الموسيقى والعلم والتكنولوجيا

الموسيقى والعلم والتكنولوجيا

الملخص:

تعدّ ثورة المعلومات التي يشهدها العالم في الوقت الحالي، إحدى أهمّ مراحل التطوّر في تاريخ الإنسانيّة، ومن أهمّ نتائجها التغيرّات الكبرى التي حدثت في الصناعة الموسيقيّة، ونماذجها في الإبداع والإنتاج والتوزيع، والتّشارك في مضامينها ومحتوياتها. فقد أصبحت الموسيقى تتبوّأ مكانة هامّة ضمن فنون التعبير الرقميّ على مختلف الوسائط الحديثة، وعلى شبكة اليوتيوب بشكل خاصّ. وتجد مختلف الفعالياّت والمهن الموسيقيّة ضالّتها في الإمكانات الهائلة الّتي تتيحها التكنولوجيا الرقميّة في شتّى المراحل والعمليّات التي يمرّ بها العمل الموسيقيّ، بدءا من الفكرة، وصولا إلى الإنتاج والإشهار والتّسويق.  ولم تعد الطرائق التقليديّة مجدية للاشتغال في هذا المجال، كما في باقي مجالات الإبداع الأخرى، بل أصبحت التحولّات الرقميّة تفرض على العاملين في المجال الموسيقيّ الحاجة إلى تأهيل الحقل الموسيقيّ برمته من أجل مواكبتها.

الكلمات المفتاحيّة: العلم، الموسيقى، الثورة التكنولوجيّة، الإلكترونيات، الذكاء الاصطناعيّ.

Abstract:

The information revolution that the world is experiencing today is one of the most important developmental stages in human history, one of the most important results of which are the major changes that have taken place in the music industry, its models of creativity, production, distribution and sharing of its content. Music occupies an important place in the digital arts of expression in various modern media, and on the web in particular. The different potentialities and professions of music find their help in the immense possibilities offered by digital technology in the different stages and processes that the musical work goes through, from the idea to production, advertising and marketing. Traditional methods are no longer effective in operating in this area, as in the rest of the other areas of creativity. Digital transformations impose on those who work in the musical field the need to rehabilitate the entire musical field to keep up with its rhythm

Keywords: science, music, technological revolution, electronics, artificial intelligence.


1- المقدّمة:

لا يمكن للمرء اليوم أن يتحدّث عن الموسيقى دون استحضار التقنية والأسس النظريّة المصاحبة لها. ولدراسة تطوّر الموسيقى المعاصرة، لابدّ من استحضار اتجاهيْن ضرورييْن: التطوّر التكنولوجيّ والتطوّر النظريّ. وتكمن أهمية استخدام التقنيات الجديدة في كونها خلقت أدوات موسيقيّة جديدة على حساب الأدوات التقليديّة ووسّعت مفهوم الآلة الموسيقيّة. وبالموازاة مع ذلك أراد الاتّجاه النظريّ القطع مع المقاربات التقليديّة للموسيقى في زمن العولمة الخاص بعصرنا الّذي يتميّز بالتداخل بين التأثيرات الثقافيّة وانتشار أنماط وأساليب إبداعيّة متعدّدة وطرق مختلفة للعمل الموسيقيّ على نطاق عالميّ.

فقد منحت التقنيات التسجيليّة مفاهيم ونظريات جديدة في أسلوبيّة المادة الموسيقية وطرحها ودمجها وتركيبها، ومنحت كذلك للمتلقّي إمكانات عديدة تتعلّق بكيفيّة تعاطي الموسيقى. وهكذا فتاريخ الموسيقى في القرن العشرين يتميّز بعمق مساهمة الإلكترونيّات، كما أفرزت الثورة الرقميّة أشكالًا جديدة في التعبير الموسيقي بطرق غير معهودة لبلوغ جماهير متنوّعة وبمواصفات متعدّدة، وقدَّمت إمكانات غير معتادة في تفاعل المتلقي مع المضامين الإبداعيّة، لا بل إن المتلقّي قد بات في ظلّها، يقوم بأدوار جعلته في قلب منظومة إنتاج القيمة، تجميعًا وصياغةً، وتخزينًا وتوزيعًا على نطاق يتجاوز بكثير ما عهدناه من قبل.

تشكّلت في عصرنا الحالي متغيّرات كثيرة في ظلّ الثورة التكنولوجيّة وثورة الاتّصالات، فقد أصبحت الموسيقى تحتلّ مكانة مهاّة ضمن فنون التّعبير الرقميّ بمختلف الوسائط الحديثة، وأصبح التأليف الموسيقيّ يحتاج إلى كفاءات عالية للتوسّل بالوسائط الرقميّة وبرمجياتها الفعاّلة والمتطوّرة باستمرار، والتي من شأنها أن تيسّر عمليّات التأليف والتوزيع والتسجيل والمعالجة الرقميّة، فضلا عن إمكانيات هائلة لتوظيف المؤثرات.

وتعدّ ثورة المعلومات الّتي يشهدها العالم في الوقت الحالي، إحدى أهمّ مراحل التطوّر في تاريخ الإنسانيّة، ومن أهمّ نتائجها التغيرّات الكبرى التي حدثت في الصناعة الموسيقيّة، ونماذجها في الإبداع والإنتاج والتوزيع، والتشارك في مضامينها ومحتوياتها. وتعتبر هذه المرحلة انقلاباً على النموذج التقليدي فقد أصبحت تراعي الضرورة التفاعليّة، والمشترك الجماعيّ في بعده الانتشاريّ الزمنيّ والمكاني، فانتشرت شبكة الإنترنت في كافة أرجاء المعمورة، وربطت أجزاء هذا العالم المترامية بفضائها الواسع، وتعزز ذلك بالمواقع الاجتماعيّة على تنوعها، وانتشر هذا المحتوى المتعدّد الوسائط بشكل هائل خلال السنوات الماضية ويتميز بالتفاعل وما بعد التفاعل.

ولا مراء في أنّ التكنولوجيا قد أضافت سمات جديدة للموسيقى، إلا أنّها في الوقت نفسه تكاد تسلب المبدع مهمّته الأساسيّة. وهي ربط المتلقي بالواقع والتّفاعل معه ورصد تفاصيل أحداثه ومتابعة متغيرّاته واستشراف توقّعاته، فنجدها تتميّز بخصائص عديدة تؤهّلها لإرساء علاقة وطيدة مع الموسيقى. ولكن -ومما لا شك فيه – أنّها قد أصبحت تمثّل تهديداً حقيقياً للمبدع سواء من جهة إنتاجها كماًّ وكيفاً، أو من جهة طبيعة عمله وأسلوبه الشخصي، فالتكنولوجيا قادرة على نسخ إبداعاتها وإعادة استخدامها وتوظيفها، ومازالت تتطوّر في قفزات مذهلة يعجز المتخصصون أنفسهم عن متابعتها في غضون بضعة عقود.

ومن المسلّم به أنّ التكنولوجيا الحديثة قد أثّرت بشكل واضح في حياة الإنسان، سواء بالسلب أو بالإيجاب، وظهر هذا في مجال الموسيقي بشكل عامّ سواء في الغناء أو التسجيلات الصوتيّة أو التدوين الموسيقي، إذ أصبح من الممكن إخراج أصوات موسيقية آليّة تقترب كثيرا من نوعيّة الأصوات الحيّة أو خلق أخرى جديدة ذات طبيعة اصطناعيّة. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي يجعل الموسيقى والتكنولوجيا اليوم متلازمين؟

2- الموسيقى والتكنولوجياّت الجديدة:

قبل وصول التقنيّات الجديدة، كان الإبداع الموسيقي محصورا في المعدّات الموسيقيّة التقليديّة، ولكن بفضل الطفرة التي حصلت مع الآلة، من ناحية، والتحول الجمالي من ناحية أخرى، عرف الإبداع الموسيقي اليوم مزيدا من الحرية. لذا فإنّ الكمبيوتر والتكنولوجيّات الحديثة رسخا مواقف إبداعيّة جديدة تتحدّى العادات التأليفيّة الموسيقيّة من خلال النمذجة. وأصبح المؤلف يشتغل على الصوت وبالصوت، ويمكنه التفكير بشكل مستمرّ في المادّة وتنظيمها، وهكذا، ولأولّ مرّة في تاريخ الموسيقى يمزج الإبداع الموسيقي بين عمليّات الإنتاج والأداء والتفكير في الكتابة الموسيقيّة بشكل مختلف.

ثم عدّلت الرؤية الجديدة العلاقة الآليّة، فقد أصبح المؤلّف في مركز عمليّة الإبداع كما تغيرّت أيضًا العلاقات بين الملحّن والمؤدي وكذلك موقف المستمع من الاستماع. إنّ التغيرات التكنولوجيّة غيرت ظروف الإنتاج والتلقي، وكذلك ظروف وجود الظاهرة الموسيقيّة نفسها، ممّا أدّى إلى شكل جديد من التصنيع للموسيقى، وبالتالي فإنّ التقنيّات الجديدة غيّرت وضع القطعة الموسيقية والموسيقى نفسها من خلال كسر القواعد الكلاسيكيّة، ويشير “دولياج”Célestin Deliège، إلى أنّ جيل الموجات الكهربائيّة الصوتيّة في الموسيقى هو بالتحديد الذي أنهى تاريخ الهارموني في الغرب. وتجلى تداخل تخصّصات الفنّ والعلوم والتكنولوجيا بالخصوص في ولادة الموسيقى الملموسة عام 1945 la musiqueconcrete في استوديوهات تلفزيون الراديو الفرنسيORTF. وقد تميّزت بوسائل تكنولوجيّة خالصة في تأليفها وإعادة عزفها بكل دقة ودون الاعتماد على العامل البشريّ، وبعناصر صوتيّة ملموسة تتيح للمستمع مزاجاً مختلفاً عن الموسيقى المجردة.

استخدم “شيفر”Schaeffer الأصوات المسجّلة كمواد صوتيّة، ثم عدّلها في الأستوديو، وحرّرها فيه، ولم يكن إنشاء الأصوات بواسطة آلة، ولكن يتمّ استخراجها من الواقع، وتسجيلها، ثم العمل عليها، والتلاعب بها. وفي هذا السياق، عرف”شيفر”Schaeffer الموسيقى الملموسة التي اخترعها، على النحو الآتي: “بدلاً من ملاحظة الأفكار الموسيقيّة برموز نظريّة الموسيقى، وإسناد تحقيقها الملموس إلى الآلات المعروفة، فإنّ الأمر يتعلق بجمع الصوت الملموس، أينما أتى، واستخلاص القيم الموسيقيّة التي يحتويها بالقوة (…) على عكس الرسم، تم تطوير الموسيقى لأول مرة دون نموذج خارجي، مشيرة فقط إلى “القيم” الموسيقية المجردة، وتصبح ملموسة (أو تصويرية) عندما تستخدم كائنات صوتية[1] مستمدّة مباشرة من العالم الخارجي للأصوات الطبيعية والضوضاء المعطاة”[2].

وعلى خلاف العادات الكلاسيكيّة، تستخدم الموسيقى الملموسة المواد لتصور فكرة. فهنا لا توجد مدوّنة، لكن شريط مغناطيسي. فالموسيقى الملموسة هي عرض لخصائص الكائن الصوتي، إنّها تريد تسجيل الظاهرة الصوتيّة وجعلها موضوعيّة من أجل تحديد خصائصها. فبعد الحرب العالميّة الثانية، لعب الإنتاج الموسيقي في الاستوديوهات المصمّمة للاستنساخ والبث دورًا كبيرًا في تطوير الموسيقى الجديدة. وهكذا أصبح الاستخدام التجريبي لتقنيات الصوت الجديدة عنصرا أساسيّا في تكوين البحث الموسيقي. وقد أدى تطوير التقنيات الجديدة للإبداع الموسيقي إلى اختفاء الآلة الموسيقية كأداة مصنوعة لصنع الموسيقى، كما اختفت العلاقة معها. ومع التقنيات الجديدة استبدلت الآلة التقليديّة بأداة توليديّة هي الكمبيوتر الذي جعل من الممكن صنع الموسيقى دون اللّجوء إلى آلة موسيقيّة، فكان أن الإيماءات كمجموعة من السلوكيّات الجسديّة المرتبطة بنشاطنا العضلي لتفسح المجال لمحاكاة الإيماءة الآليّة.

في عام 1950 ولدت الموسيقى الإلكترونيّة في الأستوديو في كولونيا (ألمانيا)، واقتصرت على مصادر الصوت الإلكترونيّة، مع Eimert،Stockhausen،Meyer-Eppler. تريد هذه الموسيقى إنتاج الصوت بفضل الإلكترونيّات من خلال جمع الاهتزازات التي تنتجها وتحوّلها الدائرات الإلكترونيّة لتترجم إلى اهتزازات صوتيّة بواسطة مكبّر الصوت، وتعالج من أجل الحصول على ظاهرة صوتية محكومة.  ويُصنع الصوت الإلكترونيّ بواسطة جهاز إلكتروني تماثلي analogique. وبالإضافة إلى الموسيقى الملموسة والموسيقى الإلكترونيّة، استخدم المؤلفون الكمبيوتر في عمليّة التأليف الموسيقي، فكان أنْ أحدثوا تغيّيرات عميقة في الموسيقى المعاصرة.

في عام 1956 ظهر التأليف الأوتوماتيكي الذي أصبح فيما بعد يعرف بالتأليف المساعد بالكمبيوترLa Composition Assistée par Ordinateur (CAO). في جامعة إلينوي (الولايات المتحدة) برمج “هيلير” و”إيزاكسون” حاسوب Illiac باستخدام قواعد التأليف، ومثل قواعد الهارموني انطلاقا من الحساب الأوتوماتيكي لمجموعة من البيانات شكلت قيم العلامات الموسيقيّة، ثم المدونةَ الموسيقيّةَ التي حصل عليها العازفون بأدوات حقيقية. وتعتبر سنة 1957 بداية التوليف الرقمي.

وكان تنفيذ أول برنامج لتوليف الصوت باستخدام الكمبيوتر بواسطة فريق من قسم أبحاث بيل مختبرات الهاتف في الولايات المتحدة، بقيادة “ماكس ماثيوز” و “ريسيت”. وأُجري التسجيل الرقمي الأوّل. وكان البرنامج الأولّ متاحًا في عام 1959: MUSIC III، وهو أوّل برنامج توليف موسيقي يحتوي على وحدات افتراضية، ثمّ تمّ تطويره ليصبح MUSIC IV، وMUSIC V وتلته أجيال أخرى من برامج تركيب الصوت لا تزال مستخدمة حتى اليوم. ومن خصائص هذا البرنامج أنّه ينشئ مجموعة متنوّعة من البرامج المختلفة. وهكذا تحوّل الكمبيوتر إلى آلة لإصدار الأصوات. وفيه يحتسب الصوت، رقما ويمكن للمعالجة الرقميّة الاستفادة من القدرات الرياضيّة والمنطقيّة للكمبيوتر.

وقد اعتبر “ريسيت” أنه باستخدام الكمبيوتر، لم يحصل هناك تحوّل، بل وقع استغلال إمكانات مفتوحة لتسمح للرقم أن يخضع لمقاربة رمزيّة لصفة الأصوات. ولكن لا مراء في أنّ توظيف التقنيات الرقميّة والكمبيوتر قد جلب الدقّة والتكاثر والتنوّع في المعالجة الإلكترونيّة، ذلك أنّها تسمح بالسيطرة على جميع جوانب الأصوات المعقدة. مما يجعل الكمبيوتر أيضًا قادرا على تعديل الأصوات المسجلة رقميًا، وبالتالي أداء نفس أنواع التلاعب مثل الموسيقى الملموسة.

ويمكن القول إجمالا إنّ البحث الجذريّ في الموسيقى خلال الثلث الأخير من القرن العشرين أساسا قد تميّز باستخدام الآلة المستقلّة عن الإنسان والمبرمجة بدلاً من الأدوات الميكانيكيّة، إذ يمكننا ذكر سببيْن يدفعان المؤلف إلى اللّجوء إلى الابتكار الموسيقي: الأوّل هو شعوره بعدم قدرته على إدراك أفكاره بالمواد الموجودة، والثاني هو إحساسه بالرغبة في اختراع أدوات جديدة، أو أنّ هذه الأفكار الجديدة تحتاج إلى تطوير أشكال موسيقيّة جديدة. وهكذا فالبحث الموسيقي يدفع المؤلّف إلى إدراك النماذج والأفكار التي تحتاج إلى التوحيد، مثلما يدفعه إلى المشاركة في تشكيل هذه المفاهيم ذاتها، ولم يعد الملحّن بدوره قادرًا على أخذ مواده كأمر مسلم به بل بات مضطرّا إلى المشاركة بنفسه في تطويرها.

وآية ذلك أنّ التفكير في المواد الصوتيّة قد بات يسمح بعزل الصوت، وتحديده كشيء في حدّ ذاته واعتباره مادة، وأصبح العمل المعمّق عليه ممكنًا. امّا التقنيات الجديدة فساعدت على حلّ الحدود بين الصوت والتأليف، إذ يمكن للمؤلّف أن يؤلّف بالأصوات، وأن يؤلّف الأصوات نفسها، فيذوب الحدّ الفاصل بين المادة والشكل. ومن هنا يمتدّ النشاط التأليفي إلى المادة الصوتيّة، فيصبح المؤلّف دائم التفكير بعمق وحرية في مته (الصوت-الجوهر) والتنظيم الموسيقي (التأليف-الشكل)، وبالتالي تمنح التقنيات الجديدة للموسيقى حرية أكبر في التأليف وتسرع تطوير الإبداع الموسيقي.

وعلى هذا النّحو أصبح المؤلّف منتجًا للنماذج، ويمكنه التحكّم في جميع مراحل الإبداع، فيكون في الوقت نفسه ملحّنًا ومؤدّيًا. ولم تلغ تكنولوجيا المعلومات، في الحقيقة، قواعد التأليف، ولكن وسعت المساحة الإبداعية، وحدّدت بدقة أكبر ما يريد المؤلف وضعه في قطعته الموسيقية. على الرغم من الابتكارات التكنولوجية والتغيرات في الأدوات والطرق الجديدة للتأليف، ومع ذلك، يبقى السؤال الكبير حول التأليف، وهو: كيف يمكن استخدام مادة ما وتحويلها إلى شيء يخاطب الإحساس؟ وكيف يمكننا أن نصدر أصواتا لها القدرة على تحريك المشاعر؟

تميل التقنيات الجديدة إلى تفضيل اختفاء الحدود بين المؤلف والمؤدي من جهة، وبين المؤلف والجمهور من جهة أخرى، لقد انفتحت الحدود بين الإنتاج والتلقي. وتحوّلت طبيعة العلاقات بين الجهات الفاعلة، إذ غالبًا ما يقوم شخص واحد بدور الملحن والمؤدي. فهناك تحوّل في العلاقات مع الجمهور، ويجب على المستمع أن يوجّه استماعه باهتمام، وهكذا جرى تحول آخر في طبيعة الاستماع: من الاستماع السلبي إلى الاستماع النشط.

إنّ دراسة التقنيات الجديدة للإبداع الموسيقي تسلّط الضوء بشكل أساسيّ على الطفرات الأساسيّة للتطور الموسيقي على ثلاثة مستويات:

المستوى المادي: تحوّل جذريّ للأداة التي أصبحت أداة تكنولوجيّة ووسيلة يستخدمها الموسيقي لتحقيق غاياته، وهي النتيجة الصوتيّة، مما يؤدّي إلى اختفاء العلاقة الآليّة.

المستوى النظري: تغيير في قواعد التأليف والعمل على الصوت نفسه، إذ نظر إليه على أنّه مادّة في حدّ ذاته. وبناء على ذلك صار الملحّن يتمتّع بسيطرة كاملة على الصوت، يؤلف به، ويفكّر باستمرار فيه كمعطى مادي والموسيقي (التنظيم). ويتحكم في جميع مراحل سيرورة الإبداع.

المستوى التفاعلي: حدثت طفرة في التّفاعلات بين الأداة وبين الجهات الفاعلة في عمليّة الإبداع. ولم يعد التفاعل بين الموسيقار وآلاته قويًا وحميميًا وجسديًا، بل أصبح باردًا وبعيدًا. وتغيّر الاتّصال مع الجمهور، وكذلك التفاعلات بين الملحن والمؤدي. وهكذا يمكن القول إنّ طبيعة التفاعلات بين الجهات الفاعلة في سيرورة الإبداع الموسيقي قد تغيرت، ولم يعد الملحّن والمؤدي يحافظان على تفاعلات مهمة كما هو الحال في الإنتاج الموسيقي التقليدي. مثلما اختفى الاندماج التقليدي بين الملحن والجمهور. وأصبحت هذه الوظائف الجديدة تجلب أشكالاً وأساليب في الإبداع الموسيقى.

كان الإبداع الموسيقي محدودًا بإمكانيّات الآلة، بفضل طفرة الآلة نفسها، من ناحية، وبفضل التحوّل النظري من ناحية أخرى، ويعرف الإبداع الموسيقي اليوم المزيد من الحرية، بفضل التقنيات الجديدة التي باتت تسمح للإبداع بتحرير نفسه من القيود الماديّة. لذلك تتحدّى تقنية المعلومات الأشكال التقليديّة للإنتاج الفني والتواصل الجمالي. مما يساعد على التماس وظائف عقليّة أخرى لتحفيز مواقف جديدة تجلب أشكالاً جديدة من الفن. ولا مراء في أنّ العلاقة مع العمل الموسيقي في سياق الرقميّة قد أصبحت غير ماديّة، إلاّ أنّه يجب التحذير من وجود رؤية حتميّة تجاه الموسيقى باستخدام التقنيات الجديدة، ويمكن أن نلاحظ، بيسر، مع “ماكليهان” MacLuhan أنّ التقنيات تغير علاقاتنا مع العالم، من خلال قوة تأثيرها، إذ تقوم تكنولوجيا المعلومات، دون شك، بتحويل السيرورة الإبداعية، ولكن هذه التقنيات الجديدة ليست وحدها من يحدث تأثيرا مباشرا على تطور الإبداع الموسيقي، فالتطوّر يتمّ من خلال التقنيات والأفكار الموسيقية.

  • ويمكن القول، في سياق للحديث عن التكنولوجيا وعلاقتها بالمكان الافتراضي الذي تخلقه المؤثرات، إنّ التكنولوجيا ألغت البُعد المكاني وذلك بإيجاد رابط قويّ بين أجهزة التشغيل الخاصة وبين المكان.  هذه الأجهزة التي تخلق تجربة خاصة تجعل المتلقي هو المستمع الوحيد للموسيقى المسجّلة التي تعد محاولة لنقل الموسيقى الحية. وبذلك يصير جهاز التشغيل والسمّاعات هو العرض والقاعة الافتراضية في الوقت نفسه، دون أن يتدخّل صوت المكان المحيط بصوتيّاته وتفاصيله وشوائبه الذي تُسمع فيه الموسيقى، فالسمّاعات تعزل صوت المكان المحيط ليبقى فقط صوت الموسيقى المسجلة الذي تُسمع من خلال السماعات. بذلك يمكننا القول إنّ جهازا مثل “الآي بود” قد نجح كليةً في إلغاء بعد المكان الحقيقي. وتلعب الغرفة المعزولة الدور نفسه، ولكنّها في النهاية مقيدة بمساحة ما وبأشخاص آخرين. لكن جهاز “الآي البود” يكسر تلك المساحة تمامًا ليتحوّل إلى مكان وقاعة متنقلة، فيستغني المستمع عن القاعة الحقيقيّة المتمثّلة في الأوبرا أو المسرح أو بيته ويلغي عنصر المكان.
  • وخلاصة القول أنّ السيرورة الإبداعيّة للموسيقي ترتبط بعوامل عدة بدءًا من تجربة الفنّان الشخصيّة، وتفاعله مع الأحداث الاجتماعيّة والاقتصاديّة المحيطة، وصولًا إلى عوامل مثل التكنولوجيا والمكان، وقد يكون ذلك التأثر بشكل واع أو غير واع. في الماضي كانت المرحلة الإبداعيّة تبدأ بفكرة أو مجموعة من الأفكار لدى الموسيقي الذي يقوم بانتقاء بعضها مع أخذه بعين الاعتبار المكان الذي ستُعرض فيه تلك المقطوعة. إذ حتى زمننا هذا، مازال المكان، الحقيقي أو الافتراضي، مؤثّرا في السيرورة الإبداعيّة وتلقينا لها[3].

3- تعريف الموسيقى الإلكترونية:

تضمّ الموسيقى الإلكترونيّة مجموعة متنوّعة من الاتّجاهات التاريخيّة والممارسات الجمالية[4]، تم تجريبها بشكل منتظم ودقيق من قبل الطليعيّين في الموسيقيّة الغربية من الثلاثينيّات إلى الخمسينيّات، وقد تطورت من نهاية الأربعينيّات إلى بداية الخمسينيات داخل مراكز البحث والاستوديوهات المؤسسية والممولة من قبل الإذاعات العامّة أو الجامعات. ثم أصبحت تخترق تدريجيّاً عالم الموسيقى الشعبية مثل البوب ​​والروك والجاز والريغي والفانك، ثم الديسكو والهيب هوب، بفضل اختراع الآلات الإلكترونية، وإضفاء الطابع الديمقراطي عليه. ومنذ نهاية الثمانينيات، شهدت الموسيقى الإلكترونيّة توسعًا جديدًا مع ظهور “الهاوس والتكنو””la house et la techno”، وتمتزج هذه الموسيقى مع الإيقاعات الشعبيّة، أمّا روادها فَهُمْ موسيقيّون “أمريكيين سود”.

أدّى نجاح هذيْن النوعيْن الشائعيْن من موسيقى الرقص في التسعينيات إلى تطور سريع للمشهد الموسيقي الأوروبي والأنجلو ساكسوني، وذلك لأن “الهاوس والتكنو””la house et la techno” يتألّف من العديد من الأنواع الفرعيّة الموسيقيّة تهم جمهورا واسعا، بدءًا من عامّة الناس إلى الأكثر تجريبيّة. وخلال عام 2000، انتشرت هذه الاتّجاهات الإلكترونية المختلفة في القارات جديدة: أمريكا الجنوبيّة وآسيا وأفريقيا وذلك بفضل دمقرطة برنامج MAO (الموسيقى بمساعدة الكمبيوتر) وأيضًا من خلال التنزيل والقرصنة. ويعبّر هذا عن الطبيعة المعقّدة والمتعدّدة للموسيقى الإلكترونيّة، إنّها في الوقت نفسه موسيقى متعلّمة وموسيقى طليعيّة وتجريبيّة، ولكنها أيضًا موسيقى شعبيّة وراقصة وعفويّة، تستمدّ جوهرها من ديناميكيّة موسيقى “السود” وابتكاراتها في الولايات المتّحدة وجامايكا، وكذلك من روح البحث الشكلاني للموسيقى الغربيّة.

وسنحاول الإجابة عن مجموعة من الإشكاليّات ذات صلة بما تقدّم بيانه، منها: ما مدى تورّط الموسيقييّن في التغير الذي طرأ على دور الآلات الإلكترونيّة؟ وكيف يؤثّر إدخال الآلات الإلكترونيّة وإعادة تكوين مجال الممارسات الموسيقيّة والسمعيّة؟ ثمّ كيف يخفي مصطلح الموسيقى الإلكترونيّة تنوّع هذه المراحل الفنيّة وكنهها؟ مع علمنا أنّ الموسيقية تشمل أنواعا مختلفة من الأشكال، وتلامس جمهورًا متنوعًا، وتمتد لأكثر من نصف قرن من التاريخ. فما الذي نسميه بالضبط “موسيقى إلكترونية”؟

إذا كان هذا المصطلح يفرض نفسه اليوم على أنّه واضحٌ وكلّيَ الوجود، فهو بعيد كل البعد عن كونه مصطلحا دائما، إذ هناك اختلافات حول المفهوم بالرغم من القواسم المشتركة بين الأساليب المعنيّة وأنواع الموسيقى التي تجمع تحت هذا الاسم، إلا أنّها تختلف من وجهة نظر اجتماعيّة أو جماليّة أو وظيفيّة وذلك لأن لديها استقلالية خاصّة بها ولا تقوم على نفس المشاريع والرّهانات.

فالإلكترونيّات هي فرع من فروع الفيزياء التطبيقيّة، تتعامل مع تشكيل الإشارات الكهربائيّة لنقل المعلومات، لذلك تحدد الموسيقى الإلكترونية أوّلاً على أنّها مجموعة من الممارسات الموسيقيّة القائمة على استخدام الآلات، أو الآلات التي تولّد تردّدات صوتيّة من تشكيل الإشارات الكهربائيّة. هذا هو التعريف الذي أعطانا إياه “هربرت إيمرت””Herbert Eimert”، في أصل هذه الموسيقى: على عكس الموسيقى الملموسة، التي تستخدم التسجيلات باستخدام الميكروفونات، وبها يتمّ إنتاج الصوت بواسطة مولد الصوت وتسجيله على شريط مغناطيسي. عندها فقط يبدأ تطويرها بالتلاعب بالأشرطة المعقدة والمتباينة[5].

ومع ذلك، يبقى هذا التعريف التقني عاجزا عن البحت وعن إعطاء رؤية دقيقة لهذه الممارسة الموسيقيّة. ويعرّف “غيوم كوسميكي””Guillaume Kosmicki”، مؤلّف كتاب “الموسيقى الإلكترونيّة” الموسيقى الإلكترونية بأنّها “مجموعة من الموسيقيّات تعتمد على الأصوات أو توليفها ومعالجتها، ثم تسجيلها، بعد ذلك، كإشارات تماثليّة analogique أو رقميّة تهدف إلى تضخيمها ثم إعادة إرسالها عبر مكبّرات الصوت”. هذا التعريف له قدر من الصواب والوضوح والتركيب، ومع ذلك، فإنّه يحتوي على عيب في تحديد العديد من الممارسات الموسيقية الحاليّة، التي، في الوقت الذي تستفيد فيه الموسيقى بشكل متزايد من التكنولوجيا الإلكترونيّة وتستعير ببعض النماذج التركيبية المتميّزة للموسيقى الإلكترونية، فإنّها لا تدعي صراحة جمالياتها”[6].

لذلك يجب معالجة السؤال بشكل مختلف، يقدم “طوم هولميسThom Holmes “، مؤلف كتاب: “الموسيقى الإلكترونية والتجريبية” تعريفًا قريبًا إلى حد ما[7]، ولكن أكثر ديناميكيّة، بناءً على ممارستيّن تاريخيتيْن متوازيتيْن. يتعلّق الأمر بالموسيقى الإلكترونيّة البحت والموسيقى الكهربائيّة الصوتيّة. ينشأُ النوع الأولّ من الموجات الصوتيّة المتولّدة كهربائيًا، من خلال استخدام أجهزة الكمبيوتر أو المزج بينها، وتتكوّن هذه الموسيقى دون استخدام أيّ آلة صوتيّة أو أيّ صوت موجود في بيئتنا، بينما يستخدم النوع الثاني التكنولوجيا الإلكترونيّة لنسخ الأصوات وتعديلها ومعالجتها انطلاقا من بيئتنا الخارجة من خلال استخدام تقنيات الاستنساخ مثل الميكروفون أو مسجل الأشرطة أو جهاز أخذ العينات الرقمية. ويمكن أن تكون الأصوات المستخدمة من أي نوع: الآلات الصوتيّة والأصوات الطبيعيّة أو الأصوات الحضريّة. هذان المحوران يمكنهما أن يندمجا في ممارسة الموسيقى نفسها، ويجعلان من الممكن وصف تجارب رواد الخمسينيات، وكذلك إنتاج ثقافة الرقص والموسيقى الشعبية.

تكمن أهمية توسّع التكنولوجيا الإلكترونية للمؤلف الموسيقي في اكتشاف أبعاد صوتيّة ونفسيّة جديدة تتمّ عبر تقديم طرق فنيّة جديدة لتطوير المواد الصوتيّة. وهذا ما عبرّ عنه “بييربوليزBoulez Pierre ” بقوله: “إنّ العلاقة البنية/المادة هي التي تحّد المعاملة بالمثل بين إيماءات الملحن و …تكنولوجيا الإنجاز…”[8]. في الواقع، ليست الأداة هي التي تمارس تأثيرًا إبداعيًا على المفهوم الموسيقي للملحّن، ولكن، كما يقول “ليجيتي”LIGETI Gyôrgy,” الفكر الذي يحيط بهذه التقنية، فكر مبني على مستويات مختلفة من التجريد، تفكير بالعلامات”[9]. وهو ما يسمح للملحّن بتطوير طريقة عمل تقوم على تحليل الأصوات وجعل القوى الداخليّة للأصوات واحدة من نقاط الانطلاق لعمله التأسيسي والتي يمكن أن “تخصب الفكر والخيال الفني، وبالتالي يكون لها تأثير مثمر على تطوير موسيقى جديدة”[10].

من الواضح جدًا أنّ الكمبيوتر أصبح اليوم نقطة محورية في أيّ أستوديو إلكتروني حيث يأتي كل موسيقي لرسم أصواته مع معرفة المواد الصوتية التي يحتاجها، ولئن كانت أدوات البرمجيّات الجديدة توفر مزايا لا تضاهى من جهة المرونة والحفظ، فإنّها تتطلب أيضًا يقظة شخصية كبيرة. وأخيرًا، لا تختلف الموسيقى الإلكترونيّة في هذه النقطة عن تلك التي تمّ تأليفها للأوركسترا، وعلى المؤلف دائمًا أن يختار الخيارات ويتخذ القرارات ويتولاّها بحريته.

  • لا يمكن للموسيقيّ أن يكون مسايرا لروح العصر، ما لم يكن قريبا من صورة التحوّلات الرقميّة الجارية في عالم اليوم. وهذا راجع إلى ارتباط الموسيقى تصوّرا وإبداعا، وإنتاجا وتلقيا بوسائط رقميّة غاية في التعقيد والدقّة والفعاليّة، خاصّة ما يتعلّق منها بالحواسيب وشبكة الويب. ولذلك لا يمكن تصور أبسط مواكبة لهذا الواقع الجديد دون مواكبة معرفيّة تنهض على امتلاك حدّ أدنى من المعرفة المعلوماتيّة. لذلك يحتاج التأليف الموسيقي إلى كفاءة عالية للتوسل بالوسائط الرقميّة وبرمجياتها الفعالة والمتطورة باستمرار.
  • وقد أصبح بإمكان كلّ موسيقي محترف أو هاو اليوم أن ينشئ استديوها مصغّرا في مكتبه، بفضل توافر الحواسيب ومختلف الأجهزة الصوتيّة والمرئيّة… وهو ما من شأنه أن ييسّر له عمليات التأليف والتوزيع والتسجيل والمعالجة الرقمية، فضلا عن إمكانيّات هائلة لتوظيف المؤثرات. ويستفيد الموسيقي من كلّ هذا بفضل العديد من البرمجيّات لكتابة الألحان وتأليف الانسجامات وقراءة النوتة وترجمة الجمل الموسيقيّة الواردة إلى الحاسوب من آلة موسيقيّة رقمية، كالبيان الرقمي الذي يعرف أجيالا جديدة، من بينها تلك التي تدعم السيكاه والإيقاعات الشرقية… علاوة على ما تتيحه شبكة الويب من مساحات غير محدودة لتقاسم الملفاّت وتنسيق العمل بين الموسيقيين عن بعد، والقيام بالدعاية والإعلان للمنتوج الموسيقي وتسويقه[11].

4- الإلكترونيّة في الموسيقى:

كثيرًا ما نتحدّث عن الموسيقى الإلكترونيّة دون أن نعرف حقيقة إن كانت هذه التّسمية تحيلنا على نمط موسيقي جديد، أو تعني ببساطة الاستخدام المتزايد للآلات الإلكترونيّة التي تحوّلت إلى آلات موسيقيّة، فأصبحت تعرف بالموسيقى المعاصرة. حسب المنظور الثاني، لا وجود للموسيقى الإلكترونيّة، فتسمية “موسيقى إلكترونيّة” تعمل كحجّة تجاريّة حديثة لا كممارسة موسيقيّة متفرّدة. لذلك فإنّ تحليلنا لن يهتمّ بالموسيقى الإلكترونيّة بل بالإلكترونيّة في الموسيقى كنمط موسيقي لابد من أن توفّر فيه مجموعة من الطرق التي يوظّف فيها الإلكترونيّ في الموسيقى: تمش واضح وتموضعات فنيّة تنبني في علاقتها بالآلة الإلكترونيّة[12].

يُقصد عادة بالتاريخ الإلكترونيّة في الموسيقى[13]، “الموسيقى الإلكترونيّة”، وتعني أصول تقنية تخصّ البحث والاكتشاف الإلكترونيّ، فيقع إهمال الأصل الفني وتجاهله. وهذا ما ينتج مجموعة من القراءات المشوّهة والمقتضبة لتاريخ الممارسة الفنيّة الموسيقيّة والسمعيّة في القرن العشرين. هذه القراءة المشوّهة قد لا تكون نتيجة خطإ في القراءة، بل هي الحاجة (غير الواعية في أغلب الأحيان) إلى تبرير الهيمنة الإعلاميّة لخطاب فنيّ حول الموسيقى[14].

من نافلة القول التذكير بأن الخطاب التاريخيّ، بوصفه عمليّة بناء للماضي انطلاقًا من الحاضر، إنما هو ضرب من إعادة للأموات إلى ذاكرتنا في صورة تختلف، حسب كاتب التاريخ، سواء كان الأمر يتعلّق بإرساء وجهة نظر مهيمنة، أو الإيهام بوجود ممارسة تعتبر أقليّة. من المدهش أن نرى عدد المقالات أو الكتب المخصّصة اليوم لتاريخ الموسيقى الإلكترونيّة، والتي تعيد رسم هذه المغامرة منذ الاكتشاف العلميّ للإلكترونيّ إلى الاستخدام الحاليّ المخصّص لإنتاج الموسيقى من طرف ملحنين كبار، كارلهينز ستوكهوسن، بيار شافر، جون كايج وصولًا إلى القطيعة في السبعينيات عندما فتحت تجارة الآلات الإلكترونيّة الطريق أمام ممارسات موسيقيّة  جديدة أكثر شعبيّة (تكنو، هيب هوب، هاوس، دي-جي[15].

ومن البداهة القول أنّ الممارسة الفنيّة هي بالأساس سياسيّة، إذ أنّها تنخرط في حقل علاقات القوى الاقتصاديّة، الإيديولوجيّة والرمزيّة، مثلما أنّها تنخرط في مقاومة التلاعب الإيديولوجي من خلال عمليّات انحياز رمزيّة، وهي، من حيث هي حركة فرديّة، تعطي معنى للعالم الذي نعيش فيه. وتظلّ، مع ذلك، متوقفة على ما تحققه من ممارسة معيّنة للإلكترونية في الموسيقى. لأنه لا وجود لموسيقى إلكترونيّة بصفة عامّة كنمط موسيقيّ مرتبط بتقنية معيّنة، بل هي عبارة عن مجموعة من المراحل الفنيّة لاستعادة التقنية من جديد. ومصدر الموسيقى التي تسمى “إلكترونيّة” ليس ولادة الإلكترونية كتقنية بل في تعدّد الوسائل التي تستعيد الآلات الإلكترونيّة من خلال حركة انحياز رمزيّة.

هنا يُطرح سؤالٌ محوريّ فيما يتعلّق بتعريف معنى الممارسة الفنيّة وجوهرها: مسألة العلاقة بين الفن والتقنية. ما الذي يميّز الفنّ عن التقنية؟ يعتبر الفن في الموروث الغربيّ، المرتبط بالفكر اليوناني، ضربا من التقنية، من هذا المنظور، لا يختلف الفنّ عن التقنية ولكن في علاقته معها. هذه العلاقة التي سنحاول ضبطها انطلاقًا من مثال تاريخيّ محوريّ في جزء كبير من التاريخ الموسيقي المعاصر: المستقبليون الإيطاليون.

إنّ الغاية من هذا المثال وعلاقته بمسألة الإلكترونيّة في الموسيقى سيظهران أثناء التحليل. فـ “لويجيروسولو“، (1885-1947)، وهو أهمّ الملحنين في الحركة الفنيّة المستقبليّة، لم يستعمل آلات إلكترونيّة في إنتاجه الموسيقي الجديد. وهذا المثال لا يعدّ أقل أهميّة من مسألة استعمال الآلات الإلكترونيّة التي لا تأخذ معنى حقيقيّا إلا في نسق تاريخي للثورة الصناعيّة أي بظهور تقنية ستغيّر علاقتنا بالعالم (الكهرباء، الآلات …). هذا التغيير لم يحصل إلاّ على مستوى ماديّ (في الرفاهيّة التي يمكن أن تجلبها هذه الاكتشافات). بعبارة أخرى، هذا التغيير يبدّل نظرتنا للعالم، ويعيد تقطيع وتشكيل المخطّطات التمثيليّة التي تنظّم علاقاتنا بالعالم: السرعة، النجاعة، الترفيع في الإنتاجيّة وبالتالي الترفيع في الاستهلاك، ارتفاع إمكانيات التدمير، تطوّر وسائل الاتصال، تغيّر محيطنا السمعي والمرئي … وتكمن أهميّة المستقبليين، في تاريخ الفنّ في القرن العشرين، في قدرتهم على إظهار المحتوى الرمزي لهذا التغيّر وإبرازه. في السياق الذي تمّ الاستعداد فيه للحرب العالميّة الأولى، قام “لويجيروسولو” بكتابة بيانه “فنّ الضجيج” (1913). وابتكر أوركسترا بآلات تصدر ضجيجًا. فما الذي سعى روسولو لإبرازه؟

لمّا كانت الآلات تُصنع عادة، لغاية براغماتيّة (نفعيّة)، فإنّ “روسولو” قد خلق مجموعة من الآلات التي تُصدر ضجيجًا بهدف إنتاج الموسيقى، وقام بتغيير وظيفة الآلة لتنتج تمثّلات رمزيّة. وعمليّة الانحياز الرمزيّة هذه، هي المعنى الحقيقيّ للفعل الفنيّ، وهو ما يميّزه عن التقنية كوسيط مع عالم محدّد ومُمَكْنَن (المَكْنَنَة). من الممكن أن يكون هذا العمل الانحيازي الفني مطابقًا لعمل المخترع أو الباحث الذي يمهّد من خلال اختراعه لتقنية ما لظهور حساسيّة جديدة. وكيفيّة عمل التقنية يأتي بعد عمليّة الاختراع، فهي نتاج سلطة تقديريّة توجّه الاختراع بالارتكاز على عدّة عوامل مثل النجاعة والمردوديّة. ولا شكّ أنّ عمليّة الانحياز الرمزي ستتبع آليًا الاختراع، فالتضارب لا يوجد إذًا بين الفنّ والتقنية، ولكن في طبيعة العلاقة مع التقنية وكيفيّة اشتغالها.

إنّ عمليّة الانحياز الرمزيّ هذه ثنائيّة: فهي تنحاز بالوسائل التقنية التي تحدّد ماهية علاقتنا بالعالم، وتعمل على إعادة اكتساب رمزيّ لما يكوّن محيطنا من خلال جهاز ذي معنى يقطع مع كلّ ما سبقه. هكذا كانت أولى الآلات الموسيقيّة مجرّد أدوات مطبخ بسيطة تمّ تغيير طريقة استعمالها. وعمليّة التغيير هذه حصلت في جلّ الإنتاجات الفنيّة، ولكن وقع حجبها من طرف مؤسّسة الآلات والتقنيات المتخصّصة في إنتاج الموسيقى والفن. والملاحظ أنّ الثورة التقنية المفتوحة في العصر الصناعي تشجّع على تكرار هذه العمليّة بطريقة علنيّة وواضحة.

إنّ الانحياز بآلات إلكترونيّة لإنتاج الموسيقى ليس إلاّ إمكانيّة ضمن الإمكانيّات المفتوحة من خلال إعادة التملّك الرّمزي لآثار الثورة التقنية واحتمالاتها. وهذا المصطلح الفضفاض “موسيقى إلكترونيّة” لا يأخذ بعين الاعتبار أنواع المسارات التقنية التي تعيد تشكيل حقل الممارسة الموسيقيّة والمعاصرة. وتُعرّف الموسيقى التّجريبيّة كمسار فنيّ عبر ثلاث نقاط[16].

–أنّ انفجار مجال الأصوات المحدّدة بموروث الموسيقى النّخبويّة من خلال إقحام مجموعة من الأصوات التي تشكّل محيطنا. الموسيقى لم تعد تمتلك مكانًا خاصًا بها، ولكنّها تتطوّر في قلب الممارسات اليوميّة. وعمليّة التّشكيل (إنتاج مقطوعة صوتيّة) لم يعد مصاحبًا لعمليّة التشيؤ (إدخال سلسلة من الأصوات في نظام مغلق يحدّد الموسيقيّة) ولم يعد مُؤسّسًا على لغة أحاديّة مصطنعة (نظام الدرجة الموسيقيّة مثلًا) في مقابل لغة جماعيّة للاكتشاف اليومي للموسيقى الذي يمرّ عبر الأداء الصوتي، وتتمثّل عمليّة التشكيل في كلّ عمل يقوم به الفنان لخلق نظامه الخاصّ الذي ينظّم بواسطته الأصوات مع مراعاة عامل الزمن.

–أنّ الموسيقى التجريبيّة لا تقصي الممارسة عن طريق التشيؤ الذي يقدّم النتيجة الجماليّة. وهي تضع في نفس المستوى الممارسة والنتيجة. وهكذا تزيح الحدود التي وضعها الموروث النخبويّ بين “الموسيقى” والإنتاج الصوتي في علاقته بالفنّ التشكيلي. والفنّ الصوتي هو تعبير فنيّ ناتج عن هذا التشويش. لأنّها لا تتوخّى المسار الذي يهدف إلى التشيؤ (عزل الصوت في مكان/ فضاء نخبويّ).

لقد قلبت الموسيقى التّجريبيّة وضعيّة الفنان/ الملحّن بوصفه شخصا معزولا أمام عمله (متموضع في فضاء نخبوي). وتتحدّد ممارسة الفنان الصوتي في إطار التقاليد الموسيقيّة “النخبويّة” (لأنّها تتبّع مسارا يهدف إلى التّشكيل) والاكتشاف الصوتي المتواصل (لأنّها لا تتحدّد في فضاء يستبق مجال الممارسة)، بهذا المعنى، فإنّ مكان تدخّلها المفضّل ليس المسرح، ولكن الفضاء الاجتماعي.

–أنّ تدخّلها في الفضاء الاجتماعيّ يتحدّد، في مستوى مختلف عن الممارسة اليوميّة، فهي تنحت وتجعل اليومي ظاهرًا من خلال أعمال انحيازيّة رمزيّة، على أنّ الممارسة الفنيّة التجريبيّة لفنان ما ليست بالضرورة أحاديّة، فهي يمكن أن تتكوّن بشكل فرديّ أو جماعيّ. ويتفوّق الجماعيّ على الفرديّ من خلال إنتاجه وتحقيقه للفضاء باعتباره الغطاء الذي تدور فيه عمليّة الانحياز الرّمزيّ، وهو فضاء اجتماعيّ رمزي تختلط فيه وتنقلب وضعيات الممثلين والمشاهدين وأدوارهم. أمّا الممارسة الفرديّة فلا يمكن أن تنتج فضاء، إذ يظلّ تدخّلها في إطار التكتيك في مساحة مُحَاطة بعوائق رمزيّة يمكن أن يبرزها، ولا يقدر على تحويلها.

تعتبر الممارسة الفنيّة التي نطوّرها في جمعيّة الفنّ الصوتي، استئنافا لهذه الحركة التي تمّ تجاهلها اليوم من تاريخ الموسيقى، وكذلك في تاريخ الفنّ التشكيلي. ذلك أنّ الموسيقى التجريبيّة لا تسعى أن تكون كالموسيقى “النخبويّة” بل تستعمل وسائل “غير نخبويّة” أو “شعبيّة” وهو ما يعني فرض نمط موسيقيّ جديد (مخالف للموسيقى الكلاسيكيّة). فالموسيقى التّجريبيّة تحاول، على العكس، إحباط الهياكل والأشكال المنظّمة للإنتاج والتّقديم الفنيّ للصوت في مجتمعنا، بدءا بمفهوم “النّمط الموسيقي”[17].

وفقا لـ “صوفي غوسلان” و”جوليان أوتافي”، فإنّ مصطلح موسيقى إلكترونيّة يبدو رجعيًا لأنّه يحاول اختزال مسار فنّي في نمط موسيقيّ، هو مجرّد نمط بين مجموعة من الأنماط الأخرى، وإن كان جديدا، شيء جديد للاستهلاك، مصدر جديد للربح الماديّ، وإن كان المصطلح قد عاد بقوّة اليوم، فذلك عائد لأسباب أيديولوجيّة متعلّقة بالسلطة. ولكن هذه السلطة لم تعد تلك التي تهدف إلى ترميم موروث في خطر، بل سلطة الشركات العالميّة التي تسعى لإيهامنا بأنّنا، وحتى نكون مواكبين للموضة الموسيقيّة، أي نكون متجدّدين، لابدّ من شراء آلات إلكترونيّة مصنوعة على المقاس. هكذا، يقع توظيف الموسيقى الشعبيّة والتلاعب بها إعلاميًا وتحويلها إلى موسيقى تجاريّة تتحوّل إلى موضة.

إنّ الذين اعتقدوا أنّهم استقطبوا، هم في الحقيقة مستقطبون.  ذلك أنّ وسائل الإعلام تضع صورة ما تنسيهم جوهر ممارستهم، أي الهدف من استخدام آلات إلكترونيّة. هذه الصورة، التي تنتجها الشركات العالميّة، تجد مساندة من أشباه المثقّفين الذين يبرّرون الهيمنة التجاريّة من خلال خلق تيّارات وحركات طليعيّة بطريقة اصطناعيّة. لكنّ عصر هذه الحركات قد ولّى، ولعلّ خير دليل على ذلك هو انتظار المؤسسات لحركة طليعيّة تضفي شرعيّة على وجودها[18].

5- الموسيقى والذكاء الاصطناعي:

ينطلق الذكاء الاصطناعي من أنّ الآلة تفكّر بالفعل، فهو يهدف إلى فهم طبيعة الذكاء الإنسانيّ عن طريق عمل برامج للحاسوب الآليّ القادر على محاكاة السلوك الإنسانيّ المتّسم بالذكاء. وهذا يعني قدرة برنامج معيّن في حاسوب على حلّ مسألة ما أو اتّخاذ قرار في موقف ما، بناء على وصف لهذا الموقف، والاعتقاد بأنّ البرنامج نفسه قادر على أن يجد الطريقة[19] التي يجب أنّ تتّبع لحلّ المسألة أو للتوصل إلى القرار المناسب بالرجوع إلى العديد من العمليّات الاستدلاليّة المتنوّعة التي تغذي بها البرنامج.

ويعتبر هذا نقطة تحول هامّة يتجاوز ما هو معروف باسم “تقنية المعلومات” التي تتمّ فيها العمليّة الاستدلاليّة عن طريق الإنسان، وتنحصر أهمّ أسباب استخدام الحاسوب في سرعته الفائقة، رغم أنّنا لا نستطيع أن نعرف الذكاء الإنسانيّ بشكل عامّ، في أنّه يمكن أن نلقي الضوء على عدد من المعايير التي يمكن الحكم عليه من خلالها.  منها القدرة على التعميم والتجريد، والتعرف على أوجه الشبه بين المواقف اﻟﻤﺨتلفة والتكيّف مع المواقف المستجدّة واكتشاف أخطاء الذكاء الاصطناعي وتصحيحها لتحسين الأداء في المستقبل.

وكثيرا ما قورن الذكاء الاصطناعيّ خطأ بالسبرانية Cybernétique التي تختصّ بالخصائص الرياضيّة لأنظمة التغذية الراجعة، وتنظر إلى الإنسان كما لو أنه جهاز آليّ، بينما يهتمّ علم الذكاء الاصطناعيّ بالعمليّات المعرفيّة التي يستخدمها الإنسان في تأدية الأعمال التي نعدّها ذكيّة. وتختلف هذه الأعمال اختلافا بيّنا في طبيعتها. ويبدأ الباحث في علم الذكاء الاصطناعي عمله أولا باختيار إحدى الأنشطة المتُّفَق على أنّها “ذكيّة”، ثم يضع بعض الفروض عمّا يستخدمه الإنسان لدى قيامه بهذا النشاط من معلومات واستدلالات، ثم يدخل هذه في برنامج للحاسوب الآليّ، ثم يقوم بملاحظة سلوك هذا البرنامج. وقد تؤدّي ملاحظة البرنامج إلى اكتشاف أوجه القصور فيه مما يُفضي إلى إدخال تعديلات وتطوير في أسسه النظريّة، وبالتالي في البرنامج نفسه، ويؤدي هذا بدوره إلى سلوك مختلف للبرنامج وما يستتبعه من ملاحظة وتطوير.

يهدف عالم الرياضيّات إلى إثبات أنّ هناك خوارزما algorithme للتوصّل إلى حلّ لقضيّة ما في عدد من الخطوات لا يزيد مثلا عن سبع خطوات، بينما يستخدم المشتغل بالذكاء الاصطناعيّ كلّ مهاراته لوضع’ برنامج لحلّ مبنيّ على طرق استدلال سليمة، أما عدد الخطوات التي يتطلبها الحل فليس لها الدرجة الأولى من الأهميّة، فالاتّجاه السائد في الذكاء الاصطناعي هو أنّ مبادئ التنظيم الجيّدة أهمّ من سرعة الحساب، ويبرز دور الرياضيات على المستوى المنطقي. وعلى الرغم من أنّ أكثر فروع المنطق وضوحا في أذهان الباحث هو المنطق الاستنباطي La logiquedéductive، فمن المؤكد أنّه أقلّ أهميّة من المنطق الاستقرائي أو الاستدلالي la logique inductive inferentielle في معظم أنشطتنا المتعلقة بالذكاء[20].

 عرّف “مكارثي” و “هايس”، الذكاء الاصطناعي تعريفا مقتضبا، ولكنه يحمل حاليًا مذاهب مصمّمي الروبوتات البحثيّة في كاليفورنيا، فقال: “سنقول إن الكيان الذكيّ هو الذي يمتلك نموذجا ملائما للعالم الرياضي (بما في ذلك العالم الفكري والذي يجب أن يضاف إليه فهم للغايات الخاصة به والقدرة على أداء العمليات العقلية الأخرى)، إذا كان هذا الكيان قادرا على الإجابة، وفقًا لهذا النموذج، على مجموعة واسعة من الأسئلة و قادرا أيضا على الحصول على معلومات إضافيّة من العالم الخارجيّ، كلّ مرّة إذا كان ذلك ضروريّا وفي السياق المحيط به، وأداء أيّ مهمّة تتطلبها أهدافها والتي تسمح بها قدراته الفيزيقية”[21]. ولسائل أن يسأل: هل يمكن لمفاهيم الذكاء الاصطناعيّ أن تنطبق على البحث الموسيقي؟ وما كيفيّة استخدام الأساليب الاجتهاديّة والتعرّف على الأشكال في مجال الظواهر الصوتية؟ أخيرًا، على مستوى أكثر عموميّة، إذا ثبت أنّ هذه التطبيقات مجدية، ما هي الأهداف (الإنسانيّة والجماليّة) التي ستخدمها؟ وما هو الوجه الإيجابي في النهاية لخلط الموسيقى وأجهزة الكمبيوتر؟

على الرّغم من أنّ المعلوميّات قد تمّ إدخالها بالفعل على نطاق واسع في العديد من الأساليب “الموسيقية”، إلا أنّ استعمالاتها تبقى غالبا موضع تساؤل[22]، لأنّ ذلك يتطلّب جهودًا كبيرة ومتزامنة للعديد من التخصّصات، إضافة إلى أنّ العمل الموسيقي هو عبارة عن تكوين من عناصر صوتيّة تتشكّل في بنية، وتأتي أهميّته وقيمته من أنّ كلّ كائن صوتي (الجرس، صوت إلكتروني)، وكيفما تمّ دمج هذه العناصر المختلفة، يشكل هيكلا شاملا. ويبدو أنّ “المشكلة” العظيمة للموسيقى المعاصرة هي عدم وجود لغة مناسبة لتمثيل الأشياء الصوتيّة الأوليّة وكذلك لوصف البنيات الموسيقيّة (التأليف) التي يتم دمجها، من هذا المنظور يمكننا أن نتصوّر المساهمة الممكنة لأساليب الذكاء الاصطناعي[23].

إنّ الجهاز المناسب، الذي يجعل من الممكن تقليل أبعاد المشكلة يتمثّل في إنكار الحاجة المسبقة إلى لغتيْن متميّزتينْ، واحدة تصف الأشياء، والأخرى تبنيها وتصوّر مجالات الصوت والموسيقى على أنّهما كلّ واحد، مع عدم وجود انتقالات كبيرة عندما نعتقد أنّنا نتحرّك من واحد إلى آخر.  بمعنى آخر، يتألّف الجهاز من تجاهل أي مستوى وسيط بين المادة الصوتيّة الخام والتشكيل المنظّم للعمل الموسيقي. لا تتحدى هذه الفرضيّة وجود هذه المستويات المتوسّطة، لا بالنسبة إلى مؤلف ولا إلى مستمع، لأن التاريخ الكامل للموسيقى يظهر ذلك أيضًا. ومن الواضح أن الأصوات المنظمة بالدرجات؛ (التي تؤكد ببساطة أن التحليل “الميكانيكي”، أو على الأقلّ غير المجسم لظاهرة الموسيقيّة) لا تنطوي على مراعاة جميع المستويات التقليدية لمعنى الرسالة الموسيقية[24].

إنّ الذكاء البشريّ يحتاج إلى هذه المراحل المتوسّطة بين المواد الصوتيّة الخام ومعناها الموسيقي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، سيكون الذكاء الاصطناعي أكثر ملاءمة للمسار المباشر. ولن ينكر أحد أن ملاحظة وجود مسار غير مباشر بين العمل الصوتيّ والموسيقيّ هي حجّة منطقيّة لصالح وجود طريق مباشر، فتسمّى “الموسيقى” “أي سلسلة متصلة من التصوّرات الصوتيّة التي نحن على استعداد لربط السّمات الموسيقية بها، تتمثل أولى سماتها في الحقيقة البسيطة المتمثّلة في تسمية “الموسيقى” بما نستمع إليه. وبصرف النظر عن هذه السمة الأساسيّة الموسيقيّة، يمكننا العثور على جميع السمات الأخرى في مجموع الأفكار التي كانت لدينا دائمًا في الموسيقى، من الصفات التي لا تعدّ ولا تحصى المستخدمة لوصف الدرجات الزمنيّة إلى أكثر المفاهيم تعقيدًا المستخدمة لتحديد معنى الأعمال الموسيقية، وتقدم جميع أنواع الموسيقى هذه الثنائية بين الأصوات (القطب الملموس) والمفاهيم (القطب المجرد). أما بالنسبة إلى الروبوت الموسيقي، فليس هناك بالطبع أي مشكلة في تقديمه، بأيّ شكل من الأشكال، مع الأسباب التي تجعل البشر يربطون هذه الصفات الموسيقيّة أو تلك بمثّل هذه الظواهر الصوتيّة أو تلك.

هذا، ويُنصح “بتزويده بالبيانات التي يستوعبها تمامًا: نعني من ناحية أولى، وصف كامل لسلسلة الصوت التي نرغب في تعيين سمة موسيقيّة لها، ومن ناحية أخرى، وصف دقيق للصّفات المعيّنة. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، سلسلة من عشرات العلامات الموسيقيّة التي نعرّفها على اعتبارها “لحنا عسكريا بعزف على البيانو”، فمن الضروريّ أن نشير إلى الروبوت: لماذا تدرك فئة معينة من المستمعين هذه الظاهرة الصوتيّة على هذا النحو؟ من الممكن تمامًا إعطاء الروبوت الموسيقي وصفًا كاملاً لهذا التواصل الصوتي، مع تسمية تتكوّن من كلمات رئيسية: “اللّحن العسكري، اثنتا عشرة نوتة، بيانو. والمقصود بـالوصف الشامل لهذه السلسلة الصوتيّة هو ببساطة مجموعة من عينات الضغط المجهري اللازمة لتحقيق هذه الظاهرة الصوتية”[25].

وهذا يعني -على المستوى العام -أنّ التقدير الموسيقيّ هو فقط نتيجة تجربة موسيقيّة بحت، وأنّ الأفكار التي يمتلكها المرء للموسيقى تعتمد على المعرفة بالموسيقى فحسب، وهو ما يعني افتراض أنّ مجال التقدير الموسيقي مغلق في حدّ ذاته. تتمثّل المهمة الأساسيّة للروبوت الموسيقي في تحديد الموسيقى الشائعة التي تُطبق عليها “ملصقات” مماثلة بشكل عامّ. وغني عن القول أنّه في البداية على الأقلّ، فإنّ “الحدس” لأولئك الذين سيكتبون برامج الكمبيوتر الروبوت في نهاية المطاف مجرد مجموعة كبيرة من البرامج سوف تعكس إلى حدّ ما معنى التسميات. فهل يمكننا أن نتخيّل أنّ الكمبيوتر قادر، من عينات مجهريّة تمثّل بشكل مثالي أي ظاهرة صوتيّة، التعرّف على الأشكال التي ستكون في أساس المفاهيم الموسيقية؟ للإجابة على هذا السؤال الأساسي، يقترح “سكيفاغتون””Skyvington William” فرضيّة بعبارات عامّة للغاية، إذ يمكن صياغتها على النحو التالي: أي ظاهرة صوتيّة يمكن تفسيرها على أنها رسالة موسيقيّة من قبل مستمع بالفعل في حدّ ذاته، ويتوفّر على جميع المعلومات اللاّزمة لتمييز معنى الرسالة الموسيقيّة. من الواضح أنّ الروبوت الموسيقي الذي يعمل على هذه القواعد لن ينجح أبدًا في تعلّم كيف يتجمّع المستمعون تحت تسمية “موسيقى بيتهوفن”. وبعبارة أخرى، سيتعين على الروبوت الموسيقي أن يتعلّم بالمعنى الدقيق للكلمة المفاهيم الحقيقية التي تنبثق فقط من المعلومات الموجودة في الظواهر الصوتيّة.

إنّ العيّنات الرقميّة الناتجة عن التحويل التّماثلي الرقميّ لظاهرة الصوت ستتحوّل بلا شكّ بواسطة الكمبيوتر وفقًا للعمليّات الرياضيّة التي تحاكي تشغيل “معالجة المعلومات” بالأذن البشرية. أي سيتمّ البحث عن نماذج من الرسومات الناتجة عن التحوّلات الرياضيّة. وبعبارة أخرى، نعتبر عمل الأذن كعمليّة رياضيّة وعمل الدماغ كعمليّة تصويريّة (أو بصرية). من طرف إلى آخر في تطوير برامج الروبوت، سوف نستغل نهجًا اجتهاديا بالمعنى التجريبي: سيتمّ التحقق من كل اقتراح/ نموذج يقدمه الروبوت عن طريق الرجوع المنتظم إلى اختبارات المواد الصوتيّة الجديدة؛ نستنتج فقط أنّ الروبوت “يفهم” في الواقع معنى مفهوم موسيقي معيّن حتى ينجح في تصنيف أمثلة جديدة للموسيقى على أساس هذا الشكل. وبالتالي، لن يفهم الروبوت حقًا “الجميل” في الموسيقى حتى يتّفق مع مستمع بشري للعثور على موسيقى جديدة، هل هي جميلة أم لا. ربما يجب أن ننتظر حتى نكون هناك لتطوير موضوع الغايات التي يمكن أن تخدم هذا الروبوت. ستعتمد فائدتها، على أيّ حال، على جودة بيئتها الموسيقية. هذا هو التحدي أمام مستخدميها الفنانين[26].

إذا كانت التكنولوجيا الرقميّة تحتوي على موسيقى غير ماديّة، فهل سيزيل الذكاء الاصطناعيّ الفنان نفسه؟ وهل الذكاء الاصطناعي قادر على خلق الفن؟ سؤال يستحقّ أن يطرح، لأنّ هذا السيناريو يميل إلى أن يصبح حتميّا، ما علينا سوى إلقاء نظرة على التأثير الذي أحدثه إنشاء برنامج “الموسيقى بمساعدة الكمبيوتر”(MAO)  على موسيقى الراب، الذي يمنح الفرد فرصة للتأليف دون أن يكون موسيقيًا “محترفًا”. الطريقة التي انتشر بها الراب تؤكد بوضوح تامّ أنّ التقدم التكنولوجي الرقمي يغذّي مباشرة التطورات الموسيقيّة والصناعيّة والاقتصاديّة المرتبطة بالراب. إنّ العلاقة بين الرقمية والهيب هوب علاقة توأميّة، وكلاهما بمثابة ثورات في التاريخ، الأولى صناعيّة وتكنولوجيّة، والثانية ثقافيّة وموسيقيّة.

فهل أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على خلق فنّ موسيقىّ؟ 

ليس مما يدخل في الذكاء الاصطناعيّ أن تُترك مساحة كبيرة للفنانين الذين يختارون عدّة أغان لإدخالها في قاعدة البيانات، ثم يقوم المبدع والحاسوب بتحرير جميع الأعمال النهائيّة قبل الضغط عليها على القرص. وإن كان جوهر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بشكل أعمّ هو مساعدة وتحسين وتبسيط الحياة اليوميّة للإنسان. إذ الموسيقى ليست سوى حسابات رياضيّة. وكلّ الأشياء يمكن تحسينها من خلال الآلة.

 حولت نظرية الاستبدال الروبوتيّة الكبيرة الأوهام العامّة إلى حقيقة واقعية. وفعلا ففي عام 2016، طور باحثون في جامعة تورونتو نظام ذكاء اصطناعي قادر على إنشاء أغنية عيد الميلاد وغنائها وعرض “غوغل” Google على سبيل المثال، في العام نفسه أوّل عمل لبرنامج “Magenta”، بهدف تدريب آلة على تأليف الموسيقى بمفردها. وأنشأت سوني Sony نظام الذكاء الاصطناعي “Flow Machine” الذي يهدف إلى إعادة إنتاج العمليّة الإبداعيّة للفنّان: التركيب، الترتيب، المزج. ويعد مفهوم التعلم الآلي أمرًا ضروريًا، والأمر يرجع إلى البرنامج لاقتراح جميع العناصر التي تدخل في مفهوم الأغنية: الأدوات والأنماط والمقاييس والإيقاعات، من خلال قاعدة بيانات كبيرة.

وإذا كان هدف الفنان هو استخدام الأدوات الجديدة التي طوّرتها التكنولوجيا لإيجاد طرق جديدة لخلق الفن، فإنّ الذكاء الاصطناعيّ قادر على التعلّم والتفكير والتصميم وحده، ويمكنه أن يجعل وضع الفنّان غير مستقرّ. في النهاية، يمكن القول إنّ السؤال المفترض: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع الفنّ؟ قد اتّخذ صيغة أخرى مفادها: هل يمكن اعتبار الإبداع المولود من الذكاء الاصطناعي عملاً فنيّاً؟ السؤال فلسفي بلا شك، ويجب أن تقدّم الإجابة عليه في المستقبل، وذلك من أجل تجنب تعقيد العلاقات المتوتّرة بالفعل بين العلم والفن، لكن ليس هذا هو الخطر الذي يمكن أن تتوقّعه، بل الخطر يكمن في الآتي: كيف يمكن ضمان حقوق الملكيّة لفنانين ينتمون إلى الشركة المعنية، إذا قام الذكاء الاصطناعي الفني بإضفاء الطابع الديمقراطي على عالم الموسيقى؟

  • انتشرت آفة قرصنة الأعمال الموسيقية مع انتشار التكنولوجيا الحديثة، خاصّة مع ظهور الفيديو والأقراص المرنة. وبقدر ما أتاحت الإنترنيت للموسيقيين التواصل والتقاسم والترويج لأعمالهم، سهلت تفشّي هذه الظاهرة الخطيرة، وهو ما يعرض حقوقهم للضياع، وتمثّل ظاهرة القرصنة الرقميّة تحديا خطيرا يهدّد المبدعين وقطاع الإنتاج الموسيقي برمته. فقد أصبح من السهل نشر كل ما يقدم على الخشبة بصفحات الويب وبسرعة مذهلة بالصور المتحركة الحيّة، نظرا إلى الانتشار الواسع لأجهزة التصوير والتسجيل الرقمية الذكية من هواتف محمولة متطوّرة وكاميرات صغيرة الحجم وفائقة الدقة، وبرامج مذهلة لمعالجة تحسين الجودة، فضلا عن انتشار الحاسبات اللّوحيّة والمحمولة المتعدّدة الوظائف. كما توفر التكنولوجيا الرقمية إمكانات لنسخ الأعمال مقابل أثمان بخسة.
  • ستستمرّ التحوّلات الرقميّة، بلا شك، في فرض رهانات جديدة على الموسيقيّين في عالم اليوم، نظرا إلى السرعة المذهلة في تقدّم الثورة العلمية في مجالات المعلوماتية. وستواجه دائما هذه الرهانات تحديات لا تقلّ خطورة عن آفة القرصنة، بل إنّ التحدي الأكبر للموسيقى الرقميّة يكمن في تحقيق الجودة الموسيقيّة. وسيبقى سؤال الجودة هذا مطروحا ليضع في الميزان الكمّ الهائل من المنتوجات الموسيقية المتشابهة والمكرّرة والسطحيّة التي تستجيب للحاجات المستعجلة والملحاح للفضائيّات والمواقع الرقمية… فالكثير من الأعمال تنتج يوميّا. والكثير منها أيضا يأفل نجمه في كل لحظة. ولا تصمد في وجه زوابع هذه التحوّلات إلا الأعمال القوية والعميقة[27].
  • سيكون هناك حتماً فنانون تتلخّص حياتهم اليوميّة في المطالبة بحقوقهم. ويمكننا أن نتوقع بالفعل أنّ السياسات المتعلقة بحقوق الموسيقى والقرصنة وحقوق التأليف والنشر ستزداد صرامة. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أنّه إذا كان التعلّم الآلي سينتشر بشكل كبير في عالم الموسيقى، فإنّ منصّات البث ستكون لها اليد العليا، ذلك أنّ نقاط القوة الرئيسية لـ Spotify وDeezer وApple Music-على سبيل المثال لا الحصر -هي قائمة التشغيل الخاصة بهم. لذا، إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يؤلف وينشئ تلقائيًا موسيقى الراب، والكهربائية، والبوب​​، وأجواء التلقي، وما إلى ذلك فأيّ مكان سيبقى للفنان؟

وإذا كانوا قد تمكنوا من ملء أغنيات مختلفة على المنصّات دون كلل، فيمكنهم أيضًا تقليل رسوم الفنانين، حيث سيتم استبدالهم بآلة واحدة أو اثنتين مملوكتين للشركة. لم يعد الهدف من Spotify هو إنشاء أفضل قائمة تشغيل، ولكن بناء أفضل آلة، وكتابة أفضل خوارزم algorithme لتميز نفسها في تلك المنافسة الشديدة، ولم تعد الشركات تبحث في واقع الأمر، عن أفضل فنّان، ولكن عن أفضل عالم قادر على خلق أفضل فنان اصطناعي.

6- الخاتمة:

  • أصبحت الموسيقى تتبوّأ مكانة هامّة ضمن فنون التعبير الرقميّ بمختلف الوسائط الحديثة، وبشبكة الويب خاصة. وتجد مختلف الفعاليّات والمهن الموسيقيّة ضالتها في الإمكانات الهائلة التي تتيحها التكنولوجيا الرقميّة في مختلف المراحل والعمليّات التي يمر منها العمل الموسيقي، بدءا من الفكرة، وصولا إلى الإنتاج والإشهار والتسويق.  ولم تعد الطرائق التقليديّة مجدية للاشتغال في هذا المجال الآن، كما في باقي مجالات الإبداع الأخرى، وأصبحت التحولات الرقميّة تفرض على العاملين في المجال الموسيقيّ الحاجة إلى تأهيل الحقل الموسيقي برمته من أجل مواكبتها.
  • وتبرز المعرفة المعلوماتيّة في صدارة هذه الحاجة، ويتطلّب نجاح العمل الموسيقي الحرص على الابتكار والتجديد، في إطار من التواصل والتفاعل مع دوائر المبدعين الموسيقييّن، في العالميْن الواقعي والافتراضي. وقد اتّخذ الاتّجاه نحو العالميّة منحى يرمي إلى إبراز الخصوصيّة النغميّة والإيقاعيّة، في ظل المثاقفة الموسيقيّة باعتبارها تبادلا متفاعلا للتأثير، أو تحت رحمة التثاقف الموسيقي، عندما يتعلّق الأمر بممارسة التأثير الكاسح لثقافة موسيقيّة على أخرى. ويستدعي ذلك كلّه ضرورة تطوير كفايات الاختيار، لتمتين المناعة الثقافيّة الكفيلة بالحفاظ على هويّتنا الموسيقيّة. لكن أخطر تحدّ غدا يواجه المبدعين الموسيقيّين هو آفة القرصنة في غمرة الثورة الرقميّة. وهو ما أفرز الحاجة إلى العمل التشاركي في هذا المجال، وتنسيق مختلف الجهود لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة[28].

وإذا نظرنا إلى الفنّ بأعين المفكّر الجمالي وجدنا أنفسنا إزاء مشكلات عدة مثل: ما هو الفن؟ وما هو هدفه؟ وهل ينبغي أن يحاكيَ الطبيعة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ما هي أوجه الطبيعة التي يجب أن يحاكيَها؟ وهل يجب على الفن أن يضفيَ على الطبيعة صفة مثاليّة؟ أم أن من الواجب أن نتخلى عن نظرية المحاكاة برمتها، ونقول إنّ الفن تعبير عن استجاباتنا للطبيعة.

ويظلّ السؤال مطروحا حول العلاقة بين الفلسفة والعلم والفن، على اعتبار أن الموسيقي بوصفها فنّا قد شكّلت -كما أبرزنا – أحد أهمّ اهتمامات الفلسفة والعلم، إلا أنها ظلت ومازالت أيضا موضوع اهتمام الجماليات والأنطولوجيا والميتافيزيقا.

ونشير في هذا السياق، إلى أنّ “إليزابيث غروس” “Grosz Elizabeth” قد ختمت مقالها حول برغسون ودولوز بالقول: إنّ”الفلسفة ليست هي التأمّل أو التفكير في هذا البناء الخالد الّذي لا يكفّ عن التغيير، بل هي إطلاق، وفضفضة وتحرير لتلك القيود المفاهيميّة والتداوليّة التي تعمل على تثبيت الأشكال العلمية للمعرفة وتصليبها، وتلك التي سخرت، على الرغم من كبحها في إطار، أي في الحدود المطلوبة للعمل الفني، إذ الفلسفة هي تعبئة قوّة الاختلاف حين يهيمن الجمود والسكون على الفكر؛ وهي تحرير للصيرورة من كلّ اتّجاه محدّد، والاستحواذ على الصيرورات المؤقتة من فوضى الوجود. هي الصيرورة الفنيّة للمعرفة العلميّة والصيرورة العلميّة للإبداع الفنيّ، وخلق شيء جديد، ليس من خلال الإحساس أو العاطفة، ولكن من خلال المفاهيم التي تنهل من المصدر نفسه، الاختلاف الذاتي الديمومي )والذي يدركه دولوز ككلانية)، مما يجعل العلوم والفنون ممكنة، ولكن يحدّد كل منهما الآخر في مكانه الملائم. والفلسفة، كذلك، هي تراجع عن عدم تصيير هذا المكان المناسب، وتحرير المكان والفضاء نفسه، والعودة إلى تدفّقات الصيرورة التي تشكل الواقع.  وهكذا، تتم استعادة الفلسفة، ليس كحاكم مفاهيمي لمواقع، ولكنه جيد التراجع عن/ وإعادة الفعل، الصيرورة اللاّصيرورة، التي تقارب الواقع مع تعقيد متزايد، جيّد تصميم مفاهيم تناسب الواقع بكفاية أكبر. الفلسفة، هي متعة المفاهيم كما يقول دولوز، وتكثيف التأثير والعاطفة والحسّ، وتضخيم وتحويل ما يعرفه العلم، وما يصنعه الفن”[29].


7- المصادر والمراجع:

المراجع العربيّة:

  1. أبا دير رامي، علاقة تطوّر المكان بالموسيقي، 2014: https://ma3azef.com.
  2. آلان بونيه، ترجمة: علي صبري فرغلي، الذكاء الاصطناعي، واقعه ومستقبله، عالم المعرفة عدد 172، أبريل 1993.
  3. الحجاري عبد القهار، الموسيقى الرقمية تحديات ورهانات، https://www.arabmusicmagazine.com .
  4. غروس إليزابيث، برغسون، دولوز، ولا-صيرورة الصيرورة، ترجمة : أماني أبو رحمة.

المراجع الأجنبيّة:

  1. Boulez, Pierre, “Jalons (pour une décennie)”, Christian Bourgois Editeur, Paris, 1989, p.109-139.
  2. -Deliège C, “Variables historiques du concept de recherche musicale”, in Quoi? Quand? Comment? La recherche musicale, Paris, Bourgois, 1985.
  3. Gosselin Sophie et Julien Ottavi, L’électronique dans la musique, retour sur une histoire, Volume! La revue des musiques populaires, Édition électronique URL: http://journals.openedition.org/volume/2443.ترجمة البوسالمي ضياء https://ma3azef.com
  4. Grosz Elizabeth (2005). Bergson, Deleuze and the Becoming of Unbecoming. Parallax, vol. 11, no. 2,2005, pp 4-
  5. Holmes, Thom, Electronic & Experimental Music, New York, Routledge, 2002, pp 6-8.
  6. Kosmicki, Guillaume, Musiques électroniques : des avant-gardes au dance floors, Marseille, Le Mot et le Reste, p. 15.
  7. Leonardo, Olats & Jean-Yves Leloup, Qu’est-ce que la musique électronique? décembre 2011 : ly/yLd9 .
  8. Ligeti, Gyôrgy : “Olgi” in revue Silences N° 1, Ed. De la Différence, Paris, 1985,p.43-44
  9. J et J.E. Hayes: «Some Philosophical Problems from the Standpoint of Artificial Intelligence» in Machine Intelligence 4, B. Meltzer et D. Michie (Edimburgg University Press, 1969).
  10. Schaeffer P, Traité des Objets Musicaux, Paris, Seuil, 1966.
  11. Skyvington William. Musique et intelligence artificielle. In: Communication et langages, n°10, 1971. pp. 31-42: ly/wTN9.

-[1] بواسطة الجسم الصوتي نعني الصوت نفسه، تعتبر في طبيعتها السليمة، وليس الكائن مادة (أداة أو جهاز) مصدرها.

[2]-Schaeffer P., Traité des Objets Musicaux, Paris, Seuil, 1966.

Schaeffer est l’inventeur de la “musique concrète”, qu’il définit ainsi, en 1948 : Au lieu de noter des idées musicales par les symboles du solfège, et de confier leur réalisation concrète à des instruments connus, il s’agit de recueillir le concret sonore, d’où qu’il vienne, et d’en abstraire les valeurs musicales qu’il contenait en puissance (…). Contrairement à la peinture, la musique s’est d’abord élaborée sans modèle extérieur, ne renvoyant qu’à des “valeurs” musicales abstraites, et devient “concrète” (ou “figurative”) lorsqu’elle utilise des objets sonores puisés directement dans le “monde extérieur” des sons naturels et des bruits donnés

-[3] رامي أبادير، علاقة تطوّر المكان بالموسيقي، 2014. https://ma3azef.com

[4]-Leonardo/Olats & Jean-Yves Leloup،décembre 2011,Qu’est-ce que la musique électronique? https://www.olats.org/livresetudes/basiques/musiqueelectronique/1_basiquesME.php.

[5]Contrairement à la musique concrète, qui se sert d’enregistrements réalisés à l’aide de microphones, Lesson est produit par un générateur de son et gravé sur bande magnétique. C’est alors seulement que commence son élaboration par des manipulations de bandes, compliquées et différenciées”

[6] -Kosmicki, Guillaume, Musiques électroniques : des avant-gardes au dance floors, Marseille, Le Mot et le Reste, p. 15.

[7] -Holmes, Thom, Electronic & Experimental Music, New York, Routledge, 2002, pp 6-8.

[8] -Boulez، Pierre, 1989: “Jalons (pour unedécenie)”, Christian Bourgeois Editeur, Paris, pp109-139. “Le rapport structure/matériau, est celui qui conditionne la réciprocité de gestes entre le compositeur et … la technologie de réalisation…”

[9]-Ligeti،Gyôrgy, 1985: “Oggi” in revue Silences N° 1, Ed. de la Différence, Paris p.43-44″la pensée qui entoure cette technologie: une pensée structure à différents niveaux d’abstraction, une pensée en signaux”

[10] -Ligeti،Gyôrgy, op. cit., p.43-44.

[11]عبد القهار الحجاري، الموسيقى الرقمية تحديات ورهانات، https://www.arabmusicmagazine.com/item/768-2020-10-13-14-06-07

[12]-Sophie Gosselin et Julien Ottavi, L’électronique dans la musique، retour sur une histoire،Volume! La revue des musiques populaires, Edition électronique URL: http://journals.openedition.org/volume/2443.

[13]-Sophie Gosselin et Julien Ottavi،Ibid.

[14]-Ibid.

[15]– يقع نسيان العديد من الأنماط الموسيقيّة الشعبيّة الأقل ظهورًا في الإعلام مثل الموسيقى الصناعيّة والتي تعتبر محوريّة في تاريخ تطوّر الممارسات الموسيقيّة المعاصرة. يمكن الاطلاع في هذا الإطار على مقال إيمانويل غرينزبان المنشور سنة ١٩٩٨ بعنوان الموسيقى الصناعيّة وموروثها.

[16]-Sophie Gosselin et Julien Ottavi, Op.cit.

[17]– Sophie Gosselin et Julien Ottavi. Op.cit.

[18]– Sophie Gosselin et Julien Ottavi, Op.cit.

[19]– خلاف برامج الحاسب التقليدية حيث تكون خطوات حلا لمسألة واضحة ومحددة ويتولى البرنامج ترجمة هذه الخطوات المحددة إلى برنامج باستخدام لغات البرمجة.

[20]-آلا نبونيه، ترجمة: علي صبري فرغلي، الذكاء الاصطناعي، واقع هو مستقبله، عالم المعرفة عدد 172، أبريل 1993، ص11-13.

[21] -J. McCarthy et J.E. Hayes: “Some Philosophical Problems from the Standpoint of Artificial Intelligence» in Machine Intelligence 4, B. Meltzer et D. Michie (Edinburgh University Press, 1969).

[22] -Skyvington William. Musique et intelligence artificielle. In: Communication et langages, n°10, 1971. pp. 31-42, http://www.persee.fr/doc/colan_0336-1500_1971_num_10_1_3866, Document généré le 05/01/2016

[23]Ibid, pp. 31-42.

[24] -Skyvington William. Op. cit., pp. 31-42.

[25] -W. Skyvington: Un nouveau instrument de musique: l’ordinateur», in Communication et Langages, n° 8.

[26]-Skyvington William. Op. cit., pp. 31-42.

[27]عبد القهار الحجاري، الموسيقى الرقمية تحديات ورهانات، مرجع سابق.

[28]المرجع السابق.

[29]-Elizabeth Grosz (2005). Bergson, Deleuze and the Becoming of Unbecoming. parallax, vol. 11, no. 2, 4–13. إليزابيث غروس، برغسون، دولوز، ولا-صيرورة الصيرورة، ترجمة: أماني أبو رحمة.

مقالات أخرى

الغشّ في امتحان البكالوريا واستخدام التكنولوجيات الحديثة

تفكيك القيم في الشعر العربي القديم

التّشكيل اللّغويّ في شعر أحمد المعداوي

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد