مقاربة أركيو-أنثروبولوجية لـ “المجتمع المعطّل” في ليبيا

ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى

1- المقدمة:

يُعتبر الباحث الأستاذ الدّكتور “المنصف ونّاس” من أبرز الباحثين التونسيين والعرب عموما المتميّزين في مستوى نوعيّة كتاباتهم النّقدية، وفي غزارة منتوجهم العلمي في حقل علم الاجتماع الاجتماع عموما والثقافة خاصة. وهذا الكتاب الذي جاء تحت عنوان ” ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنة بلد” هو من آخر مؤلفاته الصادرة عام 2018. ومن المعروف أن لهذا الباحث عديد الكتابات والدّراسات المهتمّة بالمجتمع الليبي من ضمنها أطروحته الجامعية لنيل شهادة دكتورا الدولة.

2ــ أقسام الكتاب:

يتكوّن هذا الكتاب من فصلين اثنين :

أ ــ الفصل الأول:

جذور الأزمة والإخفاق والعنف في صلب المجتمع الليبي. توزّعت صفحات هذا الفصل على عنوانين كبيرين. القسم الأوّل جاء تحت عنوان :جذور اهتمام الباحث بالمجتمع الليبي: الأنثربولوجيا المستعصية. والقسم الثّاني كان عنوانه : شراكة الفاعلين الاجتماعيين والعسكريين في صناعة الأزمة والإخفاق في حل هذه الأزمة.

لقد استهل الكاتب الفصل الأول بمدخل حول “سيرته البحثية” ومغامرته العملية والعوامل الموضوعية التي جعلته يهتمّ بدراسة المجتمع الليبي على الرّغم من الصّعوبات والعوائق التي اعترضته. وقد امتدّت رحلته البحثيّة في هذا المجتمع على مدى أكثر من 26 سنة مكّنته من مراكمة منتوجه العلمي السّوسيو-أنثربولوجي والحفر في “ذاكرة الشّعب الليبي”([1]) في جميع أبعادها التاريخية والسّياسية والاجتماعية والثقافية والرمزية.

وقد سعى الكاتب في هذا الفصل أن يجمع بين التأصيل التاريخي للأحداث والوقائع والتشخيص العلمي “الأركيولوجي” لمآلاتها من خلال ما عرضه من شهادات ومصادر “أنثربولوجية” دالة، وكذلك عبر تحليل دوائر الأزمة في ليبيا التي كانت سببا في عطالة هذا المجتمع وفشله في تجربته التحديثية سابقا وراهنا. وهناك أسئلة كثيرة متشابكة ومتزاحمة طرحت في هذا الكتاب تدل على خطورة ما يجري في المجتمع الليبي في تجربته “الجديدة” ( بعد 2011) وفي ظل تطورات الأحداث التي كانت سمتها الرئيسية هي الفوضى والاضطراب وضبابية الرؤية وعدم اليقين في ملامح مستقبله.

ب ــ الفصل الثاني:

جاء تحت عنوان: المدنية الليبية الجديدة: شروطها ومراحلها. وقد قسم هذا الفصل إلى عنوانين رئيسيين. اهتم في العنوان الأول بمسألة “المدنية: تعريفا وفلسفة وممارسة. أما القسم الثاني من هذا الفصل فقد جاء تحت عنوان ” الأزمة: إعادة البناء في المجتمع الليبي: شروطه ومتطلّباته”.

اهتم الباحث في هذا الفصل بوضع “برنامج بحث” أو أرسى اللبنات الأولى لـ “ برنامج إنقاذي” للمجتمع الليبي في ظلّ غياب عدم الجديّة والإرادة من قبل مختلف الفاعلين الاجتماعيين الليبيين في وضع البرامج والخطط الإنقاذية والحلول الملموسة للخروج من المشكلات المزمنة والتّهميش وغياب الحوار المدني والسلمي والديمقراطية في مجتمعهم.

3ــ في الخصائص المنهجية للكتاب:

إنّ التحليل الموضوعي والنّقدي لوضعية المجتمع تفترض من الباحث أن يكون متملكا للقدرات المنهجية والأطر النظرية لاختراق الطبقات الكثيفة من الأنموذجيات والبراديغمات السوسيولوجية السائدة. وقد نبّه الباحث منذ البداية إلى مسألة منهجية مهمّة وهي “الطابع الافتراضي” لهذه الدراسة باعتبارها قابلة للمراجعة ولا يمكن اعتبار نتائجها نهائية ومطلقة.

لقد تعدّدت الأسئلة في هذا النص. فكانت لازِمة ٌمنهجيةٌ تعبَر عن فكر إشكالي ومنهج تحليلي يقلَب المسائل تقليبا ويدقَق النظر فيها تدقيقا علميا. وهذا المجهود المنهجي يدل على دقة الملاحظة وعلى وجود حيرة معرفية حول المجتمع الليبي عاشرت المؤلف وصاحبته طوال مسيرته البحثية قبل وفاته، لذلك جاء هذا النص يحمل في ثناياه ألما حقيقيا بشكل واضح وجلي، معلنة أحيانا ومتخفية أحيانا أخرى من خلال النَصوص أو الحجج المتنوعة وما ترمز إليه من معاني سوسيولوجية وحضارية ورمزية.

لقد جاءت هذه الدراسة حفريات في الوعي الفردي والجماعي، وحفريات في الواقع السوسيولوجي والأنثربولوجي التي تجلت في مختلف أبنية المجتمع الليبي ومؤسسَاته الاجتماعية والسياسية والعسكرية. وحمل النص أيضا مجهودا بحثيا كبيرا في المخزون الثقافي والسوسيولوجي لهذا المجتمع. فـالبشر الذين يصنعون ظواهرهم، لا يتكوَنون في الفراغ ولا هم ودونما سبب، على هذا النحو أو ذاك. إنَما هم نتاج ما يصنعونه، فيكونون بشكل أو بآخر ذوات الظواهر وموضوعاتها في آن معا[2].

ومن عناصر قوة المنهجية التي اعتمدها الباحث في هذا النّص هي المزاوجة بين البعدين الكمي والكيفي. هذه الميزة المنهجية النادرة والمعقّدة حضرت فيها مختلف أنواع الاسنادات والوثائق المرجعية بدءا بالتّاريخ والأنثربولوجيا الثقافية مرورا بعلم النّفس وعلم الاجتماع وصولا إلى الاقتصاد والجغرافيا. الخ كل هذه المداخل والمحدّدات المختلفة للمجتمع العربي في ليبيا أنتجت قراءة متكاملة ومتكافلة لها.

فـهذا الكتاب، حسب ما ذكر الباحث في المقدمة، هو عبارة عن “محاولة في ارهاصات الأزمة وسوسيولوجيا القطيعة”. وبالتالي، فإنّ الاهتمام بأسلوب البحث ومنهجه هو ما مكّن الباحث من الامساك بالأحداث المصغّرة والتحوّلات الخفيّة والأوضاع التي قد تبدو ثانوية لدى البعض، والتي تغدو ظواهر ثقافية كليّة، أي تصلح ركيزة وموضوعات وتربة بحثية خصبة لتعرية مختلف الترسبات الاجتماعية في حياة المجتمع الليبي المعاصر. ومن خلال هذا الأسلوب جمع كل العناصر الجزئية (micro) التي تعبّر عن الخصائص العامة (macro) للمجتمع وتترجم حالته الذهنية والأنثربولوجية المميزة والتي تشكل نواته العميقة والصلبة.

لقد انبنت هذه المنهجية، مثلما يقول المؤلف، على “تفكيك مستويات التّعقيد الأزموي (The crises of sophistication) وعلى مكافحتها علميا ومقارنتها بعضها ببعض وعلى إعادة تركيبها من أجل الوصول إلى بناء ثنائية الفهم والمعنى(المقاربة التفهمية). فمثل هذه الأزمة لا يمكن أن تفهم في شمولها فقط دون التعرف إلى الأجزاء المكوّنة لها”([3]). وقد تمكن الباحث ضمن فلسفته البحثية “الأركيولوجية” إلى الاهتمام باليومي من خلال الحفر في ثنايا الواقع بكل تلبساته وهامشياته من أجل الولوج إلى صميمه ومحاولة تفكيكه بما هو “تفكيك موضعي خالص([4]).

في إطار هذه المغامرة البحثية، اعتمد الكاتب على كل الوسائل المنهجية المتبعة في التقصي في علم الاجتماع والأنثربولوجيا(المقابلات والإحصائيات والوثائق التاريخية والأرشيفية وغيرها) والتي مكّنته من الحصول على “كنز من المعلومات والحقائق و”الأسرار” حول أبرز الشخصيات الليبية السياسية والعلمية والثقافية والاقتصادية والعسكرية التي ساهمت ـــ بشكل مباشر أو غير مباشر ــ في إنتاج ما يسّميه الباحث بـ”المجتمع المعطّل”؛ وهو “المجتمع الذي لا يملك زمام تطوّره التاريخي والاجتماعي والثقافي؛ وهو ملزم بنمط تغير غير تاريخي وما قبل حداثي([5]). لهذا، اعتمد الباحث في هذا النص على أدوات منهجية مختلفة ومداخل ابستمولوجية نقدية مكنته من اختراق بنيات هذا المجتمع المعطل، والتي تحتاج كل واحدة منها إلى دراسة بذاتها وإلى جهاز مفهومي خاص بها.

إنّ الكشف عن هذه الأبنية هو نوع من أنواع التحليل النفس ــ الاجتماعي(Psycho-social)؛ فهو يزاوج بين البنيويّة والتفهميّة والتحليل النفسي من خلال عرض سلسلة من الوقائع التاريخية التي تمثل المخزون والمادة البحثية المكوّنة للحياة النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية لنخبة المجتمع وعامته. فقد اعتمد الباحث منهجية الدراسة بالمعاينة الميدانية وبالتحقيق التفهّمي، وهما اللذان يشكّلان المبدأين الأساسيين للمنهج الأنثربولوجي لكي يتوصل إلى فهم الأسباب البنيوية لهذه العطالة وعِلَلها. واستند في ذلك على مبدإ التناسق والتماسك المنهجي بين مجموعة من “المفاهيم المفتاحية” وبين القضايا الأنثربولوجية التي أتى عليها برؤية نقدية فاحصة لشروط إمكانية تحقيق المعرفة العلمية وصدقها. لهذا، دعا إلى ضرورة اعتماد “التدقيق الابستمولوجي والمفاهيمي“، والعمل على مد جسور التواصل الاختصاصي بين العلوم الإنسانية.

4ـ نتائج الدّراسة:

ما شدّنا في هذا الكتاب هو عمق التأملات الأنثربولوجية في أوضاع المجتمع الليبي الذي يتعرّض إلى محاولات فرض التغيير فيه بشكل تعسفي في حياته اليومية بعد 11 فيفيري 2011. ونتيجة هذه التغييرات “الفجائية” اتجهت أساليب التعامل بين الفاعلين نحو التفكك، وتوسعت دوائر ما يسميها بـ “التمرّدات العفوية” حتى أوصلت المجتمع إلى أقصى محنته وأزمته التي مازالت قائمة إلى اليوم. فقد اختلط في المشهد الليبي “النّييءُ بالمَطْهُو” على حد تعبير عالم الأنثربولوجيا كلود لفي شتراوس.

أما النتائج التي توصل إليها الباحث في هذه الدراسة في ما يتعلق بتجليات أزمة المجتمع الليبي في مختلف أبنيتها الأفقية والعمودية، فقد حددها في ثلاثة مستويات:

1ــ كثافة المظاهر والممارسات الدالة على الأزمة،

2ــ تنوع هويات الفاعلين المتشاركين في صناعة الاخفاق،

3ــ تعدّد النتائج وتناقض المآلات المترتبة عن هذه الأزمة العميقة.

ففي ظلّ النّسق المجتمعي المغلق الذي تراكمت فيه الأخطاء الاستراتيجية الكبرى، لم تتفاعل معه القوى السياسية والاجتماعية بالحكمة والعقلانية والجديّة، بل تعاطت معه بغياب البرامج والخطط الانقاذية بما فتح من جديد المشكلات المترسّبة، وزاد من تفشي النزعة الانتقامية ومن حالات التّهميش ونهب ثروات البلاد، وكأنّنا بالباحث يقول بأنّ النّسق بات مغفّلاً لا فاعل له، وتهيمن عليه ثقافة التّدمير الشامل التي أصبحت عصيّة عن المقاومة.

وتذكّرنا هذه الدّراسة بكتابات “ليفي شتراوس” في حديثة عن وظيفة الأسطورة، ظاهريا ، والتي تتمثل في دمج العناصر العبثية المستهجنة التي تهدّد حياة مجتمع ما، ويبقى الناس هم الذين يبلورون هذه الأساطير ويصيغونها. لقد باتت السلبية تخترق المجتمع الليبي في كليّته نتيجة ترسّبات الأفكار والممارسات والعلاقات الميتة فيه. لذلك، كانت دراسة مورفولوجية اجتماعية وسياسية وثقافية تهتمّ بما هو عميق ومخفي إلى ما هو بيّن وواضح. وتكمن أهمية هذه المقاربة المورفولوجية من خلال أسلوب المزاوجة بين عرض الوقائع الراهنة والعودة الدورية (periodique) إلى الاستدلال بما هو تاريخي وأنثربولوجي في متن النص كله، أي الاستناد إلى عدد من الأحداث الماضية. ففي مجتمع يعيش عطالة و” لا تزامنات معاصرة” على حد تعبير الفيلسوف “أرنست بلوخ” يدلّل لنا الكاتب في هذا النص، على أنّه “ثمّة ظواهر وشخصيات وأحداث يمكنها أن تكون معاصرة بعضها للبعض بالرّغم من أنّها مفصولة عن بعضها بآلاف السّنين”([6]).

ومن البديهي القول، بأنّ تراكم الأحداث في العقود الزمنية الماضية سوف تشكّل خصائص البنيات الفكرية والاجتماعية والثقافية للمجتمع في ليبيا، ولكن هذه الحوادث على أهميّتها لم تولد قطيعة مجتمعية، ولا هي تسير بخط مستقيم أو ضمن سلسلة متصلة من التجديدات، أي أنّ تواترها الزمني بقي متشابهًا رغم اختلاف الحقبات الزمنية بينها وتغير سياقاتها التاريخية، ولكن دون إحداث أية قطيعة أو نقلة نوعية سواء في مستوى أبعادها الاجتماعية أو السّياسية.

قد يكون من الصّعب “ابستمولوجيا” القيام بعملية نقدية وتقييمية أو تحليلية وتفكيكية لأسس كتابات الباحث الدكتور المنصف وناس في مقالة، خاصة في ما يتعلق بكتاباته التي نبّهت إلى معضلات المجتمع الليبي “المزمنة” التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من واقعه الرّاهن. فقد توصل إلى حقيقة موضوعية وهي أن هذا المجتمع مازال يعيش في نوع من الغيبوبة العقلية التي تمنعه من ادراك الأمور على وجهها الصحيح.

لقد انطلق الباحث في هذا الكتاب من مبدإ قويم ومنهج سليم، ووفّق في دراسته التشخيصية عبر التحليل العميق لأسباب عطالة المجتمع الليبي وتجلياتها، مستندا إلى الرؤية العلمية و”الإنسانية” الأصيلة من أجل إنقاذ هذا المجتمع من محنته. هذا الفكر الأصيل القائم على المحاججة العلمية يقدم نمطا “جيولوجيا” من الحلول والأفكار من منظور تاريخي والقائمة على البرهنة والاقناعية لصدقية هذه الرؤى وأهميتها من أجل النهوض بمستقبل هذا البلد الذي يعيش حالة من الركود المجتمعي.

حوصلة:

جاء هذا الكتاب حصيلة رحلة المؤلف الحافلة بالبحث والعلم والمعرفة بالمجتمع الليبي، فقدم لنا فيه قراءة ابستمو-أنثربولوجية وفق مقاربة حية ومتطوّرة وهادفة تنهل من جميع المعارف الإنسانية وتقتحم جميع حقول المجتمع الليبي من أجل فهم منطق وقائعه اليومية وطرق اشتغال حقوله الاجتماعية والسياسية.. الخ وفهم دورها في عطالته التاريخية وتعريتها سوسيولوجيا وما تختبئ تحتها من ركامات ثقافية ورمزيّة، ومن نفايات سياسية ومعاني ومعتقدات وسلوكيات ــ فردية وجماعيةــ هجينة مازالت ماثلة في المخيال الاجتماعي للأفراد وفاعلة في هندسة المشهد السّياسي الليبي إلى اليوم.


[*]– المنصف ونّاس، ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنة بلد، الدار المتوسطية للنشر، أريانة ـ تونس، الطبعة الأولى 2018.

[1] ـ المرجع نفسه، ص 16.

 [3] ـ المنصف وناس،  ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنة بلد، ص 64.

[4] ـ حسين موسى، الفرد والمجتمع عند ميشال فوكو، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 2009، ص 6.

[5] ـ المنصف وناس، ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنة بلد، ص71.

[6] – Ernest junger, Graffiti; frontalieres, Paris, Bourgois, 1977, p.25.

مقالات أخرى

قراءة في كتاب: البينيّة في الأكاديميا العربية والإسلاميّة من الاختبار التقني إلى المسؤولية الحضارية

الطاقة الاستلابية للعنف الرمزي في المنظور التربوي عند علي وطفة

تقديم كتاب:”خطاب الاستعراب بتونس في عهد الحماية، الخصائص والخلفيّات” لنجاة قرفال

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد