الموروث الثقافيّ وأثره الفنيّ في البناء الرّوائيّ

الموروث الثقافيّ

الملخص:

حاولنا في هذا المقال التعريف بالرواية مبرزين أهمّ أنواعها ومراحل تطورها وقابلية هذا الجنس على الانفتاح على كل الألوان والخطابات الأدبيّة والإبداعيّة ومن بينها الموروث الثقافي وأثره الفنيّ في بناء الرواية خاصّة في رواية “ريحة بوتفاحة” لروائيّة حليمة لخميري الباجي .  وقد لمسنا قدرتها على توظيف هذا الموروث حيث استثمرت هذا المعين التراثيّ الذي شكلّ منجزها الإبداعيّ وشيّد بناءها الفنيّ الذي فتح أعيننا على عادات وتقاليد جزء من الشّعب التونسي.

أمام الثورة الرقمية المتسارعة الساعية إلى تغيير نمط الحياة بمختلف مناحيها سعت الكاتبة إلى العودة إلى الموروث الثقافي لبناء روايتها. وقد وفّقت إلى حد كبير في ضبط أهمّ عناصره موظّفة الأسلوب الروائيّ الفنّيّ، ومن خلال ذلك استطاعت أن ترسّخ الموروث في تربته الأصليّة مع الانفتاح على مظاهر الحداثة، حداثة نهلت من الماضي دون أن تلغيه ومنفتحة على مظاهر الجدّة في تناغم تامّ جعل من النصّ الروائي فضاءً تلتقي فيه كل الخطابات الإبداعيّة والحضاريّة.

الكلمات المفاتيح: تعريف الرواية- الموروث الثقافيّ- الحضارة- البناء الفنيّ- السرد المجمل- السرد الاسترجاعيّ.

Abstract:

This research is concerned with defining the novel and identifying its most important types and stages of development and the ability of this literary genre to open to all colors and literary and creative discourses, including the cultural heritage and its artistic impact on the construction of the novel, especially in the novel of Rayha Boutafha by the novelist Halima Lakhmiri Al-Baji. The novelist has a tremendous ability to employ this heritage, as she invested this heritage resource that formed her creative achievement and built her artistic structure, which opened our eyes to the customs and traditions of a part of the Tunisian people. The writer sought to return to the cultural heritage to build her novel in the face of the accelerating digital revolution in changing the lifestyle in its various aspects. She has succeeded to a large extent in controlling the most important elements of heritage, employing the artistic novelist style, and through that she was able to consolidate the heritage in its mother environment with openness to the manifestations of modernity. This modernity was issued from the past without canceling it and at the same time open to the manifestations of renewal in perfect harmony that made the novelist text like a space in which all creative and civilized discourses meet.

Key words: the novel, Cultural legacy, Civilization, Technical build, Overall narrative, retrospective narration.


1- مقدمة:

عرفت الرّواية العربيّة تطّورا ملحوظا ومرت بأطوار عدّة، وتنوعت مجالاتها من ذلك الرّواية الرومانسيّة والبوليسيّة والاجتماعيّة والواقعيّة والتاريخيّة لتتّطور إلى الرّواية التجريبيّة. ولم تتوقف دينامية الرّواية عند هذه الحدود، بل نزعت منزع التجدّد والتّنوع. فظهر ما يعرف بالرّواية السيرذاتيّة والرّواية السير – غيريّة التي نمت في العصر الرّاهن.  ويُفسّر هذا النّماء والتنوّع بقابلية هذا الجنس على التأقلم مع الواقع وتكيّفه مع الأعصر المتعاقبة. ورغم وفرة المباحث النقديّة وجديتها المهتمة بهذا النمط الأدبيّ، فإنّه يظلّ في حاجة إلى مزيد من الاهتمام مقارنة بالكمّ الضخم من الإصدارات الإبداعيّة في ذات المجال. ضمن هذا السّياق تتنزّل مقاربتنا الموسومة بــــ “الموروث الثقافيّ وأثره الفنيّ في البناء الرّوائيّ: رواية ريحة بوتفاحة أنموذجا.

وهي مقاربة تتنزّل في إطار الحرص على معالجة النّصوص الرّوائيّة التونسيّة ذات الصلة بالموروث الثقافيّ. وقد وقع اختيارنا على رواية ريحة بوتفاحة[1] للرّوائيّة حليمة الخميري الباجي[2] دون غيرها، من بين عدد هائل من الرّوايات التونسيّة، نظرا لخصوصيّتها وطرافتها. وهذه الطرافة مستوحاة من المعين التراثيّ الذي شكل منجزها الرّوائيّ، وشيدَ بناءها الفنيّ الذي فتح أعيننا على العادات الثقافيّة لجزء من القطر التونسيّ وتحديدا الشمال الغربيّ.

لقد حفّزتنا معطيات عديدة على الاهتمام بهذا الجانب رغم ما قيل فيه وما كُتب في شأنه. أوّلها الثورة الرقميّة المتسارعة التي ما فتئت تتطّور بشكل لافت ساعية إلى تغيير نمط الحياة، والقضاء على كلّ خصوصيّة ثقافيّة وتاريخيّة. وثانيها ندرة المباحث التي اهتمت بالموروث الثقافيّ التونسيّ خاصّة، لذلك آثرنا الاهتمام بهذا اللّون الأدبيّ لنرصد مظاهر حضوره في الرّواية وأثره في بنائها الفنيّ والدلاليّ. بالإضافة إلى رغبتنا في إماطة اللّثام عن رواية لم تسلّط الأضواء عليها، ولم تنل حظها من الدرس، رغم صدورها منذ فترة طويلة نسبيّا. 

وتقتضي هذه المقاربة أوّلا التعريف بالموروث الثقافيّ ورصد أشكال توزّعه في البناء الرّوائيّ. وثانيا كيفيّة استقامته مكونا من مكونات الرّواية الفنيّة من حيث الأحداث والأطر الزمانيّة والمكانيّة وعلى مستوى الشخصيّات.

اتّخذ الموروث الثقافيّ أصنافا عدّة من التعبيرات وتوزع إلى شكلين: تراث ثقافيّ ماديّ، وآخر لا مادي مثل الغناء والرقص والكتابة…. وما يهمّنا في هذا المبحث الموروث غير المادّي، فالتّعبيرات الثّقافيّة هي، إذن، لا تمثّل أدواتٍ لترسيخ تلك الموروثات الثقافيّة فحسب، وإنّما هي مظهر من مظاهر ضمان الخلود والاستمراريّة وديمومة الإرث الثقافيّ والإنسانيّ. فكيف استطاع الكُتاب تجسديها في ألوان أدبيّة مختلفة (نثر/ شعر)؟ وهل فعلا تُرجِمتْ تلك الخصوصيّة الثقافيّة إلى آثار فنيّة نقلت تلك الموروثات وأعادت صياغتها في شكل فنيّ. لقد عنّ لنا استنطاق متن رواية “ريحة بوتفاحة: لما حوته من موروث ثقافيّ غني ومتنّوع جَسدَ عادات أهل الشمال الغربيّ وتقاليدهم عامّة، وأهالي باجة بصفة خاصّة. وقد تميّز الأسلوب الفنيّ للرّواية بالبساطة والسلاسة. إذ تمكنا بفضله من النّفاذ إلى عمق الفلكلور الثقافيّ التونسيّ. ولعلّ طرافة هذا الأثر الفنيّ متأتيّة من التصاقها بالواقع اليوميّ المنقول بكلّ تفاصيله حتّى البسيطة منها. وسنحاول في هذه المقاربة تحديد مفهوم الثقافة بصفة عامّة والموروث الثقافيّ وعلاقته بالأدب بصفة خاصّة، و تحديد أنواعه، في الآن ذاته، قبل إنجاز عمل إجرائيّ تطبيقيّ يتعلق بطُرق توزّعه في ثنايا الرّوايّة وكيفيّة مساهمته في بنائها الفنيّ والدلاليّ.

2- تحديد المفاهيم:

2- 1- مفهوم الثقافة:

إنّ مقولة الثّقافة مقولة غامضة، وغموضها متأت من اللّبس الموجود بين لفظة حضارة ولفظة ثقافة (….) وقد جاءت الأنثروبولوجيا لتضع حدا فاصلا لهذا الخلط بأن حدّدت مفهوما شاملا للثقافة كظاهرة اجتماعيّة كلية تشمل القيم والمعايير والمثل والمعارف والمهارات والرؤى والتّمثّلات. علما أنّ الحضارة تختلف عن الثّقافة من حيث أنّها مجموعة الوسائل الجماعيّة التي يسعى الفرد إلى ابتداعها ليطوّر نفسه ويحقق الرّقي المنشود للإنسانيّة في شتّى المعارف والفنون. بخلاف الثقافة التي هي ذلك المخزون الجماعيّ من الثوابت الرُوحيّة والماديّة التي يكتسبها الفرد ليندمج بها في مجتمعه ويخلق علاقة تآلف وتفاعل بينه وبين محيطه، وبينه وبين الفضاء الذي يعيش فيه. وفي هذا السياق يعرفها لنتون ( R. Linton) بالقول: “بأنّها جملة الأنماط السلوكيّة المشتركة بين أفراد المجموعة المتوارثة عن طريق التعلم”[3]. ويعرفها تايلور Taylor))” بأنّها ذلك الكلّ المعقد الذي يتضمّن المعرفة والعقيدة والفنّ والأخلاق والقانون والعادات وكلّ المقومات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع”[4] هذه التعريفات تقودنا إلى محاولة التدقيق في مقولات الموروث الثقافيّ.

2-2- تعريف الموروث الثقافيّ:

إن جذر كلمة موروث ورث وكلمة تراث، حسب معجم المعانيّ، هي الإرث وجذرها الفعل الثلاثيّ (و،ر، ث،)  وقيل: من ترك تُراثا ترك. وورث إرثا انتقل من جيل إلى جيل، ويُقال ورث يرث ورثة أو إرثا أو تراثا”[5].  ويعرّف التراث في اللّغة الإنجليزية أنّه مجموعة من الموروثات التي تمّ نقلها من الجيل السابق – الآباء والأجداد- إلى الجيل الحالي، وتتفرّع هذه الموروثات إلى موروثات مادّية وأخرى معنويّة: فالموروثات الماديّة هي كلّ الأدوات والمعدّات وطرائق صناعتها، أمّا المعنويّة فهي مجموع العادات والتقاليد المعمول بها وفي غياب كليهما، خاصّة الموروث الثقافيّ، لا نستطيع الإقرار بوجود حضارة تميز الشعوب عن بعضها، فنقاط التّمايز تتجلّى في كثافة الموروثات من مجتمع إلى آخر، فهي التي تمنح الكيانات الخصوصيّة والهويّة  وتُعطيها  المناعة التي  تحفظها من الضّياع والتّلاشي في حال تعرّضها للمخاطر، فالحروب مثلا لها انعكاسات سلبيّة على الأفراد والجماعات، ففي أحيان كثيرة تعصف بكلّ ما أنتجه الإنسان من حضارة تعاقبت على بنائها أجيال. هذه المخاطر حفزت المنظمات والجمعيات إلى دعوة المهتمين بالشأن الثقافيّ إلى ضرورة حفظه وصيانته خشية أن تطاله يد العابثين في الأزمات.  وقد وجدت هذه التحذيرات أذانا صاغية من لَدُنِ المختصّين، لا بل حتّى من قبل أهل الفكر والفنّ. إذ ساهموا في تشخيص المسألة تشخيصا دقيقا وتوسّعوا في تعريف الموروث الثقافيّ ليشمل التراث الدّينيّ والتراث الطبيعيّ والتراث الثقافيّ. فالتراث الثقافيّ هو كلّ ما له صلة بالموروثات المعنويّة التي تشمل العادات والتقاليد، العلوم، الآداب والفنون التي تمّ نقلها من جيل إلى جيل، وهي تعبّر عن تفرّد فئة وتميّزها عن أخرى في طريقة تأدية المناسبات المختلفة التي تحتوي على طقوس ومراسم تسمّى التراث الشعبيّ (التراث اللّغويّ، التراث العلميّ، التراث الحضاريّ). وتتنوع التعبيرات عن هذا الموروث فيكون إمّا بالغناء والرّقص أو بالشعر والكتابة.

إنّ التداخل الذي يمكن أن يلاحظه الباحث وهو يتناول مقاربة الموروث الثقافيّ في الرّواية العربيّة هو التقارب الحاصل بين المصطلحات من قبيل الحضارة والتّاريخ والماضي والعادات والتقاليد. وهو ما يحتاج إلى ضبط وتدقيق. ولعلّ استدعاء الموروث الثقافيّ على اختلاف أشكاله قديما وحديثا غايته مقاومة النسيان “من أجل أن تبقى وتستمرّ مكوّنا من مكوّنات فسيفساء العالم، وذلك بكلّ ما يتوفّر لها من إمكانات ووسائل كالنّحت على الصّخر والكتابة والترجمة “[6]. وتعتبر اللّغة الأداة الأمثل في تجسيد هذا الموروث وتخليده، عبر رسم تلك الحوادث والوقائع والمرويّات في نصوص روائيّة فنيّة تغالب الزّمن وتقارع النسيان. ولم تشذ الكاتبة عن غيرها من الرّوائيين في نقل التراث الثقافيّ لمجتمعها بجمعه وتدوينه في نصّ روائيّ متح من التراث الشعبيّ ومن يوميات التونسيّ في طريقة عيشه وكيفية لباسه، وفي أفراحه وأتراحه وفي عاداته وتقاليده، ونقلت لنا الواقع اليوميّ بكلّ تفاصيله إلى خطاب فنيّ يُجسّد تلك المرويات والمحكيات التي تُدار في الزوايا وحفلات الأعراس وفي مجالس النّسوة وفي أزقّة المدينة… وما ميّز هذا النّص الفنيّ جمعُه بين الأصالة والحداثة، أصالة كادت تعصف بها المتغيرات الاجتماعيّة المتسارعة نتيجة التطور العلمي والتقني، فلو لا وعي المبدعين والرّوائيين وتنبههم إلى ضرورة صون الإرث الثقافيّ للشعوب، لاندثرت كلّ الموروثات وتلاشت بحكم التطور الإنساني في شتّى المجالات. من هنا تتأتى الرغبة في تخليد مآثر الأسلاف والأجداد في أعمال فنيّة يكون التراث الشعبيّ أحد أركانها وأساساتها الصلبة، التي تقارع النسيان وتنشد الديمومة والاستمرار والخلود. ولعلّ الخميري من بين هؤلاء اللذين سلكوا هذا المسلك، إذ عادت إلى التراث واستلهمت نصوصه. إلاّ أن هذا النهج لا يخلو من شوائب وعوائق، ومن أسباب ذلك ضعف التمثل المعاصر لعناصر التراث إذ تقول الباحثة سيزا قاسم: ” لكي يخرج الفنان العربيّ من المأزق الذي يعيش فيه يجب أن يتمثل التراث تمثلا حديثا، بمعنى أن يستخلص البنيات التراثيّة ويستوعبها ثمّ يُعيد صياغتها في قالب جديد”[7]. فالتراث اللامادي (هو الذي يشمل كلّ العادات والتقاليد والأدب والشعر الشعبيّ والسير والقصص والفنون مثل الرقص الشعبيّ والموسيقى الشعبيّة)، عُدَّ منهلا ومعينا غنيا وطريفا يمتح منه المبدعون متن نصوصهم الرّوائيّة وبه يؤثّثون عوالمه أحداثا وفضاءات وشخصيّات وأطرا مكانية وزمانيّة ” لا باعتباره …. ضرورة حضاريّة فحسب، إنّما باعتباره ضرورة فنيّة أيضا “[8].

فما هي خصائص الموروث الثقافيّ؟ وماهي أهمّ عناصره؟ وكيف حضر في خطاب الرّواية العربيّة؟ وكيف ساهم في بناء النصّ الرّوائيّ فنيًّا ودلاليًّا؟

هذه جملة من الأسئلة التي ستحاول هذه الدراسة الإجابة عليها.

تُعّد الرّواية العربيّة منذ ظهورها فنّا تجريبيّا في الثقافة العربيّة حيث ” تتداخل مع أنواع السّرد التّاريخيّ والشعبيّ، الدينيّ والعجائبيّ يُشبع شهوة القصّ في المجتمعات الشفاهيّة في رواية الأخبار والآثار من ناحية واختلاق الأكاذيب المتخيّلة […] من ناحية أخرى”[9]. وهو ما حافظ على ديمومة التشابك الدائم بين الخطاب الرّوائيّ بالتّاريخ وانفتاحه على الموروث الثقافيّ “حوارا وتوظيفا، وتجاوزا، [وهو أمر] قديمٌ قدم الرّوايّة العربيّة “[10]. وفي هذا الصدد يقول الناقد سعيد يقطين:” إنّ الرّوايات الأولى كانت تحمل، إلى جانب ذلك (التفاعل مع الإبداع السرديّ الغربيّ) وبعض بوادر التفاعل مع التراث الحكائيّ والسرديّ العربيّ، وخاصّة من خلال استثمار بعض التقنيات الحكائيّة العربيّة كالمقامة مثلا وحكايات الليالي والقصص الدينيّ أو بعض الأشكال الحكائيّة الشعبيّة على نحو ما نجد في حديث عيسى بن هشام للمويلحي وليالي سطيح لحافظ إبراهيم”[11].

لقد استفادت الرّواية العربيّة من التجارب المتعددّة التي عرفتها منذ نشأتها. وبدأت نقلتها النوعيّة في الستينات، عندما تفاعل الرّوائيون مع الموروث الثقافيّ من زوايا مختلفة. لعلّ أهمها الزخم الكبير والتراكم النصّي الذي رافق تطّور هذا اللون الفنيّ، بالإضافة إلى انفتاحها على الآداب والتجارب الكونيّة خصوصا على الأدب اللاتينيّ. فالرجوع إلى التّاريخ والموروث الثقافيّ ودراسته يُعدان من الروافد الهامّة في تأصيل الحضارة في محيطها الاجتماعيّ والثقافيّ. وقد سجل تاريخ الرّواية بروز أعمال روائيّة متعدّدة أصبحت علامة مضيئة في العمل الإبداعيّ وحازت إعجاب النقاد والباحثين[12]… هذه الدُرر التي بلغ صيتها العالميّة فتحت نظرنا لاهتمام بالموروث الثقافيّ في رواية “ريحة بوتفاحة” للرّوائيّة حليمة لخميريّ.

منذ الوهلة الأولى، يلحظ قارئ الرّواية وفرة الموروث الثقافيّ المبثوث في ثناياها. فمدينة باجة وحواريها هي الإطار المكاني الحاضن للأحداث. وشخصياتها هم شخصيّات واقعيّة يعيشون في مدينة باجة لهم عاداتهم وشواغلهم ككلّ مجموعة إنسانية تتقاسم العيش المشترك. فالرّوائيّة بَنَتْ منطقها السّرديّ بالحديث عن عادات سكّان هذه المدينة وتقاليدها. إذ انطلقت أحداثها من الزّوايا المتوزعة في أرجاء المدينة العبقة بحوادث التّاريخ، وأبطالها شخصيّات واقعيّة وأخرى متخيّلة. ومن الشخصيّات الواقعيّة من قضى ومنهم من ما يزال على قيد الحياة. وأغلب هذه الشخصيات من مجايلي الكاتبة التي أتقنت الإنصات إليهم. وحوّلت مروّياتهم وأقاصيصهم إلى نصّ فنيّ إبداعيّ يُجسّد عادات سكان أهل باجة وتقاليدهم.  وقد انساب السرد الحكائيّ في الرّواية وكانت بطلته الأساسية عبلة -التي تقول عنها الباحثة نجوى الرياحي في مقدمة الرّواية: “عبلة المنمّشة صائدة الرجال وبنت الزوايا السّبع ذات البشرة البيضاء والشعر الأشقر، اختفت”[13]، فاختفاؤها ينذر ببوادر محكي متشعّب ومتعدّد الرؤى والزّوايا كالزوايا السّبع المنتشرة في مدينة باجة” “زاوية المغزاوي، وزاوية بوتفاحة عمدة الزّوايا، وزاوية سيدي صالح الزّلاوي، وزاوية بوعربة يفرج الكربة” كما تقول منّوبية . وزاوية سيدي فرج، وزاوية سيدي خلف، وسيدي ” البشير” لا زاوية له في المكان، لم يبتن وكرا له كسائر أولياء الله في باجة ، بل بنى في قلوب الباجيّة عشقا، ولها، فكلّهم مريدوه…”[14]. تمكنت الكاتبة من خلال شخصية عبلة  ولوج عالم القصّ الرّوائيّ فهذه الشخصيّة هي التي أثّثت مرويّ الرّواية الحكائيّ، وهي المفجرة للأحداث التي ستكشف عوالم الشخصيّات ومن خلالها الواقع الاجتماعيّ والثقافيّ لسكان أهل باجة ومعتقداتهم البسيطة التي مازالت ترى في الزّوايا والأولياء الصّالحين منقذا ومخلصا لأحوال النّاس، فما إن تصيب أحد منهم مصيبة حتّى يهرع إلى إحداها مُتضرعا متوسلا أن يفكّ الله كربه تقول الكاتبة: “وضعت عبلة شالها على رأسها ودخلت زاوية سيدي عبد القادر، ألوان كثيرة، خضراء، حمراء، ككلّ زوايا المدينة، مفارش من الحصر الرفيعة والزّرابي. قُلّة كبيرة تروي ظمأ صبيّة في الثلاثين. مدّت يدها تقرأ الفاتحة ثمّ استعوذت (كذا!) واستغفرت ربّها وأخذت تدعو الله أن يُعيد الغائب …. والغائب لا يعود. لا يموت ولا يعود (….) الغائب لا يعود كلاتو بلاد الطليان”[15].

إنّ وصف مشهد عبلة وهي تتمسّح على أعتاب زاوية سيدي عبد القادر، يهدف إلى نقل الواقع وطريقة التّفكير، الذي سَلَمَ بالخرافة والأسطورة وآمن بهما، فاستحوذا على العقول وبات اللّجوء إليهما الملاذ الوحيد لحلّ المشاكل. فعبلة في الحقيقة هي عيّنة من عيّنات المجتمع الذي مازال يؤمن بمثل هذه الطُرق ظنّا منهم بأنّها الوسيلة المثلى لتحقيق أمانيهم وتطلّعاتهم.

ويتدرّج السّرد في تتابع خطّيّ مسترسل تؤمّنه شخصيّات ثانويّة لا تقلّ قيمة عن الشّخصيّة الرئيسيّة، ويتخلّله أسلوب الحوار الذي من وظيفته التقدّم بأحداث الرّواية وإماطة اللّثام عن الواقع بكلّ تفاصيله حتّى البسيطة منه، فشخصيّة منوبيّة المتحرّكة دوما، الباحثة عن الأحاديث الطريفة ” تضع قرقافها جانبا وتكسر قيلولة الصّمت. تخرج إلى الشارع تلتقط الأخبار. ها هي مهرية الهجّالة تمرّ قربها. خرجت لتوّها من الجامع. فهي حريصة على أداء صلواتها في الجامع الكبير”[16]. ونتج عن هذا الحدث حوار بين طرفين: طرف تمثله منوبيّة المتحرّكة اللّجوجة الباحثة عن الأخبار، وطرف مقابل تمثّله مهرية الكتومة. فهذا التضاد بين الشّخصيّتين يبيّن الاختلاف الظاهر بينهما: شخصية رصينة لا تتدخّل في شؤون غيرها، وشخصيّة كرّست حياتها لاقتفاء أثر الناس. فهذه الصّفات المجسّدة فيهما هي التي ستساهم في تقدّم بالسرد الحكائيّ. وقد وظّفت الرّوائيّة السّرد الاسترجاعيّ والسّرد المجمل: “مهرية أرملة منذ عشرين عاما وقبلها قضت مع زوجها عشرين عاما من الصّمت والحزن “[17]، لتصور من خلالهما الواقع الاجتماعيّ الذي امتزج بالموروث الثقافيّ التونسيّ بكلّ تفاصيله. وقد ساهم كلّ منهما في التقدّم بأحداث الرّواية وفتح آفاق جديدة للقصّ الموشّح بالوصف الذي سيكشف الشّخصيّات ظاهرها وباطنها بلغة سلسلة وأسلوب فنيّ طريف. فمنوبيّة المرأة التي لا يغمض لها جفن إلاّ إذا عرفت كلّ ما يقع في قريتها تعتبر “حافظة أسرار الناس وشاهدة على بعضها الذي لم تحضره، وإنّما سمعته عن جدتها وخالاتها وجيرانها الأُول”[18]. ليست بالسوء الذي نظنّه، فهي امرأة طيبة حنون فكلّما ترى مهرية عائدة من السّوق أو من الجامع تتنهد منوبية وتجهش بالدعاء: “يا لطيف، يا لطيف، اُستر  ولايانا “[19] تسترجع  الساردة  فترة زمنية مُهمّة من حياة مهرية، فرغم جمالها الباهر وحسن أخلاقها،  فإنّها عرفت صنوف العذاب والألم “مهرية أرملة منذ عشرين عاما وقبلها قضت مع زوجها عشرين عاما من الصّمت والحزن”[20] فبواسطة السّرد المجمل أصبحنا نعلم الظروف التي حفّت بمهريّة وقد تعمدت السّاردة توظيف هذه التقنيّة لتخلق أساليب فنيّة أخرى، منها أسلوب الوصف الذي بدا متواترا في بعض أجزاء الرّوايّة. ولئن مثل هذا الأسلوب تقنيّة مُهمة في وصف الأحداث والشّخصيّات والوقائع، فإنّه عطّل نمو الأحداث وفسح المجال للسّاردة كي تنفذ إلى بواطن شخصيّاتها وتصفهم بكلّ دقّة. إذ تقول:” كانت مهرية صبيّة قمحية اللّون، طويلة القامة، شعرها الخّروبيّ يلفّها إلى كتفيها كلّما تدحرج غطاء رأسها، ورديّة الخدّين، أنوفة عيون ملئت بما يشبه الدّمع الحّيّ، فيزيد جمالها المتكتّم على نفسه هدوءا وانسجاما فلا يفصح عن مزاياه، كلّما نظرت إليها وجدتها تتجدّد”[21]. بفضل هذا الأسلوب أمكن لحليمة لخميري الباجي ولوج عالم الشخصيّات واسترجاع ماضيها. فحدث زواج مهريّة انقضى وانتهى، ولكنه بقي في ذاكرة مجايليها. إذ عُدَّ مناسبة رئيسيّة اتكأت عليها السّاردة لتأثيث عالمها القصصّي المليء بالعادات المجتمع وتقاليد. يجب الإشارة في هذا السّياق إلى أن طقوس الزّواج بالبلاد التونسيّة تختلف عن بقية البلدان العربيّة، بل إنّ طقوس الزواج هناك تختلف من جهة إلى أخرى، فالشمال التونسيّ يبدو أكثر انفتاحا من الجنوب … والزواج في المدينة ليس كما في الرّيف. وفي هذا السّياق تسترجع السّاردة ليلة فرح مهرية ساردة أدّق تفاصيلها: (كانت ليلة ربيعيّة تستقبل نسائم الصّيف، عندما جلست نساء “الربط” في انتظار عروس “حمة”)[22]. لقد امتزج السّرد بالوصف، فنقلا مشهد الاحتفاليّة بأسلوب جماليّ لافت، فتخال نفسك أنّك وسط ذلك الحضور المنتظر قدوم العروس تقول السّاردة: “تكسر إحداهن صمت الانتظار فتقول: وخروا برشة، قالوا تسكن في الجبل”، فتردّ فضيلة بحذه القنطرة، قنطرة الــــــــــ5 كلم …”صرخ الصِبْيّة: العروسة جات  العروسة جات والقطوسة مشات، فهذه التعويذة هي إيذان بقدوم العروس وانطلاق مراسم الاحتفال، وهي عادة يرددّها سكّان الشّمال الغربيّ للبلاد التونسيّة وهي من الطّقوس التي تعتبر طاردة للجن وسوء الطّالع ومجلبة للخير والسّعادة ورخاء الأزواج، فللأعراس وحفلات الختان هناك أساليب متنوّعة و طرائق متعدّدة، يتمُ اتّباعها أثناء إقامة مثل هذه الحفلات، فعلى سبيل المثال، عند الختان، يجتمع الأهالي “تحت التوته مكان يتوسّط باب الجنائز، هي شجرة توت ضخمة جدّا، تظلّل على سيدي عبدالقادر شيخ المدينة وعلى زواره ومريديه. سيدي عبد القادر لا يختتن غشير في المدينة إلاّ وقد زار بوتفاحة ثمّ عبد القادر في البداية. ويزور المختتن بوتفاحة صحبة أترابه وهو مرتد لباسا تقليديّا يعبر عن هوية وأصالة اللباس التونسيّ: “جبّة قمرايه وكبّوس أحمر وكنتره صغيرة، محنّي ناقش والصغار يتحلقون أمام بوتفاحة والطبال يضرب طبله ولمّا تصل مجموعة سيدي عبد القادر بعد زيارة بوتفاحة تتغيّر الأدوار ويغيب الطّبل تحضر العيساويّة.

إنّ وصف مظاهر الفرح وما يتخلّله من عادات وتقاليد يظهر قدرة الخطاب الرّوائيّ على استيعاب فنون القول المختلفة، فحدثا الزّواج والختان أبانا لنا عن الموروث الثقافيّ اللاماديّ المتمثّل في الغناء والرقص وطرائق الاحتفالات، كما بيّن خصوصيّة الجهة، فحفل الختان في تونس له تقريبا الخصوصية نفسها في كلّ جهات البلاد. وقد حرصت الساردة على نقل بعضٍ من تلك الصّور في قالب فنيّ طريف باعتباره حدثا على قدر كبير من الأهميّة في المخيال الجمعيّ، وله قداسة كبيرة، إذ يجتمع فيه كلّ الأقارب والجيران والأحباب. وتحضر فيه العيساوية، وهي شكل من أشكال التعاويذ والأذكار الصوفية التي يردّدها الحضور جلبا للبركة والحظّ. ففي الرّواية هنا انقسم حدث الختان إلى حدثين رئيسين: الحدث الأوّل ينطلق بضرب الطّبل، ويليه الحدث الثاني الذي ينطلق ساعة انسحاب ضاربي الطّبل لفائدة مجموعة سيدي عبد القادر العيساوية بعد انتهائها من زيارة بوتفاحة. وهو الإعلان الرّسمي لانطلاق مراسم الختان وطقوسه. في هذه اللحظة يخفق “قلب الصبيّ بشدّة وتتسارع ضربات قلبه ها هي إحدى العّمات أو الخالات تحمل قلة مليئة بالحلوى وتكسرها بين ساقي المطهّر. أمّا أمّ لمطهر فتضع ساقيها في الماء البارد، يصفر وجهها وقد رأت من بعيد الطّهار يتمايل في جبته وكلّ الأنظار متجهة نحوه”[23].

تصف السّاردة حدث الختان وما يرافقه من مشاعر الخوف من قبل الصبيّ وأهله، وخاصّة أمّه التي تمكّن الخوف منها عندما شاهدت ابنها يرتعش بين يدي الطهّار. فحدث “الطهارة” يعدّ في نظر الناس أوّل درس في الرّجولة يتلّقاه الرّجل، أمّا النّساء فدروسهن عديدة حتّى نهايات العمر.

لقد أماطت رواية “ريحة بوتفاحة” اللّثام عن جانب مهمّ من التّراث التونسيّ، وأخرجته في شكل فنيّ طريف. وما كان لهذا أن يتمّ، لو لا وجود خطاب روائيّ مرن قادر على استيعاب كلّ النّصوص المغايرة. فالرّواية آكلة كلّ الأجناس على حد عبارة ميخائيل باختين Mikhaïl Bakhtine فيها تجتمع كلّ الخطابات، كالخطاب الدينيّ والتّاريخيّ والتراثيّ والثقافيّ والأقوال المأثورة والحكم والأمثال إلخ، إذ يقول:” إنّ الرّواية المتعدّدة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنيّة الرّوائيّة. توجد دائما علاقات حواريّة أي: إنّ هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقيّ”[24]. إنّ عناصر البنيّة الرّوائيّة المختلفة التي ذكرها باختين متوفرة في رواية بوتفاحة من قبيل الخطابات المختلفة التي تمّ ذكرها آنفا. وقد انتظمت بإحكام في ثنايا المتن الرّوائيّ وجسّدت الموروث الثقافيّ بكلّ تفريعاته حيث تخلّلتها أجناس أدبيّة متنوعة كالحكايّة الشعبيّة، أو الخرافة والأسطورة أو الأمثال، أو الشّعر، أو المسرح ومن ثمّ عُدّ الخطاب المعروض في الخطاب الرّوائيّ عبارة عن حوار مباشر أحادي الصّوت أو يكون بوليوفنيّا متعدّد الأصوات على حدّ عبارة باختين.

لقد تداخلت الرُؤى السّرديّة في رواية “ريحة بوتفاحة”، وبَدَتْ الرّؤيّة منذ البداية من خارج القصّ، ثمّ تدرّجت العمليّة السّرديّة نحو تنّوع الرؤى، مثل الرؤية من الخلف والرؤية مع (الرؤية المصاحبة)… وهو ما أنتج تعدّد الأصوات داخل النّسق الحكائيّ، ففي مستهلّ السّرد حضر صوت حليمة الخميري منذ الوهلة الأولى لتضع الأحداث الكبرى للرّواية باعتبارها الطرف الرئيس العالم بكلّ تفاصيل الحكي. وفي الأثناء تنسحب تاركة المجال لبقيّة الشخصيّات. وتقيم فيما بينهم حوارا غايته التقدم بأحداث الرّواية كاشفا مضامينها ودلالاتها. ورغم انسحاب السّاردة الرئيسيّة من سرد الأحداث، فإنّها بقيت متحكّمة في سير السّرد وتوجهيه وفق تصوّرها للأحداث.  ويتأكّد ذلك خاصّة أثناء الرؤية الداخليّة عندما تصبح مشاركة لأفعال الشخصيات عن قرب، فأحيانا تبدأ الحديث على ألسنتهم (عبلة، منوبية ، مهرية …إلخ) وكلّ الدائرة المحيطة بهم. والملاحظ في هذه الرّواية هو تعدّد الضمائر السرديّة، حيث تستعمل ضمير الغائب، فضمير المتكلم، ثمّ ضمير المخاطب وأحيانا تنسحب السّاردة إلى الخلف لتفسح المجال لبقية السّراد، وتنتقل تبعا لذلك عملية السّرد من السّارد المطلق إلى السّارد النسبيّ والسّارد الشاهد [25]. وقد ساهم هذا التعدّد في وجهات النّظر بفضل تنوع المنظورات السّرديّة وتعدّد الضّمائر وتنوع الرواة والسّراد في جعل الرّواية قريبة جدّا من الرّواية الحواريّة، وابتعدت، تبعا لذلك، كثيرا عن الرّواية التقليديّة ذات الصّوت الواحد.

وبفضل هذه الرؤى السّرديّة التي ذُكرت استطاعت حليمة لخميري الباجي من دمج ظواهر أجناسية   مختلفة: شعر، أسطورة، غناء، رقص، حكايا، حكم، أمثال شعبيّة، خرافة إلخ. في أثرها الفنيّ رغم التناقض الذي وسم بعضها أحيانا.  هذا التنّوع الأجناسي كان له بالغ الأثر في نسيج الرّواية التي طغى عليها الموروث الثقافيّ. من ذلك مثلا وصف مشاهد الأعراس والأفراح في ولاية باجة، وما رافق ذلك من أفعال وأحداث أتينا على ذكر بعض منها فيما سبق، بالإضافة إلى حضور التعاويذ والأدعية والابتهالات الدّينية والدعاء، سواء كان في المناسبات الدينيّة أو في الأفراح. وهو أسلوب نستعمله عادة للتقرّب إلى الخالق كي يحقّق لنا أمانينا ويبعد عنا الشرور والمصائب.

3- خاتمة:

إنّ احتفاء السّاردة بنقل عادات وتقاليد أهل باجة وتقاليدها يظهر الرغبة في إحياء التّراث اللاماديّ الذي تزخر به البلاد التونسية. فهذه العادات والتقاليد كادت تضمحل وتختفي نهائيا نتيجة التطوّرات المتسارعة التي مسّت كلّ البُنَى الفكريّة والاجتماعيّة، وحتّى الثقافيّة نتيجة التطوّر العلميّ اللاّفت وظهور وسائل التواصل الاجتماعيّ والثورة الرقميّة التي باتت بحق مهدّدة لكلّ ما هو قديم. ومثلما أسلفنا في مقدمة المقال، فإنّ إعادة إحياء الموروث الثقافيّ يُعد أمرا إيجابيّا ومحمودا لما له من أهميّة في تحقيق التّوازن النفسيّ والفكريّ، فلا يمكن الحديث عن مظاهر التّطوّر في ظلّ غياب إرث ثقافيّ واجتماعيّ يحمينا من الانتكاس والتّراجع إلى الخلف. فالحداثة إذن، تقتضي منا الانفتاح على الآخر بندّيّة مطلوبة. ندية تضمن لنا التّوازن والاستقرار النفسيّ، ثقةً في ذواتنا وفي قيمنا التي لا تتعارض مع كلّ مستحدث يلائم واقعنا وبالتالي نتمكن من تحصين ذواتنا من الاستلاب والارتماء في أحضان الآخر، ثقة تحفظنا من التّوترات والهزّات النّفسيّة، ثقة في ذواتنا وقيمنا، ثقة لا تجعلنا نرتمي في أحضان هذا الآخر دون رويّة وإعمال عقل ظنّا منّا أنّه هو المخلّص لكلّ مشاكنا. والحال أنّ الأمر على خلاف ذلك، فالأصالة هي إذن مواءمة بين القديم والحديث، وحسن توظيف هذا القديم ومطابقته لمقتضيات الواقع الجديد المتجدّد. وهذا ما يفسّر الاحتفاء بالتراث وإعادة قراءته وفهمه وإلباسه لبوس الحداثة والتطوّر، وهو مظهر من مظاهر التّجديد والتنوعّ الثقافيّ.

وصفوة القول، تعدّ هذه الرّواية من أبرز الأعمال الفنيّة التي طرحت موضوع الموروثات الثقافيّة بشكل فنّيّ طريف نقل واقع المجتمع التونسي وعاداته، وأحيا طقوسا كادت تضمحل وتُنسى. وهي رواية طريفة يمكن أن تدرس من جوانب عدّة.

قائمة المصادر والمراجع:

المصدر:

  • حليمة الخميري الباجي، ريحة بوتفاحة، دار الجنوب للنشر- تونس، ط1، تونس 2010.

كتب:

  • باختين ميخائيل: شعريّة دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1، سنة 1986م
  • سعيد يقطين، الرّواية العربيّة من التراث إلى العصر، علامات ع 20، 2004.
  • سيزا قاسم، البنيات الثقافيّة في رواية وليد بن مسعود، فصول، ع1، أكتوبر 1980.
  • فضل صلاح ، لذة التجريب الرّوائيّ، أطلس للنشر، ط1، 2005.
  • محمد رياض وتار: توظيف التراث في الرّواية العربيّة المعاصرة، اتحاد الكُتاب العرب، سوريا 2002.

مجلاّت:

  • الأبيض رضا، الثقافة الشعبيّة في الرّواية العربيّة مناهضة العقد الاستشراقيّ الكليانيّ، مجلة نزوى العدد 102، أبر2020.

المراجع الفرنسيّة:

  • Rocher, Introduction à la sociologie général , Montréal, H.M.H. ptee, 1968, 3 vol. t1 “l’action 2 sociale: culture, civilisation et idéologie“.
  • Linton. Le fondement culturel de la personnalité, trad. par A, Lyotard, pref. J.C . Filloux. Paris.1. Dunod,1965.

مقالات أخرى

الطيب التيزيني متجلياً في الذاكرة حاضرٌ أبداً في الوجدان

هلْ أنجز التنوير وَعْدَهُ؟

البيداغوجيا النقدية في سوسيولوجيا النقيب

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد