التربية الجنسية في الفلسفة الكانطية

 

1- مقدمة:

إنّه لمن الغرابة بمكان أن معظم المفكرين التربويين الذين تناولوا التربية الجنسية عند كانط لم يصنفوها ضمن حقل التربية الأخلاقية، واكتفَوْا بوضعها تحت عنوان التربية العملية، وهو التصنيف الذي اعتمده رينك تلميذ كانط ومنسق كتابه “تأملات في التربية “. ولكننا، على خلاف ذلك، نرى أن التربية الجنسية تقع في صميم التربية الأخلاقية، ولا يمكنها أن تكون خارجة عنها. ومن المعروف أن التربية الجنسية هي من أكثر مظاهر الحياة الإنسانيّة ارتباطا بالأخلاق، ولا سيّما قيم الحقّ والباطل والحلال والحرام. ويمكن القول أيضا إن هذه التربية تشكل دائما القضية المحورية التي اهتمّت بها الشرائع الأرضية والأديان السماوية جميعها. وربما لا نبالغ في القول أيضا إنّ العلاقة بين الجنسين تشكل أخطر مظاهر الحياة الأخلاقية وأعمق جوانبها في المجتمعات الإنسانية منذ الأزل. ومن المعروف لدى القاصي والداني أن الشرائع الدينية والمدنية شغلت بتنظيم العلاقة الجنسية بين المرأة والرجل وفق أنساق عريضة من القيم الأخلاقيّة الّتي لا يمكن تصنيفها أبدا خارج السياق الأخلاقي للعلاقة بين الإنسان والإنسان عامّة..

وبات واضحا لنا أنه لا يمكننا الخوض في فكر كانط التربوي إلا في ضوء فلسفته الأخلاقية النقدية. وعلى هذا المنوال ترتبط التربية الجنسية في أبسط تجلياتها بالأخلاق وبالروح الفلسفية النقدية لديه. وهنا تكمن صعوبة الخوض في قضية التربية الجنسية كما هو الحال في مختلف أشكال التربية الكانطية. ومن المعروف تمام المعرفة أن النظام الفكري عند كانط يتكامل ويتفاعل متّخذا هيئة نظام فكري شامل أساسه فلسفيّ متعدّد الأبعاد. وعلى هذه الصورة لا يمكن تناول آرائه في العلاقة بين الجنسين إلا في ضوء الواجب والقانون الأخلاقي الذي أقره قيمة أخلاقية عليا في الفكر والوجود.

2- الجنس في منظور كانط:

لا يستطيع كانط أن يتناول المسألة الجنسية خارج إطارها الفلسفي الأخلاقي. وهو في سياق تأملاته وتناوله للتربية الأخلاقية في مجال العلاقات الجنسيّة يحاول وضع هذه العلاقات في موقعها ضمن التصميم الأخلاقي لفلسفته، ويسعى إلى أن يحدد القيم الأخلاقية التي يجب أن تحكم العلاقة الجنسية بين الجنسين.

 ولم يكن لكانط وهو يتطرّق لهذه المسألة أن يتجاوز قانونه الأخلاقي الغائي الذي يقول: “اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانيّة في شخصك وفي شخص الآخرين على أنّها غاية وليس أبدا أنّها مجرّد وسيلة”. ويوجب هذا القانون أن تكون العلاقة بين الإنسان والإنسان علاقة غائية على وجه الإطلاق، ويقضي بأن يكون التعامل الجنسي مع الآخر غائيا. وعلى هذا الأساس يكون التعامل مع الآخر الإنساني، باعتباره أداة، انتهاكا فاضحا للأخلاق والقيمة الخلقية. ويعني هذا أن أي تعامل يكون فيه الإنسان وسيلة عمل يتنافى مع القيمة الأخلاقية العليا للواجب. وعلى أساس هذا القانون الأخلاقي الرئيس يجب أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة غائية لا وسيلية. فيجب أن تنطلق أي علاقة جنسية مهما يكن مداها وطبيعتها من الصورة الغائية للعلاقة بين الإنسان والإنسان رجلا كان أم امرأة، وإن أي علاقة وسيلية يجعل فيها الواحد من البشر الآخر موضوعا لرغباته هي علاقة مجردة من أي قيمة أخلاقية، وهي عدوان صريح ضد الأخلاق والقيم الأخلاقية.

وتأسيسا على هذا القانون الغائي يضع كانط الغريزة الجنسية اللذوية في رتبة وضيعة، بوصفها غريزة طبيعية تهدف فقط إلى المحافظة على النوع الإنساني، وهي بطبيعتها اللذوية تتعارض مع المبدأ الأخلاقي.

 ويذهب كانط إلى القول إنّ أي علاقة جنسية مهما كانت وظيفية تنطوي على شكل من أشكال اللذة والمتعة، كما أن تحقيق الغاية الطبيعية من هذه العلاقة (=الإنجاب) لا يتأتّى إلا عبر اللذة الشهوانية، واللذة الشهوانية هي لذة أداتية تخرق القانون الغائي. ففي أي لذة جنسية يتحول الشريك إلى أداة وموضوع متعة لشريكه الآخر. وتأسيسا على هذه الرؤية يدين كانط جميع اللذات الشبقية ومنها اللذة الجنسية بوصفها فعلا يتناقض مع الواجب الأخلاقي الغائي.

وقد بالغ كانط إلى حدّ كبير في الاعتقاد أن أي ممارسة جنسية لا تقوم على أساس قانون الحفظ البشري ستكون ممارسة ضد الأخلاق والقانون الأخلاقي، فتعرض لكثير من النقد في هذا المجال. وكما يبدو، فإن وظيفة العلاقة الجنسية عند كانط هي الإنجاب تحديدا ولا تكمن قيمة الجنس في متعته بل في وظيفته الحيوية الأمثل المتمثلة في تجديد النوع الإنساني. والجنس – كما يراه كانط – رغبة حيوانية خالصة، وموضوعها علاقة إنسان بإنسان (رجل وامرأة)، وهذا الدافع حسي وجسدي ونزوي خالص، لا يحمل في ذاته أي قيمة أخلاقية ولا يرتبط مشاعر أخلاقية- روحية مُجاوزة لشهوة الجسد.

ويبدو أن كانط كان أفلاطونيا (= نسبة إلى أفلاطون) فيما يتعلق بالفصل بين الحب الإباحيّ (الرغبة الجسدية المجردة) والمثاليّ (حب وتقدير للطّبيعة الشخصية بعد انقضاء الشّهوة وإقصاء الجسد والغريزة). وكان هذا الأمر سابقا محلّ معارضة قوية من قبل ديفيد هيوم الذي أفاد بأن مشاعر الحب تنشأ غالباً عن تقدير الجمال المادي في المقام الأول، وفقاً لمعايير الشّخص وتفضيلاته، ومن ثم يتطور ذلك التقدير إلى شعور بالعطف والرغبة الجنسية معاً. ويشرح هيوم ذلك بأن المُحِب يرى محبوبه أجمل مما هو عليه حقيقةً، مُتجاوزاً عيوبه، في حين أنه. قد يصبح تجاوز تلك العيوب وتقبلها بعد اكتشافها بطريقة أكثر موضوعية دليلاً على الحب الحقيقي.

وعلى خلاف هيوم سيطرت النزعة الطّهوريّة على منظور كانط للجنس والعلاقة بين الجنسين، فكان متشككاً حيال الجنسانية والتحرر الجنسي، ولم يستسغ قط فكرة أن يكون الإنسان موضوعا للمتعة في أي حال من الأحوال. ولم يستطع الخروج من هذا التصور المنغلق الذي يرى أنه في كل علاقة جنسية قد يكون الإنسان موضعا لرغبة الآخر، أي قد يتحول إلى أداة وموضوع إرضاء رغبة ذاتية. فالمرأة والرجل في إطار هذه العلاقة غالبا ما يكون أحدهما أو كلاهما موضوعا للرغبة في دائرة هذه العلاقة، وهذا يتناقض مع القانون الأخلاقي والقيمة الأخلاقية الغائية للإنسان. واشترط كانط لهذه العلاقة أن تتم داخل علاقة الزوجية لا خارجها، وأن تكون تشاركية تهدف بالدرجة الأولى إلى أداء الوظيفة الحيوية للمحافظة على التناسل البشري. ومن الواضح أن رؤيته هذه متشدّدة في طهوريّتها، وكأنه يريد للإنسان أن يتحوّل إلى ملاك يرقى فوق كل الرغبات والميول التي أودعتها الطبيعة في نفس الإنسان. وبمقتضى هذه الرّؤية فإنّ الله ركّب الغريزة الجنسية في الإنسان، وكان تحصيل المتعة جزءا طبيعيّا من هذه الغريزة، وأنّه لا يمتنع ضمن مؤسسة الزوجية وعلاقتها أن يكون كل من الزوجين موضوعا لإشباع الآخر جنسيا، لأن الإشباع الجنسي ضروري للحياة والتوازن الأخلاقي، كما يرى فرويد في نظريته الجنسية. وهنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار تأثير النّزعة الطّهوريّة في كانط، وقد تمثلت في عزوفه عن الزواج وقدرته الهائلة على صون نفسه ضد كل أشكال العلاقات الجنسية المباشرة وغير المباشرة، كما تدل على ذلك سيرته الذاتية.

3- الإدانة الأخلاقية للنّزوع الجنسيّ:

ومن اللاّفت أن كانط أدان الرغبة الجنسية الصرفة الخالصة (بوصفها غريزة حيوانية)، ونظر إليها بوصفها حالة مضادة للكرامة الإنسانية، ولأنها – وبموجب غرائزيتها – تشكل حالة من حالات الطعن في الكرامة الإنسانية كما تجسد وضعية من وضعيات التشيؤ الإنساني (تحويل أحد أطراف العلاقة الجنسية – رجل أو امرأة- إلى موضوع للمتعة والاستمتاع ) ويعبر عن ذلك بقوله:

” ينطوي الحب الإنساني على نوع من البراءة، الحنان، وتعزيز سعادة الآخر، والشعور بالفرح حال تحقيق ذلك. لكن من الواضح أنه عندما يحب شخص شخصا آخر من منطلق الرغبة الجنسية البحتة، فإننا لا نجد أي أثر فيه لتلك الصفات السابقة التي تميز الحب الإنساني. وقد تتسبب محاولات إشباع الرغبة في إفساد حياة المحبوب، قد تلقي به في غياهب البؤس. الحب الجنسي يجعل من الشخص المحبوب موضوعا للاشتهاء، وبمجرد إشباع الرغبة يتم التخلص من الموضوع مثلما يتخلص أحدهم من الليمونة بعد عصرها… فالحب الجنسي هو تدهور الطبيعة الإنسانية، بمجرد أن يصبح الشخص موضوعًا لاشتهاء الآخر، تتوقف كل الدوافع الأخلاقية عن العمل” [1].

ومن المهم في هذا الاتّجاه أن كانط لم يترك لنا عملا مشهودا في مجال التربية الجنسية – كما هو الحال في التربية بصورة عامة – وما تركه لنا لا يتجاوز حدود بعض الملاحظات والإشارات حول هذه القضية من خلال المحاضرات التي ألقاها في مجال التربية. وكثير من المراقبين يخمنون بأن الأمر مردّه إلى حساسية موضوع الجنس في زمنه، والنظر إلى مجرد طرحه ومناقشته على أنه أشبه بالـ “تابو” داخل الحرم الجامعي. ويلاحظ المؤرخون لسيرته أن كانط كان يبدأ محاضراته التربوية ملمحا إلى أهميّة موضوع الجنس في تربية المراهق، كما يباشر هذا الموضوع في نهاية المحاضرات بشكل مقتضب على سبيل الخاتمة. وهذا يدل فيما يدل على”مدى حساسية موضوع الجنس في المجتمع الألماني في القرن الثامن عشر”[2].

4- ملامح التربية الجنسية:

 يبدأ كانط في تقديم تصوراته الأخلاقية للعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة ضمن سياق التتابع المرحلي للغريزة الجنسية من لحظة شعور الطفل بالتمايز بين الجنسين ومحاولته استكشاف طبيعة هذه العلاقة وماهيتها وطبيعة النّموّ الذي يمر به الطفل، وهنا يحاول أن يقدم لنا تصورا للكيفية التي يمكن أن نتعامل بها مع الأطفال بطريقة ملموسة وواقعية، ويبين لنا سبل توجيه الطفل أخلاقيا، ويحدد لنا المنهجية التي يجب أن نعتمدها في تمكينه من التفاعل مع الجنس الآخر، والوصول إلى علاقة حقيقيّة قائمة على أسس أخلاقية متجاوبة مع القيم المنشودة الّتي تتضمّنها العلاقة ذات الطّابع الجنسيّ مع الآخر.

 والحقيقة أن كانط رسم لنا خطوطا عريضة للقيم التربوية الأخلاقية في التربية الجنسية عند الأطفال والناشئة، وترك مجموعة من الأفكار والتصورات الموضوعية حول طبيعة التربية الجنسية المستندة إلى التّربية الأخلاقية. وهو في سياق تناوله لهذه المسألة يقدم تصورات حول الكيفية التي نعرف فيها الطفل بالجنس والفروق بين الجنسين، والوقت المناسب للمكاشفة الجنسية، كما أنّه حدّد طرائقها ومنهجياتها في ضوء التصورات الأخلاقية والقيمية لفلسفته المتفرّدة.

 يبدأ كانط بالمرحلة التي يدرك فيها الطفل وجود فروق في التكوين البيولوجي بين الجنسين. ويبيّن أنّه “عادة ما ينمو الميل إلى الجنس لدى المراهق في السنة الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر (وعندما يحصل ذلك في وقت أسبق، فلأن الأطفال ضلوا وفسدوا باتّباع أمثلة سيئة). وعندئذ، تكون ملكة الحكم قد تكونت لديهم، إذ أعدتها الطبيعة بالذات للفترة التي يمكن أن نتحدث فيها إلى الأطفال عن هذه الأمور”[3].

وهنا ينبّهنا كانط إلى الطابع السري الذي فرضته الطبيعة على العلاقة الجنسية بين الجنسين، فيبدأ بالقول: وكأن “الطبيعة قد أسدلت على هذا الأمر حجابا من السر، وكأن ذلك الشيء لم يكن جديرا تماما بالإنسان، لولا بساطة وجود الحاجة الحيوانية في الإنسان. إلا أن الطبيعة سعت مع ذلك إلى ربط تلك الحاجة بكل نوع ممكن من الخلقية. وفي هذا الصدد، تتصرف الأمم المتوحشة ذاتها بضرب من الاحتشام والحذر. وأحيانا يطرح الأطفال على الكبار، في هذا الشأن، أسئلة يمليها فضولهم: مثلا، من أين يأتي الأطفال؟ فيقع إرضاؤهم بيسر، إما بإعطائهم أجوبة سخيفة لا تعني شيئا، وإما بزجرهم مع القول لهم إنه سؤال صبياني”[4].

 ولعلّ كانط يريد إعلامنا بأن أمر العلاقة الجنسية هو ممّا خجلت منه الطّبيعة لاتّصاله بجانب خفيّ في الوجود وبوصفه أكثر الغرائز تجذرا في الطّبيعة الحيوانية للإنسان وللكائنات الحية. فالجنس نداء غريزة حيوانية بامتياز قد تتعارض بقوة مع السمة الأخلاقية والجمالية للكرامة الإنسانية.

وعندما يبدأ الطفل بالتساؤل فكأن الطّبيعة قد بدأت تملي عليه أهمية الكشف عن هذا الحجاب السري الذي أسدلته سابقا، وهي تبين للطفل – بالضرورة وفي الوقت المناسب – وجود الاختلاف الحيوي بين الجنسين. ويشير كانط هنا إلى بداية تفتح وعي الأطفال بالتباين بين الجنسين وبداية طرحهم للأسئلة الفضولية. ومن الواضح أن كانط يعترض على الإجابات الخاطئة التي تنمي في الطفل معرفة وهمية، كما يرفض تجاهل هذه الأسئلة الطفولية لما لها من أهمية وما تمثله من خطورة في عقول الأطفال ووعيهم. وفي معرض رفضه لهذه المنهجية الخاطئة يؤكّد أهمية التوضيح في مسألة الوعي بطبيعة الغريزة الجنسية، فيقول:

” ونمو هذه الميول – يقصد الميول الجنسية – آلي في البالغ المراهق، ويجري الأمر كما في حالة الغرائز التي تنمو وتتطور، دون معرفة موضوعها. فمن المستحيل ها هنا إبقاء المراهق على الجهل والبراءة المقرونة به” [5].. ويتابع كانط قوله: “وبالصمت لا نزيد الشر إلا تفاقما. وهذا ما تدل عليه تربية الأجيال السابقة، وفي التربية في عصرنا الحاضر يقر عن حق بضرورة التكلم عن هذه الأمور مع الفتى المراهق دون لف ولا دوران، وبوضوح ودقة. ومن الواضح أن هذه نقطة دقيقة، لأن الناس لا يرضون بالكلام فيها عن طيب خاطر في محادثة علنية. لكن كل شيء سيكون حسنا، إذا كان الكلام في هذه الأمور بطريقة لائقة وجادة”[6].

ويبدو أن كانط كان متأثرا في هذه القضية برأي بازادوف الذي يعتقد “أنه ينبغي ألا نخدع حب استطلاع الأطفال للأمور الجنسية، وكان يطالب بأن نبدأ التكلم مع الأطفال عن هذه الأمور وهم في سن العاشرة أو الثانية عشرة، لكن دون التوسع في التفاصيل كثيرة، وأن يكون الكلام طبيعيا عفويا كما لو كان الأمر يتعلق بأشياء طبيعية، وذلك بعبارات في غاية الحشمة، والغاية من ذلك هي العمل على تعويدهم التفكير في هذه القضية وفق القيمة الأخلاقية. وقد أوصى أيضا بالتكلم مع الأطفال، بلهجة بالغة الجد، عن الزواج وعن الرذائل المضادة للعفة”. وفوق ذلك كله كان بازادوف يدعو “إلى اقتياد الطفل إن كان صبيا إلى مستشفى ليشاهد فيه الأمراض الرهيبة والآلام الفظيعة التي يعانيها الفاجرون والزناة، تكفيرا عن أخطاء اعتقدوا من قبل أنها هينة”[7].

ويبدو أيضا أن كانط كان متأثرا بموقف جان جاك روسو في هذه المسألة. وقد أثارها روسو في كتابه «إميل» على صورة تساؤل مفاده: “هل من المناسب تنوير الأطفال في وقت مبكر في أمور الاستطلاع الجنسي، أم الأفضل أن نخدعهم بمغالطات بسيطة؟ ويجيب روسو قائلا: أرى أنه ينبغي ألا تفعل هذا، ولا ذاك. أولا لأن هذا الاستطلاع لا يخطر ببالهم أبدا إلا إذا كان ثم ما يدعو إليه” [8]. وفي حال لم نستطع الإجابة بصراحة فالصمت واجب، وهو يقينا من الكذب وتشويه الحقيقة. “وإذا قرر المربي أن يجيب فيجب أن يكون الجواب في غاية البساطة، وبدون أسرار، ولا تلعثم، ولا ابتسام “[9].

 وينبه كانط إلى أن إرضاء حب استطلاع الطفل في هذه المسألة أقل ضررا وخطرا بكثير من إثارته. “ولتكن إجاباتكم جادة، موجزة، حازمة، ودون أي مظهر من مظاهر التردد. ولست في حاجة إلى أن أضيف أنها يجب أن تكون صادقة. .. إن الجهل المطلق ببعض الأمور ربما كان هو الأنسب للأطفال، لكن عليهم أن يتعلموا في وقت مبكر ما يستحيل إخفاؤه باستمرار. فيجب إما ألا يستيقظ فيهم حب الاستطلاع بأي حال، وإما أن يشبع قبل الوقت الذي لا يكون فيه حب الاستطلاع غير ذي خطر. .. ولا أحب أن تصطنع مع الأطفال لغة مهذبة جدا، ولا أن يدور المرء حول الموضوع دورات طويلة، سيتبينونها، ابتغاء تجنب تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. .. إن الكلمات الغليظة لن ينتج عنها شيء، وإنما الأفكار المثيرة للشهوة هي التي ينبغي تحاشيها “[10].

إن ظهور هذه النّزعة الجنسيّة ونموّها طبيعيّان حتميّان لدى المراهق، وكل شيء يجري كما هو الحال في الغرائز التي تنمو حتى دون معرفة موضوعها. ولذا “فمن المستحيل إذن إبقاء المراهق في الجهل وما يقترن به من براءة. وعندما نصمت، لا نفعل سوى أننا نجعل الداء يستفحل. وهذا ما أظهرته تربية الأجيال السابقة” [11].

 وفي إشارة كانط إلى ضرورة البوح الصريح بأسرار الحياة الجنسية للمراهق تأكيد على العلاقة شديدة المتانة بين الجنس والقيمة الأخلاقية في فكره، إذ الأمر من دواعي التّربية الّتي يسعى إلى إرساء قواعدها.

5- المتعة الموجهة إلى الذات (العادة السرية أنموذجا) :

عرف عن كانط هجومه الشديد على العادة الجنسية السرية، وقد وصفها بأنها أبشع ما يمكن للإنسان أن يقترفه إطلاقا، ويرى أن ممارستها تجعل الإنسان أكثر بهيميّة ودونية من الحيوان. ويقدم كانط تصويرا لمضار المتعة المتجهة إلى الذات ويقصد بها أي ممارسة جنسية لتحصيل اللذة بصورة غير طبيعية وخارج سياق الهدف الطبيعي للجنس ذاته، فيقول إنّه:”لا شيء يضعف ذهن الإنسان وجسمه أكثر من شكل المتعة الموجهة إلى الذات، والمناقضة تماما لطبيعة الإنسان. فيجب أيضا ألا نخفي على الطفل هذا الأمر. ولا بد من أن نصوره له مع كل ما يثيره من اشمئزاز، ونقول له إنه حين يفعل هذا يصبح غير نافع لتناسل النوع، وإنه بذلك خاصة يهدّد كل قواه الجسمية بالانهيار، وإنه يعد لنفسه شيخوخة مبكرة، وإن ذكاءه سيتأذى من ذلك إلى حد كبير” [12].

ويقترح كانط في مواجهة الرغبة الجنسية إمكانيّة استبعاد الدوافع التي تقود إلى ذلك، بنشاط يشغل المراهقين ويركز على أهمية تقليص فترات النوم غير اللازمة والضرورية في الفراش [13]. ومن ثم يرى أيضا أهميّة استبعاد التصورات الجنسية التي تقتحم المخيلة لأنها تنخر القوة الحيوية وتدفع المراهقين إلى التهور في البحث عن الإشباع الجنسي الوهمي. ويضيف إلى ذلك استقباح الميول الجنسية المرتدة إلى الذات ويصف تأثيرها المدمر على الصّحّتين النّفسيّة والجسدية وعلى الأخلاق، فيقول:

” وإن وجه المرء ميله إلى الجنس الآخر، عندئذ يصادف دائما بعض المقاومة، وإن وجهه في المقابل إلى نفسه، يمكن إرضاؤه في أي لحظة. إن الأثر الجسمي ضار بدرجة بالغة، ولكن النتائج من منظور الأخلاق أسوأ بكثير، إذ تُتَجاوَز هنا حدود الطبيعة ولا يفتأ الميل يثور لأنه لا يجد أي إشباع فعلي”[14].

وقد أثارت قضية الاختيار بين الاستمناء الذاتي والعلاقة غير الشرعية جدلا كبيرا، لأن هذا الضّرب من العلاقات هو أيضا عمل غير أخلاقي. ويفضل كانط اللجوء إلى هذه العلاقات إذا كان الاختيار أمرا لا مفر منه، ومع ذلك فإنه يُدين أي علاقة خارج المؤسسة الزّوجيّة ويرفضها. ويشرح لنا كانط هذه المسألة بقوله:

” وقد تساءل بعض المعلمين، بخصوص مراهقين تلقوا تكوينا من قبل، عن معرفة ما إذا كان يسمح بأن تكون للمراهق علاقات مع الجنس الآخر. فإذا كان لا بد من اختيار هذا أو ذاك من الأمرين، يكون هذا الأخير أفضل، بلا شك، إذ في الحالة الأولى دون الحالة الثانية، يتصرف المراهق ضد الطبيعة. فقد هيأته الطبيعة ليكون إنسانا حالما [15] يصبح راشدا، وبالتالي ليعيد إنتاج نوعه أيضا، إلا أن الحاجات التي يمتلكها الإنسان ضرورة في حالة السّكن في المدن تجعله عندئذ لا يقدر دائما على تربية أطفاله. وإذ ذاك يرتكب هذه المرة خطيئة ضد النظام المدني. فالأفضل، بل من واجب المراهق أن ينتظر حتّى يكون قادرا على الزّواج بتعقل. وعندئذ لن يتصرف كإنسان صالح فحسب، بل أيضا كمواطن صالح[16]. ينبغي إذن أن يتعلم المراهق منذ وقت مبكر أن يمارس اللياقة والاحترام تجاه الجنس الآخر، وأن يحصل من جهة أخرى على تقديره بفضل نشاط خال من الرذائل، وأن يسهم على هذا النحو في الجائزة الكبرى المتمثلة في زواج سعيد”[17].

6- خاتمة:

يلح كانط منذ البداية على وظيفية الميل الجنسي والحكمة منه عند الإنسان، ويرى أن أي توظيف آخر غير تجديد النّسل يكون مفارقا للقيمة الأخلاقية. فالإنسان حتى في أخطر غرائزه الإنسانية يجب أن يكون قديسا ويجب أن يترفّع عن كل ممارسة لأجل المتعة واللذة. وهو على هذا النحو يجعل من الإنسان كيانا ساميا مفارقا لكل أوجه الحياة العاديّة. والسؤال: كيف يكون المرء ملاكا وهو مزود بميول وغرائز جبارة عاتية كتلك التي تعطي للحياة معنى ودلالة؟ فالإنسان كما يراه كتلة صماء من الواجبات الأخلاقية والوظائف الحيوية. ويقينا بأن الله لو أراده على هذه الصورة لجعل منه ملاكا وليس إنسانا تقوده الميول وتحركه الغرائز وتأخذه العواطف الإنسانية الجياشة. فالعلاقة الجنسية بين رجل وامرأة لا يكون الهدف منها الإنجاب بل طلب الإشباع البيولوجي المرافق للذة ـ فالحاجات الجنسية قوة طبيعيّة تبحث عن موضوعها الجنسي وتُلبّى ولا تقاوم. وغالبا ما نجد في الحياة أن الناس يقصدون الزواج من أجل التكامل الحيوي العاطفي والإنساني بين الرجل والمرأة. وربما لا يكون الهدف دائما هو الإنجاب. والإنجاب هو حالة واحدة من عدة حالات تقتضيها العلاقات الجنسية الزوجية. فالزواج بين المرأة والرجل تحكمه علاقات عاطفية وإنسانية وأخلاقية معقّدة، وتكامل وظيفي أيضا وتشارك في الحياة الجنسية لتحقيق السعادة واللذة والاستقرار.

ونحن إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض النظريات السيكولوجية سنجد أن أكثرها يؤكد على أن العلاقة الجنسية بين الأزواج تحقق نوعا من التوازن النفسي والسيكولوجي اللاّزم للانتعاش والإبداع، وهذا هو المطلب الذي تلح عليه نظريات التحليل النفسي. فالعلاقة بين الجنسين ليست للإنجاب فحسب، وإن كان الإنجاب أقدسها، بل هي مُحمّلة بوظيفة بيولوجية ضرورية للحياة ومساعدة على تحقيق التكامل النفسي والبيولوجي والعاطفي والأخلاقي أيضا.

ولو قسنا على رؤية كانط في هذا الموضوع لرأينا أنّ أكل الطعام الذي هو معبّر عن حاجة وطاقة للحياة لا ترجى منه أيّة ملذّة ومتعة، ولكنّ له مع ذلك – كما للجنس – وظائف عدة، منها تحقيق الصحة ومنها أيضا السعادة، فالجائع يقبل على الطعام ويستمتع به أيضا. فهل يُعقل أن نقول إنّ الاستمتاع بالطعام مفتقر للقيمة الأخلاقية ومسيء إلى مكانة الإنسان؟

مما لا شك فيه أن كانط يريد أن يحيل الإنسان إلى طاقة متحجرة تخلو من المظاهر الانفعالية والعاطفية واللذوية، وكأننا به يريد للإنسان أن يكون ملاكا منزها عن الخطأ والرغبة والميل والعاطفة. ومن الصحيح تمام الصّحّة النظر إلى القيمة الأخلاقية بعين الاعتبار وإعطاؤها الأولوية، ولكن هذا يجب ألا يتعارض مع ناموس الكون القائم على السعادة واللذة وطلب مفاتن الحياة ضمن الضّوابط الأخلاقية.

ولو أردنا أن نطبق رؤية كانط في العلاقة الجنسية لأصبح معظم خلق الله خارج دائرة القيمة الأخلاقية. فكثير جدا من البشر يتزوجون لإشباع حاجاتهم الجنسية والعاطفية والاجتماعية. وربما لا يكون الحب بالمعنى الأفلاطوني هو السائد بين الأزواج، وقد تكون العلاقات الجنسية في حال تبادل للحاجة: الرّجل يفي بحاجة المرأة إلى الحب وكذلك المرأة، في سياق تبادلي وليس شرطا وبالضرورة أن تكون هذه العلاقة قائمة على أساس من الحب العميق. وفي غالب الحالات تكون العلاقة حتى ضمن الرّابطة الزوجية علاقة إشباع وتفريغ للطّاقة الجنسية قبل أن تكون علاقة عاطفية، وقد يندفع الرجل إلى زوجته لإشباع رغبته وهي غير راغبة، وكذلك قد تقبل المرأة على زوجها تحت ضغط الرغبة والحاجة. وفي كلتا الحالتين من حقهما – بالشّرع والطّبع – الحصول على الإشباع النزوي بوصفه ضرورة دون أن يكون ذلك على حساب الأخلاق والقيم الأخلاقية.

وكما لاحظنا، كان كانط أكثر واقعية في مسألة مكاشفة المراهقين في سن المراهقة والبلوغ الجنسي بالقضايا الجنسية والتصريح بأهمية الكشف التدريجي لمختلف إشكاليات هذه المسألة وتعقيداتها. وكان متوافقا مع التربية الحديثة اليوم التي ترى أن الإبقاء على حالة الجهل لدى المراهقين من أكبر الأخطاء التي يرتكبها الآباء والمعلمون.

وقد أصاب عين الحقيقة أيضا عندما أراد أن تأخذ هذه المكاشفة الجنسية طابعا وديا لبقًا ضمن متطلبات الحياء والحشمة والأدب.. وقد أكد أن اللجوء إلى التعمية واللف والدوران في تناول هذه الأمور الجنسية مع الأطفال لا يفيد شيئا، بل فيه الضرر البالغ لأن فيه تضليلا لهم وحجبا لمعلومات مفيدة لهم ومرشدة لسلوكهم[18].

وكان هجوم كانط ضد كل أشكال التلذذ الجنسي الذاتي كاسحا، مثل: الاستمناء والعادة السرية، لأنها تتناقض تماما مع الوظيفة الطبيعية للميل الجنسي المخصصة للتوالد وتكاثر النوع الإنساني. وغالبا ما وصفها بأنها فعل لا أخلاقي تجرد فاعلها من أي قيمة إنسانية وتنزل به إلى أحط من مستوى الحيوان[19]. ومما لا شك فيه أن موقف كانط هذا مبرر، ولكن ليس إلى الحد الذي يعتبر فيه الاستمناء أشنع الجرائم وأخبثها. فهناك من يرى أن الاستمناء قد يكون مفيدا من الناحية الاجتماعية إذ يخفف الضغوط النفسية عن المراهقين ويحصنهم ضد ارتكاب الجرائم الجنسية مثل الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي. ومن المفيد أيضا القول إن كل النظريات التربوية والدّينيّة ترفض العادة السرية وتجعلها ضارة ولكن دون المناداة – كما فعل كانط – بتجريمها، ومما لا شك فيه أن التعفف مطلوب أخلاقيا ودينيا، ولكن يبقى تفضيل كانط للعلاقات غير الشرعية على العادة السرية مبالغة ربما غير مقبولة دينيا، فالزّنا في عرف الأديان إثم عظيم لا يغتفر أبدا. وأخيرا نقول إن نظرية كانط في التربية الجنسية لم تكتمل كما يجب، وهو ما يجعل كثيرا من الانتقادات والإضافات العلمية والنفسية تبدو ضرورية لبيان حدود رؤيته ونظريته الطّهوريّة الصارمة وللتّفاعل مع أفكاره في هذا المجال تطويرا وتجاوزا.

مراجع المقالة :

[1] – رجاء حلواني، التشيؤ الجنسي: كانط والمسألة الجنسية، ترجمة :بدر الدين مصطفى، مؤمنون بلا حدود، الدار البيضاء، 2019. ص 10.

[2]– سمير بوسلهام، كانط بين التربية و التنوير، أنفاس نت، 14 يوليو 2012.

http://bitly. ws/nmzQ

[3] – إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 79.

[4] – إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، المرجع نفسه، ص 78-79.

[5] – إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 78.

[6] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، مرجع مذكور، ص 161.

[7] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، المرجع نفسه، ص 164.

[8] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، مرجع مذكور، ص 163.

[9] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، مرجع مذكور، ص 163.

[10] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، مرجع مذكور، ص 163.

[11] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 78-79.

[12] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 79.

[13] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 79.

[14] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 80.

[15] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 79.

[16] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 80.

[17] – إيمانويل كانط، تأملات في التربية، مرجع مذكور، ص 80.

[18] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، مرجع مذكور، ص 163.

[19] – عبد الرحمن بدوي، فلسفة الدين والتربية عند كانط، مرجع مذكور، ص 164.

مقالات أخرى

صابر جيدوري : ثنائية الفرد والمجتمع وانعكاساتها التربوية

ثنائية المعرفة: من العقل إلى التجريب

ظاهرة التنمر

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد