تعدّد الطّرق الصّوفيّة

تعدّد الطّرق الصّوفيّة

 

ملخّص:

ينبني هذا العمل على فرضيّة راجحة في تقديرنا، وهي أنّ النّزعات الرّوحانيّة لا تنشأ بمعزل عن تفاعلات الكيمياء الاجتماعيّة، ولا تتحدّد تشكّلاتها في منأى عن مآزق الاجتماع، بل تنجم تحوّلاتها عن التّناقضات داخل المجتمعات والجماعات. ونسعى إلى إثبات هذه الفرضيّة عبر تحليل العوامل الباعثة على تعدّد الطّرق الصّوفيّة وتنوّعها رغم تسليم المنتسبين إليها بأنّ لكلّ عصر قطبا واحدا، وذلك بالبحث في ما يوجّه التّناسلَ الطّرقيَّ من الأطر الثّقافيّة والدّوافع الظّرفيّة.

ونشتغل في هذا السّبيل بنموذجين من واقع التّصوّف الطّرقيّ نقدّر كون تجربتيهما ثريّتين بما يُقدِرُنا على استجلاء ما بين المقتضى الاجتماعيّ والمستوى الرّوحانيّ من التّفاعلات الجدليّة، وهما النّموذج التّيجانيّ والنّموذج الشّاذليّ، ونركّز في اشتغالنا بهما على محوريْن، أحدهما سياقات نشأة الطّرق وتفرّعاتها، وثانيهما أقوال المنتسبين إليها في قضايا وثيقة الصّلة بظاهرة تناسلها، ومن تلك القضايا مسألة القطبانيّة خصوصا.

الكلمات المفاتيح: طرق صوفيّة – تعدّد – قطب – شاذليّة – تيجانيّة.

Abstract:

This work is based on a premise that, in our opinion, is likely to be true, which is that spiritual tendencies do not arise in isolation from social chemistry interactions, nor are their formations determined in isolation from social dilemmas, but rather their transformations result from contradictions within societies and groups. We seek to prove this hypothesis by analyzing the factors that lead to the multiplicity and diversity of Sufi orders, despite their followers’ acknowledgment that every era has one pole, by examining the cultural frameworks and circumstantial motives that guide the orders’ reproduction.

In this way, we work with two models from the reality of Tariqa Sufism whose experiences we appreciate are rich and enables us to clarify what is between the social requirement and the spiritual level of dialectical interactions, namely the Tijani model and the Shadhili model also, we focus our work on two axes, one of which is the contexts of the emergence of the orders and their branches, and the second is the statements of those affiliated with them. In issues closely related to the phenomenon of reproduction, and among those issues is the issue of polarity in particular.

Keywords: Sufi Orders – Multiplicity – Kutb – Shadhiliyya – Tijaniyya.

1- مقدمة:

قد لا يكون تعدّد الطّرق الصّوفيّة في تونس وسائر بلدان العالم مثيرا لاستغراب غير العارفين بالجهاز النّظريّ الّذي يستند إليه التّصوّف الطّرقيّ، فتكاثر أشكال التّديّن واقع مشهود على مرّ التّاريخ وليس يُتوَقَّع له حدّ في المدى المنظور من الزّمن المستقبل. لكنّ المطّلع على اعتقاد المنتسبين إلى ذلك الحقل من التّجارب الدّينيّة يدرك المفارقة بين مستوى التّصوّر وواقع الحال، إذ المفترَض استنادا إلى المتصوَّر وجودُ طريقة واحدة في كلّ عصر على اعتبار أنّ مرتبة القطبانيّة يبلغها فرد بعد فرد بتواتر يخلو من تزامن قطبين[1].

تعالج هذه المحاولة، إذن، إشكاليّة يسعنا أن نوجز التّعبير عنها بالصّيغة الاستفهاميّة الآتية: لماذا تتعدّد الطّرق الصّوفيّة رغم التّسليم بوجود قطب واحد في كلّ عصر؟ وتقتضي معالجتها الاشتغال بمستويين من معطيات التّديّن الطّرقيّ، فأمّا المستوى الأوّل فالحيثيّات التّاريخيّة المتّصلة بنشأة كلّ طريقة طارئة، ونعني بالخصوص العناصر البنيويّة الّتي ما برحت تتجلّى مع انبثاق أيّ فرع من أصل، لأنّنا ننطلق من فرضيّة أنّ رفع الغطاء عنها يساعد على إدراك بواعث ذلك التّعدّد. وأمّا المستوى الثّاني فالمنتَجات الخِطابيّة في المساجلات المتعلّقة بالمسألة، إذ نقدّر أنّها تنجلي عمّا يُمَكِّنُ من التّعمّق في فهم الظّاهرة.

ويعتمد مسعانا في مواجهة الإشكاليّة على نموذجين نتّخذهما مطيّة للاستقراء، أحدهما النّموذج التّيجانيّ، والثّاني النّموذج الشّاذليّ، ولاغرو أن نلجأ إليهما دون سواهما، فإنّهما الأكثر انتشارا في البلاد التّونسيّة خصوصا والمغرب الإسلاميّ عموما. وتشكّلات بنيتيهما على غاية من التّنوّع والتّعقيد، ولذلك نركّز اهتمامنا على ما تعيّن منها في الحيّز الجغرافيّ لتونس، ولا نلتفت إلى ما يحيط به إلاّ عند الضّرورة الّتي تمليها امتدادات الطّرق خارجه والعلاقات بين فاعليها المحلّيّين ومرجعيّاتها الكائنة في غيره من البلدان. ولكن لا مناص من استباق الخوض في هذا المضمار بوقفة عند مفهوم “الطّريقة” لإزالة التباس قد يضفي الضّبابيّة على المسألة إن غضضنا عنه النّظر.

2- الصّيرورة الدّلاليّة لمصطلح الطّريقة:

يتّخذ هذا المصطلح في المجال التّداوليّ الصّوفيّ أبعادا دلاليّة كثيرة أضفتها عليه سياقات المسار التّطوّريّ الّذي شهده التّصوّف على مدى تاريخه المنقضي[2]، ويسعنا أن نختزل دلالاته في بعدين جامعين لها على صعيد من تداخلهما وتكاملهما، أحدهما أنّ الطّريقة مسلك في القصد إلى المعبود ذو منحى روحانيّ قوامه تركيز العبدِ اهتمامَه على تنقية باطنه من الشّوائب الحائلة بينه وبين مقصوده، والآخر كونها مؤسّسة اجتماعيّة تنبني العلاقات بين الفاعلين فيها على ضوابط من ذلك المسلك الّذي تتحدّد بالاستناد إليه هويّتها ومشروعيّة وجودها وخصائصها الوظيفيّة.

يمثّل البعد الأوّل من مفهوم الطّريقة أحد مقوّمات التّصوّف البنيويّة، ناهيك أنّه ليس يكون لهذا الشّكل في التّديّن معنى إن يُجرَّد من ذلك المقوِّم، فقد استوت التّجربة الدّينيّة في حياة المتصوّفة، منذ زمن الجيل المؤسّس، على مبدأ القصد إلى الله بصدق الباطن[3]، وهو المبدأ الّذي تفرّعت عنه شبكة المفاهيم المحوريّة المميّزة لجهازهم النّظريّ ومسلكهم التّعبّديّ عن سائر ما نشأ في سياقات تلقّي الرّسالة المحمّديّة من الأنساق العقائديّة والنّزعات السّلوكيّة، وما فتئت تلك الشّبكة تدور في فلكه على اختلاف تشكّلاتها التّاريخيّة.

ترتكز شبكة المفاهيم المؤسِّسة لدلالة الطّريقة وماهية التّصوّف على ثلاث أثاف محوريّة تستوعب في تعالقها النّظريّ والإجرائيّ شتات أبعاد التّديّن الصّوفيّ، وهي ثلاثيّة الإرادة والصّدق والإخلاص، وتنتظم على جماع هذه الأثافي في ذلك النّمط من التّديّن تجربةُ السّالكِ سبيلَ القصد إلى الله، فيتدرّج في المقامات الرّوحيّة على قدر ما يفي به من شروط السّير ومتطلّبات بلوغ المقصود، وهو ما يعني أنّ الرّهان ليس منوطا بحركات الجوارح وسكناتها، وإنّما هو معقود على مدى الاستعداد الباطنيّ للتّرقّي في المدارج الرّبّانيّة.

ينحصر مفهوم الطّريقة، بهذا الوجه من الدّلالة، في نطاق تصوّر لعلاقة ثنائيّة تجمع العبد ومعبوده دون وساطة، وقوامها اشتغال الأدنى منهما بتهيئة باطنه لتستحقّ جوار الأعلى في «محلّ القربة»[4]، وهو المنتهى في مسار السّموّ الرّوحيّ الّذي يقتضي تفعيل الأسباب الذّاتيّة الكامنة داخل كيان المخلوق الآدميّ، ومن ذلك التّجرّدُ عن الإرادة والانقيادُ للمشيئة الإلهيّة، وأجلى تعبير عن هذا الشّرط قول سهل بن عبد الله التّستريّ (ت283هـ/896م)، من أعلام التّصوّف خلال طوره الابتدائيّ، في معرض بيانه شأنَ “التّوكّل” وفق المنظور الصّوفيّ:

«أوّل مقام في التّوكّل أن يكون العبد بين يدي الله عزّ وجلّ كالميّت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف شاء، لا يكون له حركة ولا تدبير»[5].

إنْ هذه الصّيغة التّركيبيّة التّستريّة، في الواقع، سوى تجلّ لما تلقي به دلالة “الإرادة” الصّوفيّة[6] من ظلالها على مفهوم “الطّريقة”، وهو عدم استحضار العبدِ، في أعماله وأقواله وأحواله الظّاهرة والباطنة، غيرَ الذّات الإلهيّة، فما برحت أصداءُه تتردّد في معاني المفردات من الجهاز الاصطلاحيّ الّذي لا تعدو عناصره كونها تعيّنات لسانيّة لأبعاد ذلك المفهوم، بدءا بمصطلح الصّدق، إذ يُعَدُّ محموله «عماد الأمر»[7]، وليس انتهاء بمصطلح الإخلاص المنقول عن الجنيد قوله في مدلوله إنّه «ما أُرِيدَ به الله من أيّ عمل كان»[8].

تُستحضَر الذّات الإلهيّة، في هذا البعد من مفهوم الطّريقة الصّوفيّ، بصفتها الوجودَ الحقَّ ولا اعتبار لموجود سواها، والفاعلَ الّذي تنقاد له الإرادة البشريّة طوعا، فالعبد سائر نحو الانتفاء الرّوحيّ إن يتحلّ بصدق التّوجّه إلى معبوده، وذلك وجه من المخصوص في اصطلاح المتصوّفة بالزّوج الاسميّ “الفناء” و”البقاء” على ما تفيد بعض أقوالهم[9]، وليست تخلو من الدّلالة عليه مصطلحات أخرى كثيرة التّداول داخل أوساطهم، كالرّضا[10]، فضلا عن التّوكّل في ما يُظهِر القيل المذكور أعلاه وأمثاله المرويّة ضمن مؤلّفاتهم[11].

لقد تشكّل مفهوم الطّريقة، خلال الطّور الابتدائيّ من تاريخ التّديّن الصّوفيّ الإسلاميّ، في سياق التّشوّف إلى منتهى غاية الرّوحنة، فانحصر في حدود علاقة الذّات الفرديّة (العبد) بالذّات الفرد (المعبود)، على أساس أنّ تحقّق الاتّصال النّاسوتيّ اللاّهوتيّ غير مُحوِج إلى وسائط، بل يقتضي المباشَرة في القصد والتّوجّه، وهو ما يعني، بدءا، غضّ النّظر عن العالم الفيزيائيّ وقطع كلّ العلائق الحائلة دون الوصول إلى المراد، ولذلك لم يجانب الصّوابَ مَن ارتأى أن يستعمل في الإحالة على مسمّى “التّصوّف” المركّبَ الإضافيّ «خطاب الذّات»[12].

بيد أنّ «خطاب الذّات» لم يستطع بلوغ الغاية في قطع العلائق حتّى خلال قرونه الأولى، فأخبار تلك القرون من السّرديّات الصّوفيّة المبكّرة لم تخل من تواتر عناصر  إحاليّة وصيغ تركيبيّة في سياقات تتعلّق بغير الذّات الفرد الّتي تمثّل مبتغى الطّريقة، إذ كثيرا ما ترد فيها عبارات من قبيل «صحب فلانا»[13] و«رافق فلانا»[14] و«لقي فلانا»[15] و«ينتمي إلى فلان»[16] أو «انتمى إلى فلان»[17]…، وليس بالقليل ورود مركّبات فيها كمثل «تلميذ فلان»[18] و«أستاذ فلان»[19] أو «أستاذ الجماعة»[20] أو «أستاذنا»[21] أو «أستاذي»[22] و«شيخ وقته»[23] و«شيخ + اسم مكان + في وقته»[24]، ولا يندر الاهتمام بتعريف الإحالة المعنويّة «الصّحبة»، مثلا، في كتب علم التّصوّف[25] على نحو يسفر عن كون مرجعها من تقاليد التّطرّق.

في الواقع، لم تسلم أجرأة مفهوم الطّريقة خلال مرحلة التّصوّف الابتدائيّة من أبعاد اجتماعيّة اقتضتها طبيعة الإنسان المدنيّة، فلم يكن بدّ من تشكّل علاقات بين المنخرطين في المسلك الصّوفيّ على أساس وحدة المقصد، ولاسيّما أنّ السّالك المستجدّ محتاج إلى صحبة رفيق يؤنسه حين يستوحش، وغير مستغن عن مساعدة خبير بمزالق الطّريق، يذلّل له صعوبات السّير، ويجنّبه المخاطر الّتي تقطع الصّلة بينه وبين مقصوده. إذن، لا غرو أن تتواتر مفردات، من قبيل مصطلح “الصّحبة”، في بواكير مدوّنات المتصوّفة، وتطّرد صيغ تركيبيّة، كالمذكورة أعلاه، أدراج ترجماتهم لرجال طبقاتهم الأولى.

لكنّ تلك الأبعاد الاجتماعيّة لم تطغ على الجوهر الرّوحانيّ لمفهوم الطّريقة إلاّ بأخرة، فحتّى القرن الخامس، على أدنى تقدير، كانت العلاقات بين السّالكين تنشأ بأشكال تلقائيّة أو بأقدار عالية من العفويّة، ومازالت الصّحبة، في المنظور الصّوفيّ، خارج إطار الضّروريّات الّتي يستقيم بها القصد إلى الله، بل في المنقول، من خبر حوار بين أحد أعلام ذلك الطّور ورجل رام أن يصطحبه، ما يفيد كون مصاحبة أهل الطّريق لا تنسجم مع المبدأ الّذي انبنى عليه التّصوّف، إذ يتضمّن كلامُ العلَم توجيها إلى اتّخاذ المتفرّد بالخلود، دون سواه، مصطحَبا، وهذا نصّ الحوار يغني عن التّوسّع في الاستدلال:

«قال رجل لسهل بن عبد الله: أريد أن أصحبك يا أبا محمّد. فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحب الباقي؟ فقال: الله تعالى. فقال: فليصحبه الآن»[26].

وفي سياق جدليّة التّصوّف ذي الجوهر الرّوحانيّ والتّسنّن[27] المثقل بالرّهانات الاجتماعيّة ظلّ مفهوم الطّريقة ينزاح شيئا فشيئا نحو التّقيّد بشروط من شؤون الاجتماع، ومن مجالي هذا الانزياح، على مستوى الخطاب، الانعطاف في اتّجاه مضامين أفضت لاحقا إلى إعادة تشكيل بنية المفهوم، وليست أقلَّ تلك المضامين تأثيرا في مسار التّديّن الصّوفيّ فكرةُ اهتداء السّالك بمعلّم يرشده الطّريق، وأبلغ عبارة عنها، في القرن الرّابع الهجريّ وبدايات القرن الخامس، قول أبي عليّ الدّقّاق (ت405هـ/1014م أو 412هـ/1021م):

«الشّجر إذا نبت بنفسه، ولم يستنبته أحد يورق ولكنّه لا يثمر، كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يتخرّج به لا يجيء منه شيء»[28].

لقد كان التّديّن الصّوفيّ، في أصل نشأته، انزياحا عن السّنّة الثّقافيّة ومفاعيلها الاجتماعيّة، إلاّ أنّه لم يكن، بعد مخاض النّشوء، بمأمن من الانجرار إلى التّسنّن، لأنّ الأعراف والعادات مضادّات جارفة قلّما يصمد حيالها منزع انزياحيّ، إذ تقدر على قلعه من جذوره، فإن أعجزها تقويضه تلجأ إلى استيعابه بآليّات التّكييف على مقتضاها، ولذلك، لا عجب في أن يظهر على ألسنة بعض المتصوّفة عنصر من علامات تلك السّنّة ومقوّمات الثّقافة الإسلاميّة، وهو المعبَّر عنه في التّقليد النّقلانيّ بـ “السّند”، وقد عُزِيَت صيغة من قبيله إلى سهل التّستريّ مثلا، إذ رُوِي عنه أنّه قال:

«أخذت هذا الطّريق عن النّصرآباذيّ، والنّصرآباذيّ عن الشّبليّ، والشّبليّ عن الجنيد، والجنيد عن السّريّ، والسّريّ عن معروف الكرخيّ، ومعروف الكرخيّ عن داود الطّائيّ، وداود الطّائيّ لقي التّابعين»[29].

بقدر ما يعكس هذا القيل جدليّة الانزياح والتّسنّن في التّديّن الصّوفيّ يكشف أنّ بنية مفهوم الطّريقة لم تثبت على هيئتها التّأسيسيّة، وإنّما كان شأنها أن أُعِيدَ تشكيلها تحت وطأة تلك الجدليّة حتّى اقترنت بدلالة الخضوع الإراديّ لسلطة علَم في الطّريق ذي سند روحيّ متّصل، وربّما تعدّدت عوامل الانسياق إلى هذه الوجهة في ربط الصّلات، لكن ليس من شكّ في أنّ الشّعور بالمفارقة بين واقع الحال وصورة المثال أقوى الدّوافع إلى التّعلّق بشخص يتراءى على الصّورة النّموذجيّة للواصل أرقى الأحوال الرّبّانيّة، فإنّ العجز عن درك الغاية المثلى باعث على الإعجاب، إلى حدّ التّقديس، بالمتمكّن منها، وهو ما حصل للقشيريّ، مثلا، مع أستاذه أبي عليّ الدّقّاق[30].

لقد كانت الصّحبة في الطّريق الصّوفيّ، خلال القرون الأولى، طلبا لأنجع الأسباب المؤدّية إلى تحقيق مقصد أسنى هو الاتّصال بالله وملازمة محلّ القربة منه، إذ بدا توثيق الصّلة بالرّاسخة أقدامهم في السّير من الوسائل المثمرة على سبيل التّسامي الرّوحيّ، ومع تحوّل هذا النّوع من العلاقات إلى عادة وتقليد تبدّلت طبيعته، فأمست الوسيلةُ غايةً في حدّ ذاتها، وبات المطلوب إجرائيّا الاتّصال بمن يُعتقَد فيه بلوغُ مرتبة الجوار الإلهيّ، وشيئا فشيئا تشكّل مفهوم “المشيخة” حتّى تبوّأ منزلة العنصر المحوريّ في مفهوم الطّريقة.

استحالت المشيخة في طور من تشكّلات مسمّى التّصوّف قوام التّطرّق، فلا يصحّ انتساب السّالك إلى الطّريقة دون انقياده لمرشد من المشايخ يأتمر بأوامره ويطيعه في نواهيه، وقد ظلّ هذا الشّرط يتجذّر في الحياة المسلكيّة منذ القرن السّادس من التّقويم الهجريّ، وما برحت قيمته الوظيفيّة تتعاظم مع رسوخ تقاليد من متعلّقاته الإجرائيّة، حتّى أضحى العنصر الإحاليّ “شيخ”، في الخطاب الصّوفيّ، مزاحما لأسماء الذّات الإلهيّة، ناهيك أنّه حلّ محلّ الاسم الأعظم في العبارة عمّا يجب أن يكون عليه المريد من الأحوال، إذ كان إبراهيم الدّسّوقيّ (ت676هـ/1277م أو 696هـ/1296م)، مثلا، يقول:

«المريد مع شيخه على صورة الميّت، لا حركة ولا كلام (…) كالميّت بين يدي الغاسل»[31].

اقترن اجتياح صفة الشّيخ للخطاب الصّوفيّ على حساب أسماء الذّات الإلهيّة بتبلور مفهوم المشيخة، بعد مخاض مديد، بديلا لمفهوم الصّحبة الّتي لم تَعْدُ كونها خيارا عفويّا يتولّد عن كيمياء وجدانيّة بين سالك متعثّر أو مستشعِرٍ قصورَه وآخر ثابت الخطى أو مُتراءٍ قديرا، فهكذا اكتسبت تلك الصّفة بعدا دلاليّا غير معهود قبل القرن السّادس الهجريّ، وزائدا على معنى الخبرة الكامن في بنية أصلها اللّغويّ وعنصر الاقتداء الّذي كرّسه استعمالها خلال الأطوار الأولى من تاريخ التّصوّف، وأساس ذلك البُعْدِ فكرةُ بلوغ المقام الأعلى في مسار التّرقّي الرّوحيّ.

مع انجلاء التّفاعلات الدّلاليّة بين مصطلح الصّحبة وصفة الشّيخ عن مفهوم المشيخة استحوذ المحمل الاجتماعيّ، إلى حدّ ما، على مدلول الطّريقة، إذ اندرجت في علاقة المريد بالمراد رابطة من لزوميّات الاجتماع، وهي الرّابطة التّربويّة الهادفة، على الصّعيد الصّوفيّ، إلى تحقيق الإرادة بالمعنى السّالب لفاعليّة السّالك في طريق القصد، وما عاد هذا الطّريق، في الواقع العينيّ، مجرّد مسعى في طلب الوصول إلى الله، بل أمسى نظاما من إجراءات يجري بها العمل طبق قواعد يضبطها نافِذٌ يُلقِي إليه رفاق السّير مقاليد أمورهم لحسن ظنّهم فيه واعتقادهم كونه أدرك أسمى المقامات الرّبّانيّة.

في ذلك الخضمّ من مسار العدول الإجرائيّ إلى التّقليد الطّرقيّ ذي المنحى الاجتماعيّ حدثت تشابكات فارقة، نخصّ بالذّكر منها اثنين، أحدهما اشتباه منزلة المشيخة بمرتبة القطبانيّة، إذ استقرّ في أذهان كثير من المنتسبين إلى التّصوّف أنّ المُهتدَى به في سلوك الطّريق هو نفسه قطب الزّمان، وثانيهما التباس المقصد الرّوحيّ الباعث على ظهور التّديّن الصّوفيّ بعلاقات الفعل التّربويّ، حتّى صار الشّيخ ذاته مقصدا يقطع السّالك مسافات طويلة من البرّ والبحر بحثا عنه[32] كي ينضوي تحت لوائه وينضمّ إلى جماعته ويتلقّى تعاليمه.

لقد نتج عن تلك المآلات من تشكّلات بنية التّصوّف أن استوى مصطلح الطّريقة في التّداول الصّوفيّ دالاّ على مؤسّسة اجتماعيّة قوامها علاقات تستند إلى أسس روحيّة، فتواتر استعماله مضافا إلى إحالة علَميّة (طريقة فلان) أو في مركّب نعتيّ يفيد النّسبة (الطّريقة الفلانيّة)، وفي الصّيغتين التّركيبيّتين كليهما تخصيص لمدلوله بشخص محدّد من المتصدّرين للتّربية، وينطوي هذا التّخصيص على تعارض مع المبدأ الجوهريّ الّذي يستمدّ منه التّديّن الصّوفيّ هويّته، نعني مبدأ القصد إلى الله، وهو ما كانت له تبعات في واقع ذلك التّديّن أسفرت عن كثرة من الطّرق.

3- عوامل التّعدّد الكامنة في الإجراءات الطّرقيّة:

يغني اعتماد النّموذجين الشّاذليّ والتّيجانيّ، في استبيان ما وراء تعدّد الطّرق من العوامل الإجرائيّة، عن الاستقراء الكلّيّ المتعذّر بحكم تعقيدات الواقع الطّرقيّ الّذي يُحوِج الوقوف على مكوّناته كافّة وحيثيّاته الدّقيقة إلى جهد جماعيّ مؤسّساتيّ، فإنّ تشكّلاتهما حتّى الآن لا تخلو ممّا يساعد استجلاؤه في معالجة إشكاليّة هذه الدّراسة استنادا إلى الفرضيّة الّتي نشتغل بها، إذ تتراءى في وقائع الماضي من تجربتيهما وراهن امتداداتهما جدليّة الرّوحانيّ والاجتماعيّ، ومن هذا الوجه يتشابهان، ويختلفان من وجه آخر، هو تداعيات تلك الجدليّة في لحظاتهما التّاريخيّة الفاصلة.

3- 1- في النّموذج الشّاذليّ:

توقف المقارنة بين مختلف الطّرق الصّوفيّة التّونسيّة المنتسبة إلى أبي الحسن الشّاذليّ (ت656هـ/1258م) على نوعيْن من الطّرقيّة، فأمّا النّوع الأوّل فقد يصدق عليه وصفه بالطّرقيّة الاحتباسيّة، اعتبارا لاعتقاد مريدي الشّيخ المتوفّى عدم انتقال “السّرّ” منه إلى غيره، ومحافظتهم من بعده على أوراده[33] دون تبديل، ولاسيّما “الوظيفة”[34] الّتي تعبّر عن فرادة شخصيّته وخصوصيّة طريقته وتمايز مشيخته، وهذا شأن الطّريقة الشّاذليّة الأصليّة والطّريقة المدنيّة المتفرّعة عنها وطريقة معتزية إلى السّند المدنيّ هي الإسماعيليّة.

وأمّا النّوع الثّاني فقد تناسبه الإحالة عليه بالمركّب النّعتيّ الطّرقيّة الاستئنافيّة، لأنّ قوامه الإيمان بحتميّة الاستخلاف في المرتبة الرّوحيّة لمشيخة التّربية، ومن هذا الصّنف كلّ الطّرق المتفرّعة عن الطّريقة الإسماعيليّة، وأوسعها انتشارا القاسميّة نسبة إلى بلقاسم بلخيري الّذي قضى نحبه في اليوم الواحد والعشرين من شهر جويلية عام اثنين وعشرين وألفين، ولم يُعلَن حتّى كتابة هذه الأسطر عن خليفته، وليس أدلّ من ذلك على الصّعوبة البالغة في حسم الأمر، وكان مريدو إسماعيل الهادفي قد واجهوها عقِب وفاته عام أربعة وتسعين وتسعمائة وألف، فانقسموا إلى جماعات يبيّنها الرّسم الآتي الشّامل لشتات الشّاذليّة، في الوقت الرّاهن، على حدّ علمنا.

لا تخفى على النّاظر في هذا الرّسم العلامات المبينة عن مفاعيل جدل الرّوحانيّ والاجتماعيّ داخل الأوساط الصّوفيّة، فمن الظّاهر للعيان دلالة بعض الإحالات العلَميّة المتعلّقة بمن آلت إليهم الوجاهة الطّرقيّة على حيويّة عنصر النّسب الصّلبيّ في تعيين مشايخ التّربية واختيار مقاديم الزّوايا، ناهيك أنّ شيخ الطّريقة المدنيّة، حاليّا، من ولَد مؤسِّسها، ومقدّم الزّاوية الأمّ للطّريقة الإسماعيليّة، على أيّامنا هذه، هو نجل مُنشِئها. لكن ليس ينتفي في ذلك الشّأن عاملُ الانتساب المسلكيّ، بل يفعل فعله على خلاف منطق القرابة الدّمويّة، ولولاه لما استحدث بعض خاصّة إسماعيل الهادفي، غير المنحدرين من صلبه، طرقا بعد وفاته.

وتكشف الكثرة الكثيرة من الجماعات الصّوفيّة المتفرّعة عن الطّريقة الإسماعيليّة عدم نجاعة جهازها النّظريّ في مواجهة إشكاليّة الخلافة إثر موت إسماعيل الهادفي، إذ لئن كان هذا قد أبان عن الشّروط المؤهّلة لمرتبة المشيخة ثِنْيَ رسالة وجّهها إلى أتباعه ببعض جهات البلاد التّونسيّة[35] – وهي: الحياة، والمعرفة بالله الكبرى، والعلم بالشّريعة والحقيقة كليهما، والإذن القوليّ والقلبيّ[36]  – فإنّ مريديه وجدوا أنفسهم عندما حانت لحظة الاستخلاف على مفترق طرق، وتشتّت شملهم بين مرشَّحين ادّعوا كلّهم كونهم مأذونين في التّربية.

إنْ نتناول المثال الإسماعيليّ باعتباره مرآة لأحوال الطّرق الاستئنافيّة ذات الأصول الشّاذليّة يتّضح أنّ الجهاز النّظريّ الّذي تحتكم إليه غير مانع من الاختلاف في تحديد الشّخص المستخلَف على مشيخة التّربية، ذلك لأنّه يتضمّن ما يفتح باب الدّعوى عريضا، وهو المعبّر عنه بـ”الإذن القلبيّ”، فهذا إجراء عزيزة معاينته بالحسّ، إذ يحصل خارج مدار الإدراك العينيّ، وما ليس متعيّنا بشكلٍ ما يعتاص على مدّعيه إثباته قطعيّا، ويبقى أمره قيْد غلبة الظّنّ، وإذا ما امتنع اليقين في جماعة تفرّقت السّبل بالمنتمين إليها.

وليست بالمُحكَمة سائرُ الشّروط المنصوص عليها في الرّسالة المذكورة، فقد أظهر الاختبار الّذي واجهه الإسماعيليّون حالما توفّي أستاذهم أنّها لا تسدّ منافذ الخلاف في قضيّة مشيخة التّربية، بل أسفر الجدال بينهم بعد افتراقهم عن القول بقابليّتها للتّحقّق على غير الأعراف الاجتماعيّة المألوفة، وممّا وقفنا عليه من ذلك ما ذهب إليه بعض أتباع بلقاسم بلخيري إزاء طعن مخالفيهم في أهليّته للخلافة، إذ زعموا في ردّهم على حجّة هؤلاء المستندة إلى معرفة الفُرَقَاء كافّة بأمّيّته وجهلهِ علومَ الشّريعة أنّه تلقّى واردا من إسماعيل الهادفي، خلال جلسة جمعتهما، يتضمّن “العلم الشّرعيّ”[37].

ينجلي اشتراط الجمع بين علم الشّريعة وعلم الحقيقة عن أثر آخر من جدل الرّوحانيّ والاجتماعيّ في الواقع الطّرقيّ، وهو ممّا زاد في تعقيد وضعيّات الاستخلاف على مشيخة التّربية، لأنّ اكتساب الوجاهة داخل الأوساط الصّوفيّة منوط بآيات الورَع لا علوم الشّرْع، وقد يحصل أن يستولي السّالك على قلوب رفاق الطّريق بما يستشعرون من أحواله الباطنة دون أدنى اعتبار لمسألة التّكوين الشّرعيّ، ولولا إمكان ذلك لما تيسّر لبلقاسم بلخيري أن يؤسّس طريقة هي الأوسع انتشارا في البلاد التّونسيّة، اليوم، حسب التّقديرات الإحصائيّة المتعلّقة بالزّوايا والمريدين[38].

والحاصل أنّ موقف السّالك في منعطف الانتقال من عهد إلى آخر يتحدّد بخلفيّة يتنازعها أساس الطّريقة الرّوحانيّ وتشكّله الاجتماعيّ، فإن تتملّكه نداءاته الباطنيّة والكيمياء الوجدانيّة بينه وبين سائر السّالكين يغضّ النّظر، في مسألة المشيخة، عن الشّروط النّابعة من غير صميم المنطق الصّوفيّ، وقد يعتذر لخياره بذريعة من المبرّرات الميتافيزيقيّة، وإذا ارتهن للموجّهات الموضوعيّة من المعايير الشّكليّة المحكَّمة في العلاقات بين أهل الطّريق يجد نفسه منكرا لكلّ دعوى لا تستند إلى علامة ظاهرة للعيان.

إنّ إخضاع العلاقات الرّوحيّة لضوابط اجتماعيّة ينطوي على مفارقة لا تنقطع تداعياتها في الحياة الطّرقيّة مهما يكن مبلغ الضّبط من الإحكام، لكن ليس من الخيارات الآمنةِ الاكتفاءُ بمجرّد التّفاعلات الوجدانيّة معيارا في التّمييز بين الادّعاء الصّادق والدّعوى الكاذبة، ولا ينسجم مع جوهر التّصوّف اعتماد المعايير الشّكليّة، حصرا، في حسم مسألة المشيخة، فكلّ الخيارات إشكاليّة بالنّسبة إلى هذه المسألة، لأنّ الأجرأة الجمعيّة في حدّ ذاتها لا تناسب مسلكا دينيّا بُنِيَ أصله على مقوّمات من خصائص التّجربة الفرديّة يتأبّى تشكيلها في انتظام اجتماعيّ دون أن تفقد هويّتها.

وتتغذّى إشكاليّة مشيخة التّربية من معطى آخر في المُستنَد النّظريّ للطّرق الاستئنافيّة ذات المرجعيّة الشّاذليّة، وهو وصل الوظيفة التّربويّة بمرتبة القطبانيّة أو الغوثانيّة، إذ يُعتقَد على نطاق واسع أنّ المربّي المتصدّر للإرشاد هو نفسه المتفرّد بتلك المرتبة في زمنه، ولذلك يُشَار إلى بلقاسم بلخيري على الواجهة الخلفيّة لطبعة “وظيفة الطّريقة القاسميّة”[39] بـ”الإمام الغوث“، وتُستعمَل في وصفه على الواجهة الأماميّة لديوانه “النّفحات الشّذيّة”[40] الصّيغة التّركيبيّة الآتية: «وحيد عصره وفريد قرنه المشهور بتلقين الاسم الأعظم»، إذ لا تنطبق هذه الصّفات في المنظور الصّوفيّ إلاّ على القطب.

وكذلك غيره من المتفرّغين للتّربية بدعوى خلافة إسماعيل الهادفي، تقترن الإحالة عليهم بمركّبات وصفيّة تجري في مدار مفهوم القطبانيّة، ومن هذا القبيل قول أحد المنتسبين إلى الطّريقة الحسنيّة في سياق ذكره شيخَها حسن العكريمي: «الإمام الرّبّانيّ والسّرّ الرّحمانيّ قطب المعارف وشمس العوارف غوث الأمّة وكاشف الغمّة سيّد الأسياد ومرشد العباد سيّدنا ومولانا»[41]. أمّا حمّادي بوعلاّقي الّذي سُلِّمَت له مقاليد الطّريق بمسقط رأسه سبيطلة، في الوسط الغربيّ من البلاد التّونسيّة، فقد حدّثنا مقرّب إليه أنّ قطبيّته تُعلَن بعد وفاته.

ليست القطبانيّة في الاعتقاد الصّوفيّ صفة كسبيّة تُستحَقّ بشرط من معايير موضوعيّة يصطلح عليها أهل الطّريق، وإنّما تتعيّن بموهبة ربّانيّة في نطاق تفاعل روحيّ بين السّالك والمقصود حصرا، فهي اصطفاء إلهيّ لا يخضع لمنطق الاجتماع البشريّ، إذن، لا غرو أن أدّى التباسها بالوظيفة التّربويّة، في التّقليد الطّرقيّ الّذي تعتمده الفروع الشّاذليّة الاستئنافيّة، إلى سدّ باب الخروج من مأزق الخلافة على مشيخة التّربية، وهو المأزق الّذي كانت التّيجانيّة أيضا قد وقعت فيه، وألجأها إلى أن تعيد تشكيل مُعتقَدها في شأن القطب على نحو يستوعب مختلف مراكز القوى الرّمزيّة.

3- 2- في النّموذج التّيجانيّ:

أفرزت تداعيات وفاة أحمد التّيجانيّ (ت 1230هـ/1815م) ثلاثة مراكز لقوى رمزيّة فاعلة في الطّريقة، تستمدّ نفوذها من القرابة الدّمويّة أو المنزلة الاعتباريّة بالنّسبة إلى الشّيخ المؤسِّس، فأمّا المركز الأوّل فـ”عين ماضي” بالجزائر، مسقط رأس ذلك الشّيخ ومستقرّ بعضٍ من عقِبه، وأمّا المركز الثّاني فـ”فاس” بالمغرب الأقصى، مدفنه وموطن أبنائه الّذين لم يغادروا المكان مع المغادرين غداة موته، وأمّا المركز الثّالث فـ”تماسين” بلَد خليفته الأعظم، في المتّفَق عليه عند التّيجانيّين جميعا، عليّ التّماسينيّ (ت1260هـ/1844م).

لقد فرض وجود هذه الثّلاثيّة على المنتسبين إلى التّيجانيّة أن يجعلوا الخلافة ثلاثة مستويات: أحدها خاصّ بأولاد شيخهم المؤسِّس في عين ماضي، ويشيرون إليه بالمركّب الوصفيّ “الخلافة العامّة”، وقد آل هذا المستوى سنة عشر وألفين إلى الخليفة العامّ الحاليّ عليّ بلعرابي، وثانيها مُفرَد لذرّيّة عليّ التّماسينيّ بجهة تماسين، ويستخدمون في الإحالة عليه صفة “الخلافة العظمى”، والدّولة فيه الآن لمحمّد العيد الّذي يشغله منذ العام ألفيْن، وثالثها مستمرّ في المنحدرين من صلب أحمد التّيجانيّ المتعاقبين على مشيخة الطّريقة بالمغرب، ويُعرَف عندهم بخلافة فاس، وهو اليوم بيد محمّد الكبير الّذي تولاّه سنة تسع وألفين.

وليست تمثيليّة الطّريقة في البلاد التّونسيّة بأقلّ تعقيدا من تنظيمها المركزيّ، فقد أوقفنا استقصاء امتداداتها في هذه البلاد على ثلاثة مشارب لمريديها، يرتبط أحدها بشخص إبراهيم الرّياحيّ (ت1266هـ/1850م) الّذي كان له قصب السّبق في إدخالها إلى تونس إثر زيارته القطر المغربيّ ولقائه شيخها[42]، وقد خلفه ابنه في زاويته، وتعاقب على الخلافة سائر أبنائه، ومازالت مقصورة على أحفاده دون سواهم، حتّى انتهت إلى محمّد الرّياحي الّذي تولاّها سنة اثنتيْ عشرة وألفين بتعيين من العيد التّيجانيّ خليفة تماسين[43].

ويتمثّل المشرب الثّاني في شخص محمّد بن فرج (ت1366هـ/1947م)، وهو جزائريّ، أصيل قرية النّخلة بوادي سوف، كان ذا سهم وافر في نشر الطّريقة التّيجانيّة بمنطقة الجنوب التّونسيّ، وقد أقبل إليها مُوفَدا من أجل ذلك بصفته أحد مقاديم الطّريقة الممثِّلين للخلافة التّماسينيّة[44]، وبمماته انتقلت تلك الصّفة إلى ابنه العروسي الّذي لا يخفى نفوذه في زوايا هاتيك المنطقة، فلا عجب أن نوّه بمنجَزاته هناك الخليفةُ العامُّ ذاته، إبّان كلمة ألقاها هذا، عام تسعة عشر وألفين، على الملأ الّذين حضروا لاستقباله في حاسي خليفة حيث يقيم المقدّم[45].

أمّا المشرب الثّالث فالمتّصل بالشّيخ الأحسن البعقيلي (ت1368هـ/1949م) عن طريق محمّد قمار القماري (ت1423هـ/2002م)، وهذا من أصل مغربيّ، نشأ في المغرب الأقصى حيث تتلمذ لذلك الشّيخ[46]، وهو الّذي أرسله إلى تونس، فوطئتها قدماه سنة تسع وعشرين وتسعمائة وألف، واستقرّ بها حتّى قضى نحبه[47]. وكانت إجازته في إرشاد السّالكين بمُقامِه التّونسيّ سريعة[48]، صدّرته للتّربية مبكّرا، وأتاحت متّسعا من سنيّ عمره للعمل على استعادة وهج التّيجانيّة، وبقدر ما ساهمت في تزايد المقبلين على الطّريقة بعد انحسار عدديّ ملحوظ[49]، أثمرت جهوده انتشارَ البعقيليّة داخل البلاد انطلاقا من جامع الزّيتونة[50].

ومن الفوارق بين هذا المشرب وذينك الآخريْن أنّ الاستخلاف فيه جرى على غير منوالهما، فلم يخلف محمّد القماري في مَقامِه الطّرقيّ خلَفٌ من صلبه رغم أنّه ترك ولديْن على قيد الحياة[51]، وإنّما أجاز، لمّا استشعر اقتراب أجله، لتلميذه حبيب بن حامد، إجازة مطلقة «صرّح له فيها بخلافته عنه»[52]. وإنّه يكاد يكون استثناء في هذا الخصوص، إذ قد تبيّن من تتبّع الفواصل الانتقاليّة في المراكز العليا من هيكل الطّريقة التّنظيميّ وتمثيليّاتها بمختلف الأقطار والنّواحي أنّ توريث الوظائف التّربويّة والمراتب الرّوحيّة على أساس النّسب الطّينيّ هو السّائد داخل الأوساط التّيجانيّة، وأثر الرّواسب الثّقافيّة والعوامل الاجتماعيّة في ذلك ظاهر لا غبار عليه.

لكن، يبعث على الاستغراب إدراج محمّد القماري في عداد الأقطاب، مع كون مَقامِه الطّرقيّ بمنأى عن أعلى هرم الطّريقة التّيجانيّة، فأحرى بالقطبانيّة نظريّا أن تنحصر في مستوى من مُركَّب الخلافة الثّلاثيّ الأضلاع، ولهذا تُلجِئ تلك الدّعوى المتعلّقة برمز المشرب البعقيلي في تونس إلى تكبّد عناء الاستدلال عليها، وكذا حالُ كاتبٍ منتسبٍ إلى ذلك المشرب، اشتغل باستقصاء ما يحقّق الغرض من الشّواهد والوقائع، حتّى أتى على كلّ شاردة وواردة من مؤشّرات، قوليّة وفعليّة وحاليّة، يراها دامغة في حجّيّتها[53].

ومن اللاّفت للنّظر في ذلك الجهد الاستدلاليّ وسائر النّصوص التّيجانيّة الّتي تسنّت لنا مطالعتها تقليب صفة “القطب” على وجوه تركيبيّة مختلفة، ففضلا عن استعمالها مفردة في الإحالة على فاعلين طرقيّين من نظائر محمّد القماري، تُستخدَم مخصّصة بتنويعات نعتيّة تشير إلى مراتب قطبانيّة أخرى، ومن تلك التّنويعات «القطب الجامع»[54] و«قطب الأقطاب»[55] و«القطب الأعظم»[56] و«القطب المكتوم»[57]، وما صيغت هذه المركّبات، على الأرجح، إلاّ في سياقاتٍ من إكراهات الاجتماع جرّ إليها تكاثر زعامات الطّريقة بالمراكز والأطراف.

وفي ذلك النّوع ذاته من السّياقات، على ما يبدو، تشكّل العنصران الإحاليّان المتعلّقان بأعلى هرم الهيكلة التّيجانيّة، وهما المركّبان الوصفيّان «الخلافة العامّة» و«الخلافة العظمى»، ولم يمنع اختصاص سلالة الشّيخ المؤسّس بأحدهما واحتكار بيت عليّ التّماسينيّ لثانيهما اعتقادَ «القطبانيّة العظمى» في الأحسن البعقيلي الّذي لا ينتمي إلى أهل ذاك البيت ولا انحدر من تلك السّلالة، بل لقد قيل إنّها انتقلت منه إلى تلميذه محمّد القماري[58]، وهذا وجه آخر من مفاعيل جدل الرّوحانيّ والاجتماعيّ في الواقع الصّوفيّ الطّرقيّ.

ومن تبعات تفاعلات العوامل الاجتماعيّة والمبادئ الرّوحانيّة في الأوساط التّيجانيّة، أيضا، استفحال دعاوى الانتساب إلى السّلالة النّبويّة، حتّى أمسى هذا الأمر كالتّقليد الّذي لا بدّ منه لكلّ مُتبوِّئٍ موقعا في هيكل الطّريقة التّنظيميّ، سواء على المستوى المركزيّ وبالنّواحي والأطراف، فمَنْ يحظ بشيء من مقوّمات الزّعامة الطّرقيّة ينتسب إلى بيت النّبيّ عن طريق سبطه الحسن غالبا[59] والحسين في القليل النّادر[60]، وعلى الإطلاق أحيانا[61]، ولذلك قلّما توجَد ترجمة لعلَم من وجهاء التّيجانيّين دون تنصيص على صلته بالنّسب المحمّديّ.

إنّ استشراء دعوى النّسب الطّينيّ إلى البيت النّبويّ من أجلى علامات تشابك الرّوحانيّ والاجتماعيّ في صناعة الزّعامة الطّرقيّة، ولئن كان ذلك عامّا في الطّرق الصّوفيّة، فإنّه داخل التّيجانيّة أَظْهَرُ، وهو يعكس في اقترانه بكثرة مدّعي القطبيّة افتراقا مزمنا لمّا يغادر التّيجانيّون مربّعه، إذ تكاد الصّلات بين جماعاتهم لا تتعدّى رمزيّات بروتوكوليّة، ويوشك أن تستقلّ كلّ جماعة منهم بمرجعيّتها الخاصّة، ولولا تشظّيهم لَمَا بادر الخليفة العامّ عليّ بلعرابي إلى تكليف محمّد المنصور المحي الدّين[62] بتمثيله في مسعى لتوحيد مريدي الطّريقة حول قطب واحد يمكنه الاستواء وسيطا يؤلّف بين مختلف مؤسّساتها[63].

يمكن القول، إذن، إنّ كلّ مؤسّسة من المؤسّسات التّيجانيّة هي، في واقع الحال، طريقة غير معلَنة، وليس بخاف دور عنصر الزّعامة في ذلك، وربّما تغذّت فاعليّته من حاجة السّالك إلى دليل على طريق التّصوّف متجسّد في شخص يجده ماثلا أمامه عند الاقتضاء ويأخذ بيده كلّما تعثّر، وهو ما يفرض أن تستقلّ كلّ جماعة من جماعات الآفاق النّائية عن مراكز الطّريقة بشيخ ترى فيه متخيَّلها الدّائر رحاه على فكرة القطبانيّة، فلا غرو أن تتعدّد الزّعامات وتتشّكل تلك الفكرة مع كلّ متزعّم وفق شأنه بين المحيطين به من المريدين.

4- مجالي عوامل التّعدّد في المنتَجات الخطابيّة:

بيد أنّ المخارج العمليّة الّتي تلجأ إليها جماعات أهل الطّريقة، سواء في المراكز والأطراف، لا تقطع أسباب الجدل النّظريّ بينهم، فتطفو على سطح الخطاب في مدوّناتهم مجالي العوامل المؤدّية إلى تعدّد الطّرق، ولاسيّما تلك الكامنة في جهازهم النّظريّ ذاته، حيث العمدة، في ما يتعلّق بمراتب الولاية عموما وفكرة القطبانيّة خصوصا، نصّ منسوب إلى النّبيّ[64]، ويفيد هذا النّصّ بوضوح أنّ القطب واحد في كلّ زمان، ولكنّه لا يحدّد علامات تمايزه عن سائر المراتب، ولا كيفيّة التّمييز بين مقامات «أهل الدّائرة»[65].

يفتح المستند النّصّيّ لفكرة القطبانيّة باب الدّعوى على مصراعيه بحكم كونه لا يوفّر آليّة فرز بين الخاصّة والعامّة من الصّالحين ولا يرسم حدودا قطعيّة تفصل المراتب بعضها عن بعض، وهو ما أدّى إلى اختلاف التّيجانيّين في كيفيّة تَنَزُّل محتواه على أرض الواقع، وينجلي عن هذا الاختلاف ما أنتجوا من خطاب سجاليّ يتردّد صداه في مدوّناتهم، حيث يبدو انقسامهم على مذهبين، فأمّا الأوّل فالقول بضرورة وضع ضوابط تُحكَّم في الدّعاوى لِتَمِيزَ الصّادقَ من الكاذب، وأمّا الثّاني فالدّعوة إلى ترك الأمر لصاحبه، أي الخالق بصفته مُنزِّل الأولياء منازلهم من درجات الولاية، وقد يغني عن التّوسّع في الاستدلال على ذلك إيراد المقتطَع الآتي من كلام لأحد أعلامهم:

«لا يخفى على الأريب وجه المناسبة في اشتمال هذه المقدّمة على هذا المطلب العجيب من الفوائد العظيمة والمنافع الجسيمة، ولو لم يكن إلاّ سلامته من الوقوع في مهاوي الإنكار والتّردّي فيما تردّى فيه كثير من الأغمار، بالانتقاد على الأولياء الأبرار والعارفين الكبار، وذلك بما استفادوه من الأقيسة الخليّة والتّخمينات الوهميّة، باستقرائهم السّقيم ومذهبهم الفاسد في اعتقادهم أنّ الولاية لا تجيء في كلّ زمان وفي كلّ شخص إلاّ على قانون واحد، وأنّها ممّا تشمله الحدود ويدخل تحت محيطات الضّوابط والقواعد، وقد صرّح في كتاب الذّهب الإبريز بأنّه: لا يصحّ لأحد أن يحجر الفضل العظيم، فيقطع على المولى الكريم بأنّه لا يختار لبساط كرامته ولا يصطفي لحضرة قربه ومشاهدته إلاّ من صدقت عليه تلك الحدود والضّوابط، واستكملت فيه تلك العلامات والشّرائط»[66].

ورد هذا النّصّ في سياق تصدير لمطلب اختير أن يُدرَج تحت عنوان من العتبات ذي صلة وثيقة بمبحثنا، وهو المركّب الحرفيّ الآتي: «في بيان تخالف أخلاق أولياء الله تعالى في الطّرائق والمذاهب والإشارة إلى أنّ منشأ ذلك هو تباين الأذواق والمشارب»[67]، وليس أمر تنوّع التّجارب الأوليائيّة المشار إليه في هذه العتبة بالمعطى المُستحدَث في الخطاب الصّوفيّ، وإنّما هو متأصّل، قبل ظهور الطّريقة التّيجانيّة، في الخلفيّة النّظريّة للتّصوّف، تلك الّتي يعكسها ما يتراءى في ذلك التّصدير من الخطاب البينيّ [68]l’interdiscours، نعني المسوق فيه من القيل المنقول عن عبد العزيز الدّبّاغ (ت1131هـ/1719م) بين دفّتيْ كتاب الإبريز.

ويرجع ذلك المعطى إلى أصل في بنية التّصوّف، ما فتئ المتصوّفة يتناقلون عبارة عنه، وهي المقولة: «الطّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق»، لكن لم يكن المراد بالمشتقّ “الطّرق” في هذه الصّيغة التّركيبيّة، إبّان إنتاجها، الكياناتِ الاجتماعيّةَ الصّوفيّة الّتي طفقت تنتشر منذ القرن السّادس الهجريّ[69]، وإنّما المعنيّ به المساراتُ الرّوحيّةُ الفرديّةُ دون أيّ اعتبار لمفهوم القطبانيّة وسائر المراتب الأوليائيّة، وهو المعنى الّذي أخضعه الخطاب الصّوفيّ التّيجانيّ، على ما يبدو من العتبة المذكورة أعلاه، إلى ضرب من التّكييف ليلتبس بدلالة “المشرب”.

صِيغَ مفهوم “المشرب” ليُستعمَل في الإحالة على متفرّعات التّيجانيّة من الهيئات الاجتماعيّة الّتي تشكّلت بنحو يعادل نظام مؤسّسة الطّريقة، وبهذا الاستعمال يعكس الخطاب الصّوفيّ عاملا من الأسباب المحتّمة للتّعدّد الطّرقيّ، وهو تنوّع التّجارب السّلوكيّة في أبعادها المركّبة من التّفاعلات الرّوحيّة والتّشابكات المدنيّة، فلا يخفى كونه معجِزا عن تنميط السّلوك على نهج واحد جامع لأهل التّصوّف كافّة، ومانعا من اجتماعهم حول قطب فرد لا يُرَى له ثان في وقته بل يُعتبَر دون سواه أوحد الزّمان والماسك بزمام الطّريق.

مثّل مفهوم “المشرب”، على صعيد الخطاب التّيجانيّ، غطاء لتناسل طرقيّ ليس يقيّده شرط غير وجود شخصيّات ذات خصائص قياديّة ملائمة لخصوصيّة الحقل الصّوفيّ ولا يعوزها شرف الانتساب الصّلبيّ إلى النّبيّ والولاء الرّمزيّ لأصل الطّريقة المتجسّد في الخلافة العامّة والخلافة العظمى، فبذلك أمكنت معالجة الإشكالات النّاجمة عن تعدّد مدّعي القطبانيّة، وباتت هذه المرتبة الرّوحيّة قابلة للتّعيّن، على درجات تفاضليّة، في الخليفة الطّينيّ والخليفة اللّدنيّ والمربّي المتقن لـ”بيداغوجيا التّربية” والمقدّم المجاز له إفشاء سرّ الورد.

هذا ما أكّدته محاوراتنا لتونسيّين من المنتسبين إلى مشرب الأحسن البعقيلي، فقد تراءى لنا في خطابهم اطمئنانُهم إلى فكرة تعدّد المشارب وذلك التّصوّر الرّباعيّ لمراتب الطّريقة، ولكن لم يتيسّر التّيقّن من كون حالهم عامّا في التّيجانيّين على اختلاف مشاربهم داخل البلاد التّونسيّة وخارجها، وهو ما يُحوِج إلى عمل في الاستقصاء متأنّ وعميق ودؤوب حتّى تتوفّر مادّة خطابيّة من اليوميّات يمكن الاشتغال بها، وعلى منتَج لغيرهم من نوعها أوقفنا البحث في الشّبكة العنكبوتيّة، حيث أنشأ تلامذة إسماعيل الهادفي منتدى خاصّا بهم تحت وسم “صفاء”[70].

يسفر المدوَّن بالمنتدى المذكور من نقاشات الإسماعيليّين في مسألة مشيخة التّربية عن حيرة المنتمين إلى التّيّار الشّاذليّ الاستئنافيّ إزاءها، فلشدّ ما تتواتر الصّيغ التّعبيريّة الّتي تعكسها في مستوى الخطاب، ولاسيّما التّراكيب الإنشائيّة من قبيل الاستفهام والاستغاثة، ونستغني عن سردها، هنا، بعرض مثال منها صارخ الدّلالة على المأزق الّذي يواجهه السّالكون عندما يموت شيخهم ويكثر المدّعون لخلافته، وهو مساهمة[71] أثارت تفاعلات جمّة تصلح لأن نجعلها مبحثا عن التّجلّيات الخِطابيّة لعوامل التّعدّد الطّرقيّ:

«أغيثونا بالإجابة يا أهل الطّريق (…) رزقنا الله وإيّاكم الصّفا والقبول ويسّر لنا أن نعبّر عمّا يخالجنا من أفكار وأسئلة محيّرة تمرّ على كلّ فقير مبتدئ أو قل كلّ فقير وُلِدَ بعد انتقال سيّدنا الشّيخ [إسماعيل الهادفي] قدّس الله سرّه وأرضاه عنّا

  • لماذا لم يظهر شيخ وارث بعد انتقال سيّدنا الشّيخ إسماعيل الهادفي قدّس الله سرّه؟
  • أ لم يترك سيّدنا الشّيخ رسالة أو وصيّة بعد انتقاله توصي بمن أجاز بالخلافة؟
  • لماذا كلّ هذا الغموض يا إخوان؟؟؟؟؟ (…)
  • أ لم يُجِز سيّدنا الشّيخ قدّس الله سرّه بعض السّادات بتلقين الاسم “الله”؟ وإذا كانت الإجابة بـ”نعم” فأين هم؟ ومن هم؟أ ليسوا بأحقّ النّاس بالاقتداء؟ أو قل بالإرشاد؟ أو حتّى بالوراثة؟ لماذا كلّ هذا الغموض يا إخوان؟؟؟
  • هل من المعقول أن يتركنا سيّدنا الشّيخ قدّس الله روحه بدون وصيّة؟؟؟؟
  • لا تقل لي عليك بالذّكر، نعم إنّني أذكر وأمرّ بفترات فتور كسائر الإخوة، ولا أخفيكم إذا أكثرت من الذّكر، أكثر الأسئلة الّتي تجول في خاطري ما أطرحه الآن.

بقدر ما تكشف من شدّة الضّيق جرّاء الالتباس الّذي يلفّ المسألة، تُظهِر هذه الاستغاثة عاملا أساسيّا في استشكال انتقال المشيخة، وهو امتناع إسماعيل الهادفي، في حياته، عن تعيين خليفته على الملأ وبشكل محصَّن من الشّكّ والتّشكيك، وليس ذلك حالة فريدة في تاريخ الشّاذليّة الاستئنافيّة، بل إنّه شأن جلّ المتعاقبين من شيوخها الّذين تصدّروا للتّربية، وما بالفرضيّة المستبعَدة أنّ وراءه دوافع من المصالح الاجتماعيّة، وفي مقدّمتها حاجة كلّ واحد منهم إلى وحدة جماعته واتّقاء أيّ فتنة قد تخدش قيمته الرمزيّة وتضعف سلطانه على مريديه.

وإذ يشير المستغيث إلى آليّتين في انتقال الخلافة – وهما الوصيّة والإذن بتلقين الاسم الأعظم (الله) – يعبّر عن المفارقة بين معطيات الجهاز النّظريّ المتلقَّى من الشّيخ المتوفَّى وواقع حال الإسماعيليّة الباعث على الحيرة، وهو واقع يتّسم أيضا بغياب تواطؤ على إجراء يسدّ الخلل، وتدلّ على ذلك تفاعلات الإسماعيليّين مع الاستغاثة، حيث يتجلّى غير موقف من المسألة وتختلف الآراء في ما ينبغي أن يفعلوه لتجاوز وضع الانسداد الحائل دون جمع شملهم حول خليفة واحد يحظى بثقتهم وتطمئنّ إليه قلوبهم.

ويمكن إجمال مختلف ما أبدى المتفاعلون مع الاستغاثة من المواقف والآراء في أربعة اتّجاهات لا تعدو كونها انعكاسات خِطابيّة لجدليّة الرّوحانيّ والاجتماعيّ:

  • أحدها فكّ الارتباط بين قواعد التّنظّم الاجتماعيّ ومدارج الارتقاء الرّوحيّ، عبر فصل الوظيفة التّربويّة عن المرتبة الرّبّانيّة، على أساس أنّ المشيخة وتسيير الفقراء شأن لا صلة له بالقطبانيّة والوراثة الكاملة
  • وثانيها تشبيك المعايير الاجتماعيّة والاعتبارات الرّوحيّة، بدعوى أنّ لشيخ التّربية علامة باطنة، هي الاطمئنان الوجدانيّ إليه، وأخرى ظاهرة، تتمثّل في اشتهاره بالصّدق والإخلاص والمحافظة على الشّريعة وكونه معروفا أثناء حياة الشّيخ المتوفّى وبعد موته
  • وثالثها الدّفع نحو الأصل الرّوحانيّ الخالص الّذي انبنى عليه التّصوّف في طوره التّكوينيّ، وهو التّوجّه إلى الله بدل البحث عن الشّيخ، على اعتبار أنّه إن تتعلّق همّة المرء بالخالق يقيّض له مرشدا في الطّريق
  • ورابعها التّركيز على الأبعاد الاجتماعيّة، ومن مظاهره الجزمُ بأنّ مدّعي المشيخة من غير الجامعين بين علم الشّريعة وعلم الحقيقة كاذب مهما يكن له من أتباع، وتأكيدُ وجوب إذن قوليّ بهداية العباد وإرشاد النّاس ونشر الطّريق، على نحو لا غموض فيه وأمام جمع من الفقراء حتّى يكونوا شهداء، بل اشتراط إذن كتابيّ في بعض التّفاعلات

وقد ألجأ تباين مواقف الإسماعيليّين واختلاف آرائهم في المسألة أحد المتفاعلين مع الاستغاثة إلى أن يضع رفاق الطّريق أمام أربعة خيارات عمليّة مرتبطة بعدد مماثل من الفرضيّات، اثنين لمن تتلمذوا للشّيخ إسماعيل الهادفي، وآخريْن لمن تصوّفوا بعد وفاة ذلك الشّيخ:  فأمّا تلامذة الشّيخ المتوفّى فلهم الاكتفاء بالرّابطة الرّوحيّة الحاصلة من السّير معه أو اتّباع الشّيخ الحيّ متى عرفوه، وأمّا الوافدون الجدد فيتعيّن عليهم البحث عن شيخ حيّ، ولكن يسعهم، إن تعذّرت معرفته، الاستمرار على نهج الشّيخ السّابق، لأنّ هذا أولى من العدم.

تُظهِر هذه العيّنة من الخطاب الإسماعيليّ مدى تخبّطه في استنباط الحلول العمليّة لإشكاليّة المشيخة، وما كان يقع فيه لولا استعصاء درء التّعارض بين حقيقة العلاقة الرّوحيّة وطبيعة الهيئة الاجتماعيّة، وقد أفقده ذلك بوصلته الجامعة لمنتِجيه على قواعد من التّعاليم الموروثة عن إسماعيل الهادفي، فماجوا في المسألة دون ضابط متّفَق عليه، وكلُّ ذي رأي منهم يجد له في أخبار إمامهم المتوفّى مستندا يحتجّ به، حتّى استعمل بعضهم هذا الضّرب من الاستدلال في النّزوع بالنّقاش إلى المهدويّة، قائلا:

«(…) والعبد الضّعيف سمعت ممّن سمع من الشّيخ إسماعيل مباشرة بدون عنعنة ولا واسطة، وهو فقير موجود وأعرفه معرفة شخصيّة، قال بأنّ سيّدنا الشّيخ إسماعيل قدّس الله سرّه قال بأن ليس بعده أحد إلاّ المهديّ المنتظر»[72].

ورد هذا القيل في معرض الإشارة إلى أنّ المأذون له بتولّي أعمال المشيخة من تلقين الاسم الأعظم وتسيير الفقراء وإرشادهم هو غير الوارث لمقام القطبانيّة عن إسماعيل الهادفي، وأنّ وراثة ذلك المقام انتهت إلى المهديّ المنتظر ولا قطب عداه يُرتقَب. وهذه الإشارة وجه آخر من تداعيات التباس الرّوحانيّ بالاجتماعيّ، فإنّ المهدويّة مقترنة، في المتخيَّل الإسلاميّ، بتحقيق أساس العمران، إذ المخلّص مكلَّف بأن يملأ الأرض عدلا، وليس في الخطاب الصّوفيّ السّائد ما يدلّ على إناطة تلك المهمّة بالأقطاب.

وعلى قدر ما يطول الجدل في المسألة تنكشف أبعاد إضافيّة من تعقيداتها، ففي سياق المنعطف المهدويّ الّذي انجرّت إليه المساجلات عقّب أحد أطرافها بما يفيد أنّ المهديّ المنتظر ليس سوى شيخ التّربية الّذي لا يخلو منه عصر، وبذلك يغذّي الخطاب السّجاليّ مفاعيل الضّبابيّة المقضّة لمضاجع منتِجيه، ولا غرو، فإنّه فعل اجتماعيّ ذو سهم وافر في تشكيل التّمثّلات الفرديّة والجمعيّة، ولا تخفى فاعليّته في تشويشها أيضا، وهو ما يقف عليه المتابع لمجادلات الإسماعيليّين في مسألة المشيخة بمنتداهم الإلكترونيّ.

ومن الطّبيعيّ أن تؤدّي المساجلات الإسماعيليّة إلى تعميق الخلافات في مشكلة مشيخة التّربية، وذلك لسببين على الأقلّ: فأمّا السّبب الأوّل فغياب أرضيّة صلبة من المشترك الاعتقاديّ يمكن أن تكون منطلقا لتوحيد الفرقاء على رأي جامع، بحكم تباينهم في تمثّل ثلاثيّة الشّيخ المربّي والقطب والمهديّ المنتظر. وأمّا السّبب الثّاني فطبيعة الخطاب السّجاليّ، إذ ليس من شأنه تقريب وجهات النّظر، وإنّما هو شكل في التّفاعل على صعيدٍ من الصّراع بين الذّوات تحكمه جدليّة «هدم فكرة وترسيخ أخرى»[73] ابتغاء التّمكّن الاجتماعيّ.

لقد أظهرت بعض تفاعلات الإسماعيليّين وعيا بطبيعة ذلك الضّرب من الخطاب، وأجلى مظهر له قول مدير المنتدى “صفاء” في تعقيب على رأي استحسنه: «(…) وما أقوله للإخوة أنّكم لن تصلوا في هذا البحث [يعني البحث في مشيخة التّربية] لهدف موحّد، وعليه فالتّناصح والتّحابب على ما أنتم عليه أولى»[74]، وليس بخفيّ ما تنطوي عليه هذه النّصيحة من مسعى إلى وضع حدّ للمساجلات في المسألة، وهو ما دعا إليه غير مرّة، مذكّرا ببند في لائحة ممنوعاته ينصّ على «عدم الخوض في مسائل الخلافة ومَن الشّيخ الحقّ، واجتناب الدّعوة لشيخ دون غيره لما في الموضوع من حساسيّات عند بعض الفقراء»[75].

يقترن الموقف الخِطابيّ في السّياق السّجاليّ بخيار اجتماعيّ مولِّد لـ”حساسيّات” توجّه المخاطَبات نحو ما يعزّزه من المضامين، إذ يهتمّ المُساجِل بإثبات ما يناسب انتماءه الفئويّ من الأفكار ودحض كلّ رأي مضادّ لتموقعه، فكذلك حال الإسماعيليّين في مساجلاتهم المتعلّقة بمشيخة التّربية، ينافح بعضهم عن خيار الالتحاق بركب مدّع لخلافة إسماعيل الهادفي، ويجهد آخرون في تسويغ اكتفائهم بالانتساب إلى شيخهم المتوفّى، حتّى الضّاجّون بالتّساؤلات الحائرة يتّخذون من حالة الحيرة مبرّرا لامتناعهم عن تجديد العهد.

5- خاتمة:

لا يمكن فهم الظّواهر المرتبطة بإشكاليّة المشيخة ما لم تُوضَع في الحسبان جدليّة التّموضع الخطابيّ والتّموقع الاجتماعيّ، فبفعل تلك الجدليّة تنوّعت استعمالات الصّفة “قطب”، إذ كان تنوّعها استجابة لمقتضيات أحوال في الاجتماع استوجبت تكييفا خطابيّا يُكسِبها معنى يُشرَّع على أساسه وجودها دون فقدان الرّوابط الطّرقيّة الضّروريّة لتأصيلها، وقد أبان النّظر في آليّات التّأصيل عن كون الانتساب الطّينيّ وسيلة إلى تعزيز الوجاهة الرّوحيّة فرضها التّسنّن بحكم فاعليّة البنى الثّقافيّة السّائدة وقوّة سلطانها وقدرتها على مقاومة أيّ انزياح مهما يبلغ بنيانه من أسباب المناعة.

لقد فقد الانزياح الصّوفيّ جوهره الرّوحيّ في سياق التّسنّن الّذي أعاد الاعتبار إلى المعايير الاجتماعيّة، فأضحت الطّريقة حقلا يُشتغَل به بعدما كانت، حتّى مطلع القرن السّادس وفق التّقويم الهجريّ، مسلكا يُتّخَذ تلقائيّا عن توجّه ذاتيّ ودون وساطة مرشد إلاّ على سبيل الاقتداء العفويّ. ومع تلك الصّيرورة أمسى السّالكون فاعلين في إطار شبكة من العلاقات تتشكّل بالنّسبة إليها هويّتهم الطّرقيّة وتتحدّد مراتبهم وتتعيّن أدوارهم، ولئن لم تنقطع الصّلة، في كلّ ذلك، بمبادئ التّصوّف الجينيّة، فإنّها جُرِّدت من طبيعتها السّائلة وأُخضِعَت لأحكام الاجتماع.

لكن، تختلف درجة طغيان الاجتماعيّ على الرّوحيّ من تشكيلة طرقيّة إلى أخرى، وهو في الطّرقيّة الاحتباسيّة أظهر مقارنة بالطّرقيّة الاستئنافيّة، ولا عجب، فإنّ الثّانية هي في الأصل حركة إصلاحيّة منافية للأولى، وضع لبناتها شيخ الطّريقة المدنيّة محمّد المدنيّ (ت1959م)، وسار على دربه خلفه من بعده، وهذا ما يفسّر تداول أتباع بلقاسم بلخيري خصوصا ثنائيّة تقابليّة من الصّيغ التّركيبيّة يعبّرون بها عن أصالتهم على اعتبار كونهم يتّبعون شيخا حيّا بينما يلجأ غيرهم إلى أموات يتّخذونهم أولياء، نعني ثنائيّة “تصوّف الإرادة” و”تصوّف التّبرّك”.

المصادر والمراجع:

المصادر:

  • ابن أنبوجة الشّنقيطي التّجاني، عبيدة بن محمّد الصّغير (ت1284هـ/1867م)، ميدان الفضل والإفضال في شمّ رائحة جوهرة الكمال، تح. عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2012.
  • بلخيري، بلقاسم، وظيفة الطّريقة القاسميّة، الزّاوية القاسميّة بالرّديف، 1422 هـ.
  • بلخيري، بلقاسم، ديوان النّفحات الشّذيّة من رياض الأذواق الصّوفيّة، مرقون.
  • بناني، أبو بكر بن محمّد (ت1284هـ/1867م)، مدارج السّلوك إلى مالك الملوك، تح. عاصم إبراهيم الكيّالي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2012.
  • التّرمذيّ، الحكيم (ت285هـ/898م)، كتاب ختم الأولياء، تح. عثمان إسماعيل يحيى، المطبعة الكاثوليكيّة، بيروت، (د.ت).
  • الجنيد، أبو القاسم بن محمّد (ت297هـ/910م)، كتاب القصد إلى الله، ضمن: رسائل الجنيد، تح. جمال رجب سيدبي، دار اقرأ، دمشق، 2005.
  • الرّياحي، عمر بن محمّد بن عليّ (ت بعد 1323هـ/1905م)، تعطير النّواحي بترجمة سيدي إبراهيم الرّياحي، المكتبة العتيقة، تونس، 1903.
  • زرّوق الفاسي البرنسي، أبو العبّاس أحمد (ت899هـ/1494م)، حكم ابن عطاء شرح العارف بالله الشّيخ زرّوق، تح. عبد الحليم محمود، دار الشّعب، القاهرة، 1985.
  • السّائح، أحمد بن العيد، سيدي إبراهيم الرّياحيّ المنارة الزّيتونيّة في الطّريقة التّيجانيّة، دار ك أ’ للنّشر، تونس، 2016.
  • ابن السّائح التّجانيّ، محمّد العربي بن محمّد (ت1309هـ/1891م)، بغية المستفيد لشرح منية المريد، تح. عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2015.
  • الشّعرانيّ، عبد الوهّاب (ت973هـ/1565م)، الطّبقات الكبرى، دار الرّشاد الحديثة، الدّار البيضاء، 1999.
  • الصّيّادي الرّفاعيّ الحسينيّ، أبو الهدى محمّد بن حسن وادي بن عليّ (ت1328هـ/1909م)، الكلّيّات الأحمديّة المؤلّفة من كلمات الإمام الرّفاعيّ غوث البريّة المتوفّى سنة 578هـ، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2007.
  • الطّوسيّ، أبو نصر السّرّاج (ت378هـ/988م)، اللّمع، تح. عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة/مكتبة المثنّى، القاهرة/بغداد، 1960.
  • عبّاس، الأمجد، حقيقة التّصوّف والطّريقة في الإسلام، مطبعة الزّهراء، قفصة-تونس، 2011.
  • ابن عجيبة الحسنيّ، أبو العبّاس أحمد (ت1224هـ/1808م)، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، تح. محمّد عبد القادر نصّار، دار جوامع الكلم، القاهرة، 2005.
  • القشيريّ، عبد الكريم (ت465هـ/1072م)، الرّسالة القشيريّة في علم التّصوّف، تح. معروف مصطفى زريق، المكتبة العصريّة، صيدا/بيروت، 2001.
  • الكاشانيّ، عبد الرّزّاق (ت نحو 730هـ/1330م)، معجم اصطلاحات الصّوفيّة، تح. عبد العال شاهين، دار المنار، القاهرة، 1992.
  • الكلاباذيّ، محمّد بن إسحاق (ت380هـ/990م)، التّعرّف لمذهب أهل التّصوّف، تح. أرثر جون أربري، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1994.
  • الهادفي، إسماعيل، منن الرّحمان في مذاكرات قطب الزّمان، د.ط.

المراجع:

  • أجهر، عبد الحكيم، الحقيقة وسلطة الاختلاف التّصوّف بوصفه إجابة أخرى عن السّؤال الإسلاميّ، المركز الثّقافيّ للكتاب، الدّار البيضاء/بيروت، 2019.
  • الحمدي، عبد السّلام، «الإرادة عند الصّوفيّة بين الرّأي الاعتقاديّ والمسلك الرّوحيّ»، ضمن: الأبعاد الإنسانيّة في التّجربة الصّوفيّة، GLD، تونس، 2022، ص47-62.
  • زرقي، لطيف، التّجديد في فكر الشّيخ الأحسن البعقيلي: العقيدة والتّصوّف نموذجا، رسالة دكتوراه، بإشراف عبد الجليل سالم، المعهد العالي لأصول الدّين بتونس، 2016 (مرقونة)
  • زرقي، لطيف، الشّيخ سيدي محمّد قمار وتجديد الطّريقة التّجانيّة في تونس، سلسلة أعلام التّجانيّة في تونس (1)، د.ط.
  • سويسي، صابر، الفناء في التّجربة الصّوفيّة إلى نهاية القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر للميلاد)، مؤمنون بلا حدود، 2018.
  • الشّريف، مازن، التّصوّف معراج الذّوق وترياق التّطرّف، الثّقافيّة للنّشر والتّوزيع، المنستير، 2015.
  • العجيلي، التّليلي، الطّرق الصّوفيّة والاستعمار الفرنسيّ بالبلاد التّونسيّة (1881-1939)، منشورات كلّيّة الآداب بمنّوبة، تونس، 1992.
  • عروس، بسمة، «في “الخطاب البينيّ”: خواطر نظريّة من وجهة نظر المدرسة الفرنسيّة لتحليل الخطاب»، مجلّة الأثر، ع27، ديسمبر 2016، ص63-76.
  • مفتاح، عبد الباقي، أضواء على الشّيخ أحمد التّجاني وأتباعه، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2009.
  • ياسين، إبراهيم إبراهيم محمّد، حال الفناء في التّصوّف الإسلاميّ، دار المعارف، القاهرة، 1999.
  • De Jong, F., «AL-KUTB»,in : EI2, Eng. ed, E. Brill, Leiden, 1986, vol. V, Pp543-546.
  • Denny, F. M., «WIRD», in: EI2, E. Brill, Leiden, 2002, vol. XI, Pp209-210.
  • Geoffroy, Eric (avec autres), «ARA», in: EI2, E. Brill, Leiden, 2002, vol. X, Pp262-265.
  • Maingueneau, Dominique, Les termes clés de l’analyse du discours, Éditions du Seuil, 1996.

المستندات الإلكترونيّة:

  • ديدي، محمّد السّعيد، العلاّمة الشّيخ سيدي محمّد بن فرج التّجانيّ، صفحة مجلّة أقمار التّراثيّة الأثريّة بالفايسبوك، بتاريخ 12 أوت 2020، رابط:

https://www.facebook.com/101863281598087/photos/a.130155482102200/131791471938601/?type=3

  • الرّفاعيّ الكبير، أحمد (ت578هـ/1182م)، النّظام الخاصّ لأهل الاختصاص، نسخة إلكترونيّة pdf، ص28. رابط: https://www.alomariya.org/documents/nidam-lkhass-3.pdf
  • سلمان، مسعود، التّواصل الصّوفيّ بين الجنوب الجزائريّ وتونس – الطّريقة التّجانيّة أنموذجا، رسالة لنيل شهادة الماجستير، بإشراف عبد الكامل عطيّة، كلّيّة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، جامعة الشّهيد حمّه لخضر، الوادي، الجزائر، 2019، ص27-30، رابط: https://2u.pw/pNYKwo
  • الشّعري، ياسين، الخطاب السّجاليّ .. محاولة في بناء المفهوم، موقع المجلّة العربيّة، بتاريخ 27-10-2021.
  • رابط: https://www.arabicmagazine.net/arabic/articleDetails.aspx?Id=8139
  • منتدى “صفاء”، رابط: https://assafaa.ahlamontada.com
  • موقع “الجديد اليوميّ“، رابط:https://eljadidelyawmi.dz/2019/11/24/
  • موقع الطّريقة التّيجانيّة، رابط: https://tidjaniya.com

[1]– في اصطلاحات القاشانيّ: «القطب: هو الواحد الّذي هو موضع نظر الله تعالى من العالَم في كلّ زمان» (الكاشانيّ، عبد الرّزّاق (ت نحو 730هـ/1330م)، معجم اصطلاحات الصّوفيّة، تح. عبد العال شاهين، دار المنار، القاهرة، 1992، ص162). وقد رسخ في الاعتقاد الصّوفيّ الطّرقيّ أنّ شيخ الطّريقة (أو شيخ التّربية) هو عينه القطب، ومن تجلّيات هذا الاعتقاد في نصوص المتصوّفة عرض سلسلة طريق على أنّها سلسلة الأقطاب، فهذا أبو بكر بن محمّد بناني (ت1284هـ/1867م)، أحد مشايخ الفروع الشّاذليّة على أيّامه، يستعمل في سياق التّمهيد لذكر سنده الطّرقيّ الصّيغةَ التّعبيريّةَ «سلسلة طريقنا» (بناني، أبو بكر بن محمّد، مدارج السّلوك إلى مالك الملوك، تح. عاصم إبراهيم الكيّالي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2012، ص202)، ثمّ يردف ما ذكَره بالجملتين الآتيتين: «هذه سلسلة الأقطاب، وهي السّلسلة الشّاذليّة» (بناني، م.ن، ص203). تُنظَر دلالات هذا المصطلح وأبعاده في:

 De Jong, F., «Al-Kutb», in: EI2, Eng. ed, E. J. Brill, Leiden, 1986, vol. V, Pp543-546.

[2]– يُنظَر:

– Geoffroy, Eric (avec autres), «ARA», in: EI2, E. J. Brill, Leiden, 2002, vol. X, Pp262-265.

[3]– يُنظَر: الجنيد، أبو القاسم بن محمّد (ت297هـ/910م)، كتاب القصد إلى الله، ضمن: رسائل الجنيد، تح. جمال رجب سيدبي، دار اقرأ، دمشق، 2005، ص39-86.

[4]– عنصر إحاليّ يستعمله الحكيم التّرمذيّ (ت285هـ/898م) في الإشارة إلى بلوغ العبد مقصودة (يُنظَر: التّرمذيّ، الحكيم، كتاب ختم الأولياء، تح. عثمان إسماعيل يحيى، المطبعة الكاثوليكيّة، بيروت، (د.ت)، ص127، 134، 348.

[5]– القشيريّ، عبد الكريم (ت465هـ/1072م)، الرّسالة القشيريّة في علم التّصوّف، تح. معروف مصطفى زريق، المكتبة العصريّة، صيدا/بيروت، 2001، ص163.

[6] تُنظَر الأبعاد الدّلاليّة لمفهوم الإرادة من زاوية التّصوّر الصّوفيّ في: الحمدي، عبد السّلام، «الإرادة عند الصّوفيّة بين الرّأي الاعتقاديّ والمسلك الرّوحيّ»، ضمن: الأبعاد الإنسانيّة في التّجربة الصّوفيّة، GLD، تونس، 2022، ص47-62.

[7]– القشيريّ، مرجع سابق، ص210.

[8]– الكلاباذيّ، محمّد بن إسحاق (ت380هـ/990م)، التّعرّف لمذهب أهل التّصوّف، تح. أرثر جون أربري، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1994، ص70.

[9]– يُنظَر: المرجع السابق، ص92-100. القشيريّ، مرجع سابق، ص67-69. وتُنظَر دراسة وافية لمختلف دلالات المصطلح وأبعاده في: ياسين، إبراهيم إبراهيم محمّد، حال الفناء في التّصوّف الإسلاميّ، دار المعارف، القاهرة، 1999. ويُنظَر أيضا: سويسي، صابر، الفناء في التّجربة الصّوفيّة إلى نهاية القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر للميلاد)، مؤمنون بلا حدود، 2018.

[10]– يُنظَر: الكلاباذيّ، مرجع سابق، ص72-73. القشيريّ، مرجع سابق، ص192-197.

[11]– يُنظَر: الكلاباذيّ، مرحع سابق، ص71-72. القشيريّ، مرحع سابق، ص162-173.

[12]– أجهر، عبد الحكيم، الحقيقة وسلطة الاختلاف التّصوّف بوصفه إجابة أخرى عن السّؤال الإسلاميّ، المركز الثّقافيّ للكتاب، الدّار البيضاء/بيروت، 2019، ص7.

[13]– القشيريّ، مرجع سابق، ص390-391،394-395، 398، 400، 402-403، 407-410، 412-414، 416، 419-420، 423، 425-428، 430-432، 434-400.

[14]– المرجع نفسه، ص414.

[15]– المرجع نفسه، ص431، 434، 435، 437.

[16]– المرجع نفسه، ص399، 406.

[17]المرجع نفسه، ص419، 437.

[18]– المرجع نفسه، ص393، 417، 434.

[19]– المرجع نفسه، ص393، 397، 417، 427، 434.

[20]– المرجع نفسه، ص437.

[21]– المرجع نفسه، ص410.

[22]– الطّوسيّ، أبو نصر السّرّاج (ت378هـ/988م)، اللّمع، تح. عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة/مكتبة المثنّى، القاهرة/بغداد، 1960، ص145.

[23]– القشيريّ، مرجع سابق، ص406، 419، 425.

[24]– المرجع نفسه، ص414، 415، 438.

[25]– المرجع نفسه، ص294-298.

[26]– القشيريّ، مرجع سابق،ص295.

[27]– تحقّق التّسنّن بجهود أعلام ما اصطُلِح على الإشارة إليه بـ “التّصوّف السّنّيّ”، من أمثال السّرّاج الطّوسيّ وأبي عبد الرّحمان السّلميّ والقشيريّ والكلاباذيّ …، الّذين اشتغلوا بمدّ الجسور بين مبادئ التّديّن الصّوفيّ وأشكال التّديّن السّنّيّ (يُنظَر: عبد الحكيم أجهر، مرجع سابق، ص184-195).

[28]– القشيريّ، مرجع سابق، ص297.

[29]– المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[30]– يُنظَر: القشيريّ، مرجع سابق، ص297. حيث يقول القشيريّ: «لم أدخل على الأستاذ أبي عليّ [الدّقّاق] في وقت بدايتي إلاّ صائما، وكنت أغتسل قبله، وكنت أحضر باب مدرسته غير مرّة، فأرجع من الباب احتشاما منه أن أدخل عليه، فإذا تجاسرت مرّة ودخلت، كنت إذا بلغت وسط المدرسة يصحبني شبه خدر، حتّى لو غرز فيّ إبرة مثلا، لعلّي كنت لا أحسّ بها (…) وكنت أفكّر في نفسي كثيرا أنّه لو بعث الله عزّ وجلّ في وقتي رسولا إلى الخلق هل يمكنني أن أزيد في حشمته على قلبي فوق ما كان منه رحمه الله تعالى، فكان لا يتصوّر لي أنّ ذلك ممكن (…)».

[31]– الشّعرانيّ، عبد الوهّاب (ت973هـ/1565م)، الطّبقات الكبرى، دار الرّشاد الحديثة، الدّار البيضاء، 1999، ج1، ص251. يُقَارَن بما أوردناه سابقا من كلام سهل بن عبد الله التّستريّ في مقام التّوكّل.

[32]– يُنظَر مثلا: عبّاس، الأمجد، حقيقة التّصوّف والطّريقة في الإسلام، مطبعة الزّهراء، قفصة-تونس، 2011، ص107، إذ يتحدّث المؤلّف، هناك، عن سياحة شيخه في شبابه، خارج البلاد، بحثا عن الإمام القطب، وعودته إلى تونس حيث وجد ضالّته بجنوبها وأخذ الطّريق.

[33]– الأوراد جمع ورد، وهو «ما يرتّبه العبد على نفسه، أو الشّيخ على تلميذه من الأذكار والعبادات» (ابن عجيبة الحسنيّ، أبو العبّاس أحمد (ت1224هـ/1808م)، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، تح. محمّد عبد القادر نصّار، دار جوامع الكلم، القاهرة، 2005، ص262). وتُنظَر تفصيلات تتعلّق بدلالاته ومكوّناته في:

 Denny, F.M, «WIRD», in: EI2, E. J. Brill, Leiden, 2002, vol. XI, Pp209-210.

[34]– الوظيفة هي ما يوظّفه الشّيخ على مريديه من مناجيات وأدعية يردّدونها يوميّا (Eric Geoffroy, op .cit, p264).

[35]– الهادفي، إسماعيل، منن الرّحمان في مذاكرات قطب الزّمان، د.ط، ص196-198.

[36]– يُنظَر: إسماعيل الهادفي، مرجع سابق، ص197.

[37]– يُنظَر الموضوع الموسوم بـ “شيخ التّربية” في منتدى “صفاء” الإلكترونيّ، رابط: https://assafaa.ahlamontada.com/t1420-topic (تاريخ آخر زيارة: 25-03-2023).

[38]– الشّريف، مازن، التّصوّف معراج الذّوق وترياق التّطرّف، الثّقافيّة للنّشر والتّوزيع، المنستير، 2015، ص54-55.

[39]– بلخيري، بلقاسم، وظيفة الطّريقة القاسميّة، الزّاوية القاسميّة بالرّديف، 1422 هـ.

[40]– بلخيري، بلقاسم، ديوان النّفحات الشّذيّة من رياض الأذواق الصّوفيّة، مرقون.

[41]– الأمجد عبّاس، مرجع سابق، ص114. ويُنظَر أيضا: المرجع نفسه، ص99 («شيخنا الإمام سيّدنا حسن العكريمي إمام الوقت»)، 107 («هو إمام الوقت سيّدنا ومولانا …»).

[42]– السّائح، أحمد بن العيد، سيدي إبراهيم الرّياحيّ المنارة الزّيتونيّة في الطّريقة التّيجانيّة، دار ك أ’ للنّشر، تونس، 2016، ص33. العجيلي، التّليلي، الطّرق الصّوفيّة والاستعمار الفرنسيّ بالبلاد التّونسيّة (1881-1939)، منشورات كلّيّة الآداب بمنّوبة، تونس، 1992، ص43-44.

[43]– يُنظَر: أحمد السّائح، مرجع سابق، ص49-51.

[44] يُنظَر: سلمان، مسعود، التّواصل الصّوفيّ بين الجنوب الجزائريّ وتونس – الطّريقة التّجانيّة أنموذجا، رسالة لنيل شهادة الماجستير، بإشراف عبد الكامل عطيّة، كلّيّة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، جامعة الشّهيد حمّه لخضر، الوادي، الجزائر، 2019، ص27-30، رابط: https://2u.pw/pNYKwo (تاريخ آخر زيارة: 29-03-2023).

[45]– يُنظَر خبر الزّيارة في الموقع الإخباريّ الإلكترونيّ “الجديد اليوميّ“، رابط: tinyurl.com/28gk4uq8/ (تاريخ آخر زيارة: 30-03-2023).

[46]– يُنظَر: زرقي، لطيف، الشّيخ سيدي محمّد قمار وتجديد الطّريقة التّجانيّة في تونس، سلسلة أعلام التّجانيّة في تونس (1)، د.ط، 17-21.

[47]– لطيف زرقي، مرجع سابق، ص22.

[48]– يُنظَر: المرجع نفسه، ص42-44.

[49]–  المرجع نفسه، ص111-116.

[50]– المرجع نفسه، ص117.

[51]– المرجع نفسه، ص26.

[52]– المرجع نفسه، ص32.

[53]– يُنظَر: لطيف زرقي، مرجع سابق،ص44-53.

[54]– المرجع نفسه،ص47، 49. ابن السّائح التّجانيّ، محمّد العربي بن محمّد (ت1309هـ/1891م)، بغية المستفيد لشرح منية المريد، تح. عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2015، ص7، 210، 229، 235، 237.

[55]– محمّد العربي بن السّائح، مرجع سابق، ص11، 47، 172، 235، 236، 266.

[56]– المرجع نفسه،ص211.

[57]– يُنقَل عن مؤسّس التّيجانيّة أحمد التّيجانيّ قوله: «إنّ سيّد الوجود – ص – أخبرني بأنّي أنا القطب المكتوم، منه إليّ مشافهة يقظة لا مناما. فقيل له: وما معنى المكتوم؟ فقال (…): هو الّذي كتمه الله عن جميع خلقه حتّى الملائكة والنّبيّين إلاّ سيّد الوجود – ص – فإنّه علم به وبحاله، وهو الّذي حاز ما حاز عن الأولياء من الكمالات الإلهيّة واحتوى على جميعها» (ابن أنبوجة الشّنقيطي التّجاني، عبيدة بن محمّد الصّغير (ت1284هـ/1867م)، ميدان الفضل والإفضال في شمّ رائحة جوهرة الكمال، تح. عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2012، ص27).

[58]– لطيف زرقي، مرجع سابق، ص51.

[59]– بدءا بأحمد التّيجانيّ (يُنظَر: مفتاح، عبد الباقي، أضواء على الشّيخ أحمد التّجاني وأتباعه، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2009، ص33)، وخليفته عليّ التّماسيني (يُنظَر، م.ن، ص197 (الهامش)) والأحسن البعقيلي (يُنظَر: زرقي، لطيف، التّجديد في فكر الشّيخ الأحسن البعقيلي: العقيدة والتّصوّف نموذجا، رسالة دكتوراه، بإشراف عبد الجليل سالم، المعهد العالي لأصول الدّين بتونس، 2016 (مرقونة)، ص32-33)، وليس انتهاء بمحمّد القماري (يُنظَر: لطيف زرقي، الشّيخ سيدي محمّد قمار، مرجع سابق، ص12).

[60]– محمّد بن فرج مثلا (يُنظَر: ديدي، محمّد السّعيد، العلاّمة الشّيخ سيدي محمّد بن فرج التّجانيّ، صفحة مجلّة أقمار التّراثيّة الأثريّة بالفايسبوك، بتاريخ 12 أوت 2020، رابط: tinyurl.com/23ffom5s (تاريخ آخر زيارة: 02-04-2023)).

[61]– من هذا القبيل ما يُروى عن عليّ الرّياحي أنّ أباه إبراهيم الرّياحي قال له أثناء حديث بينهما ذُكِرَ فيه الشّرف: «أنا شريف النّسب»، فإذ تساءل الابن: «لِمَ لا نثبت شرفنا بحجّة تامّة الموجب في اتّصال نسبنا كسائر الأشراف؟»، أجاب الأب بالقول: «إنّ فاطمة تعرف أبناءها» (الرّياحي، عمر بن محمّدبن عليّ (ت بعد 1323هـ/1905م)، تعطير النّواحي بترجمة سيدي إبراهيم الرّياحي، المكتبة العتيقة، تونس، 1903، ج1، ص3).

[62]– من الزّاوية الكبرى بأوروبّا، ليون – فرنسا.

[63]– يُنظَر الإعلان في موقع الطّريقة التّيجانيّة على الشّبكة العنكبوتيّة، رابط: https://tidjaniya.com/ar/ (تاريخ آخر زيارة: 03-04-2023).

[64]– عن عبد الله بن مسعود أنّ النّبيّ قال: «إنّ لله عزّ وجلّ في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم عليه السّلام، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السّلام، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السّلام، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السّلام، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السّلام، ولله في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل عليه السّلام، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثّلاثة، وإذا مات من الثّلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السّبعة، وإذا مات من السّبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثّلاثمائة، وإذا مات من الثّلاثمائة أبدل الله مكانه من العامّة. فبهم يُحيِي ويميت ويمطر ويُنبت ويدفع البلاء» (يُنظَر مثلا: ابن السّائح التّجاني، مرجع سابق، ص85. لطيف زرقي، الشّيخ سيدي محمّد قمار، مرجع سابق، ص45).

[65] المراد بـ«أهل الدّائرة» الأولياء الثّلاثمائة في كلّ زمان، ومَنْ عداهم من الأولياء تُطلَق عليهم الصّفة «الصّالحون» ويُشَار إليهم بالعنصر الإحاليّ «العامّة» (يُنظَر: ابن السّائح التّجاني، مرجع سابق، ص86).

[66]– ابن السّائح التّجاني، مرجع سابق، ص83.

[67]المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[68]– مفهوم يرادف مفهوم التّناصّ في نظريّة النّصّ، ويتمثّل في الأصداء الحرّة لخطاب (أو خطابات عديدة) في خطاب آخر (يُنظَر: عروس، بسمة، «في “الخطاب البينيّ”: خواطر نظريّة من وجهة نظر المدرسة الفرنسيّة لتحليل الخطاب»، مجلّة الأثر، ع27، ديسمبر 2016، ص66.

 Maingueneau, Dominique, Les termes clés de l’analyse du discours, Éditions du Seuil, 1996, Pp50-51.

[69]– يبدو أنّ بداية رواج هذه العبارة تزامنت مع ظهور الطّرقيّة، فأقدم نصّ وردت فيه، على ما نعلم، منسوب إلى مؤسّس الطّريقة الرّفاعيّة أحمد بن عليّ الرّفاعيّ المتوفّى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وفق التّقويم الهجريّ (578هـ) الموافق لعام اثنين وثمانين ومائة وألف (1182م) (يُنظَر: الرّفاعيّ الكبير، أحمد، النّظام الخاصّ لأهل الاختصاص، نسخة إلكترونيّة pdf، ص28. رابط: https://www.alomariya.org/documents/nidam-lkhass-3.pdf (تاريخ آخر زيارة: 09-04-2023). الصّيّادي الرّفاعيّ الحسينيّ، أبو الهدى محمّد بن حسن وادي بن عليّ (ت1328هـ/1909م)، الكلّيّات الأحمديّة المؤلّفة من كلمات الإمام الرّفاعيّ غوث البريّة المتوفّى سنة 578هـ، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2007، ص66)، لكن من الجليّ أنّ مراده بها ليس الطّرقيّة بالمعنى الاصطلاحيّ المعروف، حتّى الّذين تداولوها بعده ذكروها بمنأى عن ذلك المعنى (يُنظَر مثلا: زرّوق الفاسي البرنسي، أبو العبّاس أحمد (ت899هـ/1494م)، حكم ابن عطاء شرح العارف بالله الشّيخ زرّوق، تح. عبد الحليم محمود، دار الشّعب، القاهرة، 1985، ص55: «(…) فكلّ نفَس يقتضي تجلّيا جلاليّا أو جماليّا أو خارجا عنهما، وذلك التّجلّي يقتضي عبوديّة، وتلك العبوديّة تقتضي تجلّ [هكذا!!] ولا يزال ذلك متجدّدا على ممرّ الدّهور والأوقات بعدد الأنفاس، فيكون المريد في كلّ نفَس سالكا طريقا إلى الله تعالى، وعلى هذا يتنزّل قولهم: الطّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق (…)»).

[70]– رابط: https://assafaa.ahlamontada.com/ (تاريخ آخر زيارة: 10-04-2023).

[71]– بتاريخ الخميس 04 فيفري 2010، رابط: https://assafaa.ahlamontada.com/t575-topic (تاريخ آخر زيارة: 10-04-2023).

[72]– رابط: https://assafaa.ahlamontada.com/ (تاريخ آخر زيارة: 10-04-2023).

[73]– الشّعري، ياسين، الخطاب السّجاليّ .. محاولة في بناء المفهوم، موقع المجلّة العربيّة، بتاريخ 27-10-2021. رابط: https://www.arabicmagazine.net/arabic/articleDetails.aspx?Id=8139 (تاريخ آخر زيارة: 19-04-2023).

[74]– مرجع سابق.https://assafaa.ahlamontada.com/t575-topic

[75]– المرجع نفسه. وتُنظَر اللاّئحة كاملة على الرّابط: https://assafaa.ahlamontada.com/t120-topic

مقالات أخرى

هلْ أنجز التنوير وَعْدَهُ؟

تعدّد الأصوات وتداخلها في الخطاب القصصيّ

الدّين والتحوّلات الثّقافية في الغرب، أيّة علاقة؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد