اللذة الفنيّة في الفنّ المعاصر

اللذة الفنيّة

الملخّص:

مثّلت اللّذّة الفنيّة إشكالا جماليّا خاصة بعد منعرج الرائع le tournant de sublime. فلئن انبنى الجميل على متعة إيجابية تثير المتلقي وتشدّه للأثر الفنّي، فإنّ موت الجميل في الفنّ المعاصر وتأسيس جماليات الرائع، قد أجّج إشكال اللّذّة في شكل من الاستفهام عن مصيرها، غير أنّ كانط يؤكد احتواء الرائع الفنّي على متعة جمالية متفرّدة باعتبارها سالبة، تماشيا مع تغيّر قيمة الفنّ الذي لم يعد وعدا بالسعادة واجتثاثا من قضايا الواقع، بل صار مقاومة في كل ضروبها. هذا طرح دافع عنه أدرنو من خلال مفهوم القبيح كشكل من أشكال الرائع، مؤسّسا المقاومة الإستطيقية التي تعيد للفنّ مكانته كاقتدار على التغيير وانخراط في عمق المآسي.

الكلمات المفاتيح: اللّذّة الفنيّة، الفنّ المعاصر، الرائع، اللذّة السالبة، المقاومة.

Abstract:

The artistic pleasure represented an aesthetic problem, especially after the magnificent zigzag. If the beautiful is built on positive pleasure that excites the recipient and draws him to the artistic effect, the death of the beautiful in contemporary art and the establishment of the aesthetics of the wonderful has fueled the forms of pleasure in a form of questioning its fate, but Kant confirms that the artistic masterpiece contains a unique aesthetic pleasure as negative in line with the change in the value of art that It is no longer a promise of happiness and an eradication of issues of reality, but has become resistance in all its forms. A proposal defended by Adorno through the concept of the ugly as a form of the wonderful, establishing a rationalist resistance that restores to art its position as the ability to change and engage in the depth of tragedies.

Key words: Artistic pleasure, contemporary art, wonderful, passive pleasure, resistance.


1- مقدمة:

إنّ الفنّ يُحدث لدى المتلقي نوعا من اللّذّة التي يُصطلح عليها بـ “المتعة الجماليّة”، لكن تبقى طبيعتها محلّ جدل مثير بيْن التجريبيين والعقلانيين، فجميعهم يقرأ الفنّ وفق منهجه الخاص، بيْن من يرى في تجربة التلقي تجربة حسيّة، تُثير لدى المتلقي متعة حسيّة صرفا تشابه في جوهرها ما يُنتج في التجارب المحسوسة، وبيْن من يراها تجربة تعلو على ما هو تلقّ بسيط لتلامس شكلا من العقلانية وتغدو عمليّة مشوبة بضرب من ضروب المتع العقلانية، غيْر أنّ هذا السجال غدا أكثر راهنيّة مع الفنّ المعاصر، خاصة بعد ما يعرف بأزمة الفنّ المعاصر وولوج الفنّ منعرج الرائع le sublime بمختلف تجلياته سواء كان قبيحا أو مفزعا أو مريعا…

هاهنا نتساءل: ماهي اللّذة الفنيّة؟ وكيف يثير الفنّ فينا هذا الضرب من ضروب اللّذيذ؟ وهل مازال الفنّ ضمن البراديغم المعاصر موضوع لذّة؟ أم أنّ اللّذة قد أفَلَتْ أفول الجميل؟ وإذا كان الأمر كذلك أيّ بديل يُمكن أن ينبثق عن تجربة التلقي المعاصرة؟ أيُمكن أن نفوز بلذّة فنيّة في تلقي الرائع والمريع والمفزع؟ أي هل الرائع الفنّي موضوع لذّة جمالية؟

إنّها إشكالية عصيّة نروم الخوض في غمارها في لحظتين فكريتين؛ الأولى تُعنى باللّذّة الجمالية في الفنّ عموما، والثانية تبحث في اللّذّة في براديغم الرائع أو في متعة الفنّ المعاصر.

2- اللحظة الأولى: اللّذّة في الفنّ:

يسعى الإنسان إلى تحصيل اللّذة مثل تحصيله للسعادة. وقد يتطابق موضعا التحصيل بأن تكون السعادة هي اللّذّة في ذاتها مثلما فهم أبيقور القائل: ” اللّذة بداية الحياة السعيدة وغايتها”. واللذائذ متباينة تباين موضوعاتها؛ فمنها ما يكون حسيّا متأتِّيا من التلذّذ الحسيّ، ومنها ما يكون عقليّا، ومنها ما يكون مزيجا بينهما. أما الفنّ فقد خُصّ بلذّة ليكون الأثر الفنّي الناجح هوما يثير لدى المتلقي شيئا منها. فهي انتشاء نابع من الفنّ دون غيره. وفي الجمالية نقول اللّذّة الفنية أو المتعة الفنيّة على سبيل الترادف دون عناء التفرقة بينهما؛ غير أنّ طبيعة اللّذّة الفنيّة تبقى مجال بحث خاصة لإحداث البون بينها واللذة الحسيّة. فمن غير اللائق أن نخلط بين لذة الأكل بماهي حسيّة، ولذّة الاستماع إلى الموسيقى.

2- 1- اللّذّة بين الحسيّة والجماليّة:

يُثير مارك جيمنيزMarc Jimenez) ) في الجماليّة المعاصرة الاتجاهات والرهانات إشكالا مُهمّا “هل يصح القول بأنّ المتعة الجماليّة ممتزجة بالمتعة الحسيّة أم هي مجرد نمط من التلذّذ الجسماني؟”. (جيمنيز،2012: 145) وقد آثر كانط (kant) قبله أن يُحدث تفرقة بيّنة بين المتعة الجمالية والمتعة الحسية على طريقته؛ إذ يقول مستأنفا حديثا حول الجميل والرائع “كل واحد منهما يفترض مقدما حكم تفكير لا حكم حواس أو حكما منطقيّا محدّدا. وتبعا لذلك، فإنّ الرضا لا يتوقف على الإحساس كما هي الحال في الملائم، ولا على المفهوم المعيّن كما هي الحال بالنسبة إلى الرضا المتوقف على الخير.”(كانط،2005: 152) ليكون الرضا الذي خصّ به الفنّ والذي يعتبره مرتبطا بالمتعة، لا هو حسيّ ولا هو مفهومي صرف كما في الأخلاق. فيؤكد بذلك أنّ المتعة الجماليّة تناقض المتعة الحسية من جهة استقلاليتها عن كل مصلحة، فاللّذة الفنيّة بحسبه خالية من كل منفعة تجعلها حكرا على نفر بعينه أو مصلحة ضيقة، ويكون كانط بذلك قد دشّن الكونيّة الإستطيقية أوما يُسميه مارك جيمنيز بـ “إمكانية التوافق مع الغيْر” (جيمنيز، المصدر مذكور سابقا)،من خلال تحرير المتعة الجمالية من كل معيقات الكونية خلافا للمتعة الحسيّة التي تظل ذاتية فاقدة لكل موضوعية أو مشاركة ممكنة؛ فكيف تحدث هذه المتعة؟ وهل هي ملازمة لكل أثر فنّي؟

2-2- المحاكاة واللّذّة:

 يُعدّ أرسطو Aristote))في كتابه فنّ الشعر أول من صاغ لنا نظرية في المحاكاة داخل مقاربة جمالية واضحة المعالم، بعيدا عن قراءة الزيف المعرفي الأفلاطونية باعتبار أنّ أفلاطون(Platon) قد ربط المحاكاة بالإيهام والمغالطة. فأرسطو يعتبر” المحاكاة غريزة في الإنسان تظهر فيه منذ الطفولة، والإنسان يختلف عن سائر الحيوانات في كونه أكثرها استعدادا للمحاكاة”. (أرسطو،1983: 65) فإضافة إلى اعتباره الإنسان متفردا ببعده المحاكي، فإنّه يرى في المحاكاة مصدرا للّذّة بقوله” كما أن الناس يجدون لذة في المحاكاة” (أرسطو،1983). غير أنّ اللذّة الفنيّة لا تتوقف عند حدّ الفعل المحاكي، بل تجد تحقّقا في فاعلية التطهير أو الكاترسيس. وقد فكر آلان باديو ( Alain Badiou) في المسألة انطلاقا من الفلسفة الأرسطية، فكتب: “الفنّ لا يتعلق بما هو نظري، وإنّما بما هو خُلُقي (بالمعنى الأوسع للكلمة). فينتج عن ذلك أنّ معيار الفنّ هو منفعته في معالجة أهواء النفس”. ( باديو،2010: 460) وهو بذلك يخلّص الفنّ من الوظيفة المعرفية والتربوية ويوكل إليه “وظيفة علاجية” خالصة شبيهة بالعلاج النفسي المعاصر. بيد أنّنا نعثر في تحليل آلان باديو لهذه الوظيفة على شيء من الإحالة على المتعة؛ إذ يُدمج الفيلسوف مصطلح “الإعجاب”، فيقول: “فالفنّ يجب أن يُعجب، لأنّ “الإعجاب” يعلن عن فعلية الكاترسيس.” (باديو،2010: 161) وهنا نتساءل: أيّة علاقة بين الإعجاب واللّذّة؟ وهل في الإعجاب شيء من اللّذّة أو هو وجه من وجوهها؟

ورد في لسان العرب “أعجبه الأمر: سرّه والعُجْبُ: الزّهوُّ”. (ابن منظور،2011) ففي المصطلح حضور قويّ للقرينة النفسية، فكأنّما الإعجاب يكون بالنسبة للمتعة ما تكونه الدهشة في علاقة بالفلسفة، استنادا إلى الطرح الأرسطي القائل: “الدهشة بداية الفلسفة، وبهذا يكون الإعجاب بداية المتعة أو “الوظيفة العلاجية” كما يطلق عليها آلان باديو؛ أي أنّ الاعجاب فعل شدّ المتلقي إلى الأثر الفنّي حتى يكون في وضعية التلذّذ الإيجابي. في ذات السياق كتب فالتر بنيامين(Walter Benjamin) في كتابه ما هو المسرح الملحمي؟: “لا شيء أجمل من التمدّد على الأريكة وقراءة رواية” (بنيامين، 2010: 105) توصيفا للاسترخاء والراحة التي ترافق الشعور بالّلذّة الفنيّة، إنّها التلذّذ في مستوى الملكات الحسيّة، ضف إلى ذلك الانسجام والتوازن الداخلي الذي يولّد التماهي l’identification لحدوث تطهير النفس من الانفعالات المقلقة.

غيْر أنّه لا أحد بإمكانه تفنيد أنّ الفنّ المعاصر قد عاش منعرجا مربكا، لم يعد فيه الأثر الفنّي جميلا بل اتخذ من الرائع في كل مآربه شكلا للتمظهر، ممّا بلور مفهوم الأزمة. إنّ الفنّ المعاصر قد تشكّل في تمثّل مغاير، لا يعتمد على مفهوم الجميل ولا يوفّر الاعجاب والارتياح كما كان بالنسبة للمتلقي. لقد غابت عنه أسباب الإبهار فغدا ملغزا يظهر قبيحا أو مفزعا أو مريعا، إنّه انعراج يجعلنا نتساءل عن مصير اللّذة في الفنّ المعاصر. فهل القبيح الفنّي يُثير لذّة ما؟ أم أنّ اللّذّة انتهت مع الجميل؟

3- اللحظة الثانية: اللذة في الرائع الفنّي:

إنّ تتبع إشكال اللّذة الفنيّة في الفنّ المعاصر، يدفعنا إلى استعادة مفهوم الرائع برمته داخل الاستطيقا الكانطية باعتبارها توفر مادة فلسفية ثرية حول طبيعة الرائع وخصائصه، وإنْ لم يعطِ كانط للرائع ذات الأهمية الفكرية التي خصّ بها الجميل. ففي نقد ملكة الحكم، في الفقرة 23 التي خصصها كانط للمقارنة بيْن الرائع والجميل، يكتب: “الجميل والرائع يتفقان في أنّهما يلذّان بنفسيْهما”، (كانط،2005: 152) لينهي بذلك قلقا بشأن مصير اللّذّة، معتبرا أنّ كلّا من الجميل والرائع يشتركان في إحداث اللذة الفنيّة، مما يجرنا إلى الاقرار بأنّ الفنّ المعاصر الذي تدثّر بالرائع في جل آثاره الفنيّة يبقى محافظا على اللّذّة حتى وإن بدت لبعضهم غائبة لغياب الجميل فيه، لكن لا أحد بوسعه إنكار البون الشاسع بين الجميل والرائع، الذي يحتّم بالضرورة الوقوف على البون بين اللّذّة التي يحدثها كل منهما.

3- 1- طبيعة لذة الرائع:

لئن كانت اللّذّة في الجميل الفنّي بديهيّة منذ فنّ الشعر لأرسطو الذي هو أوّل كتاب فلسفي في الفنّ، فإنّ لذّة الرائع كان عليْها أنْ تنتظر نقد ملكة الحكم حتّى يتبيّن لنا منها بعض الضياء، فهي لا تزال إلى حدّ هذا المستوى غامضة مثلها مثل الرائع الكانطي في حدّ ذاته. وهو ما حتّم عليْنا تتبع اللحظات الفكريّة الكانطية في إفصاحه عن هذا الضرب المخصوص من اللذائذ، التي رافقت إعلانه عن الرائع في مقابل الجميل. وفي قراءة للاستطيقا الكانطية، تدوّن أم الزين بنشيخه في ذات النقطة البحثية “يذهب أدرنو في مهجة كانط بعيدا بالحديث عن إستطيقا كانط تحت نعت ربّما لم يُمنح إلى كانط البتة أبدا.”(بنشيخه،2010: 157) فما الذي تراءى لأدرنو – وهو يقرأ لكانط- من أمر لم يتفطن إليه القرّاء من قبله؟

توصّل أدرنو القارئ لصاحب الثالوث النقدي إلى أنّ آخر الكتب النقدية – والذي يعني به نقد ملكة الحكم – يمثّل “الإستطيقا الثورية”( بنشيخه، 2010) بأتمّ معنى الثوريّة. وهو ما يُثير نوعا من التحفّظ مبدئيا حول اختيار هذه الصفة وهذا النعت بالذات، استنادا إلى ما نستبطنه حول فلسفة كانط وعلاقتها بالثورة. فالكُلّ يتّفق على أنّه ينحو منحى دروب معاكسة للثورة والثوريّة، بعدما أتقن الموازنة بيْن الضرورة والحرية. فكيف للذي لا ينتصر للثورة أن يكون تفكيره في الفنّ ثوريا؟ وكيف لهذه الإستطيقا الثورية حسب أدرنو أن تخدم إشكالنا حول اللّذّة؟

تبحث أم الزين بنشيخه في المسألة استيضاحا لهذه الثورية الجمالية التي تفرد بها كانط دون غيره، فتكتب “أنّ ثوريتها لتكمن خاصّة في تعريفها للّذة الجماليّة بكونها “لذّة بلا منفعة”، أي لذّة سالبة. (بنشيخه، 2010: 157). فالسلْب هو ما يصنع ثورة بالنسبة إلى أدرنو باعتباره قد جعل من السلب نقطة ارتكاز في فلسفة القبح متّخذا موْطئا للذّة المتعلقة بالرائع خارج كل متعة إيجابية ممكنة، كالتي كان يؤمنها الجميل سلفا. ويُشدّد كانط على ذات النقطة محدثا تفرقة جليّة بين لذّة الجميل ولذّة الرائع، قائلا “أمّا الشعور بالرائع فهو لذّة لا تنبثق إلاّ بطريق غير مباشر، لأنّها تَنْتج عن الشعور بتوقف القوى الحيويّة إبّان لحظة قصيرة يتلوها مباشرة انطلاق لهذه القوى أقوى وأكبر”. (كانط، 2005: 154) ههنا تكون لذّة الرائع مغايرة من جهة غياب المباشرتية، باعتبارها نابعة من شعور مخالف فيه اهتزاز، وتوقف، وخفقان وعودة إلى الاشتغال أقوى. إنّها لذّة مخصوصة تستمد خصوصيتها من طبيعة الرائع في حدّ ذاته، وذلك لأنّ الرائع “بوصفه انفعالا، فإنّه لا يبدو أنّه لعبا، بل أمرا جادا يشغل الخيال. ولهذا فإنّ هذه اللّذّة لا يمكن التوفيق بيْنها وبين الإثارة، وذات الانفعال يجعل النفس تشعر في تمثُّل الرائع أنّها تهتزّ”، (كانط،2005) على عكس الجميل تكون النفس في حالة تأمّل هادئ مريح. رُبّ تقابل لا يحرمنا من اللّذّة الفنيّة في شتى الأشكال الفنّية، لكنّه يميز بين اللذائذ الفنيّة بحسب طبيعة الأثر الفنّي. فإذ كان جميلا يُهدينا لذّة إيجابية تُثير الهدوء والارتياح، فإنّ الرائع يُهدينا لذّة سالبة تثير الاهتزاز والخفقان فيصفها كانط كالتالي: “وقد تشبه هذه الحركة (لا سيما في بدايتها) ارتجاجا أي دفعا أو جذبا سريعي التغيّر من قبل الشيء نفسه.”( كانط،2005) أي أنّ الرائع الكانطي ينسج من طبيعته الدينامكية العنيفة مقارنة بالجميل الوديع الهادئ، لذّة على قياسه. ويُتابع كانط فكرته قائلا “إنّ الرضا الصادر عن الرائع لا يشتمل على لذّة إيجابية بقدر ما يشتمل على الإعجاب والاحترام، ويستحق إذا أن يُنعت بأنه لذّة سلبية.”( كانط،2005) وهنا نجيز لأنفسنا إعادة استدعاء آلان باديو في كتابه موجز في اللاّإستطيقا، وقد اعتبر الفنّ ممتزجا بالإعجاب، فيقول “الفنّ يجب أن يُعجب” (باديو،2010: 460) ، معيدا رسم مورفولوجيا التطهير عند أرسطو بجعله الإعجاب معلنا عن بداية فاعلية التطهير. ينقلب كانط على هذا الطرح الأرسطي محدثا نوعا من الثورة الكوبرنكية في الإستطيقا، فلم يعد الإعجاب قرينا للتطهير بل غدا مع الرائع يخصّ الاحترام. فالإعجاب في هذه المقارنة بيْن آلان باديو وكانط، نقطة تقابل بيْن التطهير والاحترام، بيْن الجميل والرائع، وهو ما يُحدث لدى المتلقي نوعا من اللّذّة المتفردة حتى في سلبيتها.

هكذا تتجاوز اللّذّة الجماليّة في الرائع الكانطي المألوف من الأحاسيس الإيجابية لتطلعنا على شعور مغاير يُرافق تلقي الأعمال الفنّيّة الرائعة، شعور تخيّر كانط تقصي طبيعته بأكثر دقة في الفقرة 27 فيدوّن بشأنه “وللشعور بالرائع نوعيّة، هي أنّه شعور بالألم تنتجه ملكة الحكم الجماليّة على الموضوع.”(كانط، 2005: 171) فهو شعور بالألم قد ينجرّ عن الارتجاج والاضطراب، وعلى الرغم من سلبية الألم فإنّه قادر على إحداث لذة مخصوصة. ولكنّنا نعثر في موطئ آخر له على هذا القول “هذا السرور ينبثق عن الاتفاق بين الأفكار العقلية وبيْن هذا الحكم على عدم كفاية أقوى ملكة حسيّة.” (كانط، 2005: 171) من جهة الإحساس بالسرور ومن جهة بالألم؟ فهل يمكن التوفيق بيْن هذيْن الشعوريْن المتناقضيْن؟ وهل يُمكن أن تنبثق السعادة من الألم؟ وهل يمكن أن يُتبع الألم بنوع من اللّذة؟

 إنّها إحراجات تزيد في غموض الرائع والشعور المنبثق عنه، ممّا يجعلنا نستضيف قراءة أم الزين بنشيخه للرائع الكانطي ضمن كتابها الفنّ يخرج عن طوره؛ إذ تقول مشيرة إلى الرائع “تستيقظ بعده المخيلة من سباتها “الجمالي” وتقف على ظاهرة إستطيقية لا قبل لها بها”،(بنشيخه، 2010: 64) باعتبار أنّ كانط قد أشار إلى فرادة هذه الظاهرة منذ البداية. فالرائع فريد واللّذّة الخاصّة به لا تكون إلا كذلك، خاصّة بالنسبة إلى المخيلة التي يصفها صاحب نقد ملكة الحكم كما يلي: “أمّا المروّع للمخيلة (الذي تُدفع نحوه بإدراكها للعيان) فهو أشبه بهوّة تخاف من الوقوع فيها.”(كانط،2005: 170) وبهذا يُثير الرائع أحاسيس متناقضة ويُحدث نوعا من الإرباك داخل الملكات، ما ينفك كانط يؤكد عليه في الفقرة 26 متحدثا عن كنيسة القديس بطرس “يستشعر أمامها بعجز مخيلته عن تصوّر أفكار، وفي ذلك تبلغ المخيلة أقصى ما تستطيع، وفي سعيها لتجاوزه ترتد غارقة في ذاتها”. (كانط،2005: 162) إنّ الرائع يخلق ديناميكية، بل عنفا لا مثيل له في المخيلة التي ينبثق عنها الحكم الجمالي.

يتابع كانط قوله: “لكنها بهذا تُنقل إلى رضا مثير”، ( كانط، 2005) بما يعني أنّ الارتجاج الذي يطرأ على المخيلة عند تلقي الرائع يعبّران عن حالة ظرفية طارئة، سرعان ما تفوز بضرب من ضروب الهدوء أو “الرضا” الذي ينعته كانط “بالمثير”. فأيّ إثارة يحملها الرضا بالرائع على وجه الخصوص؟ وهل هذا الرضا متأتٍ من الشعور بالعظمة؟ يُجيبنا كانط بعدما خلْنا أنّنا قد أضعنا بوصلة الاتزان بين الألم واللّذّة، وبين السرور والنفعية في خضم حكم الذوق الجمالي “إنّ الشعور بالرائع في الطبيعة هو احترام لمصيرنا نشهد به أمام الموضوع بطريقة خفيّة”. (كانط، 2005: 169) فالرضا مُتأتٍّ إذن من “الاحترام” أمام هول الرائع الطبيعي وترويعه، لأنّ كانط يلتجأ إلى الطبيعة في الرائع حتّى يختبر هذا الشعور. فهل ذات الرضا سيكون قبالة فنّ الرائع، ونحن نعلم أنّ الفنّ المعاصر لم يُبق إلا على الرائع؟ وفي تجميع لشتات الأفكار – حتّى لا يجد البعض تناقضا في الفكر الكانطي – يفسر الفيلسوف في الفقرة 27 المُعنونة بـ “حول نوع الرضا المتعلق بالرائع”: “فالشعور بالرائع هو إذن شعور بالضيق ناشئ عن عدم كفاية المخيلة في التقدير الجمالي للعظمة بواسطة العقل، وفي الوقت نفسه يوجد في هذا السرور اتفاق بين الأفكار العقلية وبين هذا الحكم على عدم كفاية أقوى ملكة حسيّة”.(كانط، 2005: 169) إنّ الضيق سبّبه عدم اقتدار المخيلة ومحدوديتها تجاه شكل إستطيقي غير معتادة عليه تعوّدها الجميل، غير أنّ هذا لا يُخفي انبعاث سرور مردّه اتفاق داخلي.

تكتب أمّ الزين بنشيخه حول إستطيقا التلقي في الرائع الكانطي “إنّنا نتحوّل مع تحليلية الرائع من جماليات المتفرج، التي ينعتها نيتشه ساخرا بعبارة “الجماليات الأنثوية… “. (بنشيخه، 2010: 64) ما هو بيّن في هذا القول أنّنا بإزاء تحوّل نوعي في جماليات التلقي أو “جماليات المتفرج” على حدّ عبارة أم الزين بنشيخه، قبل الرائع الكانطي كانت فاعلية التلقي تُثير سُخط نيتشه وسخريته لما تنطوي عليه من امتصاص للدور النشيط للجمهور، يكون فيه عنصرا من عناصر “التجربة الجمالية.”

إنّه لمن الوجاهة بمكان أن نستنتج أنّ الرائع باهتزازه وخفقانه، باضطرابه وهيجانه يُدمّر قارة جمالية كانت تعتبر الهدوء والاتزان من بين الملكات العقلية التي تمثل أسا للحكم الإستطيقي، ليكون الرائع “ألما يُثير فينا شعورا بمصيرنا فوق-حسّي، نجد بموجبه غائيا، وبالتالي لذّة، أنّ كل مقياس حسّي هو غير ملائم لأفكار الفهم”،( بنشيخه، 2010) أي هو شعور سلبي، متبوع بلذّة سلبية تنقلنا “إلى إستطيقا المتذوق النشيط الذي لا يكتفِي بدور الفرجة، بل يصير مصمّما للمشهد نفسه.”( بنشيخه، 2010) إنّه تلقّ ينقلنا من الاسترخاء والتمدّد الذي يُفرز الاستسلام وتقمص الآثار الفنّيّة إلى تلق نشيط، يخلق نوعا من اللّذّة العقلية السلبية، تكون فيها اللّذّة الإستطيقية لذّة نوعية. فالسلبية التي يمنحنا إياها الرائع في الفنّ المعاصر، لا تُنفِّر المتلقي بقدر ما تؤمن له لذّة مخصوصة بذاتها، هي نوع من لذّة الاحتجاج والرفض لأنّها “فعل ملكة الحكم الجماليّة المفكّرة”، حيث نغادر وظيفة الحساسية والجميل إلى حيث يكون التفكير. فهل سيُحافظ الرائع المابعد حداثي على طابعه الثوري ولذّته المخصوصة؟ وإذ كان الرائع بألف طراز فكيف ستكون لذّة القبيح باعتباره أحد أطرزتها؟

3- 2- لذّة القبيح الفنّي:

غدا القبح واقعا فنّيّا لا تنجو منه الأعمال الفنّيّة المعاصرة، وهي عادة دأب عليها الفنّان المعاصر، مثيرا الصدمة الإستطيقية le choc esthétique مستثمرا حيرة المتلقي تجاه ما يُعرض. وتُقرّ أمّ الزين بنشيخه متعمقة في جماليات القبح بأنّ “أهمّ مقومات إستطيقا القبح إذن هي محاربة ما ينعته أدرنو نفسه “بمفهوم المتعة الحقيرة”” (بنشيخه، 2010: 179) وههنا نعثر على إقرار مفاده أنّ فيلسوف مدرسة فرنكفورت قد تراءى له مقاومة مفهوم اللذة الجماليّة ناعتا إيّاه بالحقارة. لأنّه يقول: “إنّ السعادة التي توفرها لنا الآثار الفنّيّة هي القدرة على الصمود”(Adorno,1995: 35) تجاه واقع مشوّه وإنسان بات لا يستطعم من إنسانيته غير اللاّإنسانية التي أفرزتها الرأسمالية المتوحشة، موسعة دائرة السلعنة والتشيؤ، مفقرة القيم والمبادئ، فلم يبق في هذا العالم المنتزع الإنسانية غير الفنّ القبيح يُقاتل. فاللّذّة الحقيقية هي لذّة الصمود والمقاومة، لا لذّة الاسترخاء والإيهام الجمالي.

يُضيف أدرنو في ذات السياق “إنّ الآثار الفنّيّة هي التي تشهد على أنّ هذا العالم نفسه ينبغي أن يصير شيئا آخر، وهي بذلك تكون حقا رسومات لا واعية لتغيير العالم.”( Adorno,1995: 247) فجماليات القبح مع أدرنو قد ادّخرت لنا من جديد وعدا بالسعادة ليس ميتافزيقيا هذه المرّة كما قد كان الأمر مع فيلسوف المطرقة نيتشه، وإنّما وعدا يندرج ضمن المنعرج السياسي للقرن العشرين على حدّ تقسيم مارك جيمنيز الذي يرسم رهانا جديدا للفنّ، إنّه الانخراط في الواقع بكل مآسيه وجعل كل أثر فنّي أثرا مقاوما ضد الفنّ المتلاهي عن الواقع.

فما هو بيّن في هذا المستوى، أنّ أدرنو يرفض نوعا من “المتعة الجماليّة الحقيرة” من جهة، ويضيء درب الإنسان المعاصر بضرب من السعادة الإستطيقية المنتظرة في ثنايا الآثار الفنّيّة الصامدة تجاه سيل الانحطاط، وذلك بتعبيرها عن القبح والفزع اللذين ما انفكّا يؤثثان العناوين الكبرى للعالم اللاإنساني. فكيف لأدرنو أن يُحمّل الفنّ المعاصر كل هذا الوزر؟ وهل يملك المتلقّي خصال هذه المرحلة الإستطيقية الحرجة؟

لا يمكن لنا أن نتناسى نعت أدرنو للإستطيقا الكانطية. إنّها “ثوريّة” في تدشينها للذّة سالبة ولمتعة دون مصلحة في آن. ففي هذا التدشين وجد أدرنو ضالته الفلسفية الإستطيقية، التي ستكون بالنسبة إليه بمثابة نقطة أرخيميدس الارتكازية الحاسمة التي من خلالها يشنّ طابع المقاومة ضدّ تخوم الرأسمالية حال جميع فلاسفة مدرسة فرنكفورت. فاللذّة السالبة ستقاوم المتعة الجماليّة الإيجابية المتواطئة مع جروح العالم. ويتابع أدرنو “وهي نوع من المتعة التي تنأى عمّا هو حسّي، نحو متعة المقاومة”(Adorno,1995 :277)، فحتّى القبيح الذي خلناه قصيّا عن المتعة، هو حمّال لمتعة جمالية، لا تشبه متعة الصناعة الثّقافيّة الواعدة بسعادة واهية متواطئة مع الانحطاط الرأسمالي المحقِّر للذات.

ويصف أدرنو متعة جماليات القبح بأنها “مقاومة الفكر لكل جبروت”(Adorno,1995) سواءً كان سياسيا أو ثقافيا. فهي متعة تجد أسس التلذّذ في المقاومة والسير عكس التيار. فما هو قبيح لا يُقاوم إلاّ بالقبح. وإذا كان أدرنو يُحقِّر من شأن المتعة الجماليّة، فهو لا يُحطم المتعة أو اللّذّة السالبة كنوع من التحصين ضد الانحطاط في المتعة الإستطيقية، الذي رافق ظهور الصناعة الثّقافيّة القائمة على الإغراء من جهة والتسلية والترفيه “الحقير” من جهة أخرى. لأنّ أدرنو يعيد مصالحة الفنّ على الواقع من جديد بعد أن تنافرا مع نيتشه. في خضم هذا الإشكال يقول مارك جيمنيز حول إستطيقا فيلسوف مدرسة فرنكفورت أنّها حمّالة “لندوب دالة على عصر الهموم”)جيمنيز،2010: 392) أو عصر تراكم الآلام الإنسانية التي أثبت هشاشة مشروع الحداثة كمشروع واعد. وهي ذات الندوب التي تناقلتها الفلسفات المعاصرة من هابرماس في الحداثة مشروع غير مكتمل وصولا إلى نيغري في اللاإنساني.

يُضيف مارك جيمنيز في ما الجماليّة؟ محلّلا طابع المقاومة في إستطيقا القبح قائلا: “كان يعني فيه الدفاع عن الفنّ الحديث مقاومة المساعي الشمولية الهادفة إلى تصفيته”؛ (جيمنيز،2010) فالفنّ كان مهدّدا في وجوده، لذلك لابدّ من الصمود والمقاومة لكل دفع نحو تفتيت الفنّ باعتباره السلاح الوحيد المتبقي للإنسان المعاصر المستهدف في كلّ أبعاد الإنساني.

إنّ “الفنّ لا يقوى على تحصيل معنى إلّا في سلبية العالم الحاضر.”( جيمنيز،2010: 399) هكذا يتمسّك أدرنو بالسلبيّة كمنقذ أخير، تلك السلبية التي استخلصها من موسيقى التنافر واللامقامية، الموسيقى المزعجة والمضجرة التي قد تسبب النفور والاشمئزاز للآذان ربّما تكون مفزعة ومرعبة بالنسبة إلى بعضهم. في هذا الخطّ تقريبا، يقول حولها جيمنيز “إذ كانت هذه التنافرات تُرعب السامعين إلى هذا الحدّ، فذلك لأنّها تخاطبهم في ما هم عليه في ظرفهم الخاص تحديدا.”( جيمنيز،2010: 397) وتستطيع موسيقى شونبارغ المرعبة وحدها المقاومة باستحضار أصوات العذاب وآهات الكارثة في عالم لاإنساني. ولعلّه لهذا السبب خصّص لها صاحبنا كتاب فلسفة الموسيقى الجديدة.

أمّا في الأدب، فمسرح بيكيت يفي بالغرض مع مسرحية نهاية اللعبةfin de partie)) أو في انتظار غودو ( En attendant Godot)؛ فكلّها مسرحيات حُمّلت بترديد الكلمات ووضعيات صمت متكررة وسخرية اعتباطية يقول عنها جيمنيز “هذه كُلّها لا تصف كارثة عالم قيْد الانحطاط، وإنّما لها فعل أقوى”. (جيمنيز،2010:  398) فنحن مع أدرنو لا نرنو إلى نظرية وصفية تصف الكارثة، بل تنخرط فيها. ههنا يضيف أدرنو حول الآثار الفنّيّة “إنّها تُترجم ما فيه من عبث مأساوي من دون الحاجة حتّى إلى تسميته” (Adorno,1995: 277)؛ فالفنّ المعاصر ليس بحاجة إلى التصوير الواقعي وإلا اندرجت أعماله الفنّيّة ضمن المدرسة الواقعيّة. “إنّ أعمال الفنّ لا تنتقد الواقع بتصويره في صورة واقعيّة… وفق متطلبات الفنّ التشبيهي.” (جيمنيز، 2010: 398)ولعلّ هذا يُثبت ما قد حللناه سابقا وهو رغبة أدرنو في التملّص من الصناعة الثّقافيّة. فالتصوير التشبيهي قد يكون فوتوغرافيا، لذلك يرى أدرنو القبح الشكلي أقدر على الفضح والانتقاد. وهو أيضا “يرفض الأعمال التي تدّعي التعبير عن مضمون سياسي محدّد”. (جيمنيز، 2010: 398) فالتعرية تكون شاملة “إذ كان العمل يضع الواقع محلّ نقد، وإذ كان يفعل فعله بقوّة في الجمهور، وفق المعنى المأمول منه، فإنّ هذا يعود إلى شكله غير المتعاهد عليه: شكل مهزوز البنية، متخلع”، (جيمنيز، 2010) أي أنّه يندرج ضمن الرائع.

يوجز أدرنو قوله في هذا الصّدد “إنّ ما هو قبيح اجتماعيا، إنّما يُحرّر قيما إستطيقية قويّة جدا” (Adorno,1995: 79) مبنيّة على العنف الجمالي بما هو مثير للرعب والخوف، وهي مشاعر سلبية تولد لدينا نوعا من الانزعاج المشين. غيْر أنّ هذا لا يعتبر غاية في حد ذاته بالنسبة إلى أدرنو؛ ذلك “أنّ لا إنسانية الفنّ ينبغي أن تزايد على لا إنسانية العالم، وذلك باسم ما هو إنساني.”( Adorno,1995) فكلما تفنّن الفنّ المعاصر في إبراز القبح الذي بات الوجه الأوحد للعالم الرأسمالي المتوحش، فُتحت نوافذ على عالم “قبيح كفاية” كانت الرأسمالية ترنو إلى تجميله وتزويق عيوبه حتّى يبدو أكثر تسلية.

تبحث أم الزين بنشيخه في إمكانية حيادية الفنّ، لكن سرعان ما تستدرك الأمر قائلة: “وإلا تحولت استقلاليته إلى استقالة عن آلام الأفراد ومعاناتهم في مجتمع يُنذر باندثار للثقافة وبسقوط وشيك في البربرية.”(بنشيخه، 2010: 181) فالفنّ كما يراه صاحب كتاب فلسفة الموسيقى الجديدة “ينبغي عليه أن يأخذ في حسبانه ما يشار إليه بوصفه قبيحا، ليس أبدا من أجل إدماجه أو تلطيفه أو التصالح معه، بل من أجل أن يفضح في القبيح نفسه العالم الذي صنعه، وأن يعيد إنتاج هذا العالم على صورته.”( بنشيخه، 2010: 78) إنّه التشبث بالفنّ كآخر ما تبقى لنا لوجود نشيط، ضد وجود كسول يرتكز على جماليات مرتعشة لا تقوى على المواجهة.

ههنا يمكننا القول، إنّ الرائع الفنّي ومهمّته المعاصرة التي ترتكز على المقاومة داخل ما يسميه مارك جيمنيز “المنعرج السياسي”، لم يندثر بعد نظرية إستطيقية، بل توسّع نطاقه داخل نظريات أخرى، فهو الإرث الفلسفي الذي مازال بإمكانه أن يُقدّم أشواطا فكريّة أخرى وربّما متباعدة حول الفنّ المعاصر، بعدما سقطت كل النظريات الإستطيقية في التعالي أو الثلب لواقع جمالي لم تعد قادرة على كبح جماحه لا النظري ولا العملي. ضدّ كل هذا القحط المحيط بنا، وتحصينا للفكر من السقوط في الفراغ العدمي، ينتصب الرائع لدى أنطونيو نيغري في كتابه الفنّ والجموع؛ إذ يُقرّ بـ “أن نفهم ما هو الفنّ اليوم هو أن نفهم كيف أنّ ألم العالم الضائع بوسعه أن يخاطر بنفسه في صلب المحيط العاري والمجهول من أجل كينونة جديدة.”(نيغري،2010: 29) فالرائع مع نيغري متمسك بخطّ المقاومة، غير أنّ المقاومة هذه المرّة لن تكون إلا أنطولوجيّة، تشق عباب الفراغ من أجل كينونة جديدة، بعدما صارت الكينونة الحالية هشّة مفرغة من الإنساني، لا طعم فيها إلا للبضاعة والسوق والعقل الأداتي.

4- خاتمة:

إنّ تتبع مفهوم اللذّة الفنيّة في الفنّ المعاصر قد قادنا إلى استعادة التمييز الكانطي بين الجميل والرائع، لنؤكد على أنّ الفنّ المعاصر قد ولج إلى منعرج اندثار الجميل الفنّي. وهو ما جعلنا نرتاب حول مصير المتعة الفنيّة أو اللذة الجمالية إن كانت تخصّ الجميل فقط، فإنّها ستنتهي بنهايته.

بالعودة إلى الجمالية الكانطية، تأكد أنّ كانط في نقد ملكة الحكم قد خصّ الرائع بكل أصنافه، قبيحا كان أو مفزعا أو مريعا- بشكل من اللذة الجمالية، والتي يعتبرها متفردة من جهة أنّها سلبية تنبع من ماهية الرائع في حدّ ذاتها، وهي لذّة تثير فينا الاحترام والصمود. ذات النهج اعتمده أدرنو في جماليات القبح، لتكون لذّة القبيح مقاومة لكل الانحطاط المحيط بنا في العالم المعاصر.

5- المراجع:

  1. أرسطو، فنّ الشعر، ترجمة عبد الرحمان البدوي، بيروت، طبعة دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، 1983.
  2. باديو (آلان)، الموجز الصغير للإستطيقا، ترجمة فتحي المسكيني، ضمن الكتاب الجماعي، إطلالات على الجماليات بالعالم الغربي في النّصف الثّاني من القرن العشرين، مختارات معرّبة، تونس، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، 2010.
  3. -بنشيخه (أمّ الزين)، الفنّ يخرج عن طوره أو جماليات الرائع من كانط إلى دريدا، بيروت، دار معرفة للنشر، الطبعة الأولى ،2010
  4. بنيامين (فالتر)، ما هو المسرح الملحمي؟، ترجمة هادية العرقي، اطلالات على الجماليات بالعالم الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين، قرطاج، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون،2010.
  5. جيمنيز (مارك)، الجماليّة المعاصرة الاتّجاهات والرّهانات، ترجمة كمال بومنير، بيروت، الرباط، الجزائر، منشورات ضفاف، دار الأمان، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى،2012.
  6. -كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم هنا، بيروت، المنظمة العربية للترجمة،2005.
  7. -ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر للطباعة والنّشر، الطبعة السابعة،2011
  8. Adorno, Théorie esthétique, trad. Marc Jiménez, Paris, Gallimard, 1995.

 

مقالات أخرى

الإعلام والطائفية السّياسية في الزمنية العربية الملتهبة: ملامح محنة خفيّة

علم الاجتماع الماركسي

الحب والجنس: إيقاعات التناغم والانفصام؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد