في سرديّة شاعر: قراءة في كتاب “الشّابّي.. أبحاث وثائق وصور” لأبي القاسم محمّد كرّو

أبو القاسم الشابي

الملخّص:

أبو القاسم محمّد كرّو مفكّر تونسيّ أكّد على ضرورة الكتابة في تاريخ الأدب التّونسيّ المعاصر باعتماد تحقيب خاصّ به وآمن بدور المغاربة في معاضدة المدرسة المشرقيّة لتأسيس منهج فكريّ أصيل يضطلع فيه مؤرّخ الأدب بدور الشّهادة فيقوم بحفظ سير الشّعراء والكتّاب المعاصرين له في بيئته المحلّيّة. وقد قام بمجهود خاصّ في دراسة المذكّرات والمخطوطات والمسودّات الّتي تركها أبو القاسم الشّابّي الشّاعر التونسي إثر وفاته في كتاب بعنوان “الشّابّي..أبحاث وثائق وصور”. والسّؤال المطروح كيف وفّق أبو القاسم محمّد كرّو في تجاوز   تعقيدات العلاقة بين التّاريخ والأدب ببناء قصّة الأديب بناءً يخضع لقوانين كتابة تاريخ الأدب؟ فتلك الكتابة تستخدم نماذج متعدّدة للسّرد دون الإغراق في الانطباعيّة والذّاتيّة وتوظّف اللّغة للتّسجيل المحايد دون الإغراق في التّخييل والتّمثيل المنزاح عن حقيقة ذلك الأديب.

كلمات مفاتيح: تاريخ الأدب – التّحقيب -الشّهادة – سرد – تسجيل – تخييل – تمثيل

Abstract:

Abu al-Qasim Muhammad Karrou, a Tunisian thinker, stressed upon the necessity of writing in the history of Contemporary Tunisian literature by adopting his own engraver, and believed in the role of Moroccans in supporting the Oriental School in order to establish an original intellectual method in which the literary historian would play the role of testimony, thus preserving the biographies of contemporary poets and writers in his local environment.

He made a great effort to study the notes, manuscripts, and drafts left by The Tunisian Poet Abu al-Qasim al-Shabi after his death in a book entitled “Chabi: Documents and Photographs Research”. The question that could be asked is: How did Abu al-Qasim Muhammad Karu overcome the intricate relationship between history and literature by building the literary story in a structure that is subject to the laws of writing the history of literature? This method of writing uses multiple models of narration without employing the overwhelm of impressionism and subjectivity, and uses language for neutral recording without the heavy use of imagination and representation.

Key words: History of Literature, Time era, Testimony, Narration, Recording, Fiction, representation.


1- مدخل:     

حظيت مدوّنات تاريخ الأدب بمنزلة خاصّة عند جمهور القرّاء في العالم العربيّ منذ مستهلّ القرن العشرين، ومن هؤلاء القرّاء الطّلبةُ والمقبلون على الدّرس والتّحصيل بالخصوص لأنّ الصّبغة الغالبة على هذا النّوع من الكتب هي التّعليميّة الإرشاديّة. وفي السّابق اعتبر “بروكلمان” أنّ المصنّفات العربيّة في هذا الاختصاص لم تراوح تلك الميزة المدرسيّة مفتقرة إلى القيمة العلميّة، ذلك أنّ مراكمة هذا النّوع من المصنّفات في المشرق العربيّ غلب عليها الطّابع الكمّي دون التّوفيق في اكتساب بصمة دالّة على الوضوح المنهجيّ والنّضج الفكريّ. وبدايات التّأريخ العربي، وفق تقديره، قد استأثرتها الحوليّات المكتوبة بالفارسيّة الوسطى ممّا دلّ على أنّ الرّوح الإيرانيّة قد أثّرت تأثيرا قاطعا فيها[1]، فمؤرّخو الأدب نسجوا على منوال البلاغة الفارسيّة المتّسمة بالفخامة وبالعبارات الغريبة مصطنعين ذلك الأسلوب لتمجيد سير عظمائهم.

غير أنّ أبا القاسم محمّد كرّو، النّاقد التّونسيّ الّذي ولد سنة 1924م وتوفّي سنة 2015م، قد آمن بدور المغاربة في معاضدة المدرسة المشرقيّة لتأسيس منهج فكريّ أصيل وفاعل، يرتكز على مبدأ القُرب في المكان والزّمان ويضطلع فيه مؤرّخ الأدب بدور الشّهادة فيقوم بحفظ سير الشّعراء والكتّاب المعاصرين له في بيئته المحلّيّة، معتمدا التحرّي والتثبّت من كلّ معلومة بجمع الوثائق والمخطوطات والتمعّن في تفاصيلها، مؤمنا أنّ الحيّز المحلّي القريب يبني جسور تواصل وتلاق مع العالم العربيّ في رحابته وتنوّعه.

 وإذ خصّص جلّ كتاباته للدّفاع عن خياراته الفكريّة والأدبيّة فقد أكّد أيضا على ضرورة الكتابة في تاريخ الأدب التّونسيّ المعاصر باعتماد تحقيب خاصّ به منوّها بافتقار السّاحة الأدبيّة لذلك. وكأنّنا به يبعث برسالة إلى كلّ من أنكر دوره على خلفيّة تكوينه المشرقيّ العصاميّ،  مفادها أنّ المنهج التّاريخيّ لم يتجاوزه الزّمن، وأنّ تكريم الشّخصيّة التّونسيّة والمغربيّة عموما يكون بمدّ جسور قوميّة متينة بين المغرب والمشرق قوامها التّوازن حوارا وسجالا لإبراز نقاط الائتلاف والاختلاف.

وفي خضمّ هذا الهاجس الفكرّي تربّع أبو القاسم الشّابّي أميرا لكلّ الأوقات الّتي عايشها أبو القاسم محمّد كرّو، بدءا من شبابه وانتهاء إلى خريف العمر. فقد سارع بحماية أوراقه ومذكّراته ومخطوطاته مستنبتا إيّاها في دفاتر الذّاكرة التّونسيّة حتّى لا يغمرها النسيان ولا يأتي عليها الإهمال، مُخصبا إيّاها بما وقر في ضميره من عرفان وتعلّق بشخصيّة أبي القاسم الشّابّي للدّور الأدبيّ والوطنيّ الّذي قام به هذا الشّاعر.

وقد حاول أن يُترجم ذلك التعلّق ببناء رؤية فكريّة خاصّة به قوبلت في أحيان كثيرة بالتّجاهل ولم تحظ بالتّقدير الكافي. ذلك أنّ تكوين أبي القاسم محمد كرّو لم يكن ليلاقي صدى أو شهرة في الأوساط الأكاديميّة التّونسيّة، لأنّ المدرسة التّونسية، مدرسة الاستقلال خاصّة، قد قطعت أشواطا متقدّمة في التّفاعل مع مناهج النّقد الحديث، ممّا جعلها تنظر باستعلاء إلى المقاربات الانطباعية والذوقيّة، معتبرة إيّاها فاقدة للصّرامة العلميّة ومفتقرة للدّقة الإجرائية التي كثيرا ما شدّدت عليها المقاربات البنيويّة والشّكلانيّة في أوج شهرتها، لغلبة  التّداعيّات على التّناول الانطباعي وللنّزوع إلى أسلوب المراكمة الّذي يغيب معه الالتزام بمجال التخصّص، بما يوحي بالخلط بين ما هو من مجالات التّاريخ العام والدّراسات النّفسيّة والاجتماعيّة وما هو من صميم تاريخ الأدب.

والشّكلانيّون الرّوس هم أوّل من سعوا لرفع اللّبس بين التّاريخ الاجتماعيّ والتّاريخ الأدبيّ مقاومين التوهّم بأنّه يمكن تفسير التّنوع الأدبيّ عبر قوانين التّحول الاجتماعيّ. وحاولوا ضبط موضوع تاريخ الأدب وتمييزه عن غيره من الدّراسات الأدبيّة. وقد رأى تزيفان تودوروف في هذا السّياق بضرورة تمييز موضوعه عن أيّ اختصاص يمكن أن يتلامس معه أو يغطّي عليه في الغالب[2]. فالموضوع الخاصّ لتاريخ الأدب هو التنوّع الأدبيّ الّذي يقتضي تمييزه عمّا يمكن إنماؤه إلى حقول أخرى مثل الدراسات النّفسية أو الاجتماعية.

ونحن في مقالنا هذا نسعى إلى الإحاطة بمجهود أبي القاسم محمّد كرّو في التأريخ لحياة أبي القاسم الشّابّي، وهو مجهود لا يخضع بالضّرورة إلى مثل هذه المصادرات وإنّما يختصّ بفرادة معيّنة جعلته جديرا بالدّراسة. وقد تخيّرنا من مؤلّفاته كتابا ختم به مسيرته الفكريّة والأدبيّة بعنوان “الشّابّي.. أبحاث وثائق وصور”، ويتكوّن من جزئين نظّم فيهما جملة من المقالات والوثائق الّتي مثّلت عصارة ما جمعه وما كتبه حول الشّابّي أعواما طوالا.  وقد حاولنا أن نبحث عن الخيط النّاظم بين هذه المقالات والوثائق نظرا لأهمّيتها وطرافتها حتّى نتبيّن منهجه الفكريّ والمنطق الّذي اعتمده في تناولها وترتيبها وحتّى نستشفّ مقاصده المعلنة والضّمنيّة. ذلك أنّ النّزعات الحديثة في فهم الأدب مثلما رأى حسين الواد[3] تنطلق من التّساؤل عن الأسباب الّتي دعت الباحثين إلى اصطفاء نصوص بعينها وعن المقاييس الّتي انتخبوها بها وتوّجوها أدبا، وما يكمن وراء انتخابها من معايير جماليّة قد يتبنّاها إنسان بعينه ويستبعدها إنسان آخر.

وقد انتبه أبو القاسم محمّد كرّو في تقديرنا إلى أنّ مقاربة حياة المبدع تتجاوز التّقنين الّذي يحوّله إلى عيّنة للتّشريح والتحليل، فهو كيان نتفاعل معه ونتلقّى إبداعه بصفة خاصّة. وهذا ما حدا به أن يُصبغ كتابته في تاريخ الأدب بصبغة سرديّة تتجاوز محاكاة الوقائع والأحداث المحيطة بالشّاعر إلى تمثيلها ومن ثمّة تأويلها.  ولعل وجوده في نفس الحقبة التي عاش فيها أبو القاسم الشّابي وتلامسه مع مختلف الوضعيات الّتي اختبرها جعله ينخرط في تلك الحياة ويعتبر نفسه علامة عليها أو لنقل جزءا منها.

2- إنشاء حياة:

رفع أبو القاسم محمّد كرّو أبا القاسم الشّابّي إلى مصافّ الأبطال، والأبطال في أعراف السّرود التّاريخيّة والقوميّة جديرون بأن تعدّد أعمالهم وتُخلّد مآثرهم تخليدا ملحميّا[4]. وهم في ذلك محتاجون إلى من يقوم بإعادة بناء هذه الحياة، وهي لعمري مهمّة تتجاوز التأريخ الصّرف إلى التّمثيل الّذي لا يخلو من السّعي إلى إعادة إنشاء تلك الحياة إنشاءً جماليّا. فكلّ ما يختصّ بالأدب منفلت عن “علم الماضي” لأنّه فنّ التمثّيل وأعمال الأدباء ليست كأعمال الجنرالات مثلما رأى جان طوماس نوردمان[5] ، وبالتّالي فإنّ الكتابة في تاريخ الأدب لا محالة منساقة إلى هذا التّمثيل، لأنّ مؤرّخ الأدب يتلقّى كلّ ما يحيط بالأديب وأدبه تلقّيا جماليّا باعتباره قارئا تختلط ذاته مع المقروء وتنفعل به.

وهذا ما جعل أبا القاسم محمّد كرّو أن يتمثّل حياة الشّابّي باعتبارها قصّة ومغامرة بطوليّة خالدة “رغم كل الآلام والجراح والمحن التي أحاطت بها”[6]. ومع هذا التمثّل سعى قدر الإمكان أن يستدلّ على صحّة طرحه بتوخّي الدّقّة والأمانة في نقل تفاصيل حياة الشّاعر معتمدا تقنيات تجمع بين متعة السّرد وصرامة التّوثيق. إذ أكّد بطرق عديدة أنّه شاهد على تلك الحياة معايش لها عن قرب. ومبدأ الشّهادةLe temoignage [7] أساسيّ لمؤرّخ الأدب لما يحتمله من طابع استدلاليّ حجاجيّ. إذ نراه في هذا الإطار حريصا على الالتزام بمبادئ عدّة، من أبرزها تحديد العلاقة بين أبي القاسم الشّابّي والمجتمع التّونسيّ ومناقشة كلّ الأفكار الّتي تناولت أعماله الشّعريّة والأدبيّة.

وبهذه الطريقة سعى إلى إيضاح كلّ المسائل الخارجيّة الحافّة بحياة الشّاعر، قدر اقترابه من شغاف تلك الحياة، حتّى يمكّن دارس الأدب من معطيات وسندات تساعده على التّوصيف والتحليل والتّأويل. فاعتبر أنّ شاعر الخضراء هو علامة فارقة ومخصبة للثّقافة التّونسيّة خصوصا والعربيّة عموما، وأكّد أنّ الكتابة في تاريخ الأدب التونسي ضروريّة لنهضة الثّقافة العربيّة بصفة شاملة، مشيرا إلى انحياز مؤرّخي الأدب العربيّ إلى تاريخ الأسرة الحاكمة الّتي تولّت الحكم في الشّرق العربيّ وكذلك في الأندلس، بما يدلّ على إهمال للشّمال الإفريقيّ بداية من مراكش وانتهاء إلى مصر الغربيّة[8]. فجهوده من تنظير وتوثيق وتجميع صبّت برمّتها في استعادة توازن ضروريّ وتفادي خلل حاصل.

 وهذا الأمر لا يتحقّق في تقديره إلاّ بالوقوف على مواطن الخلل في مسألة التّحقيب الأدبيّ، والنّظريّة الأدبيّة تطرح في عمومها مسألة التّحقيب ليس من جهة موضوع البحث فقط بل ومن جهة الباحثين ذواتهم أيضا، وذلك بطرح أسئلة شبيهة بالّتي طرحها جان لويس بحثا عن إيقاعات التّاريخ الأدبي وهي من قبيل “إلى أيّ قرن ينتمون وإلى أيّ مجتمع عالم ينتسبون؟”[9].  فمؤرّخ الأدب لا يتجرّد من انتمائه إلى عصر معرفيّ ما، وهو محتاج أن يقيس المدروس وفق ما توفّر في محيطه من معطيات تقرّبه من مادّة البحث. 

ولعلّ هذا ما حفّز أبا القاسم محمّد كرّو للسّعي أنّ يخصّ الأدب التّونسيّ المعاصر بتحقيب خاصّ[10]، جاعلا أبا القاسم الشّابّي واسطة العقود الزمنيّة فيه، فقد اعتبره قمّة شعريّة شامخة بل “أكبر عملاق من بين شعرائها جميعا[11]. والأهمّ من ذلك، إجرائيّا لا إنشائيّا، أنّه حاول استخراج زبدة ما تمخّضت عنه الاتّجاهات الفكريّة السّابقة له، تلك الّتي سلكها مؤرّخو الأدب العربيّ[12]، فتنقّل بين فروع هذا التّخصّص مقتفيا أثر البلبل الغرّيد أبي القاسم الشّابّي، ليدلي بدلوه في كلّ فرع.

وقد رأينا أن نستثمر أبحاثه ووثائقه وصوره المدرجة في مؤلّفه هذا، مصنّفين إيّاها على هوى فرع من فروع ثلاثة سنتناولها في العنوان الموالي، أوّلها يتعلّق بالحقبة الزّمنيّة الّتي عاش فيها الشّابّي، وبكلّ ما حفّ بعصره من أحداث وملابسات وظروف. وثانيها مرتبط بالأجناس الأدبيّة والأنواع الكتابيّة الّتي أجرى فيها قلمه. وثالثها متعلّق بالنّهج الدّفاعيّ الّذي سلكه أبو القاسم محمّد كرّو لتثبيت منزلة الشّاعر وتصحيح ما داخلها من أفكار مغلوطة.  

3- سرديّة العرفان:

ولقد جمعنا هذه الفروع تحت عنوان موحّد أسميناه سرديّة العرفان. لأنّ العرفان هو النّازع الغالب على أبي القاسم محمّد كرّو وهو ينشيء قصّة الشّابّي ويعيد نسجها.  ففي الفرع الأوّل من فروع الكلام نراه يعقد صلة بين قصّة الشّابّي وقصّة تونس في تاريخها المعاصر، بين قصّة الشّاعر الفذّ وروح الشّعب العظيم. وفي الفرع الثّاني من فروع الكلام، نراه يتصفّح بنهم شديد كلّ ما وقع بين يديه من أوراق الشّابّي ومخطوطاته، متفحّصا دقائقها، مترويّا في استكناه بواطنها، معيدا الاعتبار لما أُهمل منها، مؤكّدا على أنّ الشّابي هو أديب شامل لا يقلّ نثره أهمّية عن شعره، مشدّدا على حفظ الوصيّة والأمانة. أمّا الفرع الثّالث من فروع الكلام فقد سخّر فيه كلّ وسائله الدّفاعيّة من منطق وحجّة وحرارة مشاعر للدّفاع عن منزلة الشّابّي، جاعلا من نفسه رفيقا للبطل حاضرا حين يغيب ومعاضدا له حين يُرمى بسهام العذّل.

3- 1- قصّة الشّابي، قصّة شعب:

يعقد أبو القاسم محمّد كرّو صلة متينة بين قصّة الشّابي وقصّة تونس الحديثة وشعبها، معلّلا ذلك بأنّه منذ أن عُرف الشّابي ارتفع سهم تونس. لذلك فهو بطل هذه القصّة بامتياز، وتكمن أهمية الشّابي في التّفوّق والنّبوغ والشّاعرية والإحساس، ناعتا إيّاه بأنّه “شاعر الحبّ والحرّيّة”[13]. ونراه في المقام الأوّل يولي أهمّية للشّاعر قبل الخوض في أعماله الشّعريّة أو التّركيز على تصنيفها تصنيفا مدرسيّا، مثلما فعل غيره من النّقّاد الّذين اهتمّوا أوّلا وأخيرا بإنماء شعر أبي القاسم الشّابّي إلى المدرسة الرّومنطيقيّة. وذلك لأنّه مصدر العمليّة الإبداعيّة أوّلا ولأنّه صاحب رسالة شعريّة لا يمكن فصلها عن بعدها الشّعبي والوطنيّ ثانيا.

ولأنّ الوطن هو قبل كلّ شيء رقعة من الأرض، فإنّ بطل القصّة يتعلّق بتلك الأرض الّتي تستحقّ الحياة، يجول فيها ويصنع خيرا. فتربطه بالأمكنة صلة خاصّة.  وكأنّنا بأبي القاسم محمّد كرّو يحوّل شاعره إلى قدّيس يقتضي الكلام عنه إثبات سياحته وتنقّلاته عبر الأمكنة إثباتا هاجيوغرافيّا Hagéoghraphique [14]. إذ أفاض في الحديث عن صلة الشّابّي بالأمكنة، تعبيرا عن أصالة الانتماء وحنيا وتخليدا. فبرّ المكان لا يقلّ أهميّة عن برّ الوالد.

 ولذلك نراه يولي أهمّية خاصّة لخارطة الأمكنة شمالا وعاصمة وجنوبا، متتبّعا تنقّلات الشّاعر والطّرق الّتي سلكها، منتهزا الفرصة لتكريم مدينة قفصة[15]، مذكّرا بأنّها أوّل المدن الّتي أقام فيها وبأنّها طريق مروره إلى شابّة توزر، معتبرا أنّ المرور يعادل بل يفوق عدد مرّات الإقامة.

غير أنّ قصّة القدّيس في محراب الشّعر لا تنفصل أيضا عن الزّمان، مّما حدا بأبي القاسم محمّد كرّو أن لا يغفل البعد البيوغرافيّ في مقالاته وأبحاثه حول الشّابّي. فزمانه يختلف عن كلّ الأزمنة، لأنّه مرتبط بمعاني التّأسيس والكفاح. وهذا ما جعله يتقصّى أحداثا ميّزت تاريخ تونس في الرّبع الأوّل من القرن العشرين، أي طيلة حياة الشّابّي القصيرة مواصلا أبحاثه بعد وفاة الشّاعر ليمنحه بفكره وقلمه حياة ممكنة بعد الحياة الفعليّة.

وهنا تعترض الباحث معضلة الفصل بين ما هو من صميم التّأريخ وما هو من صميم التّخييل. وهذا ما يؤكّد تجاوزه لمفهوم الميميزيس باعتباره محاكاة إلى كونه تمثيلا، معيدا تعريف علاقة الشّاعر بالعالم مستثمرا المعطيات المتوفّرة حول حضوره المرجعيّ فيه[16]. ولعلّه بهذا التمشّي سعى أن يعمّق مجرى وجوده في العالم، من خلال إبراز وطنيّته ليجعلها نهرا من العطاء فاض على الإنسانيّة جمعاء، معتبرا أنّ إحساس الشّابّي بآمال شعبه وأحلامه وتعبيره عنهما “ليس من ذلك النّوع السّطحيّ الّذي كانت تتّجه إليه قرائح الشّعراء الآخرين المعاصرين له والسّاكنين معه في نفس البلاد والبيئة الاجتماعيّة والطّبيعيّة”[17]، مستدلاّ على ذلك بما حفّ بحياته من ظروف، متوقّفا عند محطاتها المهمّة في صلتها بالسّياق الشّعبي والوطني والقومي والكونيّ.

وقد تجلّى البعد الوطنيّ أيضا، عند سرده لقصّة الشّاعر، في إيلائه أهمّيّة للظّرف السّياسي العام وللمناخ الفكريّ والوسط المدرسيّ، وللرّوح الزّيتونية والأثر الزيتونيّ بالخصوص. ويظهر ذلك من خلال حديثه عن الطّلبة الوافدين من الآفاق، وعن الغبن الّذي كان يشعرهم به المشايخ “البلديّة” الّذين طالما تعالوا عنهم وتصرّفوا معهم بغلظة وصلف. على عكس الشّيوخ الوافدين من الدّاخل كالشّيخ النّخلي الّذي كان الشّابّي يعبّر عن احترامه له باعتباره الأبلغ مكانة والأرفع دعوة للإصلاح.

ولذلك فإنّ كلامه عن المناخ العامّ لا يخلو من استحضار الأعلام المميّزين لحقبة الشّاعر، كأعلام الحركة الوطنيّة من قبيل عبد العزيز الثعالبي وسليمان بن سليمان. كما أنّه نفى صلات أبي القاسم الشّابّي بجماعة تحت السّور، وأثبت تواصله مع محمد صالح المهيدي ومصطفى خريف. معبرا عن موقف أخلاقوي من جماعة تحت السور إذ قال إنّهم “كانوا بوهيميين في حياتهم ومجالسهم فيتناولون الخمور والحشيش، وبينهم من يمارس الشذوذ. والشابي كان في منتهى الصرامة مع نفسه من كل هذا”[18]. وقد أشار أيضا إلى أنّ علاقة الشّابّي مع الطاهر الحدّاد لا تخرج عن علاقة المعاصرة والمناصرة لقضيّة المرأة، تماما مثلما ناصر حركة محمّد علي الحامّي العمّاليّة.

وكلامه عن المناخ العامّ لم يخل من وصف للملابسات والظّروف الّتي أحاطت بتقديم محاضراته ومن رصد لأصدائها ودرجة الإقبال عليها، كمحاضرته عن الخيال الشعريّ عند العرب في مقرّ الجمعيّة الخلدونيّة باسم قدماء الصّادقيّة، وكمحاضرة أخرى لم يحضر إليها أحد. ويبدو دوره مؤرّخا للأدب مختلفا عن دور النّاقد والمحلّل، فقد تفادى أن يخوض في محاضرة الشّابّي عن الخيال الشّعري عند العرب متجنّبا التّصريح بموقفه الشّخصيّ منها.

 ولذلك نراه يكتفي بذكر بعض التّفاصيل عنها من قبيل أنّه حوّلها إلى كتاب وأهداها لوالده وطبعها في حياته، معرّفا إيّاها بأنّها بيان سياسي وشعري وتنظيريّ له منزلته من المدوّنة النقديّة التّونسيّة قديمها وحديثها بعد العمدة لابن رشيق والخيال في الشعر العربي لمحمد الخضر حسين ومحاضرة الشّاذلي خزندار عن الشعر. وفي ذلك تأصيل عامّ لحركة نقد الشّعر في التّاريخ الأدبيّ التّونسيّ عبر الاهتمام بضبط المحطات الكبرى في مسيرة نقديّة تونسية خالصة تؤكّد عظمة هذا الشّعب وتاريخه المُشرق وفق تقديره.

3- 2- قصّة الشّابّي، قصّة أدب:

لئن كان التّاريخ يعيد بناء الأحداث فإنّ الأدب يبنيها بناء جماليا، ولذلك فإنّ الوجهة الجماليّة للأدب تعاكس تماما الوجهة العلميّة للتّاريخ. والسّؤال المطروح هنا كيف وفّق أبو القاسم محمّد كرّو في تجاوز هذه العلاقة المركّبة بين التّاريخ والأدب ببناء قصّة الأدب بناءً يخضع لقوانين كتابة تاريخ الأدب؟ فتلك الكتابة تستخدم نماذج متعدّدة للسّرد ولكنّها من المفترض أن تتحفّظ على استثمار جماليات اللّغة باعتبارها مادّة للتّخييل لا للتّسجيل المحايد.  

خاصّة وأنّ قصّة الأدب وتناميه ونضجه مسلك ثان من مسالك سرديّة العرفان مثلما أسميناها، فقد رصد أبو القاسم محمّد كرّو مراحل تشكّل قريحة أبي القاسم الشّابّي بالعودة إلى غثّ النّصوص وسمينها، وبترتيب القصائد من الأقدم الى الأحدث. والتّرتيب هاجس مؤرّخ الأدب الحريص على الدّقّة والمصداقيّة باعتماد ما ندر من المخطوطات والوثائق والصّور والرّسوم، تلك الّتي خصّص لها جزءا هامّا من كتابه[19]. وقد ساعده مبدأ الأرشفة والعمل على مسودّات الشّاعر والوثائق المبعثرة أن يلمّ بدقائق تلك الحياة الأدبيّة الزّاخرة على قصرها، ممّا أهّله أن يرى من أدب الشّابّي ما لم تره عين أخرى، وأن يلامس شغاف إبداعه ويتقصّى مسالكه الدّقيقة والمنفلّتة ويتلقّاها تلقّيا خاصّا مكّنه من أن يقوم بحبك تلك القصّة الأدبيّة الفريدة ويكون سيّد روايتها. وكأنّنا به ذلك الفخّاري الّذي يضع يده على إناء الطّين فيحفظ المادّة ولكنّه ينوّع في تشكيلها[20]. ونراه حريصا في عمله هذا أن يرصد كلّ الأنواع الكتابيّة الّتي نَظَمَ فيها الشّابّي ونَثَرَ مُتحفا القرّاء بما جمعه من نصوص منقولة أو مكتوبة بخطّ يده.

 وهو في ذاك السّعي لم يكن ملتزما بالحفاظ على آثار الشّابّي فقط بل معبّرا أيضا عن نيّة في الحفاظ على أرشيف الأمّة أيضا، لأنّه كان على اقتناع تامّ بأهمّية التنوّع الأدبيّ الذّي أضافه الشّابّي لذلك الأرشيف. حتّى أنّه اعتنى بتصنيف كلّ فروع الأدب الّتي أدلى فيها أبو القاسم الشّابّي بدلوه من شعر ونثر ورسائل ومحاضرات ومذكّرات، مستشهدا على كلّ فرع من الفروع بنصوص فارقة ساعد الحفاظ عليها في إغناء رصيد الشّاعر وأسهم في منحه صفة الأديب والمفكّر الشّامل الّذي أخذ من كلّ شيء بطرف.

وتكمن عبقريّة أبي القاسم محمّد كرّو في بحثه عن الخيط النّاظم لكلّ المتفرّقات من كتابات الشّابّي حتّى يجعل منها مدوّنة منسجمة تفصح عن مشروع أدبيّ عظيم، قوامه التّجديد ومحرّك الإبداع فيه هو التعلّق بالشّعب. فمثلما كانت قصّة الشّابّي لا تنفصل عن قصّة الشّعب فإنّ قصّة أدبه لا تنفصل عن “روح الشّعب”، وهذه العبارة هي في الحقيقة المفتاح الّذي يفتح خزائن إبداعه ويكشف عن أسراره الدّفينة.

 إذن فقد أدرك بفطرته السليمة أنّ الشعبيّ أو المتأصّل في وجدان الشّعب هو الأساس الذي بنى عليه الشّابي تجديده للّغة والفكر، إذ أخرجها من جمودها وجعلها من صميم البلاغة الحيّة حين نفخ فيها من روح الشّعب وجنّبها ما تآكله التّقليد والتّكرار الأجوف، بما منحها صدقا وبساطة ضمنا الطّرافة والجدة. وقد استشهد في هذا السّياق بعبارة أوردها على لسان الشّابّي في حوار من حواراته وهي: “لا يا صاحبي ليست العلة في روح الشعب”[21]، وأورد هذا الشّاهد لدعم نظريّته الّتي نفحت رومنطيقيّة الشّابّي بخصيصة شعبيّة، إذ اعتبرها رومنطيقيّة تونسيّة.  لأنّ بلاغة الشّابّي تجنّبت الوقوع في الجمود لاتّصاله بما هو شعبيّ أو من روح الشّعب، معتبرا أنّ الأدب الشعبيّ أبلغ من أدب الفصحاء لأنّ الاهتمام بالعادي واليومي هو الذي يصنع التميز والفرادة.    

والوعي بضرورة التّجديد في عرف أبي القاسم محمّد كرّو ليس انزياحا عن الاتّباع والإحياء في مستوى الأغراض والموضوعات فقط بل هو متأصّل أيضا في أديم التّربة الشّعبيّة لضمان الطّرافة اللّغويّة، وبذلك تحافظ الفصحى على حيويّتها لأن اللّغة تضمن حياتها حين تتصل بواقع التّداول اليوميّ، وهو في خضمّ هذا يبحث عن أثر فرادة تليق بمكانة الشّابي ومنزلته من نفسه وذاكرته.

حتّى أنّه لم يفصل هذه الفرادة عمّا هو أصيل في أدب الشّابّي، لأنّه عاد إلى بداياته المنغرسة في أديم الأصالة والتّقليد. فاهتمّ بنَظم الشّابّي في غرض الرّثاء معتبرا ذلك من زخم البدايات، ناهيك وأنّه الغرض الوحيد الذي خصّه الشّابي بقصائد رغم تخلّيه عن الالتزام بالمقاربة الأغراضيّة التقليديّة واستبدالها بمبدإ الالتزام بقضية، قضيّة شعب ووطن وإنسان. وهذا ما يبرّر اهتمام أبي القاسم محمّد كرّو بالقصائد الرّثائيّة الّتي نظمها أبو القاسم الشّابّي برّا بأبيه واحتراما لذكراه ووفاء للشّيخ قاسم النّخلي الّذي أبّنه بقصيدة عنوانها “دمعة أرسلتها عين الضّمير”[22]. وهو بذلك حريص أن يقف في كلّ محطّة من محطّات قصّة الشّابّي الأدبيّة حتّى يسجّل في قائمة الوفاء والعرفان أهمّ من لاقاهم أو ودّعهم.

ومن المحطّات الّتي حرص كرّو أن يقف فيها محطّة النّثر ومحطّة المذكّرات بالخصوص، فأكّد على امتيازها بالصّراحة والمصداقيّة وبرّر ذلك بأنّ الشّابي كتبها لعدم النشر. ثمّ وصفها بأنّها الأولى والأخيرة في تونس قائلا إنّنا: “لا نكاد نعرف تونس وما كان يتهددها من أخطار لو لم تكتب هذه المذكرات”[23].  كما أكّد أنّ الشّابي النّاثر والكاتب لا يكاد يعرفه إلا قلة من النّقّاد والباحثين، متفطّنا إلى أنّ الآثار النثريّة تمثّل جانبا هامّا من أدبه إذ تُعادل صفحات ديوانه بل وتزيد عليه، وهذا ما يبرّر اهتمامه الخاصّ برسائل الشّابّي وخاصّة تلك الّتي تبادلها مع الحليوي.

3-3- قصّة الشّابّي، قصّة حميّة وغضب:

ولعلّ محطّة الرّسائل هي الّتي تنقلنا إلى المسلك الأخير من مسالك سرديّة العرفان الّتي وسمناها بقصّة الحميّة والغضب. ذلك أنّ الرّسائل لم تكن من الشّابّى وإليه فقط بل كانت في صيغة بحوث عنه أيضا. ومبدأ التّراسل هام في التّوثيق، وتظهر صرامة العمل البحثيّ في اهتمام أبي القاسم محمّد كرّو بالهوامش والشّروح. وهو عمل توثيقي ضخم اهتمّ فيه بجمع رسائل الشابي مع الحليوي والبشروش وأحمد زكي أبو شادي[24]، بطابعها الإخوانيّ المعبّر عن صدق المحبّة والإخلاص وبأبعادها التّواصليّة الحجاجيّة، من خلال السّجالات والمحاورات الأدبية.

في هذا المسلك من السّرديّة انتهج كرّو منهجا دفاعيّا. فاهتمّ بمواقف النّقّاد من الشّابّي ومنزلته من النّقد تونسيّا وعربيّا، مغربيّا ومشرقيّا. والحاجة إلى الدّفاع في رأيه اقتضاها أوّلا كمّ الأخطاء والمغالطات الّتي وقع فيها النّقّاد المشارقة خاصّة، وتلك الرّغبة في هدم الشّابّي والتجديف عليه ثانيا. وهو في تصحيحه للأفكار المغلوطة ركّز حديثه على النّاقدين المشرقيّين عمر فرّوخ ومحمّد الحليوي[25]، إذ استنكر أخطاء فرّوخ الجسيمة الّتي اعتبرها تشويها لحقيقة الشّابّي وأدبه حين أحاطه بالأوهام والأخطاء والغموض. واستهجن كذلك إنكار الحليوي لإشعاع الشابي خارج تونس فقد اعتبر أنّ هذا الأخير لم يكترث لعنصر التّذوّق. وعبّر عموما عن استنكاره لمحاولات هدم الشّابّي والتجديف عليه حتّى أخذه الحماس فرأى أنّ في ذلك سعيا لهدم لتونس[26]، بما يؤكّد أنّ ملامح الشابي مثلما رسمها أبو القاسم محمّد كرّو هي بوسع خارطة الوطن، فهو ذلك الشّاعر الأرض أو لنقل الشّاعر الوطن.

  ونراه في باب آخر حريصا على مبدإ أخلاقيّ في التّعامل مع آثار الشّابّي وهو احترام الوصيّة بالتّمييز بين ما يجب نشره وما لا يجب نشره أصلا. لأنّه هو الّذي يختار ولا يجب أن يُختار له[27]. ذلك أنّ الشّابّي ظلّ بعد موته رمزا ومرجعا يستند إليه المبدعون العرب ويتفاعلون، ولئن استهان عدد منهم بعبقريّته فإنّ عددا آخر نهل منها وانطلق للتّحليق في سماء الشّعريّة.

ويذكر أنّ من أهمّ المتأثّرين بأبي القاسم الشّابّي البيّاتي وكذلك نازك الملائكة في ديوانها “عاشقة اللّيل”، فقد أبرز أبو القاسم محمّد كرّوا تأثّر نازك الملائكة بشعريّة أبي القاسم الشّابّي واستلهامها منها، متوسّلا في البرهنة على ذلك التّأثّر بمنهج مقارنيّ للوقوف على مواطنه، من خلال إبراز التّشابه بين عناوين القصائد من قبيل ذلك التّشابه بين قصيدتي “في ظلّ وادي الموت” للشّابّي و”بين فكّي الموت” لنازك الملائكة ولا سيّما في ثنايا التّعبير والصّور الشّعريّة[28]. ومنهجه المقارني طغى عليه البعد التّوثيقيّ لا التّحليلي، إمعانا في إبراز تفاصيل قصّة العبقريّة وأصدائها معتبرا أنّ روح الشابي الشّعرية تسري في أجواء قصائد نازك وتختلط بأنفاسها اللاّهثة.   

4- ألم النسيان:

ولعلّ هاجس التّصحيح والتّصويب وذلك النّفس الدّفاعي هما أبرز ما ميّز كتابات أبي القاسم محمّد كرّو حول الشّابي، تلك الّتي حاول أن يجمع خلاصتها في الكتاب الّذي بين أيدينا حفظا لذكراه من النّسيان. ديدنه في ذلك الرّفض والانصراف عمّن قام بمعاداته مُشهرا في كلّ مناسبة أسلحته الحجاجيّة مُعدّا للخصوم ما استطاع من وثائق وأدلّة لخوض السّجال ودحض المزاعم. خاصّة في مواجهة خصوم في الدّاخل ومغالطاتهم ونكرانهم.  يحرّكه في ذلك شعور خاصّ بتلازم المصير بينه وبين الشّابّي. فنراه يتألّم لنسيان الشّاعر مرّة ويشعر بالمرارة لإنكار مجهوده هو ذاته مرّة أخرى.     

4- 1- نسيان الشّاعر:

لا نغالي إن قلنا أنّ ما قضّاه أبو القاسم محمّد كرّو في الكتابة عن الشّابي هو أطول من عمر الشّابي نفسه، فقد منحه عمرا على عمر وسعى إلى تشكيل هويّته عبر سرديّة خاصّة لا تكتفي بما منحته الحياة إيّاه أو بما أظهره هو عن نفسه. والمحرّك الأساسيّ لهذه السّرديّة هو شعور عميق بالألم مخلوط بعاطفة قوميّة تسعى إلى إنصاف وطنه تونس والمغرب العربي عموما، فكثيرا ما تعلّق ببعث تونس معتبرا أنّ هذا البعث لا يتحقّق إلاّ بتخليد شاعر، هذا الشّاعر، وإن رُمس، منتفض من تُربه من جديد مع كلّ جرّة قلم.

وقد حزّ في نفسه حقّا أنّ شعراء تونس يموتون تباعا وتموت آثارهم بعد موتهم وتظلّ مقبورة مجهولة حتّى وهم على قيد الحياة[29]. فمن محفّزات الكتابة عنده إذن هو الوفاء للذّات التّونسية، ذلك الوفاء يُعدّ أقوى أسلحته الّتي قاوم بها آفة النّسيان. إذ تحدّث بألم عن التّجارب القاسية الّتي أظهرت تقصير الأحياء في حق الأموات، وتقصيرهم في حق أنفسهم وهم بذلك يتحملون مسؤوليات متعددة. وبالتّالي فإنّ المحرّك الأساسيّ لسرديّة العرفان عند أبي القاسم محمّد كرّو هو ألم النّسيان أو قل آفته.

وهو، حين دقّ ناقوس الخطر، أضفى قيمة على مشروعه، لأنّ الوفاء للأصل هو أكثر ما يمنح المشاريع الفكريّة قيمة. والمسكوت عنه في هذا المشروع هو شعوره بالغبن في أوقات ومناسبات كان من المفروض أن يكون حاضرا فيها، ولكن وقع تجاهله رغم كرمه الفكريّ وتجرّده من الأنانيّة ونكرانه ذاتَه وإيثاره الغيرَ. هذا الغير هو من صميم محلّيته التّونسيّة، رغم التزامه العروبيّ. فهو ملتزم برفع غبار الإهمال عنه، في مسار تصحيحيّ تدقيقيّ يلقي أضواءً على ما أعتم من ظلاله لإبراز البصمة التّونسيّة الخاصّة وحمايتها من الذّوبان. ورغم إيثاره للغير فإنّ شعوره بالغُبن والتّهميش طفا على السّطح، لأنّ دفاعه عن الشّابي هو في شكل من أشكاله دفاع عن اتّجاهه الكتابيّ وعن تخصّصه في تاريخ الأدب الّذي هُمّش في فترة من الفترات في الجامعة التّونسيّة، وهذا قد يبرّر تسجيله في المرحلة التّحضيريّة للدكتورا في الجزائر وليس في تونس.

إذن فقد توخّى تمشّيا مزدوجا حاول فيه الجمع بين تخليد ذكرى الشّابّي والتّأكيد على أهمّية منهجه الفكريّ. ويجدر أن نشير إلى أنّ تعلّقه به لم يمنعه من أن يعارض أفكاره في مواطن عدّة، ولكنّه تجرّد قدر الإمكان من ذاتيّته والتزم الموضوعيّة والأمانة لكي لا يطمس ألق الرّجل، فنراه مثلا يقول في بعض المواضع متحفّظا على موقف ما: “لا يعني هذا أنني أوافقه”[30]، ومع ذلك فهو يستبعد موقفه الشّخصيّ ويتجنّب الخوض فيه، فيؤكّد أنّه قدّم كتابه هذا احتراما للشّابي وعصره.

4- 2- نسيان الذّات كآخر:  

تحتلّ الذّاكرة حيّزا هامّا عند طرح السّؤال حول العلاقة بين التّاريخ والأدب. فالمؤرّخ يقول ما لا يمكن للكاتب أن يقوله ومن هنا تطرح مسألة ذاتية الذاكرة[31]، ومن صميم هذه الذّاتيّة تكون فرادة نقل تفاصيل حياة ما نقلاً يستعين باللّغة ويسكن إليها.               

ومع ما سبق من حرص على التجرّد فإنّ ذات أبي القاسم محمّد كرّو كانت تطفو على السّطح من حين إلى آخر، ليجمع الشّعور على الشّعور والفكر على الفكر والتّرجميّ على السّير ذاتي، محتفيا بذكر الأمكنة الّتي انتقل إليها انتقال الشّابّي إليها، مثل توزر وأريانة وغيرها من الأماكن فيقول: “ثم شاءت الأقدار أن أسافر إلى توزر، أنتقل مع شقيقي”، ويتحدّث عن أريانة فيقول: “عشت فيها وعاش فيها الشابي”[32]. حتّى أنّ اختلاط الذّات بالآخر قد تجلّى أيضا على صعيد الخطاب من خلال طريقة توظيفه للضّمائر، فنراه يتكلّم عن نفسه بضمير الغيبة في مواضع بعينها في نبرة تواضع وعتاب إذ يقول: “قد بيّنها بالخريطة والأسماء والعلامات ابن من أبناء قفصة منذ عام 1952، عندما أصدر عنه أوّل كتاب في التّاريخ بجميع اللّغات وفي جميع البلدان. وهذا الكتاب هو “الشّابّي، حياته وشعره” الّذي طبع حتّى الآن أكثر من عشرين طبعة “[33]. ويحضر ضمير المتكلّم المفرد أو الجمع أيضا في سياقات التّأكيد والإعلان خاصّة، حين يقول مثلا: “بل حذّرت من هذا” أو “وكان لنا شرف التّقديم لها” أو “أضفنا” أو”منهجنا واختياراتنا وتوجّهاتنا”.  ونكاد نجزم أنّ استخدامه للمتكلّم الجمع فيه فخر مخلوط بالألم، يسعى من خلاله أن يدرأ النّسيان والإنكار عن ذاته العمول المثابرة.

 وتتّحد الذّات مع الآخر لفرض الحضور رغم الغياب حين يتدخّل في خيارات الشّابي الشخصية فيتألّم لزواجه رغم مرضه ويعتبره خيارا خاطئا، متمنّيا لو أحجم عن ذلك الخيار ليُمنح عمرا آخر. كما يبدي تدخّلا في خياراته الفكرية فيتمنّى لو أنّ آراءه لم تكن بمثل تلك القسوة فيما يتعلّق بالخيال الشّعري عند العرب حتّى لا يقع فيما وقع فيه من نبذ وإقصاء.

وهو في هذا وذاك يجمع عقله الكلاسيكيّ على خيال أبي القاسم الشّابّي المُجدّد الخلاّق جمعا لا يُقفر دراسته أو يحدّ من زخمها بل يغنيها ويفتحها على حدائق خلفية خصيبة وإن كانت غير ظاهرة. إذ يطوّع الشّابي لرؤاه ومواقفه ويلبسه حلة من فكره ويجعله في جلبابه بقدر ما يسكن هو في جلباب الشابي. فهو قاريء مفارق منزاح لا يقبل منه تقليد الغرب ويتجنّب الحديث عن توجّهه الرّومنطيقيّ، مستبدلا إيّاه بمفهوم الطّبيعة في الشّعر، عاقدا ذلك على الالتزام الوطنيّ، إذ يقول: “الذين لم يروا سهول الوطن وجباله ومدنه وقراه، ولم يتنقلوا بين باديته وصحرائه، وسواحله وثغوره ،ولم يتعرّفوا إلى كل شيء فيه من إنسان وغير إنسان، هؤلاء لا يحسّون بحبّ الوطن إحساس العارفين الجوّابين”[34]. وكأنّنا به يشير إلى أنّ حركة الشّابّي التّفاعلية عربية عربية، لا عربيّة غربيّة، وهي مستلهمة من تاريخ شعر الطبيعة في الثّقافة الأندلسيّة أكثر من استلهامها من الغرب.

إذن فقد رأى من حقه أن يصوغ له حياة ممكنة من خلال سرديّة خاصّة، تؤمن بعبقريته ولكنها تسعى إلى تشكيلها مثلما تقبّلتها ذائقته وتفاعلت معها. فقد جمع الوفاء على الذّكاء حين انحاز إلى صرامة التّوثيق دون أن ينزاح عن ذاته. يتماهى حينا ويتقاطع حينا آخر، يسكن مرّة وينفر أخرى. جامعا بين اتّجاهات ثلاثة للفعل: ما فعله أي الإنجازات وما كان يجب أن يفعله أي المُمكنات وما ضيّعه القدر بموته أي المستحيلات.

فتأريخه لأدب الشّابّي لم يخل من ترجمة لمعتقداته فكريّة مرسيا نظام عبور إلى تمثّلاته حول الشّاعر[35]، معتمدا الوثائق والنّصوص مادّة لا يقف عندها مجرّد وقوف للنّقل والتّوثيق والأرشفة وإنّما يعتمدها لصناعة عالم أدبيّ ممكن وفق تقبّله وتوقّعاته وانتظاراته.        

5- خاتمة:

ننتهي إلى أنّ بصمته أبي القاسم محمّد كرّو بيّنة تظل صورة الشّابي دونها منقوصة وغامضة وغير دقيقة فهو الأقرب إلى عالمه إنسانا وشاعرا. ولعلّ أهمّ ما يمكن الوقوف عنده في عمله هو أنّه التقى بشكل ما مع اهتمامات الأنثربولوجيّين، فقد أفاض في تقصّي كيفيّة تشكّل الذّاكرة الإبداعيّة لأبي القاسم الشّابّي. وفي عمله التقت ذاكرتان ذاكرة المبدع وذاكرة المؤرّخ النّاقد بما تحمله من قدرة على التّخزين والأرشفة. لأنّ الذّاكرة الحافظة للشّعر لا تقلّ أهمّية عن الذّاكرة الشّاعرة، فهي تحافظ على رسم المسار الذي سلكه الشاعر عن طريق التّرتيب وتجميع النّصوص الّتفاعليّة والنّقديّة والوثائق والصّور، وبالتّالي فإنّ عمله وسائطيّ بامتياز أساسه الإبلاغ الّذي لولاه لضاع الإبداع. وأملنا أن يتمّ حفظه في المستودعات الرّقميّة حتّى يستفيد منه أكبر عدد من الباحثين، ونحن لا نغالي إن قلنا إنّ النّهضة العربيّة رهينة إرادة صادقة كإرادة الرّجل وأمثاله، لأنّها تعيد الاعتبار لما أُهمل وتصحّح توازنا مختلاّ بربط جسور متينة بين المغرب والمشرق. فالباحثون ينزعون نحو العمل بطريقة معزولة كلّ في مجاله وبتعاون خاصّ مع مشابهيه والحال أنّ النظرية الأدبيّة يفترض بها أن توفّر مناسبات للتّلاقي.



المصادر والمراجع:           

 المصدر:       

المراجع العربيّة:       

 المراجع المترجمة:              

المراجع الأجنبية:                

 

مقالات أخرى

تعدّد الأصوات وتداخلها في الخطاب القصصيّ

الدّين والتحوّلات الثّقافية في الغرب، أيّة علاقة؟

كتاب “ثلاثتنا” للكاتبة الصّينيّة يانغ جيانغ

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد