حاجة تونس إلى استراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب

علم تونس

ضرب الإرهاب «الداعشي» من جديد  فندقاً يستقبل سياحاً أجانب في مدينة سوسة الواقعة على الساحل الشرقي التونسي  ، ولم تنجح التدابير الأمنية المشددة، التي صرحت بها وزارة الداخلية التونسية  بإجرائها منذ أكثر من ثلاثة اشهر ، على أثر الهجوم الإرهابي الذي نفذه مسلحان على متحف باردو الشهير في العاصمة تونس في 18 مارس 2015، حين قتل 24 سائحاً أجنبياً ورجل أمن تونسياً ،وتبناه «داعش»،
في حماية الفنادق و الأماكن السياحية ، من تسلل طالب تونسي مسلح برشاش كلاشنيكوف على فندق «امبريال مرحبا» في منتجع مدينة سوسة السياحي على الساحل الشرقي التونسي يوم الجمعة 26يونيو الجاري ،بقتل 37 شخصاً بينهم سياح أجانب معظمهم بريطانيين و ألمان ، وجرح 36 سائحا ، ما اعتبر الاعتداء الاكثر دموية في التاريخ الحديث للبلاد التي تشهد تصاعد عنف مجموعات متشددة مسلحة.

وقد تزامن هذا الهجوم الإرهابي مع هجمات إرهابية أخرى حصلت في اليوم عينه في كل من فرنسا و الكويت ، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى  لإعلان قيام «دولة الخلافة الإسلامية » في الموصل يوم 29 يونيو 2014، وهو ماجعل المحللون يؤكدون أن الإرهاب الداعشي الذي يتغطى بالشعار الإسلامي في مجال نشاطه الإجرامي، نسفاً وتقتيلاً وسبياً وتدميراً، أصبح متمدداً من أقصى المشرق العربي إلى منطقة المغرب العربي وها هو الآن يضيف الكويت إلى قائمة ضحاياه بعدما كان قد توسع في شبه الجزيرة العربية .وإرهاب «داعش» وأخواته، لا يميز بين المشرق والمغرب. ولا بين السنة والشيعة. لا بل إنه يقتل من السنة أكثر مما يوغل في دماء الشيعة وغيرهم من أبناء الطوائف الإسلامية والمسيحية والقوميات المتأصلة في هذه الارض منذ مئات وآلاف السنين.

في يوم واحد ضرب إرهاب «داعش» مسجداً يعج بالمصلين في الكويت، وفندقاً يستقبل سياحاً أجانب في تونس، فضلاً عن عملية إرهابية في فرنسا، كل هذه العمليات الإرهابية، لاتعكس عبقرية هذا التنظيم في الإجرام و القتل ، وسفك الدماء، بل تعكس حرب أجهزة  المخابرات الغربية و الصهيونية و الشرق أوسطية داخل هذا التنظيم.فتنظيم «داعش» أوجدته دولة إقليمية شرق أوسطية، ثم تبنته المخارات المركزية الأميركية و الصهيونية، وجهاز الموساد، ومع انطلاق ما يسمى«الربيع العربي» استثمرته الأنظمة العربية والخليجية والتركية ، حيث   تأخذ الخصومة والأحقاد بعض الأنظمة العربية الى «التحالف» مع «داعش» أو تسهيل حركته ضد أنظمة عربية اخرى، وتحاول توجيه حركة هذا التنظيم الإرهابي، أو الإفادة منه ضد خصومها، كما هي الحال في سوريا واليمن والعراق. لا بل ان بعض هذه الأنظمة يبرر في مواقفه وسياساته وبعض إعلامه جرائم الارهابيين وأهدافهم. أما التمويل، فمتواصل بلا توقف بملايين الدولارات عبر التبرعات والتحويلات المشبوهة من رموز دينية وقيادات متطرفة تدّعي الحرص على الإسلام والمسلمين وقنوات تلفزيونية تنشر رسائل الكراهية والبغض في أنحاء الوطن العربي، بل الامة الاسلامية في مشارق الارض ومغاربها.أما تركيا فيزداد افتضاح دورها، فهي تارة «الراعي» و «المشجع» والمسهل، مشتري النفط المنهوب، وتارة فاتح الحدود أمام «داعش» نحو العراق وسوريا، كما حصل منذ يومين في عين العرب (كوباني) التي عبر اليها مسلحو «داعش» من داخل الاراضي التركية.

يكشف لنا هذا الهجوم الإرهابي الجديد هزالة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التونسية ،مقارنة بالتنامي الملفت لظاهرة الإرهاب الذي تغلغل منذ ثلاثة أعوام في تونس ، بشكل جعله يدخل مرحلة محاربة وجود الدولة أصلاً، وهي من المراحل المتقدمة جدّاً للإرهاب.. فالإرهاب يستهدف ضرب السياحة أحد أعمدة الاقتصاد التونسي ،إذ تشغل 400 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر وتساهم بنسبة 7 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي وتدرُّ ما بين 18 و20 بالمئة من مداخيل تونس السنوية من العملات الاجنبية.ووصفت وزيرة السياحة سلمى الرقيق هجوم الجمعة،بأنه «كارثة وضربة كبيرة للاقتصاد والسياحة».

فلا تزال المعالجات التونسية للملفات الساخنة و المطروحة بصورة ملحة دون المستوى المطلوب ، لعل أهمها التهريب الذي استفحل وتفشّى بشكل خطير، ودخول كميات هامة من الأسلحة منذ سنة 2011، وتفشي الخطاب الديني التحريضي، والذي وصل فيه الأمر الى حدّ «الاحتفاء» بالعمليات الارهابية، على مرأى ومسمع من الدولة.وانتشار رياض الأطفال التي لا يستقيم الحديث عن كونها «قرآنية» في ظل ما ثبت من تورّطها في «غسل أدمغة» النشء، والتحريض على ما يوصف جهلا بالجهاد، كما بيّنت الأعوام الأخيرة، وتحوّل عدد من الجوامع الى بؤر لتفريخ الإرهاب إضافة إلى العدد المهول من الجمعيات المرتبطة بظاهرة الإرهاب، فضلاً عن جرأة مؤسسات إعلامية في الدفاع عن الإرهاب، ووصل الأمر الى المجلس الوطني التأسيسي الذي  رفض سنّ قانون للإرهاب رغم تصاعد عدد ضحاياه، وتصاعد أخطاره المحدقة بالبلاد من كل حدب وصوب! هذا بالاضافة إلى ثبوت تعامل أعداد من موظفي الدولة وأعوانها مع الجماعات الإرهابية.

ليس من شك أن للإرهاب في تونس إرتباطات داخلية وخارجية يستوجب التعامل معها وضع استراتيجية و طنية شاملة لمحاربته.  فعدم وجود رؤية استراتيجية واضحة للمصالح الوطنية وغياب ثقافة خاصة للوطن يسندها الجميع سلطة ومعارضة فاقم من خطورة هذه الظاهرة، من دون أن ننسى أن معالجة الأسباب الداخلية الفعلية وفقا لسياسة تنموية وتربوية واضحة تعطي أولوية للولايات الفقيرة والمهمّشةهي  خط الدفاع الأول ضد الإرهاب.

ومع ذلك، فإن هذه الخطة  تتطلب بلورة استراتيجية وطنية ، نرى خطوطها العريضة على النحو التالي:

1-يشكل الإرهاب والتطرف تهديداً مستمراً للسلم والأمن للمجتمع ،وللدولة ، الأمر الذي يقتضي التصدي له بصورة شاملة من خلال اعتماد إستراتيجية و طنية شاملة، فاعلة، أمنية، وعسكرية، وسياسية واقتصادية ، وثقافية.

2-بصرف النظر عن أي ذريعة يسوقها الإرهابيون تبريراً لأعمالهم، فإن الإرهاب لا مبرر له .فطبيعة العنف التي يتميز بها الإرهاب تجبر الحكومة على التركيز على إجراءات للقضاء على المنظمات الإرهابية ومنع الأعمال الإرهابية، ومن ناحية أخرى، فمن الأهمية بمكان معالجة العوامل التي توفر أرضية خصبة لازدهار الإرهاب بغرض الإسهام في القضاء عليه..

3-ينبغي دعم جهود الإصلاح الوطني المبذولة من قبل القوى السياسية التونسية المؤمنة ببناء الدولة الديمقراطية التعددية،و تشجيع إصلاح القطاع الأمني سياسياً،ومالياً وتقنياً، خصوصاً من خلال إنشاء قوات أمن محترفة وتجنب تسييس إدارة هذه القوات ،وتوسيع المشاركة السياسية والتعددية، وتحقيق التنمية ، والتوصل إلى توازن اجتماعي وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني بغية التصدي للظروف التي تعزز العنف والتطرف.

4-متابعة الجهود لإنشاء جهاز مخابرات وطني ودمج أجهزة المخابرات ووحدات مكافحة الإرهاب فيه، لكي تعمل تحت سقف قيم الجمهورية العلمانية، والقضاء على كل الأجهزة الأمنية الموازية المتحالفة مع الإرهابيين.

5-إن القاعدة الأساسية للنجاح تتمثل في إستراتيجية حكومية فعالة لمكافحة الإرهاب تضع أهدافاً واضحة ومدروسة لكافة الإدارات والوكالات المختصة بما في ذلك وكالات إنفاذ القانون وإدارات الاستخبارات والإدارات العسكرية ووزارات الداخلية والخارجية .

 6- اتخاذ  تدابير وتشريعات وطنية قادرة على منع الإرهابيين من استخدام الجوامع، والجمعيات الدينية،والتهريب في المناطق الحدودية  و الدول المجاورة ، لا سيما ليبيا، للوصول إلى مأوى آمن،أو استخدام أراضيها كقواعد للتجنيد، والتدريب على السلاح والتخطيط والتحريض وشن العمليات الإرهابية.

7- إنشاءفرقة عمل لمكافحة الإرهاب في تونس تتكون من عناصر من فرقة عمل وإنفاذ القانون وتدريبهم على التصدي للشبكات الإرهابية.

8- تنمية قوانين محلية بشأن مكافحة الإرهاب وذلك لتجريم جميع الأعمال الإرهابية بما في ذلك تمويل الأنشطة الإرهابية المتأتية من التهريب، والتبرعات في الجوامع، وأموال الجمعيات الدينية التي تستخدم عادة في تمويل الإرهاب.

9- زيادة التفاعل مع وسائل الإعلام لتعزيز وعي الشعب التونسي  بمخاطر الإرهاب، وذلك حتى لا يمكن استخدام وسائل الإعلام أو التلاعب بها من قبل الإرهابيين،وتعزيز العلاقات مع منظمات المجتمع المدني لضمان مساهمة فعالة في المشاركة في المعلومات المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

10-مناقشة الأدوات العملية لتعزيز الآليات المحلية للسيطرة على الحدود، خصوصاً من خلال الاستخبارات البشرية،وتكثيف عمليات التفتيش على الحدود الجنوبية الشرقية، خصوصاً عند معبري رأس جدير وذهيبة ـ وازن،وزيادة عدد الدوريات المختلطة (الجمارك، والشرطة، والحرس الوطني، والمخابرات، والجيش) بقيادة القوات المسلحة التونسية وتكثيف التكوين والتدريب المشترك بين الجيش والحرس الوطني، ومناقشة إمكانية إنشاء مناطق تجارة حرة في المناطق الحدودية

  11- ينبغي على الحكومة وضع وتنفيذ البرامج الرامية إلى تعزيز الحوار المتعدد الثقافات فيما بين العلمانيين والإسلاميين ،بهدف تحقيق الإصلاح الديني المنشود القائم على حرية المعتقد الديني ،وقيم التسامح، وعدم احتكار تمثيل الإسلام من اية جهة سياسية .وينبغي لهذا الغرض، وضع السياسات والآليات الرامية إلى تطوير النظم التعليمية وسائر مصادر الاختلاط بالآخرين بغية تعزيز قيم التسامح، والتعددية والتعايش الإنساني على مستوى القاعدة الشعبية فضلا عن توفير المعارف الأساسية بالحضارات والأديان وزيادة وعي الجمهور ووسائل الإعلام بأخطار الإرهاب والتطرف.

12- تعزيز التعاون الدولي والإقليمي والثنائي بين الدول لتحديد وتفكيك الخطر المالي للإرهاب وكذلك أنشطة مجموعات الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع في الأسلحة والمتفجرات والاتجار في المخدرات. وينبغي للحكومة أن تسعى إلى إنشاء أطر قانونية تسمح بالتبادل المرن للمعلومات العملية بين السلطات المختصة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

13- ويجب أن تشمل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب التنفيذ الكامل للمعايير الدولية الحالية لمكافحة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، لاسيما فريق العمل المالي المعني بتوصيات  ومعاهدات الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالإضافة إلى أفضل الممارسات لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

14- تشجيع الحكومة على إنشاء مراكز وطنية متخصصة في مكافحة الإرهاب ودعوتها لإنشاء مراكز مشابهة على الصعيد الإقليمي لتسهيل المشاركة في الاستخبارات، وتبادل المعلومات العملية في الوقت الفعلي، وتنمية آليات وتكنولوجيات لجمع قاعدة بيانات كفيلة بالاستكمال السريع للمعلومات الممكنة، وتحليلها بهدف القضاء المبرم على إعداد العمليات الإرهابية والتقليل من أهمية شبكات تجنيد الإرهابيين وتدريبهم ودعمهم وتمويلهم، والتنسيق بين الهيئات الدولية ذات الصلة والمراكز الإقليمية الأخرى.مع الأخذ في الاعتبار بأن مكافحة الإرهاب تعتبر بمثابة جهد جماعي وطني  يتطلب أقصى درجة من التعاون والتنسيق بين مكونات الشعب والأجهزة الأمنية وقوات الحرس الوطني ووحدات الجيش، و كذلك بين تونس والدول الإقليمية  والاستعداد الكامل لتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية على الفور بين الأجهزة المتخصصة من خلال معدات آمنة.

مقالات أخرى

ماجد الغرباوي: سلطة الفقيه والتشريع وفق منهج مقتضيات الحكمة

بيداغوجيا البرهان في فضاء الثورة الرقمية

ثوابت العدوان في العقيدة الصهيونية

2 تعليقات

علي 28 يونيو، 2015 - 5:43 م
هكذا هو الارهاب، يرهب الناس في أمنهم، ويروّعهم في أمانهم، لهم الله.
sohair hewala 29 يونيو، 2015 - 3:00 ص
شكرا لك دكتور على تحليلك الذى وضع الحل فى يد التربيه والتنشئه الاجتماعيه ، التى غابت سنوت طوال من اهتمام المثقفين والتربويين ، اعان الله البلاد العربيه وحماها ضد الارهاب والارهابيين ، ولكن هل اطمع فى اقتراح بسيط يهتم بتحويل تلك الافكار المطروحه الى اليات بسيطه للتنفيذ والبدء لمواجهه الارهاب، اليه تعمل على جذب الشباب لاعاده النظر فيما اكتسبه من مغالطات فكريه . مره اخرى اشكرك على سرعه التنبيه والله المستعان .
Add Comment

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد