ثنائية الحرية والنظام وأبعادها التربوية

     تُعدّ ثنائية الحرية والنظام صورة من صور الثنائية التي سادت الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل، ومن الفلاسفة الذين تصدوا لدراسة هذه المشكلة الفيلسوف البرجماتي “جون ديوي” الذي تناول هذه الثنائية عبر مقال له بعنوان “السلطة والتغيير الاجتماعي” من خلال اتجاهين أساسيين هما:

الاتجاه الأول: الحرية

     أشار فيه “ديوي” إلى ضرورة تعزيز مفهوم الحرية لدى الأفراد، لأن مثل هذا المفهوم هو الذي أدى إلى تزايد الثورة ضد السلطة في القرون الأربعة الأخيرة، وقد ظهرت هذه الثورة أولًا في صورة مقاومة سلطة ظالمة أو حاكم ظالم، ثم تحولت إلى مقاومة مبدأ السلطة نفسه. ولم تكن أية صورة من صور السلطة بمنأی عن هذا الهجوم، فقد اتجه الهجوم أولًا إلى الدين والدولة، ولكن تأثيرهما كان قد عم سائر نواحي الحياة وشتى اتجاهاتها وصورها وظهر في العقيدة والسلوك، ومن ثم انتشر الهجوم إلى المؤسسات الدينية والسياسية، وإلى العلم والفن والحياة الاقتصادية والمنزلية، وكان لا بد لهذه الحركة الثائرة من أن تدافع عن نفسها بأسس عقلية، فقامت على أثرها فلسفات اجتماعية تنقد الضبط الاجتماعي الذي تقوم به السلطة.

     ويشير “ديوي” إلى أن النتيجة النهائية للصراع الذي دار عبر العصور حول مشكلة السلطة والحرية أدى إلى قيام فلسفة اجتماعية وسياسية جديدة ناقشت صحة السلطة في صورها كافة، وظهرت هذه الفلسفة في الميدان الاقتصادي باسم مذهب حرية التجارة، وفي الميدان السياسي والاجتماعي في صورة المذهب الفردي أو مذهب الأحرار. وقد اتخذت هذه الحركة الجديدة موقفًا معاديًا للسلطة لمجرد كونها سلطة، إذ وجدت أن المؤسسات القائمة متسلطة. وقد عُدّت السلطة في نظر هذه الحركة الجديدة خارجة تمامًا عن الفردية، بل ومعادية لها عداء كاملًا. إلا أن إنكار هذا المذهب للأهمية العضوية لأي سلطة أو ضبط اجتماعي قد أدى إلى الاضطراب في السلوك الذي يصاحب عادة فترات الانتقال، كما أنه فشل في الوصول إلى مصدر للسلطة يطمأن إليه (1).

الاتجاه الثاني: النظام

     أكد فيه “ديوي” على ضرورة وجود نظام أو سلطة تقوم من أجل تدعيم النظام الاجتماعي، كما أشار إلى حاجتنا إلى سلطة ليست مثل سلطة العصور القديمة التي سبق أن ظهرت، وإنما سلطة تستطيع أن تقبل التغير وتوجهه، كما نحتاج إلى نوع من الحرية الفردية تكون عامة يشترك فيها الجميع، ويقوم وراءها توجيه الضبط الاجتماعي المنظم الذي يتمتع بالسلطة (2).

     ولهذا، فقد ذهب إلى أن المؤسسات التي تمتعت بالسلطة في الماضي كانت معادية للتغيير، وأولئك الذين كانوا يعملون على تغيير صور القوة المتسلطة كانوا يعدون دائمًا خارجين عن النظام. وعلى الرغم من مقاومة السلطة للتغيير وما كان يلاقيه المدافعون عن التغيير من عنف وتعذيب، فإن السلطات القائمة عندئذ لم تستطع أن تمنع قيام تغييرات هائلة (3).

    من هنا يجب النظر إلى النظام أو الضبط الاجتماعي بوصفه ضرورة اجتماعية قائمة على مجموعة من التدابير والإجراءات التي يستخدمها المجتمع ليقود أفراده نحو أنماط السلوك المتفق عليها والمقبولة اجتماعيًا. ومن ثم فإن الحاجة إلى النظام ضرورية للإنسان لأنه تمثل الحاجة إلى المبادئ الثابتة المستقرة بدرجة كافية تمكنها من توجيه عملية الحياة في تقلباتها وعدم استقرارها (4).

     وهذا يعني أننا لا نستغني أبدًا عن النظام أو السلطة، وأن الأمر الذي يجب أن نهتم بمناقشته والبحث عنه هو مصدر السلطة وأسلوبها. يقول “ديوي”: “إن لفظ السلطة والسيطرة يدل على قوة تسلط من الخارج فتلقى بعض المقاومة من جانب الفرد الذي يخضع للضبط والسلطة”.

     من جهة أخرى، فإن المواطن العادي يخضع لقدر كبير من السيطرة الاجتماعية. ولا يشعر أحد أن قدرًا كبيرًا من هذا الضبط ينطوي على الحد من الحرية الشخصية، بل إن صاحب النظرية الفوضوية الذي تقوده فلسفته إلى القول: إن ضبط الدولة أو الحكومة شر محض يعتقد أنه إذا زالت الدولة السياسية فلابد أن تقوم أشكال أخرى للضبط الاجتماعي. وفي الواقع تقوم معارضة للنظام الحكومي على أساس اعتقاده بأن أساليب أخرى للضبط ستحل محل الدولة الزائلة ولكن بصورة أفضل (5).

الأبعاد التربوية لثنائية الحرية والنظام

     لا شك أن التعلم يقتضي منا أن نأخذ على عاتقنا ما نرغب في تعلمه، وهذا يعني أن فعل التعلم ينتمي إلى من يتعلم، غير أنه يمكن للتعلم أن يستغني عن التعليم، وهذا لا يعني أن التعليم لا يمكن أن يساعد على التعلم، لكنه ليس ضروريًا له، فكل شيء مرتبط باللحظة التي نعيشها والطريقة التي نستعملها. كما قد يضر التعليم بالتعلم على اعتبار أن المتعلم ليس وعاء فارغًا نقوم بملئه (6). وعليه فإن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل تعترف المؤسسة التعليمية بوضعية التلميذ النشيط المستقل، أي التلميذ الذي يرغب أن يتعلم بحرية؟

     إن المؤسسة التعليمية لا تقبل في الغالب تغيير وظائفها، لكن يجب أن تعترف أنها ليست هنا للتعليم وإنما لمساعدة التلميذ كي يتعلم، فتقديم المساعدة ليس مرادفًا للتعليم. إن التأمل في هذه المسألة وما يرتبط بها من قضايا يجعل من مناقشة ثنائية الحرية والنظام، وتسليط الضوء على مفاهيم الحوار والضبط من أجل إبراز العلاقة بين الحرية والنظام، وما يترتب عليهما من النواحي التربوية أمرًا في غاية الأهمية.

     إن الحرية كما يعرفها المعجم الفلسفي هي “حال الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة ويفعل طبقًا لطبيعته وإرادته”. والحرية بالنسبة للمحيط التربوي تعني “الاختيار الفعلي”، فالطالب حر بقدر ما يعمل أو يفكر بحسب اختياره، وأن الاختيار لابد أن يشتمل على الانتقاء من بين بدائل كثيرة، أما عندما لا يكون هناك بدائل نختار من بينها فليس في اختيارنا للشيء الموجود أية حرية. ولذا يجب أن نضع الطلاب أمام اختيارات كثيرة فيما يتصل بالمواد التي يدرسونها، ونتركهم يختارون بحرية ما يناسبهم (7). ولكن السؤال الخاص بالحرية ومقوماتها يبقى قائمًا، فما هي الحرية التربوية وما هي مقوماتها؟

     يرى “جون ديوي” أن الحرية الوحيدة ذات الأهمية هي حرية الذكاء، أي حرية الملاحظة والحكم التي تستخدم في تحقيق أهداف لها قيمة في حد ذاتها (8). ويعقب “النجيحي” على رأي “ديوي” بالقول: “إذا كانت الحرية هي حرية الذكاء، فإن الذكاء هو أحد مقومات الحرية، وهو يعني أكثر من مجرد معلومات عن الأشياء. إن الذكاء هو القدرة على الوصول إلى نتائج يمكن الاعتماد عليها واستخدامها كوسائل تكسب الخبرة معنى زائدًا. وعلى هذا الأساس يصبح للذكاء مغزی عقلي وأخلاقي، إذ إنه يتضمن القدرة على التنبؤ بنتائج الأعمال، ويتضمن كذلك القدرة على تطبيقات لما اخترناه من نتائج (9).

     وإذا كان “الذكاء” على هذا الأساس هو أحد مقومات الحرية، فإن الاختيار هو كذلك أحد مقوماتها، شرط أن يشتمل على الانتقاء من بين بدائل كثيرة، ثم أنه يجب أن تكون البدائل المعروضة للاختيار إمكانات عملية كما يجب أن يتضمن الاختيار أيضًا موازنتنا بين البدائل المختلفة، أو سبب أخذنا واحدًا دون الآخر، ومن ثم فإن الاختيار يتضمن اتخاذ قرار ما، إلى جانب التفكير من أجل الوصول إلى نتائج. فالإنسان الذي يختار لا يوازن بين البدائل المتعددة فحسب، ولكنه يتبنى واحدًا منها أيضًا مستثنيًا البدائل الأخرى، ولهذا لا يكفي أن يوازن الإنسان بين اختياراته بل أن ميزانه يجب أن يرجح إلى كفة واحدة (10).

     من هنا، فإن النظر إلى الحرية على أنها أمر يتصل بالاختيار تصبح، كما يرى أنصار النزعة الإنسانية، فكرة أساسية لا في الحياة الشخصية فحسب ولكن في الشؤون العامة أيضًا، وفي ثقافة الإنسان الأرقی وفي تقريره وفي مصيره (11). كما يرى أنصار الحرية، أن المعرفة أيضًا هي من المقومات الأساسية للحرية، فإذا كان على البشر أن يختاروا فمن المحتم أن يكون هناك بدائل يختارونها، وإن كان لهم أن يختاروا من بينها فإنهم يجب أن يعرفوها. بعبارة أخرى، لا يستطيع الإنسان أن يختار شيئًا لم يسمع به من قبل، وعليه فإن الجهل يضيق الحرية والمعرفة تخلقها (12). وعليه، فإن مجموعة من الأسئلة لا بد أن تثار لأن الإجابة عنها تُشكل لبً الثنائية التي نناقشها، من هذه الأسئلة:

هل تتعارض الحرية مع النظام؟ أم أن الحرية تتضمن التنظيم على أنه عنصر أساسي من عناصرها؟ هل نربي الأجيال على ممارسة حريتها أم نقيد حريتها؟ وما مدى أحقية بعض الجهات، كالتربية مثلًا، في وضع قيود على الإنسان تعتقد هي أنها في صالحه ويعتقد هو أنها ليست كذلك؟

     من أجل الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن القول: إن الاتجاهات الفلسفية والتربوية التي تناولت ثنائية الحرية والسلطة يمكن ردها إلى اتجاهين رئيسيين هما (13):

الاتجاه الأول

     يرى أن السلطة تتعارض مع الحرية، وهي لا تعكس في المدرسة أو الأسرة إلا تدريبات آلية وقسرية تكون نتيجتها عادات جامدة ثابتة، ومن ثم فإن هذا التدريب لا يمكن أن يكون نظامًا عقليًا، لأن الهدف منه ليس تكوين عادات التفكير الناقد القائم على حرية التفكير والتعبير.

الاتجاه الثاني

     يرى أن الحرية هي الأساس وأن النظام أو السلطة تحد من هذه الحرية وتفقدها أهم عناصرها، لأن الحرية هي القدرة على العمل، وعلى تنفيذ المخططات دون أي ضغط خارجي، سواء أكان هذا الضغط من الآخرين أم من الظروف الخارجية. وهم في هذا يفهمون الحرية فهمًا خاصًا بهم متغاضين عن بعض الظروف الضرورية لتحقيق جوهر الحرية.

     وتجدر الإشارة إلى أن خلافًا آخر ظهر بين الاتجاهين السابقين تمثل في موقفهما من العقل الإنساني والحرية، إذ يعتقد أنصار الاتجاه الأول أن العقل منظم تنظيمًا منطقيًا في عملياته، بحيث أن الشكل المنطقي يجب أن يفرض عليه من الخارج، وهم يفترضون أن الصفة المنطقية ترتبط بالمعرفة المنظمة، وأن عمليات العقل تصبح منطقية عن طريق امتصاصه للمادة التي تكون قد اتخذت شكلًا منطقيًا، وفي مثل هذه الحالة تكون التشكيلات المنطقية نتيجة عمليات التفكير، في حين ينظر أنصار الاتجاه الثاني إلى العقل على أنه بطبيعته متعارض مع الأشكال المنطقية، وهم يؤسسون هذا الاعتقاد على حقيقة مؤداها: أن العقول جميعها تتمرد على الأشكال المنطقية التي عن طريقها تعرض بعض الكتب مادتها، ويخرجون من هذا إلى أن الترتيب المنطقي غريب عن طبيعة العمليات التي يقوم بها العقل.

     ولذا كانت أهميته ضئيلة في التربية، أما الذي يحتل الأهمية العظمى فهو أن نعطي مطلق الحرية للدوافع والرغبات دون تحديد لنمو عقلي في اتجاه معين، وتطبيق ذلك في المدرسة يتجلى في أن تكون هناك شعارات مثل: الحرية، والفردية، والتلقائية، واللعب، والاهتمام، ومعنى هذا أن الطريقة السليمة هي التي تعمل على استثارة الإمكانات الفطرية في الفرد حتى ينمو نموًا طبيعيًا.

     في مناقشته لهذين الاتجاهين يشير “ديوي” إلى أنهما وقعا في خطأ مشترك، ذلك لأن كلا منهما أنكر حقيقة أن الميل نحو النشاط المنطقي التأملي أمر فطري في العقل، وأن هذا النشاط يُعبّر عن نفسه في مرحلة مبكرة إذا ما دعت الظروف الخارجية لذلك، وإذا ما استثير هذا النشاط عن طريق حب الاستطلاع، وبذلك لا يمكن أن نفصل بين التنظيم المنطقي وبين الخبرة والتجربة التي مارسها الفرد، والتي أدت إلى تكوين هذا النظام المنطقي (14). غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نصل إلى تحقيق النظام الذي يكفل حسن السير في العملية التربوية دون أن نقمع حريات التلاميذ؟

     قبل تقديم إجابة عن هذا السؤال لعل من المفيد إلقاء بعض الضوء على الأساليب التربوية التي تمارس عادة في المدارس وهي: أسلوب القمع، وأسلوب التأثير وأسلوب الحرية.

     بالنسبة لأسلوب القمع، يؤكد أنصاره على ضرورة أن يسود جو المدرسة الهدوء التام والنظام الشامل في أوقات الدراسة جميعها عن طريق القسر الشديد. وهم يرون أن فلسفة الحرية في التربية لا معنى لها طالما أن الأطفال بطبيعتهم يفكرون كيف يحمون أنفسهم من الكبار الذين يرغبون في السيطرة عليهم، ومن ناحية أخرى يشيرون إلى أن أولئك الذين يؤمنون بحرية الطفل هم أيضًا يفرضون حمايتهم على الطفل، وطالما أن الحرية لا يمكن تحقيقها، فهم يذهبون إلى تأييد الأسلوب القائم على العقوبة والقمع حتى يتسنى تحقيق النظام في العمل التربوي (15).

     أما أسلوب التأثير، فإنه يعتمد على شخصية المعلم، إذ يرى أنصاره أنه من الصعب أن يحصل الطفل على حرية كاملة، لأن ذلك يعني رفضنا تعليمه الدين أو السياسة، والطفل لا يمكن أن يحصل على الحرية بمعناها الحقيقي، خاصة إذا ما سمع والده يثور ضد حزب سياسي، أو ضد سياسة الدولة فيما يتصل بأمر ما، وأنه من المستحيل ألا نجعل الأطفال يعتنقون مذاهبنا في الحياة (16). لهذا يطالب أنصار هذا الأسلوب عدم إعطاء الطفل حرية كاملة، ولابد أن يكون للمعلم تأثير قوي على تلاميذه بحيث يقتدون به وبأخلاقه، فالتلاميذ يجب أن يلبوا نداء معلمهم ويطيعوا أوامره لأنه مثلهم الأعلى.

     وتجدر الإشارة إلى أن هناك فرقًا بين السيطرة والتأثير، فالسيطرة تعني فرض السلوك والأهداف من قبل شخص على شخص آخر وهذا غير جائز، أما التأثير الذي يضمن الاختيار الحر في الأفكار والعقائد، وتحديد حياة الفرد وسلوكه بنفسه فهو جزء مفيد ومباح.

     أما بالنسبة لأسلوب الحرية، يرى أنصاره أن أحد أهداف فلسفة الحرية في التربية هو مساعدة الطفل أن يستقل بشتى الطرائق وبأسرع ما يمكن، إذ إن عدم استقلاله واعتماده على نفسه يشكل نوعًا من السيطرة. ويؤكدون على ضرورة أن يقوم المربون على حث قدرات التلاميذ وتمكينهم من أنفسهم، وخلق مناخ يساعد على التخاطب والمحاورة، لأن مثل هذا الجو يمكن أن يولد تغييرًا أساسيًا في العلاقات داخل الفصل وخارجه، إذ يجد كل من المدرسين والتلاميذ الفرص الكافية كي يتعلموا ويعرفوا أنفسهم، مما يجعلهم أكثر تحررًا في اكتشاف أنفسهم بوصفهم معلمين ومتعلمين (17).

     ويذهب كثير من فلاسفة التربية المعاصرة إلى أننا لا نستطيع أن نمس بالإجبار سوی هامش من حياة التلميذ، وحتى لو مسسنا حياته ذاتها فإننا لا نستطيع أن نجبره على الطاعة الحقيقية، وإن نجحنا في إكراهه على أن يذعن مؤقتًا فمن المحتمل أن يكون تأثيرنا في اتجاه مضاد للاتجاه الذي نود أن يسير عليه التلميذ (18).

     من هذا المنطلق يرفض أنصار الحرية أن تفرض على التلاميذ باسم مصلحة الدولة مناهج موحدة وثابتة، ويؤكدون ضرورة تجديد المواد الدراسية بما يناسب مصلحة التلاميذ وقدراتهم. ولا يريدون أن نفعل كما فعل “افلاطون” عندما استبعد أي لغة غير اللغة القومية، وحذف كل النصوص التي لا توافق سياسة الدولة من “هوميروس” ورفض الكثير من القصائد الشعرية.

     ولهذا يرى أنصار الحرية في التربية أن منح الحرية للطفل يعني مساعدته أن يحيا حياته الخاصة، ويشيرون إلى أن عاداتنا السيئة في التدريس والمحاضرات هي التي تفقدنا القدرة على فهم وإدراك بساطة المعنى الحقيقي للحرية. من هنا فقد أكدوا على ضرورة أن يمنح الطفل الحرية في اختيار أفعاله التي تؤثر عليه وحده، لأن هذه الحرية ضرورية للطفل، إذ إنه في ظلها يستطيع أن ينمو نموه الطبيعي الخير (19).

تعقيب

     بالنسبة لأسلوب القمع يمكن القول: إن هذا الأسلوب لا يحل لنا مشكلة النظام إلا بشكل مؤقت، لأنه حين تختفي يد القمع يعود التلاميذ إلى حالة من الفوضى تسود المدرسة كما يحدث حال خروج التلاميذ منها. فضلًا عن أن أسلوب العقاب الذي يعتمد على ضرب التلاميذ يؤدي إلى انخفاض قدراتهم العقلية تحت تأثير الخوف والألم والخجل. بالإضافة إلى أن هذا الأسلوب لا يتفق مع المبادئ الديمقراطية التي هي أبسط المُثل الإنسانية في العالم اليوم. وإذا كان أنصار هذا الأسلوب (أسلوب القمع) يعتقدون أن استخدامهم القمع سوف يؤدي إلى غاية نبيلة وهي “النظام”، فالوصول إلى الغايات النبيلة لا يكون بوسائل منحرفة لا تتفق وإنسانية الإنسان.

     أما بالنسبة لأسلوب التأثير، الذي يحاول بعضهم الدفاع عنه، فإن هذا الأسلوب يعتمد بشكل كبير على شخصية المعلم. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أين نأتي بعدد كبير من المعلمين يتمتعون بشخصيات قوية بحيث تغطي كل احتياجاتنا؟ وهل هؤلاء المدرسون صالحون لدرجة يرضى بها أولياء الأمور بحيث يخرج أبناؤهم وهم صورة طبق الأصل عن معلميهم؟

     لعل الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في رفضنا هذا الأسلوب كونه يعكس آثار سلبية على المجتمع، إذ يحد من تقدم المجتمع ويؤدي به إلى التقليد والجمود، فضلًا عن أن عملية التأثير لها آثار غير محمودة كونها تقضي على الأصالة في الإنسان، وتشل ذاتيته وتتدخل في نطاق الشخصية الفردية. لذا يجب على المربي ألا يحاول أن يعدّ التلميذ على غراره، وإذا كان لابد من عملية التأثير فيجب أن يتحلى المعلم بالمُثل الأخلاقية العليا حتى إذا ما قلده تلاميذه وتقمصوا شخصيته استطعنا أن نقول: إن النظام والحرية قد نفذت إلى نفوس التلاميذ عن طريق التأثير الشخصي، وارتفعت إلى مرتبة النظام الذاتي بشكل يتكامل فيه خلق التلميذ.

     أما أسلوب الحرية الذي يؤكد أنصاره على ضرورة أن يُعطى التلاميذ حرية مطلقة حتى تتكون شخصياتهم بحيث لا يخشون شيئًا في القول أو العمل، ويكونون مستعدين لمواجهة أي موقف من المواقف. من الواضح أن هذا الأسلوب لا يؤدي إلى تكوين الشخصية، لأن الطفل محتاج للضبط ويجب عليه أن يطيع أوامر خاصة للقيام بعمله بنظام، كما أنه يحتاج لقدر معين من التوجيه ليسلك مسلكًا معقولًا.

     ومن الجدير بالذكر، أن وجهات النظر التحررية كلها تعترف بأن الحرية ليس معناها الإباحة، ويحذرنا  “Richard”من التمادي مع الطفل في ميدان الحرية فيقول: “من الممكن ملاحظة أن المدارس الحديثة قد تجاوزت الحد المناسب للحرية، فهناك خطر من إعطاء التلاميذ قدرًا كبيرًا من الحرية لا يستطيعون الإفادة منه” (20).

     ومن هذا المنطلق أشار بعضهم إلى وجود تصورين للنظام: أولهما، يفرض على التلاميذ جميعهم نمطًا سلوكيًا واحدًا عليهم أن يعملوا وفقًا له دون أن يخرجوا على أية تفصيله من تفصيلاته. وثانيهما، لا ينظر إلى مفهوم النظام بمعنى صب التلاميذ جميعهم في قالب واحد مجهز لهم من قبل، بل يتيح الفرصة أمام كل تلميذ أو أمام كل مجموعة من مجموعات التلاميذ للانتظام وفق نظام يناسب ظروفهم أو أحوالهم. يتضح من ذلك أن المفهوم الأول للنظام يضع قاعدة نظامية ويطلب من التلاميذ جميعهم إتباعها. أما المفهوم الثاني، فإنه يستمد القواعد النظامية من ظروف التلاميذ أنفسهم.

     لا شك أن وجهة النظر الثانية هي التي تتفق مع وجهات النظر التربوية الحديثة. ولهذا يذهب كثير من فلاسفة التربية المعاصرة إلى التأكيد على ضرورة أن يعزف المربون عن تعليم الأطفال في مجموعات، لأن مثل هذا النوع من التعليم لا يؤدي إلى اكتساب مجموعة من الخبرات تساعد على ممارسة الحرية المسؤولة، وأن الكثير من المدرسين عند ممارستهم هذا النوع من التعليم قد حاولوا إدخال كثير من المقترحات مما أدى إلى تغيير موقفهم الأساسي تجاه التلاميذ بدرجة كبيرة، وبخاصة في السنوات الأخيرة. وقد تبلور هذا الاتجاه في التأكيد على مشاركة كل من المدرسين والتلاميذ في صنع القرارات فيما يتصل بالأهداف والمواد والطرائق، والاتفاق على قواعد التعامل فيما بينهم، والإشراف على الالتزام بها (21).

     وفي هذا السياق يشير “ارنست مایر” إلى أن هناك تغيرات أصابت الحياة الأسرية والطفولة، إذ تغيرت نظرة الوالدين إلى التربية، وأصبح المدرسون هذه الأيام يحددون لتلاميذهم، مقارنة بالأيام الماضية، مجالًا أكبر للعمل وفرصًا أكثر لاتخاذ القرار. وهؤلاء المدرسون لا يميلون إلى أن يروا الحرية بوصفها قطبًا معاكسًا للقهر أو الإجبار، فهم يعون أن القطب المعاكس للإجبار ليس تحررًا من الروابط، ولكن من مفهوم “مارتن بوبر” التزام الواحد تجاه الآخر. فالإجبار – كما يرى “ماير” حقيقة سلبية والالتزام حقيقة إيجابية. فالحرية فرصة استعيدت والإجبار في التعليم هو غياب الالتزام الذي ينتج إما طاعة زائدة عن حدها أو تمرد، لأن الالتزام في التعليم يعني الانفتاح والمشاركة، وعليه فإن الحرية في التعليم تعني القدرة على الالتزام (22).

     تأسيساً على ما سبق يمكن القول: إنه إذا أردنا لطلابنا النمو والاكتمال وجب أن يسود مفهوم الحرية في المدرسة، وأن يُعطى التلاميذ قدرًا من الحرية يستطيعون الإفادة منه في نطاق قدر مناسب من النظام والقوانين الخلقية، وقواعد السلوك المهذب التي تضعها المدرسة، والتي يجب أن يخضع لها الطلاب ويتعلموا بهديها ضبط أنفسهم طائعين مختارين.

     وإذا أردنا أن نعرف كيف نوفق بين النظام الذي لا بد منه وبين مقدرة الطفل على إرادته الحرة، فإن السبيل إلى ذلك هو تدريب الأطفال على تحمل كل ما قد يفرض على حريتهم من قيود، وفي الوقت ذاته لا بد من إرشادهم إلى أن يحسنوا استخدام الحرية التي تمنح لهم بحيث يتم استعمالها على الوجه الصحيح، فإذا لم يفعل المربون ذلك تصبح التربية أمرًا آليًا.

خاتمة

     تبين من خلال المناقشة السابقة لثنائية الحرية والنظام أنها أدت إلى وجود فلسفتين أساسيتين للتربية: الفلسفة الأولى، ينظر أصحابها إلى الحرية على أنها مطلقة، وأن النظام يحد من هذه الحرية، ويرى أنصار الفلسفة الثانية أن النظام أساسي وأولي ويتعارض مع الحرية. السؤال هنا: هل يوجد مواقف تتوسط بين هاتين الفلسفتين؟

     لا شك إنه إذا أردنا لطلابنا النمو والاكتمال وجب أن يسود مفهوم الحرية في المدرسة، وأن يُعطى التلاميذ قدرًا من الحرية يستطيعون الإفادة منه في نطاق قدر مناسب من النظام والقوانين الخلقية، وقواعد السلوك التي تضعها المدرسة التي يجب أن يخضع لها الطلاب، ويتعلموا بها ضبط أنفسهم طائعين مختارين. وإذا أردنا أن نعرف كيف نوفق بين النظام الذي لا بد منه وبين مقدرة الطفل على إرادته الحرة، فإننا نقترح تدريب الأطفال على تحمل كل ما قد يفرض على حريتهم من قيود، وفي الوقت ذاته لا بد من إرشادهم إلى أن يحسنوا استخدام الحرية التي تمنح لهم، بحيث يتم استعمالها على الوجه الصحيح. فإذا لم يفعل المربون ذلك تصبح التربية أمرًا آليًا ويصبح التلاميذ بعد أن ينتهوا من تعليمهم المدرسي عاجزين عن أن يحسنوا استخدام حريتهم. فيجب أن نشعرهم من البداية بما لا بد أن يواجهونه في المجتمع من مقاومة حتى يدركوا ما يعترضهم من صعاب في إعالة أنفسهم، وحتى يقاسوا ألم الحرمان ويكتسبوا الصفات التي تجعل منهم أفرادًا مستقلين.

     وداخل هذا الإطار يؤكد “حامد عمار” على ضرورة ” العمل على خلق الظروف والوسائط التي تمكن مختلف الطلاب، وبخاصة أبناء الطبقات المحرومة وبناتها، من التحرر والحرية. فالتحرر من القيود الطبقية والثقافية التي تعوق تنمية طاقاتهم، والحرية من أجل اكتساب الثقة بأنفسهم وقدرتهم على المشاركة في صنع القرار وفي التفاعل الإيجابي مع ما يتعرضون له في ثقافة المدرسة من عالم الطبيعة والأشياء والمعارف التي تجعلهم أكثر وعيا بأنفسهم وبما حولهم ومن حولهم. وبذلك تغدو المعرفة والتعليم زادًا للوعي والتأمل الناقد لمختلف الفئات الاجتماعية لكي تكون فاعلة ومؤثرة في كينونتها وصيرورتها بدلًا من أن تكون مجرد راضية عنها مستمتعة بها، أو ناقمة عليها مقهورة منها (23).

     وهكذا، يمكن تقرير أن مبدأ الحرية يتطلب اتساع المعرفة، مما يفرض على التربية أن تجعل من “التعلم” شرط الحرية الأول، فالإنسان الحر لا بد أن يمتلك (كمًا وكيفًا) من المعرفة يمكنه من معرفة القوانين والقواعد التي تحكمه من أجل أن يعمل بمقتضاها، بحيث يوائم بين الحرية الممنوحة له والنظام المفروض عليه، سواء أكان ذلك في المدرسة أم في المجتمع.

     وكذلك ضرورة أن يعمل المربون على إشعار الطلاب بقواهم الخاصة، والتدرج بهم حتى يدركوا حقوق الآخرين وقواهم ويعترفوا بها، وتعليمهم ضرورة تعديل رغباتهم تعديلًا يتفق مع رغبات الآخرين. فإذا كانت المدرسة مكانًا للثقافة الإجبارية فهذا يعني أن التربية استرقاق، وإذا كان لا بد للتلميذ أن يصادف مقاومة ما، فينبغي ألا نحاول العمل على تحطيم إرادته، فإذا كانت المقاومة تجعله وديعًا مطواعًا، فتحطيم ارادته يجعل منه عبدًا خانعًا ذليلًا.

المراجع

[1]- J Dewey : “Problems of Men”, New York, Philosophical Library, 1946, (1) Pp. 90-91.

 -2رالف . ن. وين: قاموس جون ديوي للتربية، ترجمة محمد علي العريان، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1994، ص 129.

3- المرجع السابق نفسه: ص 120

4- ديوي، جون: رسالة في فلسفة التربية الحديثة، ترجمة احسان أحمد القوصي، مطبعة المعارف، القاهرة، 1928، ص 29-31.

5- ديوي، جون: ” الخبرة والتربية “، ترجمة محمد رفعت رمضان وزميله، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1954، ص 46.

6- محمد بو بكري: التربية والحرية: من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي، افريقيا الشرق، الدار البيضاء ، 1997، ص 5.

7- مجمع اللغة العربية – المعجم الفلسفي“، تصدير إبراهيم مدكور، الهيئة العامة الشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983، ص 17

8- جون ديوي: الخبرة والتربية، مرجع سابق، ص 65.

9- محمد لبيب النجيحي: التربية أصولها الفلسفية والنظرية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1984، ص 387.

10- رالف بارتن بيري: إنسانية الإنسان، ترجمة سلمى الخضراء الجيوشي، منشورات مكتبة المعارف، بیروت، 1991، ص ص 192-193.

11 – Clemens Menze : “Educational Humanism in the Current Discussion“, J. Education, Vol. 44, Spring, 1991, P. 76.

12- Lichtenstein, M. Peter. :” Radical Liberalism and Radical Education“. J. the American Journal of Economics and Sociology, Vol. 44, No. 1, spring, 1985. P. 41

13- محمد لبيب النجيحي: التربية أصولها الفلسفية والنظرية، مرجع سابق، ص 392.

14 – J. Dewey : “How We Thin”, Heath and Co. New York, 1933, P. 87.

15 – Richard, L. H. : “Freedom and Education : The Philosophy of Summerhill”, J. Educational Theory, Vol. 26, No. 2, Spring, 1976. P. 201

Peter, F. A. : “Values and Society An Introduction to Ethics and Social Philosophy”, New Jersey, Prentic Hall, 1978. P,47.

17 – Deborah . A. Brunson : “Empowering our Students and Our Selves : A the to Approach Democratic Liberal Classroom’’ . J. Communication Communication Education, Vol. 45, Spring, 1996, P. 73.

18 – ماك كالستر: نشأة الحرية في التربية، ترجمة أمين مرسي قنديل، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الجزء الأول، 1951، ص 42.

19- L. H. Richard: “Freedom and Education : The Philosophy of Summerhill”, Op. Cit., P. 192.

20- Ibid: P. 206.

21 – Ernst Meyer: “Learning in Groups – Learning in Freedom“, J. Education, Vol. 47, Spring, 1993, P. 60

22- Ibid: P. 60.

23- حامد عمار (تقديم) في: عبد السميع سيد أحمد: دراسات في علم الاجتماع التربوي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1993، ص 24.

مقالات أخرى

الفروق الثقافية في التعليم:

قراءة معرفيّة في سوسيولوجيا التّجربة المدرسيّة:

سيميائية التحول الجندري في الرواية التّونسية  بين البحث عن الهوية وتخريبها:

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد