هل يمكن أن نطلق حواراً موضوعياً بين الإسلام وبين ديانة مستقلة نشأت بعد ختم النبوة، ونسبت إلى حكيم لا نعرف في القرآن الكريم عنه شيئاً، ويتبعها اليوم 25 مليون إنسان حول العالم؟
إنها محاولة جريئة يقوم بها مركز الدراسات لبحوث الإخاء الإنساني في الإمارات، حيث أطلق مبادرة حوارية متقدمة صدر عنها كتاب جسور المحبة باللغتين الإنكليزية والعربية.
ويتناول هذا الكتاب تحديداً المشترك في القيم الروحية والتربوية بين الإسلام وبين الديانة السيخية، وقد عمل فيه عشـرة باحثين كرام خمسة من الفقهاء المسلمين وخمسة من فقهاء الديانة السيخية.
وقد يبدو هذا الجهد غريباً في بابه، حيث يسود الاعتقاد أن الأديان تحتوي قيماً كاملة، وأن طبيعة الانتماء الديني يفرض البراءة من الأديان الأخرى، حيث الصـراط المستقيم درب واحدة يبلغ أصحابها نعيم الحياة الآخرة فيما يمضي الآخرون إلى الجحيم.
وفي الواقع فإن هذه الدراسات تهدف إلى تعزيز التعايش والمحبة بين الناس، ولا تهدف أبداً إلى تصويب العقائد وبيان الصحيح من الخاطئ، ونحن نؤمن بيقين أن بيان الصواب والخطأ في العقائد هو شأن الخالق سبحانه، وأي تصد لبيان ذلك يعتبر افتئاتاً على الله، وذلك ما شرحته آيات بينات واضحات، لعل من أشهرها قوله تعالى: [قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون] الزمر 46.
وفي الجانب الإسلامي فإن الإسلام جاء واضحاً في عقيدة التوحيد، وأكدت الآيات الكريمة على صفاء التوحيد وإغلاق كل طريق يمكن أن يؤدي إلى الشرك بالله، أو عبادة غيره، وصرح القرآن الكريم : [قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد] سورة الإخلاص.
ولكن الإسلام مع شدة الحرص على عقيدة التوحيد أشار بوضوح إلى بناء أفضل العلاقات الاجتماعية والوطنية مع المختلفين في الدين طالما كانوا مسالمين ملتزمين بالقانون، وفي سورة الممتحنة في القرآن الكريم آية فاصلة توضح هذا المعنى، وقد نزلت حين سأل بعض الصحابة النبي الكريم في شان بناء علاقة مودة مع أفراد من أصدقائهم وقراباتهم يدينون بالوثنية العربية القديمة، فنزلت الآيات واضحة [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون] سورة الممتحنة 8.
وقد شرح القرآن الكريم علاقة هذا القرآن بالكتب السماوية الأخرى التي نزلت قبله، فلم يكن الجواب أنه جاء ناسفاً لما بين يديه أو ملغياً لما بين يديه أو مبطلاً لما بين يديه، بل جاء الجواب في أربعة عشر موضعاً في القرآن الكريم بصيغة متكررة: [مصدقاً لما بين يديه]، وهو المعنى الذي يؤكده العقل وعلم الاجتماع، ويؤسس للتعاون والمحبة بين أتباع الأديان.
وربما كان هذا اللون من الدراسات المقارنة مألوفاً في البحوث التي تتناول الأديان الإبراهيمية وهي الإسلام والمسيحية واليهودية، ولكنه لا زال غير مألوف في بناء هذه العلاقات من الود والمحبة بين الإسلام وأديان الشرق وخاصة الهندوسية والبوذية والسيخية.
ومع أن هذه الأديان لم ترد في القرآن الكريم كما هو حال اليهودية والمسيحية والصابئة، ولكن القرآن الكريم أشار في صيغة بالغة الوضوح إلى أن الله يأمرنا بالإيمان برسله الذين لا تخلو منهم مدينة ولا قرية، [وإن من أمة إلا خلا فيها نذير] وفي زيادة من التوضيح قال الله تعالى: [ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً] وكما هو واضح في الآية فإن القرآن لم يغلق الباب على النبوات، بل أكد أن النبوات شاملة لكل الأمم والشعوب والمدن والقرى، وإذا كانت عقيدة الإسلام هي ختم النبوة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فإن ختم النبوة لا ينفي استمرار ظهور الأولياء والمصلحين والصالحين في كل جيل وكل زمان وكل مكان.
وتأسيساً على هذه النصوص القرآنية الواضحة فإننا ننطلق في هذه الدراسة المهمة لبناء الجسور بين الإسلام وبين الديانة السيخية، وبشكل أدق بين أبناء الأمة الإسلامية وأبناء الديانة السيخية الذين ينتشرون في العالم وفي كثير من البلاد الإسلامية.
وفي الواقع فإن البحث عن المشترك بين الإسلام والسيخ ليس جديداً، ومع أننا قد سبقنا إلى إصدار هذه الدراسة بالعربية عن المشترك بين الإسلام والسيخ، ولكن هذا اللون من الدراسات معروف للباحثين باللغة الإنكليزية والأوردية، ولكنها غير موجودة باللغة العربية، وقد ظهرت دراسات أكاديمية كثيرة في هذا الباب، ويمكن الإشارة إلى عدد من الدراسات الجادة في هذا السبيل:
1- دراسات تحليلية أكاديمية:
- Sikhism and Islam: A Structural Analysis: دراسة منشورة عبر Oxford Academic تقدّم تحليلاً بنيوياً للعلاقة بين الإسلام والسيخية منذ عهد غورو ناناك، وتبحث في البنية الدينية والاجتماعية والسياسية للعلاقتين.
- Sikhism and Islam: The Inter-Relationship – Devinder Pal Singh: دراسة بحثية معمّقة تناقش نقاط الالتقاء والاختلاف، وتعرض الخلفية التاريخية والتطورات العقدية لكلا الديانتين.ç
2- موسوعات ومراجع معرفية:
- Islam and Sikhism – Wikipedia: مدخل موسوعي يقدّم عرضاً عاماً للمشترك العقدي والتاريخي، بما في ذلك التوحيد، مفهوم الإرادة الإلهية، والتفاعل التاريخي في شبه القارة الهندية.
- Sikhi and Islam – SikhiWiki: مصدر سيخي يوضح كيف استوعبت السيخية بعض تعاليم المتصوفة المسلمين، خصوصاً في الكتاب المقدس لدى السيخ (غورو غرانت صاحب) حيث يعرض نقاط الاتفاق بين الديانتين مثل التوحيد ورفض الوثنية.
كما أن هناك العديد من الدراسات المقارنة المنشورة في مجلات علمية متخصصة وهي تقدّم تحليلاً لغوياً وفلسفياً للمفاهيم المشتركة مثل التوحيد، والأخلاق العملية ومركزية النص المقدس، ومفهوم الإرادة الإلهية.
وبشكل أساسي فهذه أهم القيم التي بشرت بها الديانة السيخية، وهي كما ترى مقاصد مهمة للشريعة الإسلامية أمر بها القرآن الكريم والسنة المشرفة، كما كتب فيها الفقهاء المسلمون المصنفات الكبيرة:
- الكد والعناء في العمل.
- رفض تمثيل الإله في صور وتماثيل.
- الإيمان بأن الله واحد لا يتغير ولا يوصف ولا يُرى ولا يتجسد.
- التقشف في الحياة، دون الذهاب إلى الرهبانية.
- ممارسة الإحسان والبر.
- التأمل الروحي، لأنه ينير القلب ويجعل الإنسان يرى الله في خلقه.
- الغذاء الروحي في المدائح والأناشيد والتراتيل.
قراءة في التاريخ:
ولدت الديانة السيخية على يد المصلح الحكيم غورو ناناك، 1469-1539 م، في ظروف عالمية صاخبة، خاصة في القارة الهندية، وشهد غورو ناناك طفولته نهاية القرن الخامس عشر في الدولة اللودهية المتهالكة التي كانت تواجه هجوماً طاحناً من الجهات الأربعة.
ومع مطلع القرن السادس عشـر قامت اضطرابات شديدة في الدول الإسلامية في شمال الهند، حيث انهارت الدولة اللودهية ومن قبلها الغورية والغزنوية، وقام المغول من أحفاد تيمورلنك باجتياح الدول الإسلامية في الهند، وأعلن عن قيام الدولة المغولية بقيادة ظهير الدين بابر عام 1526 ، ثم خلفه همايون، وأكبر شاه وجلال الدين أكبر وجهانكير، وما صاحب ذلك من حروب متواصلة مع مملكة الراجبوت وسلطنة الدكن وامبراطورية فيجاناياغارا، وغيرها من الممالك الهندوسية، وبات مشهد الدم والصـراع هو ما يطبع علاقة الإنسان بالإنسان في هذه الحروب الدامية.
خلال ذلك كان غورو ناناك بعيداً عن السياسة وكان معنياً بالتأمل في أسباب هذا الواقع المؤلم في الهند، ودفعه ذلك للبحث في الجذور، وانطلق في رحلة طويلة طاف بها أرجاء الهند ووصل إلى التييت وأسام والبنغال ثم رحل غرباً إلى شيراز وبلاد فارس ثم إلى مكة والمدينة ووقف على مشارق الأنبياء في الحجاز والشام والعراق، ولا زالت بغداد تحتضن مقاماً خاصاً للغورو ناناك، مؤسس الديانة السيخية، بوصفه مرشداً صوفياً في مقبرة الشونيزية بمنطقة الكرخ، وتتم الإشارة إليه ب مقام بابا ناناك.
في النهاية ألقى عصاه في كارتاربور في البنجاب، وهناك أسس مجتمع السيخ 1504م على ضفة نهر رافي، الذي التزم أن رسالة الأنبياء واحدة وهي الحب والسلام، وأن الحروب التي ترتكب باسمهم هي خيانة لروح الله ورسالة أنبيائه.
وفي تأملاته الروحية فإن غورو ناناك ازداد يقيناً كل يوم بأنه يمكن إنقاذ الإنسانية من الكراهية والحروب عبر عقيدة مشتركة تؤمن بكل القادة الروحيين الذين يعملون للسلام والمحبة، وقد اختار أجود القيم في الثقافة الهندوسية والمسيحية والإسلامية، وأشرق فؤاده بالدعوة إلى رسالته الجديدة في الهند، على خط الحدود الفاصل بين الهند وباكستان اليوم في كارتابور ولعله من عجائب القدر أن النافذة الوحيدة التي ظلت مفتوحة بين الهند وباكستان رغم ثمانين عامأً من القطيعة هي ممر كارتابور الذي يصل بين ضريح غورو ناناك في الهند وضريح غوردووارا في باكستان، بطول خمسة كيلومترات، وهي النقطة الوحيدة التي يمكن للهندي والباكستاني عبورها بدون تأشيرة منذ 1999م.
وأختار للقراء العرب هذا التعريف الموجز بالسيخية كما حرره ديفيندر بال سينغ في ريسرش غيت:
“السيخية، خامس أكبر ديانة منظمة في العالم، تأسست في القرن الخامس عشر في البنجاب بالهند. وضع غورو ناناك ديف وخلفاؤه من الغورو السيخ هذا النظام الفلسفي الديني. الكتاب المقدس، سري غورو غرانث صاحب، هو الغورو الحالي للسيخ. تُعرف الفلسفة الدينية للسيخية تقليديًا باسم غورمات. اشتُقت كلمة السيخية من كلمة “سيخ”، ذات الجذر السنسكريتي “شيشيا” الذي يعني “تلميذ” أو “متعلم”. يبلغ عدد أتباع السيخ حوالي 27 مليونًا، أي ما يعادل 0.39% من سكان العالم، ويعيش حوالي 83% منهم في الهند”.
على الرغم من اختلافهما، يتشابه الإسلام والسيخية في العديد من الجوانب، ويتركز معظمها حول فكرة الإله الواحد القدير المحب. كما يشتركان في مبادئ أخلاقية اجتماعية وبيئية متشابهة.
وهكذا فقد نشأت السيخية في البنجاب على يد الغورو ناناك وسعت للتقريب بين الهندوسية والإسلام، ورفضت بعض الممارسات الهندوسية، وبدا أنها تنسجم مع الإسلام أكثر من البيئة الهندوسية وخاصة في مسألة التوحيد التي تتقارب مع الإسلام وتتناقض كلية مع مفهوم الألوهية في الهندوسية.
وهكذا فقد عاش المسلمون والسيخ حياة مشتركة في البنجاب، تبادلوا فيها الفرح بالسلام والحزن في الحرب، ومن المناسب أن نشير هنا إلى شخصية هامة في التراث السيخي وهو المعلم المسلم بهاي مردانا (Bhai Mardana)، الذي ارتبطت حياته ارتباطاً وثيقاً بالغورو ناناك حيث كان موسيقياً يلحن للغورو ناناك صلواته وأناشيده، وتظهر صورته دوماً في الأدب السيخي حاملاً للربابة، يشارك الغورو ناناك في عزفه وقصائده، كما كان يشاركه عظاته ومبادراته، وربما كان من أكثر مشاركاته حيوية إقامة الولائم الكبيرة للمسلمين والسيخ وكذلك تأسيس مطعم مشترك للمسلمين والسيخ.
ومن المدهش أن ناناك عند وفاته لم يترك كتاباً مخطوطاً بل محض وصايا أخلاقية، وهكذا فقد اعتبره المسلمون مسلماً واعتبره الهندوس هندوسياً، قبل أن تتضح معالم الديانة بشكل نهائي على يد الغورو الخامس أرجان الذي أشرف على تدوين تعاليم الغورو ناناك وإشراقاته في كتاب مقدس اكتمل على يد الغورو العاشر غويند سينغ الذي أعلن نهاية المعلمين البشـريين والتحول إلى المعلم الخالد وهو كتاب غورو غراند صاحب الذي سمي فيما بعد الغورو الأخير أو الأبدي، أو الغورو الحادي عشر .
وقد سادت علاقات كريمة وودودة بين المسلمين والسيخ عموماً، ولعدة سنوات كان المسلمون ينظرون إلى السيخية كطريقة تأملية وروحانية صوفية، وكان المسلمون والسيخ يتشاركون حياتهم بالمحبة والغفران والتسامح.
ولكن هذه الروح النقية التي صاحبت ولادة الديانة تعرضت فيما بعد لوحل السياسة وكدرها، وواجه عدد من المعلمين السيخ اضطهاداً شديداً من قبل الحكام المغول، الذي بلغ ذروته مع الغورو التاسع بهادور الذي أعدمه السلطان المغولي أورنك زيب علناً، وهو ما أحدث تحولاً في الثقافة السيخية نحو المقاومة العنيفة، حيث قام الغورو العاشر بتعليم ثقافة السلاح والمقاومة عبر تأسيس نظام فتوة مسلح سمي الخالصة، وارتبط تلقائياً بطقوس متعددة وأعياد تمجد السلاح والمقاومة، وبالتالي تعززت هذه النظرة بعد تأسيس الدولة السيخية في البنجاب من 1799-1849م والتي استمرت إلى قيام الدولة البريطانية بالسيطرة على شمال الهند.
إننا نروي هذه الأيام المريرة بهدف استكمال الوعي، ولكننا نؤكد مرة أخرى أنها استثناء في تاريخ العلاقة الودودة بين المسلمين والسيخ، وأن السياسة هي التي أفسدت ما كان من ود، وأن المجتمع السيخي اليوم يعيش في الغالب في كنف شعوب إسلامية في الهند وباكستان وإيران والخليج العربي، ويتفاعل بحيوية، ويتبادل الاحترام مع محيطه الإسلامي ويدرك تماماً غزارة جوانب اللقاء في القيم والأخلاق والتوحيد، وكذلك في جزء كبير من التاريخ السلمي المشترك.
