التّوافق في السياسة بين الإمكان والامتناع

التّوافق في السياسة

الملخّص:

يدور الجدل في الفلسفة السياسية المعاصرة حول المرتكزات النّظريّة لفكرة “التّوافق السيّاسي”، إذ يحرص “جون راولز” على البحث في السبل النّاجعة لإدارة واقع التعدديّة المعقولة بين مكوّنات المجتمع السياسي في الديمقراطيّات الحديثة وإرساء مقوّمات نظريّته في العدالة بما هي فضيلة سياسيّة، ويجدّ “يورغن هابرماس” في الاستدلال على الحاجة إلى الإدارة العقلانية التشاوريّة بين القوى السياسية المتنافسة والإقناع بوجاهة مشروعه البديل الموسوم ب “الديمقراطية المداولاتيّة”. في مقابل ذلك تؤكّد “شانتال موف” تعذّر إمكان حصول مثل هذه الأشكال من التّوافق في المجتمع السياسيّ بالنّظر إلى الطبيعة الصّراعيّة للعلاقات السياسيّة، تلك التي لا يشذّ عنها أيّ نظام السياسي ولا يمكن تخطّي تداعياتها على الفعل السياسيّ. وتجدر الإشارة إلى أنّ “التّوافق السياسيّ” من المفاهيم التّي فرضت نفسها في تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس مّما يدعونا إلى محاولة تبيّن وجاهة المفهوم بالعودة إلى أطره الفلسفيّة والنظريّة والعمل على الاستفادة من الجدل الدائر حوله في تقييم هذه التجربة.

الكلمات المفاتيح: التوافق المتشابك، السياسة التشاورية، الديمقراطية المداولاتيّة، العلاقات الصراعيّة، وهم التّوافق

Abstract:

 The debate in contemporary political philosophy is centered on the theoretical basis of the idea of “political consensus”, as John Rawls seeks to examine effective ways to manage the reality of reasonable pluralism among the components of a political society in modern democracies and to establish the elements of his theory of justice in political virtue. Jürgen Habermas, also, finds its inference to the need for rational management Consultation between competing political forces and the establishment of the foundations of his alternative project characterized by a “Deliberative Democracy”. On the other hand, “Chantale Mouffe” confirms that such a possibility of Forms of consensus in the political community could not happen given the conflict nature of political relations which are not unacceptable of any political system and the consequences of which are unavoidable for the political action.

 It should be noted that “political consensus” is one of the concepts that has imposed itself on the experiment of democratic transition in Tunisia, which requires us to try to show the validity of the concept by returning to its philosophical and theoretical frameworks and making use of the debate around it in evaluating this experience.

 Key words: overlapping consensus, consultative policy, deliberative democracy, conflict relations, agonistic pluralism, consensus illusion.


1- مقدّمة:

السياسة مفهوم لا ينفلت من التعهّد والتفكّر باستمرار، إذ لا تنفكّ الأسئلة التي يطرحها فلاسفة السياسة ومفكّروها حول طبيعة الفعل السياسي وماهية السياسي تتجدّد، باعتبار أنّ السّياسة مجال حرّرته الحداثة من سطوة الدين والأخلاق وشرّعت وجوده المستقلّ ذاتيّا. ولا يتوقّف النّظر الفلسفي بالمعنى العميق للكلمة عن التساؤل عن ماهية السياسة وطبيعة مجالها، ويبدو أنّ الآراء والتّأويلات في أبرز النّظريات السياسيّة الحديثة والمعاصرة لا تخرج عن تصوّرين اثنين: أوّلهما يرى السّياسة ومجالها أقرب إلى ساحة للنّزاع والمواجهة العنيفة من أجل الاستحواذ على أسباب القوّة والنّفوذ والثّروة. أمّا جوهر الفعل السياسي فهو نزوع نحو الهيمنة والسيطرة والتغلّب. هذا التصوّر ساد ولا يزال في الأفكار السياسية في أوروبا القاريّة، وهو تصوّر يبقى برأي كيميلشكا واقعا تحت تأثير أطروحات هوبز ونيتشة تلك التي تنفي أيّ دور فاعل للحجاج الأخلاقي في المجال السياسي.[1] أمّا التصوّر الثّاني للسّياسة فيمثّل الأرضيّة التي تستند إليها أغلب النظريات السياسية الرّائجة في الفضاء الأنغلو أمريكي ويشدّد على أهميّة الاحتكام إلى مبادئ عليا في تنظيم مؤسّسات المجتمع وتوجيه التّفاعلات الاجتماعيّة، ويؤكّد أهميّة الحسّ المشترك والثّقافة العموميّة لدى جماعة سياسيّة ما في بلورة الاختيارات المتلائمة مع الأفكار والرؤى التي يتقاسمها أفراد تلك الجماعة.

وسواء ملنا إلى هذا التصوّر أو إلى ذاك فإنّ الرّهان يبقى دائرا على مدى قدرتنا على إدراك طبيعة الفعل السياسي ذاته، فإن كانت السياسة تُعرّف بأنّها “فنّ الممكن” فإنّها أيضا المجال الذي يخضع فيه الفعل السياسي لمنطقها وشروطها وإكراهاتها. وهو ما يدفعنا إلى إيجاد تسوية بين طرفي المعادلة، ذلك أنّ التّسليم بأنّ السياسة فنّ الممكن يقودنا إلى القبول بأنّ الفعل السياسي هو في النهاية محصّلة قرار يُتّخذ استجابة لظرفيّة ما أو تلبية حاجة أو تحقيق مصلحة… من بين إمكانات أخرى مُتاحة. أمّا إذا وضعنا في الاعتبار أنّ للسياسة منطقها فإنّ الفعل السياسي يمثّل في النهاية تحويلا للاختيارات أو القرارات المتّخذة في صيغة قوانين وتراتيب ملزمة تتجسّد في خطاطة من الأوامر والنّواهي تحدّد ما هو مباح وما هو محظور. ولا يخرج تكييفنا للفعل السياسي ونتائجه بذلك عن ضرورة الالتجاء إلى درجات التّصنيف المعهودة في عرف المناطقة وفقهاء القانون التي تتدرّج بنا من الوجوب إلى المنع.

وقد لا يكون لمثل هذه التساؤلات معنى إذا تعلّق الأمر بالفعل السياسي في إطار الأنظمة التسلّطيّة التّي لا يُتاح فيها مجال الاختلاف العلني في التّفكير والتقدير في ما يخصّ الشأن العام واتّخاذ القرارات، إذ يعود الأمر في الغالب إلى صاحب السلطة الّذي يتّخذ قراره ويلزم به محكوميه، مع أنّ تفرّده بالحسم قد لا يمنعه من الاستفادة من إمكانات متعدّدة تتيح له هامشا من الاختيار. غير أنّ هذه التساؤلات تفرض نفسها حتما إذا تعلّق الأمر بأطر سياسيّة تعترف بقدر من الاختلاف في الرؤى في تصوّر الخير المشترك وتجعل القرار السياسي خاضعا لآليّات توزيع السلطة مثل ما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية الحديثة. وفي هذا الإطار يبدو لنا من المشروع أن نطرح السؤال التّالي: هل الفعل السياسي الّذي يُتوّج عادة باتّخاذ القرارات المناسبة ورسم السياسات العامّة يكون حصيلة توافقات بين القوى السياسية المتنافسة أم أنّه يبقى في النهاية رهين لحظة حسم تتفرّد بها القوّة السياسيّة المؤهّلة قانونا لاتّخاذ القرار سواء حظي بالتّوافق النسبي أو التّام أم لم يحظ بذلك؟

انطلاقا من هذه التساؤلات المشروعة نحاول في هذا البحث النّظر في موضوع التوافق[2] في السياسة ومدى إمكان قيامه أو امتناعه. ولعلّ ما يحفّزنا على البحث فيه، ما نلاحظه من اهتمام به في الفكر السياسي المعاصر وخاصّة في البلدان ذات التقاليد العريقة في الممارسة الديمقراطية، إذ يُعدّ من المواضيع التي تثير نقاشا وجدالا كبيرين بين مفكّري السياسة وفلاسفتها والفاعلين في الشأن السياسي عامّة. وهو نقاش يعبّر بالأساس عن اختلاف التقييمات إزاء ظواهر وأشكال من الممارسة السياسية فرضت نفسها في العقود الأخيرة من قبيل وجود مظاهر من التقارب أو التحالف أو التوافق بين قوى سياسيّة وأحزاب متباعدة في الأصل من جهة المرجعيّات الإيديولوجية والاستراتيجيّات والأهداف وخاصّة بين القوى التي تُصنّف عادة في جهة اليمين مقابل ما يُصنّف عادة في جهة اليسار. وتقترن هذه المظاهر بتداعيات تبدو في الغالب سلبيّة مثل تدنّي نسب المشاركة السياسية وصعود أحزاب اليمين المتطّرّف ورواج الخطابات الشعبويّة وتغلّب منطق الخبراء والتكنوقراط على منطق السّاسة وغير ذلك من المظاهر الأخرى.. ويشمل النقاش أيضا البحث في البدائل الممكنة القادرة على تجاوز ثغرات الديمقراطيات الغربية القائمة وعجزها عن تحقيق أهدافها المرجوّة. ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ لهذا الموضوع صلة بالواقع السياسي العربي وتحديدا في تونس في مسار تجربتها في الانتقال نحو الديمقراطية، إذ نلاحظ في الفترة الأخيرة نقاشا في الأوساط السياسية والفكرية حول مدى نجاعة سياسة التوافق المعلنة بين حزبين أو تيارين يمثّلان مرجعيّتين متمايزتين وُصفا يوما بأنّهما “يمثّلان خطيّن متوازيين لا يلتقيان”.

ولعلّ المدقّق في محاور هذا النقاش الفكري النظري والسياسي العملي إزاء الموضوع قد لا يجد عناء في رصد موقفين أساسيين: موقف أوّل يقرّ بأهميّة التّوافق في السياسة والحاجة المؤكّدة إليه في ضمان تعاقد داخل جماعة سياسيّة ما ينهض على قواعد أخلاقيّة وفكريّة صلبة ويؤمّن انخراط المواطنين في تدبير الشأن العامّ والبحث في القرارات التي تحقّق التطلّعات والقيم العليا المرغوب فيها بما تبدعه من الآليّات الكفيلة بتحقيق ذلك. وفي المقابل يبرز موقف ثان يرى أنّ فكرة التّوافق السياسي هي بإطلاق أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة لأنّها منافية لطبيعة المجال السياسي ولمفهوم السياسي ذاته. ونجد من أهمّ المدافعين عن الموقف الأوّل أكثر الفلاسفة تأثيرا في الفلسفة السياسيّة المعاصرة ونقصد به الفيلسوف الأمريكي جون راولز(John rawels)[3] والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس(Jurgen Habermas)[4]. في حين تعدّ الفيلسوفة البلجيكيّة المعاصرة شانتال موف(Chantal Mouffe)[5] من أهمّ مناصري الطرح الثاني ومن المدافعين عن أطروحة الطبيعة الصراعيّة للعلاقات السياسيّة.

ولا شكّ في أنّ الاختلاف بين هذين الطرحين في الفلسفة السياسيّة الراهنة يقيم الدّليل على صعوبة محاصرة الفعل السّياسي وعلى تعذّر الحسم في إيجاد الصيغ المثلى لإدارة قوى التعدّد في المجتمع السيّاسي، غير أنّه يبرهن في المقابل على قدرة الفكر الدّائمة على رصد أشكال ممارسة السلطة وتدبير الشأن العامّ في المجتمعات الغربية بالتّقييم والنّقد والتّوق الدّائم إلى تجاوز ثغرات الممارسات القائمة أو رسم البدائل لها. ولا يمكننا بأيّة حال إنكار الحاجة إلى مثل هذا الفكر المتيقّظ في متابعة ما يستجدّ في واقعنا السياسيّ، لذا يطمح هذا العمل إلى اختبار ما يتواتر اليوم في الفضاء العامّ من مفردات من قبيل “التّوافق السّياسي” و”الرؤية التّشاركية” وغيرهما وذلك بالاعتماد على ما يقدّمه فلاسفة السياسة المعاصرون من الأدوات التّحليليّة والمفاهيم الإجرائيّة التّي تمكّننا من تبيّن دلالة هذه المفردات وتحديدا مصطلح “التّوافق السّياسي”[6]، والوقوف على مدى الوعي بمرجعيّاته، وتعيين مدى وجاهة استخدامه في السياق السياسي والتّاريخي الّذي يتنزّل فيه.

2- في التّوافق الممكن:

يحضر مفهوم التّوافق بقوّة في أعمال راولز وهابرماس غير أنّ هذا الحضور يتلبّس بالبناء النّسقي الّذي يحاول كلّ منهما وضع أسسه، فجون راولز يجعل التّوافق مفهوما مؤسّسا لنظريّته في العدالة ودعامة أساسيّة في مشروعه المجدّد للنّظرية الليبراليّة. أمّا هابرماس فلا يمكن تصوّر نظريّته في الفعل التّواصلي أو مشروعه في الديمقراطية المداولاتيّة بمعزل عن مفاهيم التّوافق والسياسة التشاوريّة والحوار الحجاجي.

أ – التّوافق في مشروع جون راولز الليبرالي السّياسي

ليس غرضنا أن نعرض معالم المشروع الليبراليّ السّياسي عند راولز ولا أن نقف على تصوّره لنظريّة العدالة الّتي أعقبت نقاشا واسعا في الفلسفة السياسيّة المعاصرة ولا تزال، وإنّما نسعى إلى النّظر في تجليّات فكرة التّوافق ودواعي حضورها في هذا المشروع وصلتها الوثيقة بنظريّة راولز في العدالة.

أبدى جون راولز اهتماما لافتا بفكرة “التّوافق المتشابك”[7]، هذه الفكرة التي فرضت نفسها عليه في الصيغة الثانية المعدّلة من كتابه “العدالة كإنصاف إعادة صياغة” تلك الّتي تخلّى فيها عن طموح صوغ نظريّة عامّة في العدالة ليتّجه إلى التّفكير في وضع مبادئ نظريّة سياسيّة للعدالة ترتبط أساسا بالمجتمعات الغربيّة الليبراليّة. وتبرز الحاجة المؤكّدة لفكرة التوافق المتشابك في أنّها تمثّل السبيل للانتقال من وضعيّة أولى تتّصف فيها المجتمعات المعاصرة بواقع التعدديّة المتأتّي من تعدّد العقائد الشاملة والمختلفة والمتعارضة التي لا يتنازل عنها الأفراد ولا يمكن فرض واحدة منها على البقيّة إلى الوضعيّة الثانيّة المرجوّة التي يسمها راولز ب”المجتمع الحسن التنظيم”، وهو المجتمع المنظّم بواسطة مفهوم عامّ للعدالة، أي العدالة بما هي مفهوم سياسيّ يجسّد وجهة نظر مشتركة بين المواطنين يقدرون بواسطتها على حلّ مسائل تختصّ بمبادئ القانون الأساسيّة. فالتوافق المتشابك إذن ينشأ بمقتضى تقاطع وجهات النظر بين المواطنين والتقائها في مبادئ محدّدة تتعالى على المرجعيّات الفلسفيّة والأخلاقيّة والدّينيّة السائدة في المجتمع، لأنّ هذه المرجعيّات لم تكن على الدوام موضوع توافق بل على العكس مثّلت دوما مصدرا للصراعات، لذا يتوجّب تحييدها والاحتكام إلى مبادئ أو معايير تتجاوزها وتتوافق عليها مختلف مكوّنات المجتمع وقواه المتعدّدة. وهذه المعايير يمكن اختزالها في مبدإ العدالة بما هي إنصاف، وفق المفهوم الذي يحدّده راولز لها. ولعلّ هذا التوافق المطلوب هو أقرب إلى الاتّفاق التعاقديّ القادر على إنشاء النظام السياسي وفق معيار العدالة فضلا عن أنّه يحدّد طبيعة تنظيم المجتمع ويرتّب التفاعلات بين مكوّناته المتعدّدة.

وبما أنّ التوافق المتشابك يرتبط بتحديد المبادئ الأساسيّة المنظّمة للمجتمع فإنّ صلته بالعدالة وثيقة عضويّة. والعدالة من منظور جون راولز ليست مجرّد فضيلة من الفضائل الأخلاقيّة، بل هي فضيلة سياسيّة تقوم على فكرة الإنصاف وتضمن الاحترام المتبادل للآراء والتّوجهات والمصالح، ويُعهد إلي العدالة أيضا تدبير آليّات التعدّد وحسم قضيّة الصّراع على القيم. وقد اختزل راولز مبادئ نظريّة العدالة في مبدأين أساسيين: أوّلهما أنّ لكلّ شخص حقّا متساويا في النسق الأكثر امتدادا للحريّات الأساسيّة المتساوية بالنسبة إلى الجميع. وثانيهما أنّه يتوجّب تنظيم مظاهر التفاوت الاجتماعي والاقتصادي على نحو تكون فيه لفائدة من هم أقلّ حظّا أو امتيازا، وأن تكون مرتبطة بوظائف ومواقع مفتوحة أمام الجميع في إطار من المساواة وتكافؤ الفرص والحظوظ[8].

إنّ العدالة بما هي إنصاف، بمقتضى هذا التعريف، تمثّل مفهوما سياسيّا ومعيارا أعلى لتنظيم المجتمع، وتنشأ باعتبارها حصيلة اتفاق تعاقديّ بين مواطنين عقلاء يتعالى عن ارتباطهم بالمنظومات الفلسفية والأخلاقية والدينيّة القائمة ويسمح في الوقت ذاته بالاعتراف بتعدّديتها، وهو ما يفضي إلى قيام النظام المأمول الّذي يسمه راولز ب “المجتمع الحسن التنظيم”. ويعبّر عن ذلك بالقول” إنّ المفهوم السياسي في المجتمع الحسن التّنظيم يتأكّد باسم الإجماع المتشابك المعقول، وبهذا نعني أنّ المفهوم السياسي مؤيّد من العقائد المعقولة الدينيّة والفلسفيّة والأخلاقيّة رغم تعارضها، وأعتقد أنّ هذا هو الأساس الأكثر معقوليّة للوحدة السياسيّة والاجتماعيّة المتوفّرة للمواطنين في مجتمع ديمقراطيّ”[9].

غير أنّ هذا التحوّل المرجوّ من مجتمع التعدّديّة المعقولة إلى المجتمع المنظّم تنظيما حسنا لا يلغي الحاجة المتجدّدة للتوافق المتشابك، إذ يقدّر راولز أنّ التّوافق يكون ملازما لآليات عمل المجتمعات الليبرالية الديمقراطية، ولا يتوقّف دوره عند اللحظة التعاقديّة التّأسيسيّة. وهو ما يستدعي نوعا آخر من التوافق الذي يمكن وسمه بـ “التوافق الإجرائي” الذي يكمّل ما يسبقه من “توافق تأسيسيّ”. ذلك أنّ الرّهان المركزي يبقى ماثلا في ضرورة البحث عن ضمانات الاستقرار الاجتماعي في المجتمعات الغربيّة في ظلّ واقع التعدديّة التي لا يمكن تخطّيها بل يتوجّب احترامها التزاما بمبادئ الليبراليّة ذاتها. وهو ما يؤكده راولز بالقول :”تُقدّم فكرة الإجماع المتشابك لهدف إضفاء واقعيّة أكبر على فكرة المجتمع الحسن التنظيم وجعلها تتلاءم مع الحالات التاريخيّة والاجتماعيّة للمجتمعات الديمقراطيّة التي تشتمل على واقع التعدديّة المعقولة”[10].

وتنشأ انطلاقا ممّا تقدّم وقائع يحصرها راولز في خمس: أوّلها أنّ واقعة التعدّديّة المعقولة تمثّل ملمحا دائما للثقافة الديمقراطية العامّة وليست مجرد حالة تاريخيّة قد تؤول إلى الزوال، وثانيها أنّ التمسّك المشترك والمستمرّ بعقيدة شاملة واحدة لا يُستبقى إلاّ بالاستعمال القمعيّ لسلطة الدولة ولو كانت عقيدة العدالة بما هي إنصاف ذاتها، إنّها “واقعة القمع” كما يسمها راولز. والثالثة هي أنّ النّظام الديمقراطي الذي يبقى ويكون مأمونا أي ذاك الذي لا تمزّقه النزاعات العقائديّة أو الصراعات الاجتماعية المتعادية، يجب أن يكون مؤيّدا من الأكثريّة من المواطنين الناشطين سياسيا تأييدا إراديّا وحرّا “وإلاّ فإنّ النظام لا يدوم ولا يكون مأمونا، وهذا يقودنا إلى تقديم فكرة المفهوم السياسي للعدالة”.[11] أمّا الواقعة الرّابعة فتتمثّل في أنّ الثقافة السياسيّة لمجتمع ديمقراطي لا يمكن أن تكون مفيدة ومعقولة لفترة زمنيّة طويلة إلاّ إذا تضمّنت أفكارا أساسية يمكن أن نصوغ منها مفهوما سياسيّا للعدالة يلائم نظاما دستوريّا مقبولا. وتتمثّل الواقعة الخامسة في أنّ العديد من أحكامنا السياسيّة المهمّة تخضع لشروط يتعذّر فيها على الأشخاص من ذوي الوجدان والمعقوليّة أن يتوصّلوا إلى النتائج ذاتها رغم الاحتكام إلى منافسة حرّة وشريفة.

إنّ هذه الوقائع تؤكّد الحاجة إلى ما وسمناه بـ “التوافق الإجرائيّ” الذي يساعد على ضمان علويّة القيم العليا وأساسا العدالة، ويؤكّد راولز هذه الحاجة بالقول:” إنّ العدالة والعقل العموميّ معا تعبّر (كذا) عن المثال الأعلى الليبراليّ الذي يفيد أنّه استنادا إلى كون السلطة السياسية هي السلطة القسريّة التّي تخصّ المواطنين كجسم مشترك يجب أن لا تمارس إلاّ بطريق يُتوقّع أن يوافق عليها المواطنون جميعهم عندما تكون جوهريّات الدستور ومسائل العدالة الأساسيّة في خطر”.[12]

يتّضح لنا إذن أنّ مفهوم التّوافق عند راولز لا يُعدّ لحظة حاسمة في قيام العدالة بمفهومها السّياسي في المجتمعات التعدّديّة الحديثة فحسب، وإنّما هو السبيل الضّامن لدوامها باعتباره الآليّة المثلى لإدارة التعدّد بين الرؤى ذات المرجعيّات الفلسفيّة والإيديولوجيّة المختلفة وذات الوجاهة المقبولة عقلانيّا من جهة، وللتوصّل إلى التّسويات المُرضية الممكنة في ما يتّصل بتدبير الحياة الجماعيّة المشتركة من جهة أخرى.

ب – التّوافق في مشروع الديمقراطيّة المداولاتيّة عند يورغن هابرماس

يّعدّ التّوافق الأساس المتين الّذي ينهض عليه المشروع الذي يسمه هابرماس بـ “الديمقراطيّة المداولاتيّة” (démocratie déléberative)باعتباره البديل الّذي يطرحه لتجاوز ثغرات التجارب القائمة في الأنموذجين الليبراليّ والجمهوريّ اللّذين عجزا في تقديره عن تجسيد قيم الحداثة وروح الأنوار تجسيدا فعليّا[13]. إنّ التّوافق هو أفق الممارسة الديمقراطيّة إذ يرتكز على ما يسمّيه هابرماس “السياسة المداولاتيّة” وتقوم هذه السياسة على شبكة من العلاقات البيذاتيّة (intersubjectives)أي علاقات التّواصل القائمة بين ذوات حرّة وعاقلة داخل فضاء التواصل العموميّ المشترك. وتجري المداولات والنقاشات في شكل تنظيميّ يسمّيه هابرماس “شبكات التّواصل للفضاءات العموميّة”[14]. وتنخرط الذّوات المتحاورة في مسارات التّوافق المرجوّ أملا في الوصول إلى رأي عامّ وإرادة سياسيّة جماعيّة، ويفترض أن يثمر النقاش التّوافقيّ قرارات وخيارات مُمأسسة وقابلة للتّطبيق بواسطة الجهاز الإداري في الدولة. ويُطلب أن ينهض النقاش في إطار السياسة المداولاتيّة على جملة من الضوابط أو المعايير من أهمّها أن تكون حظوظ المشاركة متساوية الفرص متكافئة بين الجميع، وأن يكون التّساوي عند التّصويت واتّخاذ القرارات مضمونا، وأن تتساوى الفرص أيضا في اقتراح المواضيع وطرحها للنّقاش.

إنّ الطابع العامّ لهذه الديمقراطيّة المداولاتيّة التّوافقيّة إجرائيّ (procédural) بالأساس. ويشترط هابرماس أن تكون هذه الديمقراطية قائمة على ثقافة سياسيّة مثمرة فضلا عن ارتباطها الوثيق بنظريّته في “العقل التّواصلي “. فالحقيقة التي يمكن التوصّل إليها هي تلك الّتي يتوصّل إليها المتحاورون من خلال اتّفاق معياريّ بشأنها عبر مسارات الحجاج ومقتضياته. ولا يستقيم التّوافق المرجوّ حول الحقيقة إلاّ باحترام شروط صلاحيّة الحجاج ومقتضياته الضمنيّة التّي يحدّدها هابرماس، وفي هذا الإطار يؤكّد هابرماس قائلا: “إنّ هذا الإجراء الديمقراطيّ يؤسّس رابطا داخليّا من المفاوضات والنّقاشات الدّائرة حول الهويّة الجماعيّة ومسائل العدالة وهو ما يضمن قيام وضعيّات يمكن من خلالها التوصّل إلى نتائج معقولة ومنصفة”[15].

فالتّوافق إذن يبدو لنا من هذا المنظور أقرب إلى التّسوية العقلانيّة في إطار السياسة التشاوريّة التّي تستند إلى معايير الصلاحيّة والنّزاهة والوجاهة المعياريّة المتحقّقة من الحجاج بما هو جهد عقليّ للتوصّل إلى الحقائق الأكثر مقبوليّة دون ادّعاء صحّتها المطلقة أو النهائيّة. وهو بذلك أبعد ما يكون عن التّوافق السياسي المعهود بما هو بحث عن تسويات سياسيّة تجري بين القوى السياسيّة أو بين فرقاء متنافسين على النفوذ أو السلطة يُرجى منه تحقيق مكاسب مُرضية لجميع الأطراف، وهو ما يُعدّ في نظر هابرماس من عوائق الممارسة الديمقراطية السائدة في الديمقراطيات التمثيليّة وغيرها وما يجري في مؤسسّاتها التنظيميّة وآليّاتها الإجرائيّة المتعارف عليها. إنّ أفق الديمقراطية المرجوّة هو تمكين سائر الأفراد في الاجتماع السياسيّ من المشاركة عبر النقاش العقلانيّ في الفضاء العموميّ وتحفيزهم على تنشيط مواطنيّتهم وذلك بالانخراط المباشر في تدبير الحياة الجماعيّة دون وسائط، أملا في بلوغ الّتوافق المرجوّ الّذي يجسّد التصوّر المشترك لما هو الخير العامّ والمشترك للجميع. وبهذا المعنى تكون الديمقراطيّة المداولاتيّة أقرب إلى سياسة العقل منها إلى عقل السياسة.

يلتقي إذن مشروع راولز وهابرماس في ملمحين أساسيين أوّلهما الإقرار بإمكان التّوافق السياسي بل حتميّة قيامه وفق شروط يمكن إيجازها في ما يلي: لحظة التعاقد الواعية بين أعضاء الجسم السياسي وفق معايير عليا يتمّ الاحتكام إليها دوما، الكفاءة القوليّة والقدرة على الإقناع بواسطة الحجاج بما هي الآليّة المثلى لإدراك التّوافقات المرجوّة، وثانيهما التّشديد على ضرورة مشاركة المواطنين الواسعة في تدبير الشأن العامّ وذلك بإتاحة أكبر قدر من فرص المشاركة الممكنة لهم في فضاءات التّواصل العموميّ.

3- في التّوافق الممتنع: قراءة في أطروحة شانتال موف:

تثير كتابات فيلسوفة السياسة البلجيكيّة شانتال موف[16] نقاشا وجدلا كبيرين، ذلك أنّ كتاباتها تتّصف بطابع نقديّ وتتضمّن أفكارا لا تساير في الغالب التوجّهات السائدة في النظريّات السياسيّة الرّائجة في الوقت الراهن. وتُعدّ موف من أشدّ المناهضين لفكرة التّوافق السياسيّ في مجمل مؤلّفاتها وخاصّة في كتابها الأخير الصادر باللغة الانجليزيّة سنة 2005 تحت عنوان” في السّياسيّ” [17]، والمترجم إلى اللغة الفرنسية حديثا تحت عنوان “وهم التّوافق”[18] الصادر سنة 2016.

تعلن شانتال موف منذ البدء انتسابها إلى التصوّر الذي يرى السياسة مجالا للتّنازع والمواجهة بين القوى المتعدّدة وإطارا للعلاقات الصراعيّة بين عناصر الكيان السياسي، وتؤكّد أنّ وجود تلك القوى المتعدّدة والمتصارعة في ما بينها في الديمقراطيّات الحديثة “لا يُعدّ أساس قيام الديمقراطية الحديثة فحسب وإنّما هو شرط وجود الديمقراطيّة ذاتها”[19] . وتستبعد بذلك التصوّر المغاير الّذي يرى في السياسة فضاء للحريّة والمداولة العامّة والمبادرة الفردية من خلال الأفعال الكلاميّة والنقاشات العقلانيّة العموميّة المفتوحة أمام سائر الأفراد المنتمين للكيان السياسي على حدّ سواء، وهو التصوّر الّذي تُعدّ فيلسوفة السياسة الألمانية الأمريكيّة حنّا آرنت[20] من أشدّ أنصاره. وتحرص موف على إبراز ما يميّز مفهوم السياسيّ عن غيره من المجالات الأخرى وعن مفهوم السياسة ذاته مستفيدة في ذلك من أفكار الفيلسوف الألماني كارل شميث[21]. إنّ جوهر السياسيّ وما يميّزه عن المجالات الأخرى كالأخلاق والفنّ وغيرهما يكمن في قيامه على ثنائيّة العلاقة بين الصّديق والعدوّ وعلى ضرورة التمييز بينهما ورسم الحدود الفاصلة بين “النحن” و”الهم” تماما كما نميّز في الأخلاق بين الخير والشرّ وفي الفنّ بين الجميل والقبيح وفي الاقتصاد بين النّافع وغير النّافع[22]. أمّا ما يميّز مفهوم السياسيّ عن مفهوم السياسة فيعود بالأساس إلى أنّ السياسيّ هو مجال البحث النّظري الّذي يعمّق فهمنا للظّاهرة السياسيّة، فهو أقرب ما يكون إلى النّظر في الوجود السياسي، أمّا السياسة فهي أقرب إلى الموجود وفق عبارة هيدغر إنّها “جملة الممارسات والمؤسّسات الّتي عبرها يتشكّل نظام معيّن ينظّم التّعايش الإنسانيّ في سياق من المواجهات والصّراعات الّتي هي جوهر السّياسيّ”[23].

وانطلاقا من هذه المعطيات تصرّح شانتال موف بموقفها الحاسم الرّافض لفكرة التّوافق السياسي أو الأطروحة القائلة بأنّ التّوافق هو أساس الممارسة السياسيّة أو غاية السياسة الديمقراطية المرجوّة، وهو القول الطاغي راهنا عند كثير من المفكرين الليبراليين ومن أبرزهم جون راولز مثلما عرضنا إليه أعلاه، وهو أيضا الأساس الّذي ينبني عليه مشروع يورغن هابرماس في الديمقراطية المداولاتيّة. وتعمل موف على انتهاج خطاب حجاجيّ تسعى من خلاله إلى دحض أطروحة التّوافق نظريّا وواقعيّا لتثبت في المقابل الأطروحة البديل القائلة بأنّ السياسة لا يستقيم عملها البتّة إلاّ بالاعتراف بحقيقة العلاقات الصراعيّة التّي يقوم عليها أيّ كيان سياسيّ، وبأنّ السياسة الديمقراطيّة لا يستقيم وجودها ولا تشتغل آليّاتها إلاّ في إطار مواجهة بين قوى متعدّدة ومتصارعة، وأنّ القول بإمكان تجاوز العلاقات الصراعيّة بواسطة التّوافق أو التسوية السياسيّة هو تجاوز لمنطق السياسة ذاته وتنكّر لها.

أمّا الحجج التي تستند إليها شانتال موف في دحض أطروحة التّوافق فيمكن إيجازها في ما يلي :

  • إنّ التّوافق أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة فهو وهم غذّته العولمة المنتصرة بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وانتهاء حقبة القطبين المتصارعين. وقد بثّت العولمة حسب موف تفاؤلا واهما بانتصار قيم الحريّة والتعايش في ظلّ التحاور والنقاش العقلاني والتوافق والحوار المنفتح بين الثقافات والحضارات، ووعدت العولمة أيضا بتخليص البشريّة من أسباب الصّراع الّذي فرّق الشعوب والدول وجرّ عليها الويلات. والتّوافق وهم أيضا لأنّه يقوم في الأصل على أفعال إقصائيّة، برأي كارل شميث، وإن بدا في الظاهر ثمرة تقارب مشترك في الرؤى أو تقاطع في وجهات النظر أو تسليم جماعي بوجاهة اختياره طريقة من طرق التفاعل بين الأحزاب والقوى السّياسيّة.
  • إنّ التّوافق مناف لطبيعة العمل السياسي، فجوهر الفعل السياسي يكمن، في رأي شانتال موف، في عمليّة اتّخاذ القرار أو التّوصل إليه في لحظة ما، لحظة تتطلّب الحسم الآنيّ دون انتظار ما قد يفضي إليه مسار طويل أو معقّد من النّقاشات لتحقيق التّوافق المرجوّ الّذي يمكّننا في النّهاية من اتّخاذ القرار. لذا يكون التّوافق بهذا الاعتبار متعذّر التحقّق في مجال السّياسة.
  • إنّ التّوافق متعذر من منظور عقلانيّ لأنّ واقع المجتمعات هو واقع التعدّدية وواقع التّنازع بين مرجعيّات أخلاقيّة ودينيّة وفلسفيّة، فضلا عمّا يغذّي هذا التّنازع من عوامل كالتّعدّد العرقي والديني والطائفي وغيرها. وهذا التعدّد إن لم يجر تقنينه سياسيّا في إطار علاقات صراع واضحة المعالم وفي سياق ما يجري بينها من مواجهات فعليّة تعبّر عن نفسها بالأشكال السياسيّة والتّنظيميّة المتعارف عليها، فإنّ هذا التعدّد يمكن أن يتحوّل إلى مواجهة بين دوائر انتماء هوويّة مدمّرة للاجتماع السياسي ذاته.
  • إنّ هذا التّوافق المرجوّ من منظور الممارسة العمليّة يلغي الحدود الواضحة بين “النّحن” و”الهم” تلك العلاقة الضديّة الضروريّة في الاجتماع السياسي التي تُعدّ نوعا من التّلطيف للعلاقة الضديّة المميّزة للمجال السياسي بين الصديق والعدوّ. إنّها العلاقة المرتّبة للأطراف المتنازعة في الداخل التّي تعتبرها شانتال موف نوعا من التّسامي عن العلاقة العدائيّة القائمة بين النّحن والأعداء التي تسم علاقة الدول بعضها بالبعض الآخر في الخارج أي في مستوى العلاقات الدوليّة.
  • إنّ الأنموذج الليبراليّ السائد في المجتمعات الغربيّة أو الأنموذج المداولاتي الّذي يبشّر به هابرماس يجعل كلاهما النظريّة الديمقراطية عاجزة عن إدراك دور الرّغبات في الممارسة السياسيّة والديمقراطية. فالرغبات هي قوّة الدّفع الرّئيسيّة للعمل السياسي أكثر ممّا هي المصالح المعلنة أو الأفكار مهما يكن سدادها من المنظور العقلاني. وفي هذا الإطار ترى شانتال موف ضرورة العودة إلى الإرث الفرويدي للاستفادة من مقولات التحليل النفسي في فهم الظواهر السياسيّة.
  • إنّ التّوافق ليس متعذّرا من منظور التحليل النّظري فحسب بل من منظور تقييم النتائج التي أفضى إليها التوافق السياسي المعتمد في عدد من التجارب في الديمقراطيات الغربيّة، وهي نتائج تبدو في الغالب سلبيّة أو غير مُحبّذة، لعلّ من أهمّها تراجع الاهتمام بالشأن السياسي وتراجع نسب المشاركة السياسيّة إلى المستويات الدنيا، وغياب البدائل الحقيقيّة والمتمايزة بعضها عن البعض الآخر بما يسمح للنّاخبين بهامش معقول من الاختيار بينها. ويعود ذلك بالأساس إلى غياب الحدود الواضحة في البرامج الحزبيّة بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار. ومن نتائج التوافق الموهوم انزلاق الخطاب السياسي في الشعبويّة والصعود اللاّفت لقوى اليمين المتطرّف في أكثر من بلد أروبيّ في العقدين الأخيرين.

إنّ جماع هذه الحجج يدفع شانتال موف إلى تأكيد تعذّر قيام التّوافق السياسي وامتناعه من وجوه متعدّدة. فالتّوافق المزعوم لا يعدّ تنكّرا لحقيقة السياسيّ أو تمرّدا على طبيعة الممارسة السياسيّة فحسب، بل هو، فضلا عن ذلك، إفقار للممارسة الديمقراطيّة ذاتها وذلك حين يعمل التّوافق الوهميّ على طمس واقع التعدديّة في الاجتماع السياسي وتمييع التّناقضات الحقيقيّة القائمة بين قوى التعدّد في المجتمع السياسي، تلك الّتي لا ينكرها عاقل. إنّها التعدديّة التّي يراها راولز سمة ملازمة للمجتمعات الحديثة وحاملة لرؤى مقبولة من جهة العقل، وهي تلك التي يعترف هابرماس بأنّها حاملة لأفكار لا تخلو من السّداد والمعقوليّة.

والظّاهر أنّ شانتال موف تحرص على أن تصل بالمقدّمات إلى نتائجها المنطقيّة، فالديمقراطية بمختلف أشكال ممارستها يبقى اشتغالها مشروطا بتوازن قوى متكافئة ومتصارعة، وأيّ خلل يطرأ على هذا التّوازن تحت عنوان التّوافق أو غيره إنّما يهدّد العمليّة الديمقراطيّة ذاتها بما هي نظام سياسي مفتوح تظهر فيه الرغبات المتنافرة والأفكار والرؤى والبرامج المختلفة والمتناقضة غالبا، فيكون الصراع المقنّن وفق آليّات معلومة هو الكفيل بتغليب خيارات على أخرى، وتكون النتائج متوقّفة على ما تبديه الأطراف المتنازعة والقوى السياسية المتصارعة من مهارة في الأداء وقدرة على الإقناع أو التأثير والتعبئة وبراعة في استثمار عوامل النجاح المتاحة.

4- التّوافق السّياسيّ ورهانات الانتقال الديموقراطي في المجتمعات العربيّة:

لا يمكن للباحث أن يوجّه نظره صوب النقاش النظري الجاري في الأوساط الفكرية والفلسفيّة الغربيّة دون الالتفات إلى واقع مجتمعه ودون الوعي بالاختلاف البيّن في مستوى التجارب والأفكار بين المسارين الغربي والعربي. فالانفتاح على تجربة الآخر الّذي قطع أشواطا في الحداثة السياسيّة والممارسة الديمقراطية أمر ضروريّ، ولا يمكن عدّ ذلك من قبيل التّرف الفكري وليس هو ضرب من التّعويض النفسي لما نفتقده في واقعنا السياسيّ. فمطلوب أن نعمّق معرفتنا بقضايا المجتمعات الّتي تمرّست بالديمقراطية وأن نواكب ما تقدّمه نخبها من صنوف النقد والمراجعة والتطلّع إلى البدائل الممكنة الكفيلة بترشيد الممارسة السياسيّة أو تصويب الانحرافات الحاصلة في الممارسة الديمقراطية. وفي مقابل ذلك لا يمكن الإعراض عمّا يجري في واقع المجتمعات العربيّة من تحوّلات قد يختلف الدارسون في تقييمها وقد تتفاوت التقييمات بين التّنويه والتّبخيس، ولكن لا يمكن بأيّ حال من الأحوال القفز على ما يجري من تحوّلات تبدو ظاهرة للعيان خاصّة في مرحلة ما بعد “ثورات الربيع العربيّ”.

ولئن أفضت هذه التحوّلات إلى نتائج متباينة بين بلدان الربيع العربيّ فإنّنا قد لا نختلف كثيرا في الاعتراف بنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس دون غيرها رغم ما شاب التجربة من نقائص عديدة. ولا تفوتنا الإشارة في هذا الموضع إلى أنّ عددا من الآراء التقييميّة للتجربة قد عزا هذا النجاح النسبي إلى جملة من الأسباب من بينها سياسة التوافق التي جمعت في مرحلة أولى تأسيسيّة تيّارات وقوى شديدة التباين والاختلاف في مستوى المرجعيات الفكريّة والإيديولوجيّة، ثمّ قرّبت لاحقا في مرحلة ممارسة الحكم بين حزبين متمايزين في الخلفيّة السياسيّة ومختلفين في الرؤى المجتمعيّة. ويكفي أن نقول إنّ الأوّل مرجعيّته إسلاميّة والثاني يقدّم نفسه ممّثلا للتوجّه الحداثيّ العلماني. ومن هذا المنطلق يجوز لنا أن نتساءل: إلى أيّ مدى يمكننا الاستفادة من النقاش النّظري والتحليل السياسي الدائر في الغرب حول مسألة التوافق السياسيّ في تقييم الواقع السياسي العربي وتحديدا في استقراء تجربة التوافق في مرحلة الانتقال الديمقراطي بتونس، مع ضرورة توخّي الحذر المنهجيّ في إجراء مثل هذه المقارنات بين مسارين مغايرين؟

لعلّ أوّل ما يمكن استخلاصه من النقاش الفلسفي النظري والسياسي في مسألة التوافق ضرورة التأكيد أوّلا على قيمة فكرة التّوافق التّأسيسيّ الذي يحدّد بشكل قطعيّ القيم العليا للمجتمع السياسيّ ويحدّد طبيعة المبادئ الجوهريّة والتنظيميّة والقانونيّة والسياسيّة التي تُضمّن عادة في النصوص الدستوريّة ذات المرجعيّة العليا، وقد لا يبتعد مثل هذا التوافق عن روح اللّحظة التعاقديّة التّي أثمرت عبر مسارها التراكمي من هوبز (Hobbes)إلى كانط (Kant)الأساس النّظري والفلسفيّ الّذي جعل الديمقراطيّة قابلة للتحقّق في الدولة الحديثة بعد غيابها عن مسرح التاريخ قرونا طويلة. ولا تزال النظرية التعاقديّة منفتحة على التعديل والإضافة في ظلّ التحوّلات التّي تشهدها المجتمعات الغربية المعاصرة وانتقال البعض منها من أنموذج الدولة الأمّة إلى أنموذج الدولة المتعدّدة المكوّنات الإثنيّة والعرقية والدينيّة والثقافية.. وهو ما نلمسه بشكل خاصّ في أعمال جون راولز في تصوّره لمبادئ الليبرالية السياسيّة.

ثمّ إنّ التّوافق التّأسيسيّ هو لحظة مفصليّة في بناء الكيان السياسيّ وفق مبادئ علويّة تتّصف بالمعقوليّة والمقبوليّة وتسمو عن سائر مكوّنات الكيان السياسيّ أو على ما يسمّيه راولز “قيم المنظومات الخاصّة” في المجتمعات ذات “التعدديّة المعقولة”، وهي منظومات لا تخلو قيمها بدورها من المعقوليّة والمقبوليّة لدى المنتسبين إليها. وقد حاول فلاسفة العقد الاجتماعيّ مثلما هو معروف تقديم المبرّرات المنطقيّة المقنعة لتأسيس اللحظة التعاقديّة من خلال افتراض الحالة الطبيعيّة الأولى أو الوضع البدئي رغم تسليمهم بأنّها حالة افتراضيّة لا صلة لها بالتحقّق الفعليّ في تاريخ الإنسانيّة. غير أنّ التّوافق المرجوّ اليوم سواء في المجتمعات الديمقراطيّة أو غيرها قد لا يكون بحاجة إلى مثل هذه الافتراضات العقليّة لأنّ الواقع السياسي والممارسة الديمقراطية في التجارب الحاصلة على امتداد قرنين أو يزيد قد أثبتا أنّ التّوافق التأسيسيّ ممكن الحصول وبشكل فعليّ بين القوى المتعدّدة والمختلفة والمتنافسة بل والمتناحرة أحيانا في اللحظة الّتي يقتنع فيها الجميع بأنّه البديل الوحيد والمخرج الأمثل لتجاوز كلّ أشكال العنف والإقصاء والتصفية وغيرها. وهو ما راهنت عليه تجارب الانتقال من وضع الحرب إلى وضع السّلم أو من أنظمة الاستبداد إلى أنظمة الشرعية القانونيّة.

ولعلّ تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس نجحت في البرهنة على ضرورة الالتقاء في تسويات توافقيّة لإرساء مبادئ دستوريّة عليا يحتكم إليها الجميع ولا تُفرض فيها مبادئ منظومة إيديولوجيّة أو دينيّة أو أخلاقيّة خاصّة على الجميع، رغم ما حفّ بالتجربة من التعثّر وما خضعت له من الضغوط، ورغم ما اتصف به خطاب البعض من هذه القوى من المزايدة، فضلا عمّا وجهت لهذه المنظومة الدستوريّة من نقود تدور إجمالا على غياب الانسجام والتناغم بين الكثير من موادّها. ولكن ماذا عن التوافق الّذي وسمناه بـ “الإجرائيّ” ذاك الّذي يلازم الممارسة الديمقراطية ويحدّد آليات اشتغالها بعد تثبيت المبادئ العلويّة للمجتمع السياسي وتحديد مقوّماته التنظيميّة والمؤسّسيّة؟

إنّ التّوافق الّذي يبني عليه هابرماس مشروعه البديل الموسوم بالديمقراطية المداولاتيّة بما هو ثمرة نقاش عموميّ بين ذوات عاقلة وحرّة أو التوافق الإجرائيّ الكفيل بحماية مبادئ العدالة وعلويّتها في المشروع الليبراليّ عند راولز لا يبدو كلاهما قادرا على الصمود أمام الاعتراضات الوجيهة التّي تقدّمها شانتال موف. إنّ التّوافق المرجوّ سواء من منظور راولز أو من منظور هابرماس فكرة لا يمكن تصوّر تحقّقها إلاّ في مجتمعات يقدر فيها الأفراد بصفتهم مواطنين جميعهم ودون استثناء على بلوغ الحدّ المطلوب من النضج العقليّ والكفاءة الخطابيّة والبراعة الحجاجيّة لينشأ النقاش العموميّ المفترض ويثمر التوافق المنشود في سائر القضايا التي تهمّ الشأن العامّ أو في المسائل الخلافيّة القائمة. وهو ما يفضي بنا إلى افتراض أن يتمّ تأهيل الجميع لتحصيل هذه الملكات والقدرات فيكون المجتمع السياسي مدفوعا إلى المرور بمرحلة إعداد للمواطنين وتأهيلهم للمواطنة النشيطة، وهو ما يفترض أن نجعل الدولة في مرحلة أولى بمثابة المدرسة الكبرى التي تعدّ مواطنيها وفق استراتيجيّة تعليميّة وبيداغوجيّة واضحة المعالم، قبل المرور إلى الممارسة الديمقراطية المداولاتيّة. وهو أمر يبدو شبيها بافتراض حالة قريبة من حالة الطبيعة أو الوضع البدئي كما هو الحال في نظريات التعاقد أو في تصوّر راولز للحالة التي تسبق قيام المجتمع “الحسن التنظيم”.

أمّا خلاف ذلك فإنّ الممارسة النقاشيّة المطلوبة والمداولات المفتوحة تكون متعذّرة حتما أمام الجميع دون استثناء، وهو ما يفضي بنا إلى افتراض ثان مفاده أنّ المواطنة النشيطة ستكون مقصورة على أصحاب القدرات العقليّة والمهارة الخطابيّة والبراعة الحجاجيّة دون غيرهم، ممّا يعني في النّهاية أن تكون الممارسة الديمقراطية المداولاتيّة نخبويّة أو تمثيليّة، والحال أنّ هابرماس يعمل جاهدا على تجاوز النزعتين النخبويّة والتّمثيليّة باعتبارهما من أهمّ عوائق الممارسة الديمقراطيّة المثلى التي تحقّق التحرّر المطلوب وتستجيب لروح الأنوار ومبادئ الحداثة ووعودها، تلك الديمقراطية الموعودة الّتي لم تتحقّق بعد في تجارب الديمقراطيات التمثيليّة والليبرالية السائدة في المجتمعات الغربيّة.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الواقع السياسي ما يفتأ يؤكّد أنّ مجال السياسة يبقى بالأساس مجال التنافس والتّنازع والصّراع على السلطة والنّفوذ والمكاسب تحفّزه الرّغبات والمطامع والنّزعات الفرديّة أو الفئويّة أو الخاصّة أكثر ممّا هو مجال التدبّر العقلانيّ المدفوع بقيم الإيثار وتغليب المصلحة الجماعيّة العليا على غيرها. فضلا عن أنّ حجّة اتّخاذ القرار التّي تقدّمها شانتال موف تبدو لنا في غاية الوجاهة، فالفعل السياسي يحتاج في الغالب إلى أن يتحوّل إلى قرار، والقرار يفرض أحيانا أن يُتّخذ في لحظة عاجلة أو زمن محدود أو ظرف آنيّ ويترجم اتّخاذ القرار بذلك رؤية ما، أو يحسم الأمر لمصلحة طرف دون آخر، وهو ما يجعل سبل الاعتراض عليه ومحاولة تصويبه أو إبطاله قائمة في ظلّ ما تسمح به الآليّات التنظيميّة والرّقابية المتاحة في المنظومة الديمقراطية سواء في مؤسسات الدولة أو في هياكل المجتمع المدنيّ. لذا لا غنى عن الاعتراف بحتميّة هذه المعادلة التي تقوم على طرفين: طرف يتولّى المسؤوليّة واتّخاذ القرار وطرف يراقب ويعارض ويعمل بكلّ السبل على أن يتولّى لاحقا موقع المسؤوليّة في إطار آليّة التداول المعلومة. بهذا الاعتبار يتحقّق التّوازن المرجوّ في الكيان السياسي وهو ما يبدو لنا أقرب للاستجابة إلى طبيعة الاجتماع الإنسانيّ الّذي يبقى بحاجة إلى مثل هذه المعادلة التّي تؤطّر العلاقات بين قواه المتعدّدة والمتنافسة والمتنازعة.

إنّ التّوافق المرجوّ لتدبير الحياة الجماعيّة ومتطلّباتها وتسيير الشأن العامّ وحاجاته المتجدّدة والمتقلّبة قد لا يكون ناجعا بالشكل المطلوب، إذ يُدفع في الغالب إلى طمس النقائص لأنّه يجعل الأطراف المتوافقة على اختلاف رؤاها وتباين مصالحها مدعوّة إلى شكل من الهدنة التّي تفرضها عليها سلطة التوافق الأدبيّة ومقتضياته الأخلاقيّة. ومّما يبرهن على ذلك نتائج التوافق المنتهج في بعض التجارب في البلدان ذات الممارسة الديمقراطية العريقة، إذ نجد السياسات المعتمدة متقاربة في مستوى الاختيارت الاقتصادية والاجتماعية وفي توجهّات السياسة الداخلية أو الخارجيّة تقاربا بات يذيب الحدود الفاصلة المتعارف عليها بين أحزاب وقوى اليمين من جهة وأحزاب وقوى اليسار من جهة أخرى.

أمّا في تجارب الانتقال الديمقراطي كما هو الحال في التجربة التونسيّة فإنّ التوافق في ممارسة الحكم قد تكون نتائجه أفدح إذ نراها تمسّ مكاسب التّوافق التأسيسيّ ذاته. ويكفي أن نستدلّ على ذلك بتأخّر إرساء المؤسسات الدستوريّة الكفيلة بتأمين مسار الانتقال الديمقراطي وحمايته من الانتكاس وذلك طيلة فترة حكم التّوافق المزعوم، فضلا عن أنّ سلطة الحكم التوافقيّة تتنكّر لعدد من المتطلّبات العاجلة بسبب ما يفرضه التوافق من تنازلات متبادلة ومقايضات تفضي إلى التستّر عن كثير من الإخلالات وإلى المساومة في ملفّ العدالة الانتقاليّة الّذي يمثّل مرحلة أساسية لتصفية الإرث الاستبدادي ومخلّفاته تمهيدا لطيّ صفحة الماضي والشروع في البناء الجديد الذي يلبّي الطموحات المشروعة في بناء دولة القانون وفق معايير شفّافة.

ولا يخفى على المتابع لسياسة التوافق المعتمدة في تونس ما اتّصف به الحكم التوافقي من ارتجال وتعثّر، صاحبه تأجيل الإصلاحات الكبرى ووضع الرؤى الاستراتيجيّة الصائبة التي تتطلّب عملا متواصلا وتحشيدا للإمكانيّات الماديّة والبشريّة وقدرة على الحسم في اتّخاذ القرار السياسي الصائب في اللحظة المناسبة. لقد وجدت سلطة التوافق نفسها مدفوعة إلى انتهاج سياسة تقوم على تحقيق مكاسب عاجلة إرضاء للأطراف المنخرطة فيه وهو ما أفضى إلى اعتماد قرارات تتّصف بالتعجّل والظرفيّة أجّلت في الغالب عمليّة البناء القويم في سائر المجالات ممّا عمّق المشاكل الهيكليّة وكشف في النهاية عجز الطبقة السياسيّة الحاكمة عن تحقيق الوعود التي قدّمتها، وزاد في تعميق مشاعر الخيبة والإحباط لدى أغلب القوى والفئات الاجتماعيّة، وفي تنمية سلوك العزوف عن متابعة الشأن العامّ، ممّا ينبئ بتراجع نسب المشاركة السياسية في قادم المناسبات الانتخابيّة.

5- خاتمة:

 من المشروع أن نطمح إلى ترشيد الفعل السياسيّ أو الممارسة الديمقراطية وفقا لمعايير عليا مُتّفق عليها أو ايتيقا سياسيّة تحظى بقدر من المعقوليّة والمقبوليّة وإلاّ غدت السياسة فعلا متحرّرا من كلّ قيد أو ضابط. ولكن من دواعي التفكير العقلاني الواقعيّ أن نسلّم بأنّ السياسة قبل أن تكون فضاء تدبير المشترك والنقاش العقلاني العموميّ الرّصين هي مجال التنازع بين القوى المتعدّدة والرّغبات المتشعّبة والرؤى المتباينة في تصوّر معنى الخير المشترك ذاته أو الصالح العامّ. وإزاء هذا وذاك نحن مدفوعون إلى التّفكير المتأنيّ للمواءمة بين طرفي المعادلة وذلك بالاستفادة من الآراء والأطروحات في النظريات والفلسفات السياسيّة على اختلاف مرجعيّاتها وتباين توجّهاتها. ولكن ألا يفضي بنا ذلك إلى ضرب من التّلفيق الّذي هو في نهاية الأمر حصيلة بحث في إيجاد التسويات والتوافقات بين الأفكار المتباينة والأطروحات المختلفة؟ لذا يبقى الأمر إشكاليّا على الدوام لأنّه يعود بنا في النهاية إلى “صراع التأويلات” وفق عبارة بول ريكور أو “حروب الآلهة” حسب عبارة ماكس فيبر، تلك التأويلات المتعّددة والمتنازع عليها للسياسة والسّياسيّ المرتبطة بدورها بتاريخ سياسيّ إنساني مثقل بالمآسي والفظائع والانتهاكات لحقوق البشر وكرامتهم أكثر ممّا هو تاريخ مزدان بالخير العميم والرّفاه لعموم البشر.

 إنّ الفعل السياسّي بما هو تدبير للحياة الجماعيّة وسعي لتجسيد التطلّعات والرغبات والحاجات يبقى وثيق الصّلة بطبيعته المتقلّبة المتغيّرة وانفتاحه على الإمكان أكثر من اقترابه من دائرة الوجوب والإلزام. هو فعل الممكن في إطار واقع التعدّد وعلاقات الصراع التّي لا يمكن أن يخلو منها أيّ اجتماع إنساني على الإطلاق. بهذا الاعتبار يكتسب الفعل السياسي ديناميكيّته وحركيّته على الدوام. وهو ما يجعلنا نقترب أكثر إلى أفكار شانتال موف إذا التزمنا بمنظور تاريخيّ واقعيّ لتفهّم الظاهرة السياسيّة. ولكنّ اعترافنا بواقع العلاقات الصّراعيّة في الاجتماع السياسي لا يجعلنا نقبل بأن تكون الممارسة السياسيّة والديمقراطيّة تحديدا محكومة بقانون الغلبة والقوّة، لأنّ السياسة هي في بعد من أبعادها الأساسيّة إدارة لصراع القوّة بقوّة الفكرة وسداد الحجّة وهو ما يوجب إخضاع الفعل السياسيّ لمبادئ تكتسب شرعيّتها وعلويّتها من اعتراف القوى المتصارعة والمتعدّدة في الحقل السياسيّ بوجاهتها المعياريّة، وعلى القبول الطوعيّ بما تفرضه من التزامات على الجميع. كيف السبيل إذن إلى إيجاد التسوية المعقولة بين هذه الوقائع التي يعسر تجسير الهوّة بين تناقضاتها : الاعتراف بالحقيقة الصّراعيّة للمجال السياسيّ وواقع التعدّدية في المجتمعات الحديثة من جهة، ووجاهة التسليم بضرورة الاحتكام إلى معايير معقولة ومقبولة من سائر مكوّنات المجتمع السياسيّ من جهة أخرى، ثمّ إيجاد الآليّات التنظيميّة القادرة على تأطير التعدّد وعلى تقنين وسائل مشاركة المواطنين الفاعلة في تدبير الشأن العام وتحديد الاختيارات الكبرى والتّأثير في عمليّات اتّخاذ القرار وفق مبادئ المساواة التامّة والعدالة والحريّة من ناحية، والعمل على تجاوز ثغرات الممارسة الديمقراطيّة السائدة في المجتمعات الديمقراطية والتوقّي من المزالق المصاحبة لعمليّات الانتقال الديمقراطي في المجتمعات التوّاقة إلى الديمقراطية من ناحية أخرى.

 إنّ الأشكال المؤسّسيّة والآليّات التنظيميّة المعتمدة راهنا في المجتمعات الديمقراطية في تجاربها المختلفة سواء في شكلها الجمهوري أو الليبراليّ أو في صيغها المتعددة التمثيليّة أو الاستفتائيّة أو المحليّة… تعدّ في رأينا قنوات للمشاركة السياسية متاحة للجميع نظريّا على الأقلّ، وثمرة اجتهادات نظريّة وسياسيّة وحصيلة تراكمات وخبرات ومراجعات. تقترن بها دون شكّ نقائص كثيرة و وتلازمها عديد الثغرات، ولكنّها نجحت في تحقيق كثير من وعود الحداثة السياسيّة وعجزت في المقابل عن تحقيق وعود أخرى. ولعلّ هابرماس قد أدرك أنّه لا فائدة ترجى من السعي إلى تجاوز نقائص الحداثة وما عجزت عن تحقيقه من وعود الأنوار بالمرور إلى مرحلة “ما بعد الحداثة”، لذا صرف جهده الفلسفي إلى محاولة تدارك ما غفلت عنه الحداثة الغربية وطمح إلى تدارك الديمقراطيات السائدة بتقديم الأنموذج البديل ويُقصد به الديمقراطية المداولاتية، غير أنّنا نقدّر أنّ هذه الحداثة المنقوصة قد لا يستقيم تدارك ثغراتها بابتداع النماذج النظريّة التي تبدو للكثير من الدارسين طوباويّة المنزع. بل قد يكون من الأنجع مزيد العمل على تحسين أشكال الممارسة السائدة في الديمقراطية الحديثة، لأنّ الديمقراطيّة الحديثة نشأت وتطوّرت وترسّخت في عديد الدول لأنّها نجحت في تثبيت عدد من القواعد التي يعسر إيجاد بدائل لها على الأقلّ في الزمن الرّاهن وهذه القواعد يمكن إيجازها في آليّات التّعاقد والتّمثيل والتّداول. ومن هذا المنطلق تبقى الممارسة الديمقراطيّة في رأينا محكومة بمنطق ثنائيّة الأغلبيّة والأقليّة ومنطق “النّصر المؤقت والهزيمة المؤقتة”، وهو ما يمثّل أهمّ سمات منظومة الحكم الديمقراطيّ التّي تميّزه عن سائر الأنظمة السياسيّة الأخرى.

6- المراجع:

المراجع باللّغة العربيّة:

  1. راولز جون، العدالة كإنصاف إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، سلسلة كتب المنظمة العربية للترجمة، ط.1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.
  2. كيميلشكا ويل، مدخل إلى الفلسفة السياسيّة المعاصرة، ترجمة منير الكشو، ط. تونس، المركز الوطني للترجمة، 2010.
  3. ليبهارت آرند، الديمقراطيّة التّوافقيّة في مجتمع متعدّد، ترجمة حسني زينه، ط1، بغداد، معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006.

المراجع باللغات الأجنبيّة:

  1. Arendt Hannah, La crise de la culture. Huit exercices de pensée politique, Traduit de l’anglais par Patrick Lévy, éd. Gallimard, 1972.
  2. Arendt Hannah, Qu’est-ce que la politique? Texte établi par Ursila Ludz, édition du Seuil, Paris, 1995.
  3. Habermas Jürgen, Droit et Démocratie. Entre faits et normes, traduit de l’allemand par Rainer Rochliz et Christian Bouchindhomme, éd. Gallimard, Paris, 1997.
  4. Habermas Jürgen, L’intégration Républicaine. Essais de théorie politique, traduit de l’allemand par Rainer Rochliz, éd. Fayard, Paris, 1998.
  5. Mouffe Chantal, The Return of the Political, London- New York, Verso, 1993.
  6. Mouffe Chantal, The Democratic Paradox, London- New York, Verso, 2000.
  7. Mouffe Chantal, «Le politique et la dynamique des passions», Revue Rue Descartes, 2004, n° 45-46, pp. 179 – 192.
  8. Mouffe Chantal, On the Political, Routledge, Londres- New York, 2005.
  9. Mouffe Chantal, «Politique et agonisme» , Revue Rue Descartes, 2010, n° 67, pp. 18 – 24.
  10. Mouffe Chantal, L’illusion du consensus, Albin Michel, 2016.
  11. Rawls John, Libéralisme politique, traduit de l’américain par Catherine Audard, 2eme éd., Quadrige PUF, Paris 2007.
  12. Schmitt Carl, La Notion de Politique. Théorie du partisan, traduit de l’allemand par Marie-Louise Steinhauser, éd. Flammarion, Paris, 1992.

[1]– ويل كيميلشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسيّة المعاصرة، ترجمة منير الكشو، ط. تونس، المركز الوطني للترجمة، 2010، تصدير الطبعة العربية، ص 6-7.

[2]– نشير في البدء إلى أنّنا خيّرنا أن يكون مصطلح “توافق” هو المقابل المناسب للمصطلح باللغتين الفرنسيّة والانجليزيّة ( consensus)رغم تواتر ترجمته بمفردة “إجماع” كما يلاحظ في عدد من ترجمات أعمال جون راولز ويورغن هابرماس، ونقدّر وجاهة اختيارنا لسببين: أوّلهما أنّ ترجمة مفهوم(démocratie consensuelle) قد ثبّتت أو تكاد مصطلح “الديمقراطيّة التّوافقيّة” في الخطاب السياسي المعاصر، وثانيهما أنّ مفردة إجماع تبدو وثيقة الصّلة بالتفكير الفقهي والأصولي وهو مفهوم له مقتضياته الدلاليّة التّي يحسن النّأي بها عن مقام السياسة.

[3]– جون راولز(1921 – 2002) من أشهر فلاسفة السياسة في القرن العشرين، تمحورت أبحاثه حول نظريّة العدالة بمختلف أبعادها الأخلاقية والسياسية والاجتماعيّة وعمل على تطوير النظرية الليبراليّة السياسيّة .

[4]– يورغن هابرماس ولد في ألمانيا سنة(1929) يُعدّ من أشهر الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، عرف بمشروعه النقدي للحداثة الغربيّة تمّ اتجهت أعماله إلى تأسيس نظريّته الشهيرة في الفعل التّواصلي وإلى إرساء أنموذج الديمقراطية المداولاتيّة.

[5]– شانتال موف ولدت في بلجيكا سنة (1943) تعدّ من الباحثين البارزين في الفلسفة السياسية المعاصرة، تهتمّ في أعمالها بنقد الأطروحات الليبراليّة وتسعى لـتاكيد أطروحتها المتمحورة حول الطبيعة الصراعيّة للعلاقات السياسيّة.

[6]– يحسن بنا في البدء التّنبيه إلى اختلاف مفهوم “التوافق السّياسي” عن مفهوم “الديمقراطية التّوافقيّة” الذي يسجّل حضوره في الخطاب العربي منذ أكثر من عقدين من الزمن. الديمقراطيّة التّوافقيّة مفهوم ظهر في الفلسفة السياسية المعاصرة في سبعينات القرن الماضي خاصّة مع أعمال فيلسوف السياسة الأمريكي من أصل هولندي آرند ليبهارت ( Arend Lijphart) ويعدّ مفهوم الديمقراطية التوافقيّة مخرجا لحلّ تناقضات المجتمعات ذات التركيبة الطائفيّة القائمة على أسس إثنيّة عرقيّة أو دينيّة مذهبيّة أو غيرها، إذ عادة ما تكون هذه التناقضات القائمة بينها داخل الكيان السياسي الذي يجمعها مؤذنة بالتفجّر أو الانزلاق في صراعات عنيفة وحروب أهليّة. لذا تكون الديمقراطية التوافقيّة مخرجا لتجاوز هذه المخاطر وذلك باعتماد آليات تنظيم سياسية تضمن الاعتراف بالقوى المتعدّدة وترتّب العلاقات بينها وسبل مشاركتها في إدارة الشأن العام وتقاسم السلطة . وتعدّ التجربة اللبنانيّة مع الديمقراطيّة مثالا معبّرا عن أنموذج الديمقراطيّة التّوافقية الذي تمّ إقراره بين الفرقاء اللبنانيين في اتّفاق الطّائف سنة 1988 لإنهاء الحرب الأهليّة وبناء أسس التعايش المشترك بين مختلف الطوائف. ولمزيد الوقوف على مكوّنات مفهوم الديمقراطية التّوافقيّة وأسسه النظرية يمكن العودة إلى كتاب: الديمقراطيّة التّوافقيّة في مجتمع متعدّد لآرند ليبهارت، ترجمة حسني زينه، ط1، بغداد، معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006.

[7]– مثّل مفهوم “التّوافق المتشابك” أحد المفاهيم الأساسيّة الّتي تدور عليها أطروحات راولز سواء في كتابه الشهير Theory of justise الّذي صدر سنة 1970 ثمّ قام بإعادة صياغته في مناسبة أولى سنة 1985 وفي مناسبة ثانية سنة 1999 تحت عنوان Justice as fairness، أو في كتابهPolitical Liberalism الصادر سنة 1993 وقد ترجم إلى الفرنسية سنة 1995 تحت عنوان Libéralisme politique .

– John Rawls, Liéralisme politique, traduit de l’américain par Catherine Audard, 2éd., Quadrige PUF, Paris 2007.

وعبارة التّوافق المتشابك هي المقابل للمصطلح الانجليزي (overlapping consensus) ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ مترجم كتاب العدالة كإنصاف (كذا) قد ترجم المصطلح بعبارة”الإجماع المتشابك”، وقد سبق لنا توضيح اختيار مفردة توافق على إجماع في ما تقدّم. جون راولز، العدالة كإنصاف إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، سلسلة كتب المنظمة العربية للترجمة، ط.1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

[8]– جون راولز، العدالة كإنصاف، القسم الثاني: مبادئ العدالة، المرجع المذكور، ص 143-206.

[9]– المرجع نفسه، ص 133.

[10]– المرجع نفسه، ص 132.

[11]– المرجع نفسه، ص 136.

[12]– المرجع نفسه، ص 380.

[13]– يحدّد هابرماس معالم هذا المشروع ومقتضياته المفهومية وشروطه في الفصل الرابع من كتابه ” الاندماج الجمهوري” المعنون ب :”ما معنى “السياسة المداولاتيّة”؟، وفي الفصل السابع من كتابه “الحقّ والدّيمقراطيّة” المعنون بـ “السياسة المداولاتيّة مفهوما إجرائيّا للديمقراطيّة”.

Jurgen Habermas, L’integration Républicain. Essais de théorie politique, traduit de l’allemand par Rainer Rochliz, édition Fayard, Paris, 1998. Chapitre IV . Qu’est-ce que « politique délibérative » ?Pp 259-288.

Jurgen Habermas, Droit et Démocratie, Entre faits et normes, traduit de l’allemand par Rainer Rochliz et Christian Bouchindhomme, édition Gallimard, Paris, 1997, Chapitre VII « La politique Délibérative. Un concept procédural de démocratie » , Pp 311-354.

[14]– Jurgen Habermas, L’intégration Républicaine. Essais de théorie politique, op., cit., p 267.

[15]– Jurgen Habermas, Ibidem.

[16]– من أهمّ كتاباتها نذكر:

The Return of the Political, First published by Verso, London- New York, 1993.

 The Democratic Paradox, First published by Verso, London- New York, 2000.

« Le politique et la dynamique des passions », Revue Rue Descartes, 2004, n° 45-46 , Pp 179-192.

On the Political, Routledge, Londres- New York, 2005.

« Politique et agonisme », Revue RUE Descartes, 2010, n° 67, Pp 18-24.

[17]– Chantal Mouffe, On the Political, Routledge, Londres- New York, 2005.

[18]– ترجم الكتاب إلى اللغة الفرنسية تحت عنوان L’illusion du consensus ونشر برعاية: Pauline Colonna d’Istria . عن دارAlbin Michel بتاريخ 2016.

[19]– The Return of the Political, op, cit, p 4.

[20]– يمكن الوقوف على أهمّ ملامح هذا التصوّر في كتابيها : ” ما السياسة ؟” و”أزمة الثقافة “.

Hannah Arendt, Qu’est-ce que la politique ? Texte établi par Ursila Ludz, éd. Du Seuil, Paris, 1995.

Hannah Arendt, La crise de la culture. Huit exercices de pensée politique , traduit de l’anglais par Patrick Lévy, éd. Gallimard, 1972.

[21]– Carl Schmitt, La notion de politique. Théorie du partisan, traduit de l’allemand par Marie-Louise Steinhauser, éd. Flammarion, Paris, 1992.

وتنبّه شانتال موف إلى أنّها لا تتماهى مع أطرحات كارل شميث تمام التماهي، فهي تثمّن تصوّره العامّ لجوهر “السياسي” ولكنّها تبدي نقدها لأفكار أخرى إذ هي، والعبارة لها، “تفكّر معه وضدّه في الآن ذاته” انظر:

– The Return of the Political, op, cit, p 2.

[22]– Carl Schmitt, La notion de politique. Théorie du partisan , op., cit, p 65.

[23]– Chantale Mouffe, L’illusion du consensus, op., cit, chap.1 « Le politique et la politique » p 8.

مقالات أخرى

الإعلام والطائفية السّياسية في الزمنية العربية الملتهبة: ملامح محنة خفيّة

علم الاجتماع الماركسي

أنطولوجيا الارتجال الموسيقي

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد