تفكيك القيم في الشعر العربي القديم

تفكيك القيم في الشعر العربي القديم

الملخص:

في شعرنا العربي كثير من القيم الأخلاقية، ولطالما وجدنا الشّعراء يتغنون بهذه القيم، ويحاولون الترويج لها في أوساط المجتمع العربي القديم، حتى تمكنت هذه القيم من نفوس أبنائه، بل إنها أصبحت ميكانزمات خفية تتحكم فيهم وتحكمهم، بوعي منهم أو بغير وعي، حتى إنه ليغيب عنهم في بعض الأحايين ما قد يسببه التمسك بتلك القيم من أضرار. مثل هذا يمكن أن نلمحه في مسألة التعصب للنسب، أو تعظيم الغني، أو ما يتصل ببعض الطقوس الدينية والاجتماعية، أو غير ذلك من نماذج. لكن هذا المجتمع هو نفسه مَن أنتج خطابا معارضًا لهذه القيم، من خلال ما يمكن أن نسميه بإنتاج “المثقف العضوي”، هو ذلك الشاعر الذي شعر بمخاطر هذه القيم وسلبياتها، فراح يعمل على تفكيكها وتعريتها وبيان أضرارها. ونقدم هنا نموذجًا لذلك الشاعر، “المثقف العضوي”، من خلال الوقوف عند شعر عروة بن الورد، وما يعرضه في شعره من قضايا اجتماعية.

الكلمات المفاتيح: القيم، المثقف العضوي، المعارضة، الهيمنة.

Abstract:

In our Arab poetry, we have always found Poets singing these values, trying to promote them in the ancient Arab society, until they have been able to breathe in their children. Indeed, they have become hidden Mechanisms that control them, consciously or unconsciously, and even lose sight of descent, maximization of the rich, related to certain religious and social rituals, or other examples. But it is this same society that has produced rhetoric against these values, through what we might call the “organic intellectual”, that poet who has felt the dangers and disadvantages of these values, so that he that works to dismantle them, erase them and demonstrate their damage.    

Keywords: Values, Organic intellectual, Opposition, Hegemony.


1- مقدّمة:

ارتبط مفهوم المثقف العضوي Organic Intellectual بالماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشيA. Gramsci ، وهو عنده المسئول عن تشكيل الوعي. وقد ميز جرامشي بين نوعين من الذين يؤدون الوظيفة الفكرية في المجتمع: يضم أولهما المثقفين التقليديين مثل المعلمين، ورجال الدين… ممن يواصلون العمل نفسه من جيل إلى جيل. ويشمل ثانيهما المثقفين العضويين، الذين اعتبرهم مرتبطين على نحو مباشر بطبقات أو بمؤسسات تجارية تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح واكتساب المزيد من القوة، وزيادة السيطرة. ولذلك فالمثقف العضوي عند جرامشي يمكن أن يكون مُنظِّم الأعمال الرأسمالي الذي يخلق إلى جانبه التقني الصناعي، والاختصاصي في الاقتصاد السياسي، ومسؤولين لإنشاء ثقافة جديدة، أو نظام قانوني جديد، إلى ما هنالك. في عالم اليوم، وفقًا لجرامشي، يعد خبير الإعلان أو العلاقات العامة، الذي يستنبط أساليب تضمن لمسحوق غسيل أو لشركة طيران حصة أكبر من السوق، مثقفًا عضويًّا. فهو إنسان في مجتمع ديموقراطي يحاول أن يكسب موافقة الزبائن المحتملين، ونيل الاستحسان، وتوجيه رأي المستهلك أو الناخب. وكان جرامشي مؤمنًا بأن المثقفين العضويين يشاركون في المجتمع بنشاط، أي إنهم يناضلون باستمرار لتغيير الآراء وتوسيع الأسواق، فالمثقفون العضويون هم دائمو التنقل، دائمو التشكل، على عكس المعلمين والكهنة، الذين يبدون وكأنهم باقون في أماكنهم، يؤدون نوع العمل ذاته عامًا بعد عام[1].

وبذلك يمكن أن نرى نوعين من المثقفين العضويين: نوع يعضد من وسائل السيطرة والهيمنة لدى السلطة المهيمنة، باسم النفعية المؤسساتية والمصلحة العامة. ونوع يقوم بتشكيل الوعي وتبصير الناس بوسائل الهيمنة هذه، ويرسم لهم سبل مقاومتها؛ فليس كل الناس يستطيعون رؤية ذلك. لكن الذي لا توافق فيه الدراسة جرامشي هو التقليل من شأن رجال الدين بوصفهم مثقفين تقليديين وليسوا عضويين، فلديهم من سلطة باسم الدين إمكانات الاستحواذ على العقل وتشكيل الوعي، وبذلك فإن رجال الدين من الممكن أن يكون لهم دور كبير في تعضيد بقاء السلطة، وأن يكونوا أداة تفرض بها السلطة هيمنتها، حين يبررون ما تفعله السلطة ويروجون له. وعلى العكس من ذلك، قد يكونون وسيلة لكشف الظلم وغياب قيم العدالة والمساواة، فيشجبون الفساد ويتحدون جور السلطة ومطامعها. من هنا يمكن القول: إن المثقف العضوي عامة هو المسئول عن تشكيل الوعي عن طريق الإقناع؛ أي عن طريق الاستحواذ العقلي والعاطفي.

ومن هنا فليس المثقف العضوي هو الذي يعيش في أبراج عاجية بعيدًا عن مشكلات المجتمع، وليس هو المنغمس في قضايا الميتافيزيقا أو أحلام الخيال؛ لكنه مثقف مشغول دائمًا بالمشكلات الثقافية والاجتماعية التي تعرض في المجتمع. وبالتالي فهو يقع في منطقة وسطى بين الأخلاق الاجتماعية وتصوراته الذاتية؛ بحيث لا تستوعبه أخلاق المجتمع وقيمه، ولا يعيش بعيدًا عن مشكلات مجتمعه. المثقف العضوي أقرب إلى مفهوم المغترب عند جورج سيميل، فـ “أن يكون المرء مغتربًا معناه، عند سيميل، القدرة على أن يجمع مزيجًا، مثاليًّا تقريبًا، من الاقتراب والابتعاد. الاغتراب هنا يعني أن شخصًا ما على مسافة بعيدة إنما هو قريب. كما أن البعد يعني أن شخصًا على مسافة قريبة إنما هو بعيد. الاغتراب هنا يكشف عن علاقة متبادلة من القرب والبعد، وهو الذي يجعل هذا التبادلَ ممكنًا”[2]. والناقد الديالكتيكي عند أدورنو هو صورة للمثقف العضوي الذي يتضمن المشاركة في المطروح الثقافي وعدم المشاركة معا. “ويتطلع أدورنو من خلال هذه الحالة المعلقة إلى الوصول إلى موقف متصلب عنيد إزاء أي صورة من صور التشيُّؤ. والقدرة على الاحتفاظ بالتوازن بين المشاركة وعدم المشاركة تفترض، عند أدورنو، قبولاً بالاغتراب عن أصول المرء… وهكذا يكون الاغتراب سلاح المعركة ضد تشيؤ المجتمع بصورة عامة، وتشيؤ الثقافة بصفة خاصة: لا يمكن شن هذه المعركة إلا عندما يقبل المفكر الناقد بالاغتراب موقفًا”([3]). إنه يغترب قليلا بحيث يستطيع توسيع زاوية الرؤية لقيم المجتمع وتحولاته، وبحيث لا ينغمس في شهوات المجتمع وملذاته. وفي الوقت نفسه لا يغالي في اغترابه بحيث ينعزل عن المجتمع تمامًا، لدرجة لا يستطيع فيها أن يراه ويتفهمه. وعلى المثقفين العضويين عند جوليان بندا “أن يعرضوا أنفسهم لأخطار الحرق، أو النبذ، أو الصّلْب. فهم شخصيات بارزة رمزية، متميزة بابتعادها الراسخ عن الاهتمامات العملية… عليهم أن يكونوا مدققين، وذوي شخصيات جبارة. وأهم من ذلك كله، يجب أن يكونوا في حالة معارضة شبه دائمة للوضع الراهن. ولهذه الأسباب مجتمعة، يتحتم أن يكون مثقفو بندا حفنةً ضئيلة، وبارزة على نحو جلي”([4]). وهم بسبب معارضتهم شبه الدائمة منبوذون من السلطة، يتعرضون دائمًا لألوان من التهميش أو التحقير([5]). وهم، لما يتعرضون له، يشعرون باغتراب نسبي في المجتمع، وتتسع الفجوة وتضيق بمقدار ما بين قيمهم وما في المجتمع من قيم سائدة.

لقد وُهب المثقف العضوي كما يقول إدوارد سعيد([6]) ملكة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر، أو موقف، أو فلسفة، أو رأي، أو تجسيد أيٍّ من هذه، أو تبيانها بألفاظ واضحة لجمهور ما، أو نيابة عنه. ولهذا الدور محاذيره، ولا يمكن القيام به من دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح علنًا للمناقشة أسئلة محرجة، ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي، وأن يكون مبررَ وجوده تمثيلُ كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى ويُغفل أمرها على نحو روتيني. ويقوم المثقف بهذه المهمة على أساس المبادئ العمومية: إن من حق البشر كلهم توقُّع معايير سلوكية لائقة من القوى الدنيوية أو الأمم، وإن الانتهاكات المتعمَّدة أو الناجمة عن إهمال هذه المعايير يجب أن يُشهد ضدها وأن تُحارب بشجاعة. وهذا الأمر قد أكدته دراسات ما بعد الكولونيالية؛ حيث ذهبت إلى تعظيم دور المثقف في التعبير عن الفئات التابعة التي لا تستطيع أن تعبر عن نفسها، إنه المرآة التي تنعكس عليها آلام المهمشين، وطموحاتهم، وأحلامهم. ولا يقتصر دور المثقف العضوي على التعبير عمّا يحسه هؤلاء وما يعانونه وما يطمحون إليه فقط، بل عليه أن يُغذي فيهم وسائل التغلب على ما يعانونه من قهر وبطش، وما يوفر لهم من سبل الحياة الكريمة. كذلك فالمثقف العضوي منوط به رصد التحولات الاجتماعية والتجاوزات السياسية والاقتصادية من السلطة ضد طبقات المجتمع المختلفة. وكذلك عليه مواجهة طبقته بأخطائها. وقديمًا مثّل عروة بن الورد هذا الدور.

2- عروة بن الورد وتفكيك قيم الجماعة العربية:

لعب عروة بن الورد دور “المثقف العضوي” الذي يحاول تغيير قيم جماعته التي يعيش فيها، من خلال عرضه لرؤى جديدة تعبّر عن رأيه في المنظومة القيمية التي رسّخت لها الجماعة العربية في العصر الجاهلي، حيث يرى عروة فساد هذه القيم وعدم صلاحيتها لأن تكون معيارًا حقيقيًا لقيمة الإنسان ومكانته الاجتماعية، فرفض أن تكون قيمة الإنسان بما يملكه من مال، وإنما ينبغي أن تتحدّد هذه القيمة بالوجود الفاعل والأثر الذي يتركه الإنسان في الجماعة. وأكد عروة كذلك قيمة العقل وأهميته في ميزان الرجال، رافضًا التّسليم بالخرافات والمعتقدات الموروثة التي تتنافى مع العقل، مثلما رفض أن يكون نسب الأم حائلا بين المرء والسّيادة، وذلك أنّ العرب كانت تُعيِّر بالأم الغريبة، ويرى عروة أن هذا معيار جائر وأنه ينبغي أن تتحدّد قيمة المرء بأفعاله. وفيما يلي تفصيل لتلك الجدليات الثقافية كما تتجلى في شعر عروة بن الورد العبسي.

2-1- الجدلية الأولى: (السيادة: المال/ القيمة والفعل):

يلاحظ القارئ لشعر عروة بن الورد أنه أمام نفسٍ مهمومة بغيرها على الدوام*، لا يفكر في نفسه إلا من حيث هي قيمة للآخر؛ أي من حيث ما تمثله للآخر من قيمة، ووظيفة اجتماعية، ومعنىً ثقافيٍّ، فوجوده مرهون بالقيمة والفعل، فإن لم يستطع أن يجعل من وجوده قيمة فالموت أجمل، يقول مخاطبًا زوجته التي تحاول أن تمنعه من الخروج للغزو[7]: من الطويل

دعيني أُطوِّفْ فـي البلاد لعلني    أُفيدُ غنىً فيه لذي الحقِّ مَحْمِلُ

أليس عظيمًا أن تُلِـــمَّ مُلِمَّةٌ    وليس علينا في الحقوق مُعَوَّلُ

فإن نحن لم نملك دفاعًا لحادثٍ     تُلِمُّ به الأيامُ فالمـوتُ أجمـلُ

ويقول في موضع آخر[8]:        من الطويل

أرى أمَّ حســان الغداةَ تلومُني    تُخوِّفني الأعداءَ والنفسُ أخْوَفُ

تقول سُليمى لــو أقمت لسرَّنا    ولم تدرِ أنّــي للمُقــام أطوِّفُ

إذا قلتُ قد جاء الغنى حال دونه    أبو صبيةٍ يشكو المفاقرَ أعْجَفُ

في هذا الخطاب يقيم عروة تعارضًا بين نسقين ثقافيين مختلفين: نسق يرى السعادة في الإقامة والقعود (لو أقمت لسرّنا). ونسق يرى أن قيمة الذات ليست في القعود، إنما فيما تقدمه من تفريج الكرب والشدة عن غيرها (فإن نحن لم نملك دفاعًا… فالموت أجمل، إذا قلت جاء الغنى حال دونه أبو صبية، أُفيد غنى فيه لذي الحق محمل). وتتنامى القيمة الحجاجية للنسق الثاني في تعارضه مع النسق الأول من خلال فكرة ثقافية مشتركة تقوم على أن الكرم حقٌ لذي المفاقر، وهنا يصبح للثقافة المشتركة والذاكرة الجماعية دور كبير في تفعيل النشاط الحجاجي، وتثبيت المعنى داخل المضامين الخطابية، بقصد توفير الشروط المناسبة لإقناع المتلقي به، وتحسين طرائق استقباله. فالنص الحجاجي يقوم على “محتملات نسقية وإحالات إشارية ذات أبعاد ثقافية فاعلة تتوسل باللغة وأنظمتها المتشابكة من أجل تشكيل فضاءات ما ورائية للمعنى في إطار السياق الكلي للنص. ونتيجة لتفاعل الذوات الحجاجية في بنية الخطاب، وما يشي به هذا التفاعل من حركيات وجدليات دائبة تسعى إلى البرهنة وإثبات الفاعلية؛ فإن النص الحجاجي يضحي مدارًا لتوالد الأنساق الثقافية المتسمة بالانفتاح الدلالي اللامتناهي”[9]. وهنا يغدو الحجاج نشاطًا ثقافيًّا له أبعاده المعرفية التي تكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة، وتصبح هذه الأنساق ذات وظيفة استدلالية من حيث ما تكشف عنه من ألوان الاختلاف والصراع المفاهيمي حول معنى ما، أو القضية التي تقوم عليها المحاجة. وهنا تأتي قيمة المفارقة في قوله: (ولم تدرِ أني للمقام أُطوِّف)، وهي مفارقة تتحقق من خلال بنية التعارض بين فعلي الإقامة والطواف، وتجعل تحقق الأول منهما (الإقامة) مرهون بالثاني (الطواف). وبمقتضى هذه المفارقة فإن ممارسة الطواف تتحول إلى قيمة ثقافية للخروج من بوتقة السلب التي يفرضها فعل الإقامة، ويتحول الغنى وما يتولد عنه من فعل الكرم إلى قيمة في إيديولوجيا الشاعر تُحقق قيمة الذات، حين تجعل منه سبيلاً لتفريج كربة المحتاج. وهو معنى ألح عليه عروة في نصوص كثيرة، كقوله مثلاً[10]:  من الطويل

أتهلكُ مُعْتَمٌّ وزيْدٌ ولم أُقِمْ      على نَدَبٍ يومًا ولي نفس مُخْطِرِ

إذ يخاطر بنفسه لئلا يهلك أبناء قبيلته. وصيغة السؤال التي تحمل معنى الاستنكار تقوي من سلطة الشاعر في سجاله الحجاجي، وتعلن تمرده على الطرف الآخر الذي يريد أن يسلب منه قوته والبرهنة عليها. إن خروج عروة خروج من أجل القيمة وإثبات الوجود الفاعل، ووجود صوت العاذلة الذي ينهاه عن ذلك هو ظهورٌ لصوت الرقيب الثقافي والاجتماعي، الذي يكبح جماح الذات وينهاها عن مخالفة الاجتماعي إلى الفردي. ويأتي السؤال الاستنكاري حاملاً معنى الرفض للقانون، ومؤسسًا لقانون جديد، يقوم على قدرات الذات في التعبير عن نفسها وإثبات وجودها. “فتصبح الذات وفقًا لمفهوم الرفض هذا قادرة على خلق سلطتها المضادة انطلاقًا من العمل الخلاق”[11] الذي تقوم به على مستوى الممارسة الخطابية والاجتماعية. وهكذا يؤسس عروة لفكرة الوجود بالقيمة، فوجود الفرد مرهون بقيمته، وقيمته تأتي من خلال ما يقدمه للآخرين. ولهذا فإن قيمة الفرد في ثقافته ليست من حيث امتلاك المال أو الغنى؛ إنما فيما يوظف فيه المال؛ من هنا كانت السيادة عنده بالفعال وليس بالثراء، وفي هذا المعنى يقول[12]

ما بالثراء يســـود كلُّ مُسوَّدٍ    مُثْرٍ، ولكن بالفعـال يسود   من الكامل

بل لا أُكاشر صاحبي فـي يسره    وأصدُّ إذ في عيشهِ تَصْريدُ

وإذا اختبَرْتُ فـإن جـاري نيله    من نائلي ومُيسَّري معهودُ

وإذا افتقرتُ فلـن أُرى مُتَخشِّعًا    لأخي غنىً معروفهُ مكدودُ

يقدم عروة نسقًا معارضًا للنسق القبلي الذي يقضي بالسيادة للذي يملك المال، بغض النظر عن قيمته وما يقدمه للمجتمع، وهو نسق يرفضه عروة. ولهذا كانت حملة عروة وشده على صاحب المال الذي يضن به ويبخل على المحتاجين له، فالمال إن لم يُوظِّفْه صاحبه في خدمة غيره طواعية، أُخذ منه كراهية وعنوة، وفي ذلك يقول عروة[13]:       من الطويل

لعل انطلاقي في البلاد ورحلتي    وشدِّي حيازيمَ المطيَّةِ بالرحْلِ

سيدفعني يومًا إلـى ربِّ هجمة    يدافع عنها بالعقـوق وبالبخل

فالمنع والعقوق والبخل أمورٌ تأنفها الثقافة العربية، وتجعلها منافيةً لكمال المروءة. وفي هذه الحال تُحمد القوة التي تأخذ هذا الحقَّ من البخيل. ولعل مفهومًا لم يستحوذ على فكر الجاهلي وكان له مجاله من التقديس مثل مفهوم القوة، حتى ” بذّ كل مفهوم آخر. ونهض الشعر يعبر عن روح عصره لا عن أحداثه فحسب، فيعمق الوعي والإحساس بهذه القوة… لقد كان الشعور بالقوة في صميمه شعور بالذات سواء أكانت هذه الذات فردية أم اجتماعية”[14]. وحين عظّمت الجماعة العربية قيمة القوة وامتدحتها، فإنما كان ذلك في إطار الإقدام والشجاعة، وليس في إطار البطش والظلم[15]. وهذا المعنى لا يأتي إلا بعد طول دراسة وتأمل.

نجد ذلك مثلاً في قصيدة معاوية بن مالك “معود الحكماء” التي قال فيها[16]:      من الوافر

إذا نزل السحابُ بأرض قومٍ    رعيناه وإنْ كانوا غضابا

فهذا البيت يُشعر للوهلة الأولى أن معاوية لا يأبه للآخرين ولا بحقوقهم ما دام هو الأقوى. لكن الأمر عكس ذلك؛ إذ كيف يؤسس لتلك الفكرة من الطيش والظلم والعدوان وهو الذي يقول في القصيدة نفسها: “ولا ظلمًا أردت ولا اختلابا”، ويقول:

أعوِّدُ مثلَها الحكماءَ بعدي    إذا ما الحقُ في الأشياعِ نابا

إذن فليس القهر والبغي هو ما يريد أن يعوده الحكماء، ولكن ماذا يريد أن يتعلمه الحكماء منه؟ 

تذهب مناهج تحليل الخطاب إلى أن الخطاب يُقرأ في سياقين[17]: سياق داخلي وهو الذي يمكن تسميته السياق النصي، حيث تحيل الأبيات بعضها إلى بعض. وسياق خارجي وهو السياق الثقافي. أما السياق الداخلي فإن القصيدة تتحدث عن رأبه الصدع بين حيي كعب من غير جور أو ظلم.  يقول:

رأبتُ الصدعَ من كعبٍ فأودى    وكان الصدعُ لا يعدُ ارتئابا

فأمسى كعبُها كعبــًا وكانت    من الشنآن قد دُعيَتْ كعابا

فالقوة هنا موظفة لرأب الصدع الذي كانت نار الشنآن تغذيه. والشنآن صورة من الغضب الذي يظهر في بيت القصيد (وإن كانوا غضابا). وهما صورتان من صور الطيش الذي يظهر في بداية القصيدة:

فإن تك سهمُها طاشتْ وسهمي    فقد نرمي بها حِقبا صِيَابا

فلما تقدم به العمر أقصر عن باطله، عن حياة اللهو التي كان يعيشها في شبابه:

أجدَّ القلبُ من سلمـى اجتنابا    وأقصرَ بعدما شابتْ وشابا

هذا هو المعنى الأول الذي يريد أن يعوده الحكماء. وهو معنى يدور حول القوة التي تقهر الطيش والغضب؛ لتتمكن من رأب الصدع. ثم هناك معنى آخر في قوله:

حملتُ حَمالةَ القرشي عنهم      …………………..

والحَمالة ما يحمل من الديات لوقف نزيف الدم ورأب الصدع، فهو معنى ثانٍ من معاني المروءة التي يريد أن يعودها الحكماء. وهناك معنى ثالث في قوله:

وكنتُ إذا العظيمةُ أفزعتْهم    نهضتُ ولا أدبّ لها دبابا

فالأبيات وإن بدت متباعدة للوهلة الأولى إلا أنها تجتمع حول فكرة القوة، والإرادة، والإقدام على تحمل الشدائد، والإحجام عن الشر، وأخذ الحق بالقوة.

أما السياق الثقافي فإن العرب تؤمن بأن الكلأ (وهو الناتج عن نزول السحاب) أحد ثلاثة يشترك فيها الناس ليس لأحد أن يمنعها[18]. هذا الكلأ وجه آخر للعطاء الذي يظهر في قوله: “بحمد الله ثم عطاء قوم”. وهو الذي يسبق قوله “إذا نزل السحاب…”. فنزول السحاب يستوجب الشكر أو حمد الله كما قال معاوية، ومن هذا الشكر ألا يمنعوا هذا العطاء. كما لا يمنعه هو:             من الكامل

إذ بعضُهم يحمي مراصدَ بيتِه        عن جاره وسبيلُنا مورودُ[19]

 وسبيله مورود لأن الناس فيه شركاء، فإن منعه قوم حُق للممنوع حينئذ أن يقاتل المانع[20]، وفي هذه الحالة لا يكون هذا ظلمًا ولا عدوانًا. وفكرة السبيل المورود الذي ليس لأحد أن يمنعه نجد لها نظيرًا/ صلةً في الثقافة اليهودية، فقد كان اليهود على اختلاط كبير بالعرب[21]*.

وقد جاء في سفر التثنية([22]) أثناء عبور بني إسرائيل لأرض حشبون، أنهم طلبوا من ملكها سيحون أن يبيعهم الطعام والشراب، وأن يسمح لهم بالمرور بأرضه مقابل فضة يدفعونها لسيحون، فلما أبى سيحون أمرهم الرب بأن يقاتلوه حتى أهلكوا سيحون ومن معه، وأورثهم الربُّ أرض حشبون.

لعل هذا الخبر يلقي الضوء على بيت معاوية بن مالك ويفسر غموضه؛ إذ يُجمع النصان على مقاتلة من يمنع السبيل والماء والكلأ عن أحد. الثقافتان العربية واليهودية إذن تجتمعان على تلك الفكرة، كما تجتمعان على غيرها من الأفكار([23]). لكن الأمر المهم في نص التوراة تلك العبارة التي في البداية: “فِي هَذَا اليَوْمِ أَبْتَدِئُ أَجْعَلُ خَشْيَتَكَ وَخَوْفَكَ أَمَامَ وُجُوهِ الشُّعُوبِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ .الذِينَ يَسْمَعُونَ خَبَرَكَ يَرْتَعِدُونَ وَيَجْزَعُونَ أَمَامَك. ٢٦” إنها تؤكد فكرة القوة، ليس القوة فحسب، بل ووجوب إشهارها في وجه من يمنع السبيل. وبهذا فليس بمستغرب أن يحتفل معاوية بقوته وقوة قومه ويتغنى بها. معاوية وقومه هنا هم حماة الثقافة وخدامها. ومن هنا فرعيه السحاب رغمًا ومقاتلة من يمنعه إنما هو تنفيذ لأوامر الرب عند اليهود، وانصياعًا لنسق الثقافة الذي يُشرك الناس في الماء والكلأ والنار. الآن لا تصبح تلك القوة التي يعتد بها معاوية قوة إهلاك لكنها رأب للصدع على حد قوله، هي من الإقدام والشجاعة التي تحمدها له الثقافة، أو يحمدها له الحكماء الذين هم أهل الحل والعقد من حماة الثقافة ورعاتها. فالإقدام حينئذ هو الصواب وليس الطيش. وهذا يفسر ذكر الصواب في قوله:

فإن أحمد بها نفسي فإني         أتيت بها غداتئذٍ صوابا

القوة هنا قوة محمودة (تكف النفس عن الهوى، ترأب الصدع، ترفع الأذى عن القبيلة، ترد الطائش عن طيشه وغيه). وهذا ما يريد أن يعوده الحكماء حراس الثقافة ورعاتها. ولو جاز لقلنا: هذا ما تريد الثقافة ويريد الحكماء أن يعودوه معاوية. كل هذه المعاني لا يمكن الوقوف عليها إلا برد الأبيات بعضها إلى بعض، وفهم السياق الثقافي الذي تنبعث منه القصيدة. وهذا السياق يمتدح الإقدام ويذم الطيش والشنآن والغضب وكل سبل الغي. ذلك الغي الذي يُعرض عنه معاوية في قصيدة أخرى[24]، بل ويتصدى له.

إن في نص التوراة جملة على صغرها تكشف عن معنى ثقافي على جانب كبير من الأهمية وهي: “لم نبق شاردا”. وتتردد تلك العبارة في كثير من حروبهم مع البلدان التي يفتحونها[25]*. وهي عبارة تنم عن شغف اليهود بالقتل والإسراف فيه، في حين أن نص معاوية لم يجعل للقوة وظيفة إلا رأب الصدع وجمع الشمل، الثقافة العربية تجمع، واليهودية تفرق وتبيد. 

هذه الأفكار يمكن أن نقع عليها في شعر عروة، ففي شعره تتردد أصداؤها، فالسبيل المورود عند معاوية والنص التوراتي هو “المُيَسَّرُ المعهود” عند عروة، والمنع الذي كان سبب الحرب بين معاوية وجيرانهم، وسبب حرب اليهود مع شيحون، كان هو السبب وراء هجوم عروة على صاحب الإبل (الذي معروفه مكدود). والقوة التي يؤكدها نصي معاوية ونص التوراة في وجه من يمنع الناسَ حقهم (في الكلأ)، هي نفسها التي يدافع بها عروة من يدافع عن إبله بالعقوق وبالبخل.

ومما يؤكده نصا عروة ومعاوية، وتؤكد عليه الثقافة العربية في نصوص كثيرة، فكرة أن المال وسيلة للكرم، وأن هذا الكرم ليس مما يختال به الغني على الفقير، أو يمن به عليه، وإنما هو حقٌّ أصيل للفقير[26]؛ ولذلك أعرض معاوية عن صاحبته حين رأت أن هذا الإنفاق غيٌّ، وأعرض عروة عن أمّ وهب حين غضبت منه إذ أعطى ناقتَه فقيرًا، فقال[27]:       من الوافر

أفــي نابٍ منحناها فقيرًا    له بطنابنـا طُنـُبٌ مُصيتُ

وفضلـةِ سمنةٍ ذهبت إليه    وأكثر حقِّه ما لا يفــوتُ

تبيت على المرافق أمُّ وهبٍ    وقد نام العيـونُ، لها كتيتُ

وقد علمت سُليمى أن رأيي    ورأي البخـل مختلفٌ شتيتُ

ووجود من يمنع الشاعر من فعل الكرم، وهي ظاهرة متكررة في شعر الكرم؛ إذ تظهر دائمًا العاذلة التي تحاول صرف الشاعر عنه[28]، وسواء كانت حقيقية أو خيالية، فإن وجودها يعني أن الثقافة العربية في الجاهلية لا تقوم على نسق واحد؛ إنما هي مجموعة من الأنساق التي قد تصل إلى حد التعارض، ومن ثم فظهور العاذلة يؤسس لفكرة الصراع بين الأنساق المتعارضة، ويؤكد انحياز الشعراء في ذلك العصر إلى الجانب الإنساني ذي المصلحة العامة أكثر من مصلحتهم الفردية. وانتصار الشاعر على صوت العاذلة يعد بطولة أخرى تضاف إلى بطولاته في البيئة القاسية المجدبة. وهذا التأكيد على قيمة الكرم أمر فرضته ثقافة البادية؛ مذ كانت “المحافظة على فكرة الضيافة ادّخارًا معنويًّا قيميًّا، يدرأ عن الذات غوائل الجوع والضياع، اللذين سيكونان المصير المحتوم فيما لو اختفت قيمة الكرم والضيافة من الثقافة الصحراوية، لهذا كان يجري تثبيت هذه القيمة والالتزام بها كأساس مرجعي للوجود”[29]. ومن هنا لم يكن التغني بالكرم مسألة تباهٍ، ولا علامة على الغنى، بقدر ما كانت مسألة وجودية حتمتها البيئة البدوية التي ارتأت في وجود هذه الصفة ضرورة ملحة من أجل حفظ الذات وبقائها[30]. فالبخل بالمال هو الذي يؤدي إلى انتشار ظاهرة الفقر[31]، وهو الذي أدى إلى التباين الشديد في طبقات المجتمع الجاهلي، ولهذا كان عروة بن الورد في أكثر أحاديثه يحثُّ على الإنفاق وعصيان صوت البخل، من ذلك قوله:              من الوافر

– إذا آداكَ مــالك فامتهنه   لجاديه وإن قـرع المُــراحُ[32]

– وإني لا يُريني البخلُ رأيًا    سواءٌ إن عطشتُ وإن رَويت[33]

هذه هي وظيفة المال عند عروة، ذلك المثقف العضوي، وهي وظيفة تقوم على حفظ بقاء الذات الإنسانية وصيانتها، وعدم اكتناز المال والبخل به عن الآخرين. وتقوم كذلك على مخالفة هوى النفس وشهواتها، حين تنزع إلى البخل والاستئثار به دون الناس. ولهذا السبب كان هجوم عروة الشديد على سلمة بن الخُرْشُب الأنماري حين اكتنز إبله ومنعها عن الناس، فقال عروة[34]:

أخذت معاقلها اللقاح لمجلس    حول ابنِ أكتمَ من بني أنمار          من الكامل

فوجدتُكـم لِقَحًا حُبِسْنَ بخُلّةٍ    وحُبسن إذ صُرّين غير غِزار

منعوا البكارة والإفال كليهما    ولهم أضـنُّ بأمّ كلِّ حـوار

فالمنع والضن مبرران يحاجُّ عروةُ بهما سلمةَ ويدافع عن نفسه حين عزم الاعتداء عليه والتصدي له، فسلمة قد خالف النسق الثقافي الذي يقضي بالشراكة في المأكل والمشرب والطريق. إن إحدى المهام التي يقوم بها المثقف العضوي، ويعتمد عليها تحليل الخطاب، هي فضح علاقات الهيمنة التي تقوم بها السلطة. ويمثل مفهوم الهيمنة هنا “شكلاً من أشكال سوء توظيف السلطة الاجتماعية؛ أي ممارسة السيطرة غير المشروعة قانونيًّا أو أخلاقيًّا على الآخرين من أجل تحقيق المصلحة الشخصية؛ مما يؤدي – في كثير من الأحيان- إلى عدم المساواة الاجتماعية”[35]. بينما عروة وهو يخالف نسق البخل والاستئثار يجعل المال شركة بينه وبين الناس، لا ينفرد به عنهم، وبذلك تتعالى ذاته على ذوات الآخرين ممن يبخلون بأموالهم، أو يحتجبون بها عن الناس. وعروة حريص على أن يتعالى بذاته على أولئك السادة، فيرسم لنفسه صورة تغذيها الأعراف الثقافية، ويرسم للآخر صورة تناقض تلك الأعراف. يقول مُحاجًّا قيس بن زهير حين عيره نحوله[36]:        من الطويل

إني امرؤ عافـي إنائـي شركةٌ    وأنتَ امـرؤٌ عافـي إنائكَ واحدُ

أتهزأُ منِّـي أنْ سمِنتَ وقد ترى    بجسميَ مسَّ الحقِّ والحقُّ جاهدُ

أُقسِّمُ جسمي فـي جُسومٍ كثيرةٍ    وأحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ

الأعراف الثقافية عنصر مهم من عناصر تشكيل الخطاب، وهي عنصر أساسي في عملية الحجاج؛ إذ تمد صاحبَ الحجاج الحجةَ القويةَ مما يقوي موقفه، ويعزز من قيمة خطابه في قرع حجة الخصم ويدحض خطابَه.

 ومخالفة الأعراف الثقافية يُعرِّض المخالِف للهجاء وسخطِ الناس عليه؛ ولهذا كان عروة شديدَ الهجاء لذلك الصعلوك الخامل، الذي يهين نفسَه بخدمة النساء والإقامة في البيوت يعتمد على غيره في معاشه، ولا همَّ له إلا إشباع نفسه. يقول عروة[37]:    من الطويل

لحى الله صعلوكًا إذا جنَّ ليلُه    مُصافي المُشاشِ آلفًا كلَّ مجزَرِ

يَعُدُّ الغنى مِن دهرهِ كلَّ ليلةٍ    أصابَ قِراها مِـن صديقٍ مُيَسِّر

قليلَ التماسِ الزادِ إلا لنفسِهِ    إذا هُوَ أمسى كالعريشِ المُجَوَّرِ

يُعين نساءَ الحيِّ ما يستعِنَّه    فيُمسي طَليحًا كالبعـير المُحسَّر

وقد دعا عروة على هذا النموذج المعطِّل لإنسانيته، برضوخه إلى الذل والاستعباد، فهو “نموذج لا يهتم بالمعاني الأخرى في الحياة التي تحفظ عليه كرامته، وتبقيه بعيدًا عن نوازع الخضوع والهيمنة التي لدى الآخرين”[38]. وبذلك فقد تنازل عن قيمته بوصفه إنسانًا: يرغب، ويطمح، ويسعى لتحقيق طموحاته وأهدافه. لم يمنع انتماء عروة لطائفة الصعاليك من كشف عيوب بعضهم، فوظيفة المثقف العضوي تتمثل بالدرجة الأولى في كشف العيوب النسقية التي تتغلغل في طبقته، وفي طبقات العامة، وتتحكم في سلوكيات الناس قبل نقد السلطة. ويحث عروة مثل هذا الصعلوك وغيره ممن هم على شاكلته بألا يقنع بذلّة العيش، فإن الأرض واسعة، إن ضنت أرض بنائلها فليتحول عنها إلى غيرها، فـ “في الأرض للحرِّ الكريمِ مَنادِحُ”[39]، يقول عروة[40]:          من الطويل

وما طالب الحاجات من كلِّ وجهةٍ    من الناس إلا من أجـدَّ وشمَّرا

فسر فــــي بلاد الله والتمس الغنـى    تعش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا

فلا ترض من عيشٍ بدون ولا تنمْ     وكيف ينام الليل من كان معسِرا

يعتمد عروة في تشكيل الوعي على سلطة اللغة التي تُمكِّنه من الأمر والنهي، وهي سلطة تستمد وجودها من النظام اللغوي، فللغة سلطان وقوة: تؤثر، وتوجه، وتنجز. وامتلاك ناصية اللغة امتلاك لسلطة الخطاب، وهذا أمر مهم بالنسبة للمثقف العضوي كي يستطيع التأثير وتشكيل الوعي، وهو تشكيل يعتمد عند عروة على السعي والحركة النشطة، وعدم الرضا بالذل أو الركون للنوم والراحة، فلا سبيل لمن تؤرقه الحاجة إلا الحركة وترك النوم. فهو مدفوع بغريزة البقاء إلى السعي، والحركة، وحفظ بقاء الذات. ولذلك فقد كان هوبز يرى أن “الدوافع الاجتماعية هي التي تحكم سلوك الإنسان، وأن الطاقة الجنسية الغريزية ليست هي العامل الحاسم في هذا المجال. فالإنسان يسعى إلى تحقيق الأمان لنفسه ولجماعته، ومن أجل ذلك يحاول جمع المال وامتلاك مقاليد القوة والسيطرة”[41]. إن عروة حريص على أن يملك كلُّ فرد ما يغنيه عن السؤال، وأن يكسب قوته من نفسه، ولا يعتمد فيه على غيره، فإن من اعتمد على غيره ذلّ، ومن سأل الناس ذهب ماء وجهه، أعطوه أو منعوه، فإن “من أكثر التسآل يومًا سيحرمُ”[42]. وعروة يأنف أن يكون هو أو غيره في هذا الموضع، فحال صاحب السؤال كما يقول القائل[43]:                  من الكامل

ما اعتاض بازل وجهه بسؤاله    عِوضًا ولو نال الغنى بسؤالِ

وإذا السؤالُ مع النوالِ وزنتَهُ     رجح السؤالُ وخفَّ كلُّ نوالِ

 لقد أراد عروة وهو يحاول تشكيل الوعي بقيم جديدة، أن يكرِّه إلى النفوس السؤالَ، وأن يغرس فيهم قيمة السعي في طلب الرزق. فعمد إلى تشنيع صورة السائل، وجعل المخاطرة بالحياة في سبيل كسب العيش أفضل من السؤال، بل إن الموت نفسه يكون أهون على المرء من ذل السؤال[44]، ومما يلاقيه السائل. يقول عروة[45]:             من الطويل

إذا المرء لم يطلب معاشًا لنفسه   شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا

وصار على الأدنَين كلّا وأوشكت        صلات ذوي القربى له أن تنكرا[46]

وهذا المعنى يتكرر كثيرًا عند عروة، ومنه قوله[47]:       من الكامل

خاطر بنفسكَ كي تُصيبَ غنيمةً     إن القعود مع العيال قبيح

المــــــــــال فيه مهــابـــــة وتجلّـــة     والفقر فيه مذلة وفضوح

يستثمر عروة خبراته المعرفية والثقافية بصورة تساعده على تشكيل خطابه على نحو مراوغ، يكشف فيه عيوب النسق القائم وإيديولوجيته التي تُجلُّ صاحب المال وتزدري الفقير: الفقر يفضح عيوب صاحبه، بينما الغنى ربٌّ غفور، يستر العيوب ويغفر الذنوب[48]، يقول عروة[49]:ذريني للغنـى أسعى فإنِّي     رأيتُ الناسَ شرُهـمُ الفقيرُ                      من الوافر

وأهـونُهم وأحقـــــــــرهُـم لديهم     وإن أمسى له كـرمٌ وخيرُ

ويقصى فيالنَّدِيِّ وتزدريه     حليلته وينهـرهالصغـير

وتلقى ذا الغنى وله جـلالٌ     يكاد فــؤادُ لاقيه يطـيرُ

قليـل الذنب والذنبُ جـمٌّ      ولكن الغنـى ربٌّ غفـورُ

تكشف الأبيات معاناة تلك الطبقة الفقيرة التابعة وما تلاقيه من التهميش والازدراء، في الوقت الذي ينعم فيه ربُّ المال بالتقدير والإجلال. فصوت عروة هو صوت طبقته، يعبر بلسانه عن حالهم، وقد عانوا كثيرًا من قلة المال، وشكوا مما يجدونه من انصراف الناس عنهم، حتى زوجاتهم، أقرب الناس إليهم، ينصرفن عنهم ويعجبن بصاحب المال[50]. إنه نسق متغلغل في نفوس الناس: “إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال”[51]. يتجلى هذا النسق الثقافي، كما يكشفه خطاب عروة، في عدد من الممارسات الاجتماعية: فالفقير (في النَّدِيِّ مقصىً، والصغير ينهره، والحليلة تزدريه وتتخلى عنه)، الفقر يدفن صالحات صاحبه، كما قال الأعشى[52]، حتى وإن كان لهذا الفقير (كرم وخير)، فإنه يقعد وسط القوم لا يتكلم[53] كأنه نطيح. في مقابل ذلك فإن الغني: يلقى وله جلال، قليل ذنبه وإن كان جمًّا، فغناه يغفر له، ويداري سوءاته، بل ويجلب له الحمدَ وإن كان مُذَمَّمًا، كما قال مالك بن حريم الهمداني[54]. ومن ثم فإن رفض الفقر عند عروة ليس للفقر في ذاته، إنما لأنه وجد الفقر معطِّلاً للوجود الفاعل للإنسان[55]، يحرمه من التفاعل الإنساني، ويمنعه مخالطة الناس في ظل مجتمع يتجه نحو تعظيم ربِّ المال. ولهذا نفهم لماذا ابتدأت الأبيات بفعل الأمر الذي يدل على ملله من وضعية التهميش التي سببتها قلة المال، وإذا كان الغنى هو السلاح الذي يمكنه من مواجهة المجتمع بتحسين وضعيته، وإخراجه من بوتقة التهميش الاجتماعي، فإنه خير سلاح حينئذ؛ إذ خير سلاح المرء ما وقاه، كما يقول المثل العربي[56].

وفعل الرؤية في البيت الأول يزيد من القيمة الحجاجية للخطاب؛ إذ يجعل المتلقي يقبل بما يعرضه الخطاب دون شك أو ريبة. ويعبر هذا الحجاج عن الإيديولوجيات المتصارعة خلف البنية اللغوية للخطاب، ويرسم صورة تقريبية عن بعض ما انشغل به الوعي الجاهلي من قضايا، والمواقف المتباينة والمتعارضة إزاء هذه القضايا. من هنا يصبح الحجاج وسيلة معرفية تكشف عن بعض من إيديولوجيا عروة التي تبرر سعيه المتواصل للغنى. فمن ناحية، يحمي هذا الغنى صاحبه من المذلة والهوان الاجتماعي، ومن ناحية ثانية يكون هذا المال وسيلة لشراء الأحاديث والذكر للمرء بعد موته، يقول في ذلك[57]:    من الطويل

ذريني ونفسي أمَّ حسّـان إنني   بها قبل ألا أملك البيع مشتري

أحاديثَ تبقى والفتى غير خالدٍ   إذا هو أمسى هامة فوق صُيَّرِ

ولذلك فإن الغنى لم يكن مطمحًا أو غاية في ذاته عند عروة؛ إنما بوصفه يردُّ للإنسان كلَّ ما يستلبه الفقر منه، وبخاصة حسن الثناء. فإن الإنسان، كلَّ إنسان، يُحب أن يثنى عليه، ويحب أن يذكر بعد موته بالقول الطيب والسيرة الحسنة، وهو معنى أكده غيرُ واحد من شعراء الجاهلية[58]. كما أن العرب كانوا يجعلون بذلَ المال وقايةً لأحسابهم وصيانةً لأعراضهم[59]. ومن ناحية ثالثة فإن المال يسمح لصاحبه بأن يقوم بواجباته تجاه من يعولهم، ومن هم في مسئوليته، ولذلك يقول[60]:    

ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومُقترا     من المال يَطرح نفسَه كلَّ مطرح        من الطويل

إنها مسئولية من يتولى أمور الرعية، إنها رسالة من المثقف العضوي إلى السلطة القائمة: من يتولى أمرنا عليه أن يطرح نفسه كلَّ مطرحٍ لئلا يضيعنا. وقد تحمّل عروة من قبل المسئولية[61] فلم يُضع إخوانه، ولم يَهضم حقًا لجاره، ولم يُسئ لصديقه، ولم يتطلع إلى عورات جارته. ثم إن عروة لم يترك ديار قومه للأعداء، كما فعل بنو ناشب الذين صبَّ عليهم عروة هجاءه لما تركوا ديارهم ورحلوا عنها[62]. وفي المقابل فإن عروة يشحذ همة الفقراء من الرعية للسعي لطلب المعاش الكريم، يستحثهم على ألا يتّكلوا على غيرهم؛ إنما عليهم أن يسعوا كي يكون غناهم من أنفسهم، فإن أصابوه كفاهم عن مقاعد خلف أدبار البيوت[63]، وإلا فقد عذروا أنفسهم بالسعي والعمل، هذه المعاني نجدها في قول عروة[64]:                    من الطويل

قلت لقوم فـي الكنيف: تروَّحوا     عشيَّةَ   قِلْنـا عنــــد مـاوان   رُزَّحِ

تنالوا المُنى أو تبلغوا بنفوسِكم     إلــى مُستراحٍ مــــــــــــن عناءٍ مُبَرِّحِ

ومن يك مثلي ذا عيال ومُقترا    من المال يطـــرح نفسَه كلَّ مطرَحِ

ليبلغ عُــــــــذرًا أو يُصيب رغيبةً    ومُبْلغُ نفـــــــــسٍ عذرَهـا مثلُ مُنْجِحِ

لعلَّكم أنْ تَصلحـــــــوا بعدما أرى    نباتَ العِضــاه المقبـل المُتَرَوِّحِ

إنه مشغول بفكرة بلوغ العذر*، أن يفعل الإنسان كل ما يسعه في سبيل أن يحيا كريمًا، وأن يأخذ بأسباب ذلك من مجاهدة وحركة وسعي، فإن فاز بكريم العيش فهنيئًا له، وإلا فقد بلغ العذر. ولا يأتي هذا العذر إلا من خلال الحركة والسعي والاعتماد على النفس، وبالتالي فثقافة الحركة والسعي نحو صيانة النفس هي القيمة الأخرى التي أراد عروة أن يؤكدها في خطابه؛ إذ إن قيمة الفرد ومكانته تتحد عند عروة بما ينجزه من أفعال في سبيل من يتولى أمرهم، أو يكون عليه واجب رعايتهم، أو ممن يكون لهم حق عليه. وثقافة الحركة والسعي هذه هي ثقافة المجتمع الصحراوي، ذلك المجتمع الذي لا يعرف الاستقرار، إنما هو دائما يرحل حيث مظنة العيش الكريم. وتعبر فكرة السعي والمخاطرة بالنفس في خطاب عروة عن نسق ثقافي مضمر في ثقافة الجاهلية، وهو نسق يمتدح السعي ويذم القعود[65]؛ حتى وإن أدى السعي إلى الموت، فالموت عندهم أهون من عيش الرمق، ” موت لا يجرّ إلى عارٍ خيرٌ من عيشٍ في رماق”[66]. والعرب في هذا الموضع تقول “كلبُ عَسٍّ خيرٌ من كلب ربْضٍ”[67]. وهو ما يعني أن النسق الشعري يتولد عن أنساق ثقافية موجودة خارجه، تحكم عملية إنتاج الخطاب وتحدد آليات ممارسته. إن عروة المثقف العضوي لا يهاجم النسق القائم على الدوام؛ إنما يهاجم ما يستلب من قيمة الذات. أما ما يكفل للذات صيانة نفسها من أنساق قائمة فإن الشاعر يفيد منه ويؤكده في صياغة الوعي الجمالي والثقافي. والبيت الأخير صورة من صور بعث الأمل في نفس أولئك المُعدمين الذين يئسوا من الحياة؛ ليستنهض همتهم ولينالوا المنى، إما بالعيش الكريم أو يستريحوا من عناء الفقر الذي يشل حركتهم ويجردهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع. وبذلك فقد سبق عروة الفلاسفة في تأكيد أهمية الأمل للنفس[68]. وفي هذا السياق الذي يحث على امتداح ثقافة العمل، يقدم عروة نموذجًا للصعلوك الذي يصون نفسه، ويفرض على الآخرين وجودَه، يقول[69]

ولكنَّ صُعلوكًا صحيفةُ وجهِهِ     كضـوء شهاب القابسِ المُتَنَوِّرِ      من الطويل

مُطلّا علـــــــــــى أعـدائه زجرونه    بساحتهم، زجرَ المنيح المُشهَّرِ

فإن بعُدوا لا يأمنــــــــون اقترابه    تَشَوُّفَ أهــل الغائب المتنظَّرِ

فذلك إن يلْـــــــــقَ المنيةَ يلقَها    حميدًا، وإن يستغن يومًا فأجدر

وهذه هي الصورة التي ارتضاها عروة للصعلوك، وارتضاها الصعاليك من ذوي الهمة العالية والنفس الكريمة لأنفسهم. أما ذلك الصعلوك الخامل فهو صورة من صور العجز المُرضي، أو بمعنى آخر صورة من صور العبودية المُرضية. وهي مُرضية من حيث هي تضمن له البقاء حيًّا، هي نوع من التمسك بالحياة: يقر بعبوديته في الوقت الذي يقر للآخر بالسيادة، وهو يفعل ذلك نظير أن يبقي له الآخر على حياته. هذا ما أكده هيجل في حديثه عن صراع السيد والعبد(*)، فكلاهما في حاجة لوجود الآخر: السيد يحتاج إلى العبد من أجل أن يخدمه ويعترف له بالسيادة، والعبد يعترف لسيده بالسيادة نظير أن يبقي له السيد على حياته. والمجتمع الإنساني –عند هيجل- كله قائم على تلك الفكرة.

التمسك بالحياة هو الذي جعل ذلك الخامل يرضى بالعبودية وذِلتها هربًا من الموت، الذي هو النتيجة المحتملة لدخوله في صراع مع ذلك السيد القوي. وحيث إن الثقافة العربية في العصر الجاهلي لم تكن لترضى بذلك الرضوخ[70]، فقد كان صاحب النفس القوية والهمة العالية يرى أن ذلك الموت قد يأتي من خلال السكون والرضوخ، وهذا المعنى نجده في القلب من حديث عروة[71]. إن في الثقافة العربية القديمة أن الموت شبح يمكن أن يأتي الذات في أية لحظة، يقول عنترة[72]:

بكـرتْ تُخوِّفُني الحُتـــــــوفَ كأنَّني     أصبحتُ عن غرضِ الحُتوفِ بمعْزِلِ        من الكامل

فأجبتُهـا : إن المنيـةَ منهـــــــــــــلٌ           لابـد أن أُسقــــــــــــى بكـأسِ المَنْهَـلِ

فاقني حياءَكِ لا أبا لكِ، واعلمي    أنِّـي امرؤٌ سأمـــــــــــــــــوتُ إنْ لـمْ أُقْتَـلِ

هي إذن فكرة مستقرة في الوعي الجاهلي، الموت يحيط بهم من كل جانب. من أجل هذا نفهم لماذا تعرض ذلك الخامل لكل ذلك النقد، في الوقت الذي امتُدح فيه صاحب الهمة العالية. المدح والذم هنا وسيلتان تؤكد بهما الثقافة وجودها وتفرض من خلالهما زواجرها على أبنائها، وتحدد بهما معايير السلوك المقبولة والمرفوضة. هذه الثقافة التي كانت ترى الموت في سبيل القيمة خيرًا من الموت على الفراش، خيرًا من الموت المستكين الذي يظهر من قول خولة بنت الأزور[73]:     من الوافر

وإنا معشرٌ من مات منا    فليس يموت موتَ المستكينِ

هذه هي الجدلية الأولى في جدليات عروة المثقف العضوي مع المجتع، وهي جدلية تكشف عن نسقين ثقافيين في الثقافة الجاهلية: نسق يقدس الغني ويزدري الفقير، وآخر يقدس السعي ويقبّح القعود. يرفض عروة النسق الأول منهما وينحاز للثاني؛ أي يرفض التمييز بين الناس على أساس الفقر والغنى، ويدعو إلى توظيف المال في خدمة الناس، وأن قيمة الفرد فيما ينجزه من أعمال نحو من يرعاهم ويعولهم، ويدعو الغني كي يشرك الفقير في غناه، وأن هذه الشراكة هي حق الفقير على الغني وليست منةً منه وفضلا. أما النسق الثاني الذي يقدس السعي والحركة والمخاطرة بالنفس ويقبح القعود فإن عروة يؤكد هذا النسق ويحثّ عليه. لذلك فلا عجب أن تأتم عبس بشعره في حروبها[74]. فإذا تساءلنا ما الذي كان يعجب عبْسًا من شعر عروة؟ ألفينا الجواب في حثه الدائم على المخاطرة بالنفس من أجل أن يعيش المرء كريمًا عزيزًا، وهذه قيمة ألحَّ عليها عروة وعمل مرارًا وتكرارًا على تعزيزها في النفوس. هنا نقع على ملاحظة جديرة بالانتباه، إذ يدل ذلك على تأثر الجماعة/ الثقافة بخطاب الصعاليك وقيمه التي حاول أن يصدح بها في وجه المجتمع وثقافته. لقد أكد أصحاب الدرس الثقافي دائما مرونة الثقافة وقابليتها للأخذ والعطاء؛ فـ “الثقافة ليست نظامًا متجمدًا من القيم، بل إن فيها جانبًا آخر يتصل بقابليتها للتحول- جانبًا من المرونة التي تسمح بتقبل قيم جديدة، وهو ما يتيح لها أن تتغير عبر فترة من الزمن. الثقافة لا تصمد إلا إذا كانت قادرة على تلبية حاجة المجتمع إلى الانفتاح لما هو جديد، بل والتشجيع عليه”[75].

إن عروة مأخوذٌ بثقافة السعي والحركة التي تُخلِّص الإنسان من الخضوع ومذلة الفقر، وهي قيمة غرستها الثقافة الجاهلية في نفوس أبنائها، إنها ثقافة تؤمن بأن النجاح لصاحب العمل، كما قال لبيد[76]. وقد جاءت هذه القيمة في خطاب زوجة عروة له في قوله[77]:             من الكامل

قالتْ تماضرْ إذ رأتْ مالي خوى   وجفا الأقاربُ فالفؤادُ قريحُ

خاطرْ بنفسكَ كي تُصيبَ غنيمةً   إن القعودَ مـع العيالِ قبيحُ

الزوجة هنا هي ممثل الجماعة القبلية، وهي مخلصة لقيم ثقافتها وأوامرها؛ ولذلك فهي تزجر عروة وتحثه على الخروج والسعي. وتتوقف علاقة التقارب والتباعد بين عروة وبين جماعته بمقدار ما بينهما من قيم مشتركة، وكما يقول سيميل: “الغريب قريب لنا ما دمنا نشعر بوجود صفات مشتركة بيننا؛ صفات قومية، أو اجتماعية، أو مهنية… ويكون بعيدًا عنّا ما دامت الصفات المشتركة بيننا وبينه متباعدة”[78]. وهكذا، فالمثقف المغترب تزداد درجة اغترابه وتقل حدتها بمقدار ما تتقارب قيمه وقيم جماعته، ويتحدد موقفه من الجماعة بمقدار ما تتقارب فيه قيم الجماعة مع قيمه وما يؤمن به؛ فالمشترك القيمي هو الذي يحدد درجة القرب والبعد بين المثقف المغترب وبين جماعته. وهو “بوصفه عضوًا في جماعة يكون قريبًا وبعيدًا في الوقت نفسه، بالضبط مثل العلاقة التي لا تتأسس إلا على صفات إنسانية مشتركة عموماً”[79]؛ ولهذا كان عروة أكثر انسجامًا مع المجتمع من الشنفرى، ولهذا أيضًا توحش الشنفرى ولم يتوحش عروة.

لقد قدم عروة نموذجًا للمثقف العضوي الذي يشارك في قضايا المجتمع ويمارسها على المستويين الخطابي والاجتماعي، فكان شعره صرخةً في وجه السلطة التي تستأثر بالمال لنفسها، وتحجبه عن الناس. وكانت حياته العملية نموذجًا للرجل الكادح الذي يسعى على غيره، بحيث يحفظهم ويصونهم من الهلاك جوعًا، أو من تعرض للناس بالسؤال؛ فإن سؤال الناس، في ثقافة الجاهليين، شر ما يكسبه المرء كما قال قيس بن عاصم[80].

2-2- الجدلية الثانية: (الخرافة/ العقل والتجربة):

الجدلية الثانية عند عروة تتعلق بأمور ترجع إلى اعتقادات خرافية. ومن ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الرجل إذا دخل قرية خاف وباءها ينهق عشرًا كنهيق الحمار. يقول الجاحظ[81]: “وكانوا إذا دخل أحدهم قريةً خاف من جنِّ أهلها، ومن وباء الحاضرة، أشد الخوف، إلا أن يقف على باب القرية فيُعَشِّرَ كما يعشِّرُ الحمارُ في نهيقه، ويُعلق عليه كعبَ أرنب. قال قائلهم:             من الطويل

ولا ينفع التعشيرُ في جنب جِرْمةٍ      ولا دعدعٌ يغْني ولا كعْبُ أرنبِ

وقال ابن منظور[82]: “إنهم يزعمون أن الرجل إذا ورد أرضَ وباءٍ وضع يدَه خلفَ أذنهِ فنَهَقَ عشْرَ نَهقاتٍ نَهيقَ الحمار*، ثم دخلها أمن من الوباء”. يسخر عروة في مقطوعة من ستة أبيات من هذا الطقس الديني الذي يراه خرافة من خرافات يهود، يقول[83]:     من الطويل

وقالوا: احب وانهق، لا تضيرُكَ خيبرٌ    وذلك من دين اليهــــــــــــــــود وُلــوعُ

لعمري لئن عشَّرْتُ من خِيفةِ الرّدى    نهـاقَ الحمــــــــــــــير إننــي لجـزوع

فـلا وأَلتْ تلك النفـوسُ، ولا أتتْ    على روضة الأجـدادِ، وهْيَ جميعُ

فكيف وقـد ذكَّيْتُ، واشتدَّ جـانبـــي     سُليمى، وعنديسامـعٌ ومُطيـعُ

لسـانٌ وسيـفٌ صـــــــارمٌ وحفيظةٌ     ورأيٌ لآراء الرجــالِ صَــــــــــــــروعُ

تُخوِّفُنـي ريْبَ المنون وقد مضـى     لنا سلـفٌ: قيــــــسٌ، معًـا، وربيعُ

فإن عروة، المثقف العضوي، يأبى أن يقوم بهذا الطقس ويرفضه لعدة أسباب: أولاً لأنه يرى أن هذا الطقس من كذبات اليهود (من دين اليهود ولوع)[84] وخرافاتهم. وليس لمثل هذا المثقف أن يقنع ويركن لهذه الأباطيل والخرافات. ثانيًا، فإن هذه الشعيرة تدل على الخوف والجزع من الحمى أو الوباء، وعروة يرى أن نفسه أقوى من أن تجزع من الموت فضلاً عن أن تجزع من الوباء[85]. ثالثًا، إذا كانت هذه الحمى تؤدي إلى الموت، فإن سادات قومه (قيس بن زهير، وربيع بن زياد) قد ماتوا بغيرها، ومن ثم فحتمية الموت ترفض الانصياع لمثل هذه الخرافة لأن الموت آت لا محالة، “ليس عن ذاك مقصرُ”[86]. رابعًا، فإن من كان له رأي ثاقب وقوة قتالية فليس له أن تَثنيه مثل هذه الخرافات عن الإقدام على حاجته، وليس له أن يلتفت لتلك الخرافات. ولهذا فقد دعا عروة على من معه ممن عشّروا بالهلكة والموت، وألا يرجعوا سالمين كاملي العدد لأرضهم[87]؛ لأنه رأى ذلك منهم سفاهةً وجبنًا.

لقد أكد عروة قيمة العقل وأهميته في ميزان الرجال، وكذلك أهميته فيمن يتصدى لجور السلطة، ولمن آل على نفسه أن يتحدث عن الناس، ويتحدث لهم. وقد امتلك عروة، كما يتحدث هو عن نفسه، رجاحة العقل التي تكفه عن البخل، وتكفه عن الجزع عند الحرب، وتكفه عن القول في الباطل، أو أن يقول فيما لا يعلم، وقاده عقله إلى أن يسأل حين يجهل، لكنه حين يسأل لا يسأل إلا ذا البيان وليس أي أحد. يقول عروة[88]:        من الوافر

وقد عَلمتْ سُليمـى أنَّ رأيي    ورأيَ البخلِ مختلفٌ شتيتُ

وأنِّي حين تشتجرُ العـوالي    حوالي اللُّبِّ ذو رأيٍّ زَمِيتُ

قؤول ذات علمي حيث علمي    وإمّا العلمُ أخطأني صموتُ

وأكفي ما علمتُ بفضل علمٍ    وأسـأل ذا البيان إذا عميتُ

يشير الفعل عميت، بوصفه علامة على الجهل والضلال، إلى ما يكون عليه الجاهل من حالٍ تدفعه للتقليد، وللبخل، وللهرب من القتال ظنًّا منه أن في تلك الأمور النجاة، ولا يعلم أن النجاة في عكسها: فالمقلِّد سفيه بغير عقل. و”البخيل ملومٌ حيث كانَ[89]، وهو ميت ومفارق ماله الذي جمع، ولن يبقى له إلا اللعن كلّما ذُكر. والجبان مذمومٌ عند العرب، وكانوا يفضلون الموت في ساحات القتال على الهرب. فـ “المنية خيرٌ من الدنية، واستقبال الموت خيرٌ من استدباره[90]. وعروة يستمد هذه المعاني الثقافية من ثقافة مجتمعه، فهو ليس بعيدًا عن المجتمع، وليس يجهل قيمه وأنساقه الثقافية. ومن ثم فإنه يحيل بخطابه على تلك الأنساق، فليس لمثله أن يغيب عنه، وقد أخذ على نفسه مهمة التثقيف، مثلُ تلك المعايير الثقافية. ومن ثم فهو يُشكِّل ذاته على النحو الذي تُرضي طموحَه، وكما يقول علماء النفس فإن ” مهمة كل إنسان أن يصير على أفضل صورة تؤهله لها ذاته”[91]. ولذلك فقد جدّ عروة في حديثه عن نفسه أن يكثر من الحديث عن قوته، وصلابته، ورجاحة عقله.

كذلك من الأمور المهمة التي تصبح علامات تحيل إلى معان ثقافية في إيديولوجيا عروة وهو يحاول أن يغير من الأعراف الاجتماعية أسماء النساء وكنيتهن: فابنة منذر[92] تأتي في سياق اللوم والإنذار لمن أراد أن يخرج على نسق الجماعة. وتأتي أم حسّان[93] في سياق الإحسان وإسداء النصائح. وتأتي أمُّ وهبٍ[94] في سياق الهبة والعطاء والكرم، وتأتي سليمى[95] في الحديث عن القوة والسلامة: سلامة النفس، والعقل، والبدن. وتأتي أمُّ سرياح[96] في مقام السعي والتطوف لطلب الحاجة. وبذلك فإن الأسماء والكنى التي يطلقها الشعراء ذات أبعاد إيديولوجية تحيل على معانٍ ودلالات ثقافية، ويفيد محلل الخطاب في تحليلاته من مثل تلك الكنى وما يمكن أن تحيل عليه من معان في فكر الشاعر وإيديولوجيته، وما تضمره من أنساق ثقافية[97].

2-3- الجدلية الثالثة: النسب (القريبة/ النزيعة):

أما الجدلية الثالثة عند عروة فتتعلق بفكرة شرف النسب. فقد كان العرب لشدة تعظيمهم لأنسابهم يزوجون بالأكفاء، ويتفاخرون بذلك، ويتهاجون بضعة النسب. وكان شرف النسب عاملاً من عوامل السيادة عندهم[98]، وطالما طمح عروة في هذه السيادة، وعلى هذا الأساس فإنه إذا كانت الأم من قبيلة لا تضاهي قبيلة الأب في النسب كان عارًا عند العرب، وهذه الفكرة نجده في قول عروة بن الورد حين يتحدث عن أخواله النهديين[99]:

ما بـي من عــار إخـال علمتُه      سِوى أن أخوالي إذا نُسبوا نَهْدُ       من الطويل

إذا ما أردتُ المجدَ قصَّرَ مجدهمْ    فأعيا علـيَّ أن يُقاربني المجدُ

فإن العار الذي لحق بعروة إنما جاء من عدم التكافؤ بين قبيلة أبيه (عبس)، وقبيلة أمه (نهد) التي أتت على ذاك الحسب[100]، وهذا العار لا يعبر عن وجهة نظر عروة؛ إنما يعبر عن قانون جائر، يكون فيه ضعة نسب الأم حائلا بين الابن وبين بلوغ درجات المجد والسيادة والرياسة. الأبيات إذن تعبر عن إيديولوجيا السلطة وليست تعبر عن اقتناع عروة بهذا العرف. ومما يؤكد ذلك قوله[101]:  

أعيرتموني أن أمــي نزيعةٌ     وهل يُنْجِبَنْ في القوم غيرُ النزائعِ                  من الطويل

والنزيعة عند العرب هي الغريبة في غير قومها. وكان العرب يزوجون في غير قبائلها كي يكون الولد فتيًّا لا عيب فيه ولا ضعف. ولذلك قالوا: “النزائع ولا القرائب”[102]. والعرب يزعمون أن تقارب الأنساب مدحٌ في الإبل؛ لأنه إنما يكون في الكرايم يحمل بعضها على بعض حفظًا لنوعها، وهو ذمٌّ للناس؛ لأن فيه سببًا للضعف. وفي الحديث اغتربوا لا تضْوَوْا. أي إن تزوج القرائب يوقع الضَوَى في الولد. ولذلك يمدحون بضد ذلك، كقول الشاعر:     من الطويل

تجاوزتُ بنتَ العمِّ وهي حبيبة    مخافة أن يضـوى علـيَّ سليلي[103]

وقال آخر مادحًا[104]:       من الطويل

فتــىً لم تلدْهُ بنتُ عـــــــمٍّ قريبةٍ     فيضوَى، وقد يضوى رذيلُ الأقاربِ

هو ابن غريبات النساء وإنما     ذوو الشأن أبناء النساء الغـرائب

وكانوا إذا زوَّجوا في غيرهم اختاروا الأكفاء، ولذلك قال أكتم بن صيفي لولده[105]: “يا بَنيَّ لا يحملنَّكم جمال النساء على صراحة النسب، فإن المناكح اللئيمة مدرجة للشرف”. وأم عروة كما يصرح نهدية، ونهد صريحة النسب، وليس فيهم عيب من هذه الناحية. أما ما عابه عروة عليهم فإنه جبنهم وضعفهم، يقول[106]:     من الطويل

ثعالب في الحرب العوانِ فإن تبُخْ      وتنْفَرجُ الجُلَّـى فإنهم الأُسْـدُ

وأما ضيق عروة من معايرة قومه له فلأنه لا يرى له ذنبًا في أن كان أخواله جبناء الحرب مادام هو غير ذلك، فهو كما يتحدث عن نفسه، سريع الإقدام، شديد المراس، صبورٌ عند اللقاء، غير جزوع لنوائب الدهر، يقول[107]:       من الطويل

أتجعل إقدامــــــــــي إذا الخيلُ أحجمتْ     وكرِّي إذا لم يمنع الدُّبْرَ مانعُ

سواءً ومن لا يُقدمُ المُهْرَ في الوغى    ومن دُبْرُهُ عند الهَزاهِزِ ضائعُ

إذا قيل يا ابن الورد أقدم إلى الوغى    أجبت فلاقاني كمــــــــــيٌّ مُقارعُ

فأتركـــــــه بالقــــــاع رهنـــًـــــــا ببلـدة     تَعاورهُ فيها الضباع الخوامعُ

فـلا أنا مما جرّت الحــــــــرب مشتكٍ      ولا أنا مما أحدث الدهرُ جازعُ

وهو ما يقوي إحساس الشاعر بالمفارقة، فهو يرى نفسه مؤهلاً لبلوغ درجات المجد من خلال ما يقوم به من بطولات، وما لا يستطيع غيره أن يفعله، ولكنه يصطدم بقانون الجماعة وأعرافها التي تجعل ضعف النسب عائقًا أمام بلوغ هذه الدرجة. وبالتالي فنحن أمام نسق إيديولوجي آخر يناقض به عروة إيديولوجيا الجماعة، ويرفض أن يكون التمييز بين الأفراد على أساس من أنسابهم، كما رفض من قبل أن يكون التمييز على أساس المال، وإنما أن تكون مكانة الفرد ومنزلته بما ينجزه ويحققه من أفعال، وما يستطيع أن يؤديه في سبيل الجماعة ومن هم في مسئوليته.

وأمام تحجّر القيم الاجتماعية وتمسك المجتمع بقيمه وأعرافه يدرك عروة أنه لا قيمة لإيديولوجيته وأنساقه ما لم يتغير المجتمع. ويدرك أن الفرد مهما كانت حالته (غنيًّا أو فقيرًا، أصيلَ النسب أو وضيعًا) لا قيمة له في مجتمع تحكمه الأهواء. يقول[108]:       من الطويل

هـمُ عيرونـي أن أمــــــــــــــي نزيعةٌ    وهل فـي كريمٍ ماجـد ما يعيَّرُ

وقد عيروني المالَ حين جمعتُه    وقد عيرونـي الفقرَ إذْ أنا مُقْتِرُ

وعيرني قومي شبابــــــــي ولِمَّتي    متى ما يشأ رهْـطُ امرئٍ يتعيَّرُ

يحمل الشطر الأخير يأس عروة من المجتمع، وفيه إشارة إلى سلطة النسق الجمعي، وأنه أقوى من سلطة الأنساق التي يحاول الفرد أن يؤسس لها أو يُشكلها، مهما كانت وضعية الفرد الاجتماعية، فإن المجتمع هو الذي يحدد، بقوانينه، مكانة الفرد ومنزلته الاجتماعية، وليس للقناعات الفردية قيمة ما لم يعترف بها المجتمع. وهكذا يدافع النسق الجمعي عن نفسه أمام النسق الفردي الذي يشكله عروة من خلال عملية المعايرة، وتصبح هذه المعايرة طريقة من طرق حفاظ السلطة على أنساقها. وقد برهن عروة في أكثر من موضع على قوته النفسية والبدنية، وعلى تحمّله الشدائد والمسئوليات سلمًا وحربًا، ومع ذلك فالمجتمع يعيره. وهذا يعني قوة الأنساق وسيطرتها على المجتمع وعلى سلوكياته، وليس لأحد أن ينفك منها. فسلطة الأنساق والأعراف كانت هي الحائل دائمًا بين عروة وبين بلوغ المجد والسيادة اللذين طالما سعى للوصول إليهما عن طريق بذل ما في اليد تارة، وبالمخاطرة بالنفس تارة ثانية، وبتحمل مسئوليات قبيلته في الحرب تارة ثالثة.

وهكذا وجد عروة نفسَه محاطًا بمجموعة من الأعراف والإيديولوجيات الاجتماعية التي لا تعترف بهوية الذات المفردة، إذا قلَّ المال بيديها، أو إذا كان في نسبه ما ينزل به عن درجة أولئك السادة؛ لذلك فقد اتخذ من التمرد على تلك الإيديولوجيات وسيلة يحقق بها ذاته، من خلال التماثل مع أعراف اجتماعية أخرى تحث على السعي، والبذل، والدفاع لإقامة أنساقه الاستعلائية التي تعمل على تحرر الذات من قيود المجموع القبلي إلى الفعل والقيمة. أما الأنساق التي حاول عروة أن يُشكِّلَها ويغرسَها في وعي الفئات المهمشة خاصة، والمجتمع عامة، فإنها تنمُّ عن روح تحررية، تُحرر الإنسان من كل ما يستلب منه قيمته بوصفه إنسانًا يستطيع الفعل وتغيير أوضاعه الاجتماعية. ولذلك كان حثُّه الدائم للفقراء على أن يمتلكوا القوة التي تمكنهم من أخذ حقوقهم من الأغنياء[109]، وتمكنهم من سبل العيش الكريم. والسلطة في كل مكان وفي كل زمان لا تحب من يؤلِّب عليها الناس، أو يحاول تبصيرهم بحقيقة أوضاعهم وما ينبغي أن يكونوا عليه، ولذلك تحاول دائمًا تشويه صورة من يقوم بذلك الفعل، قد تكون المعايرة إحدى صور ذلك التشويه، وقد يكون التغريب ثمنًا لذلك[110]. وقد أصاب ذلك عروةَ المثقف العضوي الناقد لأوضاع المجتمع، والناقم على تقاليد السلطة في إجحافها وإنكار قيمة الفعل الإنساني، وهو ما جعله يحس بغربة شديدة في مجتمعه، ناتجة من اختلاف إيديولوجيته عن الأنساق القائمة، والتي سعى على الدوام لتغييرها، أو على الأقل تغيير بعضها؛ لتحل قيمة الفعل الإنساني المفرد بدلاً من التراتب الطبقي.

ويزداد شعور المثقف بالاغتراب كلما اتسعت الفجوة بين ما يؤمن به من قيم وما تؤمن به جماعته، وكلما “زادت درجة التناقض، فيما يرى روكتش، بين ما يدركه الفرد على أنها قيم مهمة بالنسبة له، وما يدركه على أنها قيم غيره، أي قيم الآخرين، زاد ذلك من إحساسه بالاغتراب”[111]. ومما زاد من غربة عروة أنها لم تكن ناجمة عن تضارب العلاقة مع السلطة فقط، إنما كانت ناتجة عن تحول أصحابه وتنكرهم له بعدما أشفق عليهم وأنفق ماله عليهم. هي إذن غربة مزدوجة تنتج عن مقابلة الإحسان بالإساءة. فصديقاه اللذان كان يحسن إليهما وهما فقراء، أصابا غُنمًا وأخصبا، فلما سألهما تنكرا له، ولم يعطياه شيئًا، فقال في ذلك[112]:     من الوافر

أيَّ الناسِ آمـنُ بعــــــــــد بَلْجٍ     وقُرّةَ صاحبـيَّ بذي ظـلال

ألمّا أغزرَتْ في العُسِّ بَرْكٌ    ودِرْعةُ بنتُها نسيـا فعالـي

وكأن المثقف المغترب قد فُرض عليه الاغتراب فرضًا، وليس له إلا أن يكون مغتربًا على الدوام. فبرغم أن عروة كان نموذجًا للراعي الذي يصون رعيته، ويحافظ عليها، وينزل على رأيها، فإنه لم يلق منهم بعدما أزال شدتهم إلا التنكر لجميله، ونسيان ما فعله من أجلهم. ففي غزوة له مع أصحاب الكنيف اصطفى له من الغنائم ناقة وامرأة حسناء، على عادة ما كان يصنعه سادات القبائل من أمر الصفايا[113]، لكن أصحاب عروة أبوا إلا أن يكون ذلك قسمًا بينهم، فظل يلح عليهم أن يتركوا له ما اصطفى لكنهم أبوا، فنزل على رغبتهم وجعل المرأة قسمًا بينهم[114]. وقد عبَّر عروة عن ذلك الموقف بقوله[115]:         من الطويل

فإنِّي وإيَّاكمْ كذي الأم أرهنتْ       له ماءَ عينَيْها تُفـدّي وتَحْمِلُ

فلمّـا ترجَّت نفعـه وشبابه       أتتْ دونها أُخرى جديدٌ تكحَّلُ

فباتت لحـد المرفقين كليهِما      توحْـوِحُ ممّا نابها وتُوَلْـوِلُ

تَخَيَّرُ من أمرين ليسا بغبطةٍ     هـو الثكْلُ إلا أنها قد تَجَمَّلُ

يعبر عروة هنا عن إيديولوجيتين متصارعتين خلف بنية الخطاب، ويأتي بأسلوب المفارقة لإثارة الانفعال وخلق رؤى متضادة حول فكرة ثقافية موجودة في المجتمع. وتأتي المفارقة بوصفها وسيلة تساعد الشاعر في خلق رؤية ثقافية جديدة، تغاير ما تعارف عليه الناس، وتعبر عن رؤية الشاعر وإيديولوجيته الخاصة. فهل يعبر هذا الحزن عن رغبة دفينة عند عروة في الزعامة التي تلح عليه دومًا؟ وهل حزنه لأنه لم يستطع تحقيقها في مجتمعه الكبير، ولا قدر على اكتسابها من مجتمعه الصغير؟ أم أنه أراد أن يقول لابد أن ينزل السيد على رأي رعيته ورغباتهم مهما كلّفه ذلك من حزنٍ وألم ومشقة؟ فهذا النص بوصفه حادثة ثقافية معقدٌ تعقيد الثقافة، وينفتح على كثير من التأويلات والإشكاليات.

3- خاتمة:

كان عروة نموذجًا للمثقف العضوي، فلم يكن بعيدًا عن قضايا مجتمعه وإشكالياتها المتناقضة، وحاول دومًا أن يثبت كفاءته ووجوده الفاعل في الحياة، على المستويين: الشعري والاجتماعي، ساعيًا إلى استكشاف واقعه الاجتماعي وما يسببه النظام الاجتماعي من عقبات في سبيل تحقق الوجود الفاعل في الحياة، فحاول مرارًا إمداد الوعي بأنساق جديدة تساعده في التغلب على تلك العقبات، كما تساعد على التغلب على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. وكان مثالاً للمثقف الذي تتواءم إيديولوجيته مع ممارساته الاجتماعية والخطابية على نحو سواء.

لقد أكد عروة في خطابه أن قيمة الإنسان بفعله وما يقوم به من أعمال، وبالتالي فليس للمال قيمة في ذاته ما لم يوظف في دفع الشدائد عن المحتاجين، فالمال عنده وسيلة لا غاية. كذلك، أعلى من قيمة العقل، فليس للإنسان أن يستسلم للخرافات التي لا تصدقها التجربة. وأيضًا انتقد عروة مجتمعه لتمييزه بين الأفراد بحسب النسب، ورأى أن شرف الإنسان في أفعاله وبطولاته.

إن القيمة الأساسية التي يتمركز حولها شعر عروة بن الورد تدور حول قيمة الفعل الإنساني، فيؤكد أهمية قيمة العمل في سبيل الجماعة والحفاظ على الوجود الإنساني.


مقالات أخرى

من إشكاليّات الرّمز الصوفيّ

ملامح السّرد المقاوم

التّعليم عن بعد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد