ليملكَ أدواتِ الاجتهادِ والتجديدِ.
ويرى حبشٌ أنّ القرآنَ هو المدخلُ الأكبرُ للتجديدِ الدينيّ، مستشهدًا بتطوّرِ التشريعِ عبر الناسخ والمنسوخ، وأنَّ النصّ يمكنُ تعديلهُ أو تعطيلهُ لمصلحةِ الأمةِ، كما حدثَ في أحكامِ: ملكِ اليمين، والجزية، وقتالِ المشركين، الّتي بَطُلَ العملُ بها تاريخيًا.
ثالثًا – الحريّة في مشروعِ حبش:
تحتلُّ الحُريّةُ في مشروعِ حبشٍ مَركزَ الصّدارة؛ إذ يرى أنَّ الحريّةَ مبدأٌ أصيلٌ في الإسلامِ، يقومُ على القاعدةِ العُمَرِيّةِ الشهيرة:
«متى استعبدتمُ الناسَ وقد ولدتْهُم أمّهاتُهُم أحرارًا؟»
وعلى هذا الأساسِ تمتدُّ الحريّةُ لتأخذَ طابعًا إنسانيًّا شاملًا؛ فلا تقفُ عند حريّةِ الاعتقادِ شكلًا، بل تشملُ حريّةَ الضميرِ وحقَّ الإنسانِ في الاختلافِ دونَ تجريمٍ دينيٍّ أو اجتماعيٍّ. وهذا موقفٌ جريءٌ في بيئةٍ ثقافيّةٍ تقليديّةٍ محافظةٍ.
فالحريةُ عند حبشٍ جوهرٌ ومنطلقٌ وغاية؛ ولذلك ينادي بحريّةِ المرأةِ، والطفلِ، والإنسانِ عامةً. فالحريةُ ليست شعارًا، بل بنيةٌ تأسيسيّةٌ في الخطابِ القرآنيّ.
ويرى حبشٌ أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ مختارٌ بطبيعته، وأنّ إرادتَهُ الحرّةَ ليست حقًّا سياسيًا فحسب، بل جزءًا من تكريمِ الله له. فآياتٌ مثل: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» و« فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» تُسقِطُ أيَّ شرعيّةٍ للإكراهِ والوصايةِ على القلوبِ. ويرفضُ حبشٌ القراءاتِ الفقهيّةَ التي تُسوِّغُ الجبريةَ أو تُبرِّرُ الخضوعَ للسلطةِ الدينيّةِ أو السياسيّةِ؛ لأنّها تُعطّلُ أخلاقَ الإنسانِ وحريّتَهُ.
ويمتدّ مفهومُ الحريّةِ عند حبشٍ إلى قراءةِ النصِّ نفسِهِ؛ فالعلاقةُ مع النصّ ليست انقيادًا حرفيًا، بل فهمًا مقاصديًا يَحتكمُ إلى قيمِ الشريعةِ الكليّةِ: العدل، الرّحمة، الكرامة. ومن ثَمَّ، فالمجتمعُ العادلُ في تصوّرِه ليس المجتمعَ الذي يتّحدُ في العقيدة، بل المجتمعُ الذي يحمي حقَّ الاختلاف ويجعلُ حريّةَ الضميرِ قيمةً عليا.
رابعًا: التَّسامُحُ الإنسانيّ
ينطلقُ حبشٌ من التأكيدِ على مفهومِ التَّسامُحِ في مشروعِهِ الإنسانيّ، مستندًا إلى جوهرِ القولِ السماويِّ: «وما أرسلناكَ إلّا رحمةً للعالمين». وعلى هذا الأساسِ تتجلّى الرحمةُ جوهرًا في الدِّينِ وقيمةً كُبرى في الحياةِ. وبناءً على ذلك يمتدُّ المشروعُ الحبشيُّ ليغطّي مختلفَ مجالاتِ الحياةِ الإنسانيّةِ؛ إذ إنَّ مفهومَ التَّسامحِ عند حبشٍ ليس مجرّدَ تنظيرٍ فكريٍّ، بل بناءٌ فقهيٌّ كاملٌ يقومُ على تقديمِ المصلحةِ الأخلاقيّةِ، وأولويّاتِ الواقعِ، واعتبارِ الإنسانِ قبل الحكمِ، وتقديمِ المقاصدِ على الحَرْفِ — نموذجُ فقهٍ يُداوي ولا يُدين.
ولا يكتفي محمدُ حبشٍ بالتنظيرِ لمفهومِ التسامحِ، بل يُوَسِّعُه ليشملَ ثلاثةَ أبعادٍ رئيسيّةٍ:
التسامحُ الدِّينيّ: الاعترافُ بالآخرِ المختلفِ في عقيدتِهِ واحترامُ حقِّهِ في الإيمانِ أو عدمِ الإيمانِ، ورفضُ اختزالِ غيرِ المسلمِ في ثنائيّةِ «النَّجاةِ والهلاكِ»، لأنّ ذلك شأنٌ إلهيٌّ لا بشريّ.
التسامحُ الاجتماعيّ: الدعوةُ إلى ثقافةِ التقديرِ المتبادلِ بينَ المذاهبِ والطوائفِ والمكوّناتِ الثقافيّةِ داخلَ المجتمعِ، لأنَّ التعدّدَ سُنّةٌ كونيّةٌ لا تهديدًا للوحدةِ.
التسامحُ السياسيّ: تأييدُ الدولةِ المدنيّةِ القائمةِ على المواطنةِ المتساويةِ، ورفضُ الدولةِ الثيوقراطيّةِ التي تحتكرُ الحقيقةَ باسمِ الدّينِ.
إنَّ القيمةَ الكبرى للتسامحِ الإنسانيِّ في فكرِ محمدِ حبشٍ تكمنُ في إعادةِ تشكيلِ صورةِ الإسلامِ كدينِ رحمةٍ وأخلاقٍ، وفي تحريرِ المسلمِ من قلقِ الهُويّةِ والصِّراعِ، وتمكينِهِ من الاندماجِ في العصرِ من موقعِ الفاعليّةِ لا الهامشِ. فالتسامحُ هنا لا يعني التنازلَ عن العقيدةِ، بل تعميقًا لها؛ لأنَّ جوهرَ التديّنِ — كما يرى حبش — ليس الخصومةَ ولا الوصايةَ، بل التعارفُ والتعاونُ وصناعةُ الخيرِ المشترك.
وبذلكَ يقدّمُ محمدُ حبشٍ نموذجًا لفكرٍ دينيٍّ معاصرٍ يوازِنُ بين الأصالةِ والقيمِ الإنسانيّةِ العالميّةِ، ويستعيدُ الدّينَ قوّةً للتحريرِ لا للهيمنةِ، وجسرًا للحوارِ لا للخوفِ. وفي عالمٍ يفتّشُ عن المعنى وسطَ الصراعاتِ، تبدو رسالتُهُ في التسامحِ حاجةً حضاريّةً وأخلاقيّةً ملحّةً تتجاوزُ حدودَ الدّينِ والجغرافيا معًا، لتخاطبَ الإنسانَ في جوهرِهِ: كائنًا حرًّا، مُكرّمًا، ومسؤولًا عن صُنعِ سلامِه الداخليِّ وسلامِ عالمِه.
خامسًا: الدِّينُ والأيديولوجيا:
يرى حبشٌ أنَّ الدِّينَ يُصبحُ أداةً سياسيّةً خطِرةً عندما يتحوّلُ إلى أيديولوجيا يردّدُها «دراويشُ الدِّين» أصحابُ الزوايا المظلمةِ المُحمَّلةِ بالأوهامِ والأساطيرِ التي تُدمِّرُ العقلَ. فـ«الإلهُ السياسيُّ» المضمرُ في الأيديولوجيا الدينيّة قد يكونُ أشدَّ خطرًا على الحضارةِ من أيِّ سلاحٍ فتاكٍ.
فالدّينُ عندما يُوظَّف لأغراضٍ دنيويّةٍ يُحوِّل البشرَ إلى أدواتٍ تتصارعُ وتُدمِّرُ بعضَها بعضًا. وهذا الدينُ الأيديولوجيُّ يُنتِجُ الفتنةَ، والتعصّبَ، والطائفيّةَ، والعنصريّةَ، ويظلمُ المرأةَ، ويهدمُ الحرّيّاتِ، ويُهاجمُ كلَّ ما هو جميلٌ ونبيلٌ في الثقافةِ الدينيّةِ السمحاءِ.
وقد رأى حبشٌ أنَّ السلطاتِ الاستبداديّة لا تستطيعُ الاستمرارَ إلّا عبر أصنامٍ ثقافيّةٍ تُلصَقُ بالدِّينِ فتجرّدهُ من جوهرهِ الإنسانيّ. ولهذا لا يسعى حبشٌ إلى الانتصارِ في معاركِ الأفكارِ، بل إلى: تهدئةِ السِّجالِ المذهبيّ وكسرِ منطقِ التكفيرِ وبناءِ وعيٍ دينيٍّ تواصليٍّ لا صداميّ وفي هذا يلتقي مشروعُهُ مع الأنسنةِ الدينيّة عالميًّا.
ويرى حبشٌ أنَّ الخطابَ الدينيَّ التقليديَّ بقي أسيرَ ثنائيّاتٍ تاريخيّةٍ مثل: مؤمن/كافر، فرقة ناجية/فرق هالكة، دار إسلام/دار حرب. أمّا العالمُ اليوم — كما يقول — فيحتاجُ إلى خطابٍ رحمانيّ يسمو على هذه التصنيفاتِ، لأنَّ الرحمةَ في قوله تعالى: “وما أرسلناك إلّا رحمةً للعالمين” تشملُ العالمين جميعًا لا المسلمينَ وحدهم. وبما أنَّ كثيرًا من مشاريعِ التنويرِ بقيت نخبويّةً؛ فإنَّ حبشًا: أسّس مؤسّساتٍ تعليميةً، وخاضَ خطابًا دعويًّا واسعًا، وصاغ لغةً إصلاحيّةً صالحةً للناسِ اليومِ. أي أنَّ مشروعَهُ حيٌّ وفاعلٌ، لا مكتوبٌ فقط. وباختصارٍ: يمثّل المشروعُ التنويريُّ لمحمدِ حبشٍ مسارًا فكريًّا يقومُ على: عقلنةِ الخطابِ الدينيّ وترسيخِ التسامحِ والتعدديّةِ وتفعيلِ دورِ الإسلامِ في البناءِ الحضاريّ . ورغم الانتقاداتِ التي تُوجَّه إليه من تياراتٍ سلفيّةٍ تتهمه «بتسييلِ النصوصِ» أو «تغليبِ العقلِ على النقلِ»؛ فإنّ حبشًا يجيبُ بأنَّ التراثَ لا يُحترَمُ إذا جَمَّدَ العقولَ، وأنَّ الإيمانَ بلا إنسانيّةٍ يتحوّلُ إلى أداةِ قمعٍ.
سادسًا – العقلانيّة النَّقديّة في فكرِ حبش
يقول كانط: “العقلُ إنَّ دِينًا يُعلنُ الحربَ على العقلِ سوفَ يُصبحُ مع مرورِ الزمنِ غيرَ قادرٍ على الصمودِ أمامَه” (الدِّين في حدود العقل) .
اجترحَ حبشٌ مناهجَ عقلانيّةً مُبتكرةً في التَّحليلِ والتَّأويلِ لإخراجِ الفكرِ الدينيِّ الإسلاميِّ من جحورِ التَّعصّبِ والتَّزَمّتِ، وقد عملَ على تكسيرِ الجمودِ الخُرافيِّ الأسطوريِّ في العقلِ الإسلاميِّ المعاصرِ. وقد أخذَ على عاتقِهِ إخراجَ العقليّةِ الإسلاميّةِ المعاصرةِ من دهاليزِ الظلامِ إلى مفازاتِ النّورِ والتنويرِ؛ لينهضَ بالفكرِ الإسلاميِّ ويُحرِّجَه من زنزاناتِه التاريخيّةِ ليجلوه ويعيدَ له مكانتَهُ السَّماويّةَ الخلّاقةَ: دينًا للإنسانِ والإنسانيّةِ، دينًا للمحبّةِ والإخاءِ والتَّسامح. وعلى هذه المنهجيّةِ أعملَ العقلَ في النَّصِّ الدينيِّ، وانتهجَ التَّأويلَ في مضامينِهِ الفكريّةِ ليكشفَ الأبعادَ الإنسانيّةَ والرُّوحيّةَ في هذا الدِّينِ الحنيفِ.
والعقلانيّةُ الّتي انتهجَها حبشٌ لم تكن عقلانيّةً أداتيّةً كما هو شأنُ العقلانيّةِ السائدةِ اليومَ في المجتمعاتِ الرأسماليّةِ، بل هي عقلانيّةٌ إنسانيّةٌ ترتبطُ بالمقاصدِ الأخلاقيّةِ والتَّسامحيّةِ. وهذا يعني أنَّ العقلانيّةَ الّتي أرسى حبشٌ دعائمَها تقومُ على كرامةِ الإنسانِ، وقيمِ التَّسامحِ والمحبّةِ والإخاءِ الإنسانيِّ. وكلُّ عقلانيّةٍ تخرجُ عن هذا المسارِ هي عقلانيّةٌ فجَّةٌ مريضةٌ لا تستحقُّ الحضورَ في الدِّينِ أو في التاريخِ؛ فالعقلُ وُجِدَ لخدمةِ الإنسانِ لا للهيمنةِ عليهِ وتحويلِهِ إلى مادّةٍ أوليّةٍ للفتكِ والتَّدميرِ.
ويرى الدكتورُ حبشٌ أنَّ أيَّ نَصٍّ مُقَدَّسٍ لا يُفكَّكُ عقلانيًّا ونقديًّا سيَظلُّ مُنتِجًا للأصنامِ والهوسِ الدينيِّ والخرافاتِ والأوهام. وإذا كان اللهُ موجودًا – وهو الحق – فإنَّه ليس بحاجةٍ إلى مَن يدّعي الدِّفاعَ عنه أو التحدّثَ باسمهِ جلَّ جلالُه.
ولم يَخَفْ محمدُ حبشٍ يومًا من النَّقدِ والمواجهةِ الفكريّةِ؛ فقد كان يحملُ سيفَهُ ويُقارِعُ أئمّةَ الجهلِ والتَّخلّفِ. وخيرُ تعبيرٍ عن هذه المواجهةِ ما جاءَ في حوارٍ بينهُ وبينَ الشيخِ الجليل راتب النابلسي، الذي بدا متضايقًا من الحسِّ النقديِّ عند حبش. وقد جاء هذا الحوارُ على لسانِ الدكتورِ محمدِ حبشٍ، حيث يقول:
“قال لي ذاتَ مرّةٍ الصديقُ الشيخُ راتب النابلسي: يا شيخَ محمد، أنا أُعطيكَ ألفَ عنوانٍ تتحدّثُ فيه ولا تُثيرُ غضبَ الناس.
قلتُ له: هذا صحيحٌ أيُّها الأستاذُ الجليل، وكثيرٌ من الشيوخِ يقومون بذلك ويرتاحون من سخطِ الناس… ولكن رسالتي في مكانٍ آخر… هناك جيلٌ يتلقّى ثقافةَ الكراهيةِ باسمِ الدِّينِ، ولديهم أسانيدُ موصولةٌ وعمائمُ مجدولة… ومسؤوليّتي أمامَ اللهِ أن أدافعَ عن طُهرِ دينهِ، وأنشرَ المحبّةَ بين عبادِهِ، وأقاومَ كلَّ إكراهٍ في الدِّين…ولا بأسَ بكلامِ الناس… ومستقبلي ورائي… والموعدُ الله.”
وهنا تتجلّى واحدةٌ من مآثرِ حبشِ الكبرى: شجاعتُهُ في مقارعةِ شيوخِ الجهلِ من أجلِ الحقِّ والحقيقةِ فقط.
وفي السِّياقِ نفسِهِ يقول حبشٌ موضّحًا سببَ اختيارهِ للموقفِ النقديِّ:
«يتساءلون: ما الّذي يدفعُ رجلًا تخصّصَ في الشريعةِ، وخَبِرَ مجالسَ الودِّ والصفاءِ مع المشايخِ والمريدين، إلى أن يقفَ في الجانبِ النقديِّ الحادِّ فيستَمطرَ غضبَ المشايخِ كلَّ يومٍ، ويخسرَ رصيدًا من محبّيه؟
وجوابي: واللهِ لو أنَّ المشايخَ قادونا إلى مجتمعٍ يعيشُ المحبّةَ في وسطهِ، ويتبادلُ الاحترامَ مع محيطهِ، ويمنحُ الجيلَ الجديدَ اليقين… لكان الواجبُ أن نحافظَ على الصمتِ والهدوءِ ولا نُشَشْ الناسَ عن نجاحهم ووئامهم…” .
ويتابعُ الدكتورُ حبشٍ قولَه:
«ولكن تعالوا فانظروا أين وصلنا بتوجيهِنا السَّقيمِ: يمكنني القولُ إنَّ هذه ثقافةُ 80% من مشايخِنا اليوم. ثم يتابع ” داخليًّا: لقد تمَّ تشظّي المجتمعِ بشكلٍ مدمِّرٍ بينَ سنّةٍ وشيعةٍ وصوفيّةٍ وسلفيّةٍ وأصوليّةٍ وعلمانيّةٍ، وبات مشايخُنا يتعبّدون اللهَ بنارِ الكراهية ضدَّ الرَّوافضِ والعلمانيّين والموالين والمعارضين، ولم نعد نعرفُ للحبِّ دربًا بين هذه المسارب…
خارجيًّا: لقد نمت نزعةُ الكراهيةِ بشكلٍ مُفجِعٍ، وبتنا لا نرى في الحضارةِ الإنسانيّةِ إلّا مؤامرةً دنيئةً ضدَّ الإسلامِ والمسلمين، وصارت عقيدةُ المسلمِ أنَّ الأديانَ كفرٌ، وأنَّ الفلسفةَ ضلالٌ، وأنَّ النّجاةَ فقط شأنُ المسلمِ الملتزمِ وحدَه دونَ العالمين، أمّا الخلقُ كلُّهم ففي نارِ جهنّم خالدين فيها ما دامت السَّماواتُ والأرض!
أمّا الجيلُ الجديدُ فقد بات اليومَ في أسوأِ أيّامِ بعدِهِ عن التديّنِ واقترابِهِ من الإلحادِ، كلما قدّمنا له أجوبةً تُناقِضُ العقولَ وتفرضُ الرَّهقَ وتحاربُ الفنَّ والجمال.
ليست قدرتي ولا طاقتي أن أُغيّرَ العالم، ولكنّني مسؤولٌ أمامَ الله أن أُطفِئَ نارَ الكراهيةِ بنورِ الحبِّ، وأن أواجهَ خطابَ الخرافةِ والجهلِ مهما كان معتصمًا بظاهرِ النُّصوصِ. فالنُّصوصُ جاءت لخدمةِ الإنسان، ولم تطلب من الإنسانِ أن يمضي القرونَ وهو يبحثُ في عجائبِها وإعجازِها ويُعاندُ بها تقدُّمَ الحياةِ ونورَ العلم.»
وفي مقابلةٍ ثريّةٍ محمّلةٍ بالمعاني يقولُ محمدُ حبشٍ:
«إنَّ خطابَ التجديدِ الإسلاميِّ عمومًا يُعاني من قيودِ اللاهوتِ التي تمنعُ العقلَ من أداءِ دورِهِ، وتفرضُ نفسها سُلطةً على العقل، ترسمُ له حدودَ التفكيرِ، وتمنعُه من التفكيرِ خارجَ الصندوقِ.
وتكرّرُ القاعدةَ القمعيّةَ المستمرّةَ: قِفْ على ما وقفَ عليهِ الأوّلون، فإنّهم عن علمٍ وقفوا؛ وكلُّ خيرٍ في اتّباعِ مَن سلف، وكلُّ شرٍّ في ابتداعِ مَن خلف؛ وكلّ إبداعٍ ضلالة، وكلّ ضلالةٍ في النار.»
وهذا الفهمُ القاصرُ للشريعةِ كان يقفُ تاريخيًّا ضدَّ كلِّ تنويرٍ وضدّ كلِّ تجديدٍ. ولذلك رأينا رجالَ الدِّينِ يُحرِّمون كلَّ جديدٍ بحجّة أنَّه لم يأخذ به السَّلفُ. ولعلَّ من أوضحِ هذهِ المفارقاتِ موقفُهم من الدّيمقراطيّةِ الّتي اعتبرها المتشدّدون شِركًا وكفرًا. وقد شاهد الجميعُ اللافتاتِ الكبيرةَ التي رفعها المتشدّدون في بعض المحافظاتِ السوريّةِ تحت شعار: «الديمقراطيةُ كفرٌ.»
وقد واجهَ الدكتورُ حبشٍ هجومًا عنيفًا من قبل المتشددين ودراوشة الدين حين أصدرَ كتابَه «النبيُّ الديمقراطيُّ». وعلى الرغم من أنَّ غالبيةَ المنتقدين لم يقرأوا حرفًا واحدًا من الكتاب؛ إلّا أنَّهم اعتبروه بدعةً وشِركًا وإهانةً. بينما الكتابُ في الحقيقةِ يقدّم 48 موقفًا نبويًّا تخلّى فيها الرسولُ ﷺ عن رأيهِ الخاصِّ، واستجابَ لرأي الجمهورِ ومصلحةِ الناسِ.
ولم تقتصر ذهنيّةُ التحريمِ على السياسةِ فقط، بل طالت كلَّ جديدٍ تقريبًا؛ ومن أوضحِ الأمثلة: عند ظهورِ الطباعةِ في القرن الخامس عشر، حُرِّمت طباعةُ القرآن. وعند طباعةِ المصحفِ في روما سنة 1507، أفتى مشايخُ الأزهرِ والأستانةِ بتحريمِ النظرِ فيه وتمّ إتلافه. واستمرّ التحريمُ قرونًا. ولم يُطبع المصحفُ رسميًّا إلّا في مصر سنة 1924 على يد الملك فؤاد. وهذا كلّه — من تحريمِ الطباعةِ إلى تحريمِ الهاتفِ والتلفازِ والبنوكِ وتعليمِ المرأة — يُثبت أنَّ التشدّدَ لم يكن نصًّا إلهيًّا، بل ثقافة خوفٍ من الجديد.
والأمرُ نفسُه في تحريمِ التلفزيون والهاتفِ والبنوكِ والتأمينِ وسُفورِ وجهِ المرأةِ وحقِّها ومساواتِها في العملِ والكفالةِ والشهادةِ والوكالةِ، وكثيرٌ من هذه القضايا لا يزالُ – إلى اليوم – محلَّ جدلٍ في أوساطِ التياراتِ المتشدّدة. ولا تزالُ المناطقُ التي سيطرَ عليها التشدّدُ الدينيُّ في سوريا تُقدّم نماذجَ من التطرّفِ لا يمكنُ تفسيرُها، ولا تُعبّرُ إلّا عن غيابٍ تامٍّ للوعيِ بروحِ الشريعةِ القائمةِ على التَّسامُح.
إنَّ مواجهةَ التشدّدِ الدينيِّ لا تتمُّ بالتشدّدِ العلمانيِّ واستفزازِ المجتمعِ، بل تتمُّ بدعمِ التياراتِ المتنوّرةِ في الشريعة؛ أولئك الذين يؤمنون بالدينِ رسالةَ محبّةٍ ورحمةٍ لا مشروعَ قسرٍ أو سلطةٍ.
هذا هو محمد حبش؛ المُفكّرُ الذي فكّكَ التاريخَ الإسلاميَّ بالنقدِ، واستخرجَ أجملَ ما فيهِ من جواهرِ الروحِ ونفائسِ الرؤيةِ الإنسانيَّةِ. نعم، هو محمدُ حبشٍ الذي رسَّخَ عقلانيّةَ التفكيرِ وجعلَ من النَّقدِ العقلانيِّ الموضوعيِّ سبيلًا لتحريرِ الدِّينِ من أوهامِ العطالةِ والجمود، منهجًا نحو تحريرِ الإنسانيّةِ من عبوديّةِ القهرِ الأيديولوجيِّ الذي أحكم قبضتهُ على العقولِ والأفئدةِ.
خاتمة
يقولُ محمّدٌ الغزاليّ:
«هجرَ المسلمون القرآنَ إلى الأحاديثِ، ثمّ هجروا الأحاديثَ إلى أقوالِ الأئمّةِ، ثمّ هجروا أقوالَ الأئمّةِ إلى أقوالِ المُقلّدين، ثمّ هجروا أقوالَ المُقلّدين وتزمّتَهُم إلى الجُهّالِ وتخبّطِهِم.»
لم يقفْ حبشٌ يومًا عند حدودِ الإبداعِ النظريِّ، ولم يقبلْ بأن يبقى فكرُه في الأبراجِ العاجيّةِ؛ بل جعلهُ سلاحًا يخوضُ به معارك الفكرِ والدعوة، في الميدانِ الفقهيِّ وفي الساحةِ الشعبيّةِ. ويتّسمُ فكرُه بالشمولِ والتداخلِ والتعدّد؛ إذ يتغذّى من ينابيعِ العقلانيّةِ والتصوّفِ والتنويرِ والفلسفةِ، جامعًا بين نداءِ الروحِ ومنطقِ العقلِ معًا.
فمحمدُ حبش إمامٌ وخطيبٌ، ومفكّرٌ تبوّأ مكانتَهُ العظيمة في مقامات الفكر الإنساني ، وأستاذٌ جامعيّ يحملُ رسالتَهُ عبر العالم، ومؤسّسٌ لهيئاتٍ فكريّةٍ تُعنى بالتجديدِ، وكاتبٌ باحث لا يُشقّ له غبارٌ في استكشاف قضايا المجتمع وتحليلها ، وسياسيٌّ مارسَ العملَ البرلمانيَّ بشجاعةٍ ورفضَ الاستبداد. وهو الذي واجهَ جيوشَ الفتاوى السلطانيّة، ودراويش الخرافة، وخطاباتِ التكفيرِ والتخويف، وظلَّ ثابتًا في قولِ الحقِّ، لا يخشى لومةَ لائم. رفضَ التكفيرَ ودعا إلى التَّسامح. دافعَ عن حقوقِ المرأة، ورفضَ فتاوى السّبيّ والإذلال. وأكّد أنَّ تحريرَ المرأة جزءٌ لا يتجزأ من عملية تحريرِ الإنسان كلّه. ثم نادى بالتجديد، وجعلَ من العقلانيّة منهجًا، ومن النقدِ سبيلًا، ومن السلامِ شعارًا. رفعَ من شأنِ الفنِّ والجمال، ورأى فيهما قوةً روحيّةً للتحرّر. وممّا لا شكَّ فيه أنّ محمدَ حبشٍ كرَّس حياتَهُ في مواجهةِ التديّنِ المتوحّش الذي يُدمّر الحياةَ الاجتماعيّة، ويمنعُ الأممَ من النموِّ والتقدّم. وهو في مشروعِهِ الإنسانيِّ يؤكّد أنّ: الإنسانيّة غايةُ الدِّين ، وأنَّ العدلَ صِمامُ الأمان، وأنَّ التسامحَ لمسةٌ إلهيّةٌ في قلب الإنسان. وقد كرس في مشروعِهِ في مآلات الكشف عن صورةَ الله الجميلة التي غيّبتها ثقافاتُ الخوفِ والقهرِ. وهو إذ ذاك لم يقف عند التوصيف، بل بحثَ في جذورِ التخلّف، وبيّن آليّاتِ تحويلِ الدِّينِ إلى أيديولوجيا سلطانيّة تُبرّر العنفَ والسَّبيَ والقتل.
وأودُّ أن أختم هذه الومضة بأبياتِ شعرية للشاعر حليم دَمُّوس تعبر عن جوهر الفكر الإنساني النبيل للدكتور محمد حبش :
وأقسمُ لو يَدري الوَرَى كُنْهَ دِينِهِمُ —- لَما فَرَّقوا ما بينَ عيسى وأحمدِ
وما أطلقوا يومًا قنابلَ مدفعٍ —- ولا صقَلوا للحربِ حدَّ مُهنَّدِ
فأنتَ أخي ما دامت الأرضُ أُمَّنا——- وأنتَ أخي بالروحِ قبل التجسّدِ
لعمركَ ما الأديانُ إلا نوافذٌ —— ترى اللهَ منها مقلةُ المتعبّدِ
أرى في القرآنِ عيسى بنَ مريمٍ ——–وألمسُ في الإنجيلِ روحَ محمّدِ
وأخيرًا:
هذا هو محمد حبش:
صوتُ الرحمةِ في زمنِ الغضب،
صوتُ السلامِ في زمنِ الحرب،
صوتُ الإنسان في عالمٍ ينسى إنسانيته.
صوت المرأة في عالم يضج بالقهر
صوت الشعوب المقهورة في عالم التوحش الرأسمالي
والسلام عليكم ورحمة الله

1 تعليق
أشكر لك يالنبيل هذه الحروف المتوهجة التي تكتب فيها بقلم روحك، وتوقظ فينا أعمق معاني الإنسانية الغائرة
الإنسانيون ليسوا أقلية تائهة، وليسوا حفنة دراويش على اطراف الكوكب، لا يفهمون المؤامرة الكونية!
الإنسانيون يكتبون كل يوم، ويؤمنون بالإنسان والحياة، ويدركون أن العالم مصالح متعارضة، ولكنها ليست بالضرورة مؤامرات وحروباً ودماء وضحايا….
الإنسانيون يعلمون أن الثقة بالإنسان هي التي تنبي الحياة وتخرجنا من مجتمع العضلات إلى مجتمع العقل.
أنا سعيد بمحبتك وسعيد اننا شؤركاء في هذه الرسالة النبيلة سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون