بدايات الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس

الحركة الفكريّة تونس

الملخّص:

    يهتمّ هذا المقال برصد بدايات الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس من خلال كتاب محمد الفاضل بن عاشور الذي اهتمّ بهذه المسألة عبر عرض تاريخيّ مرحليّ بدأه من سنة 1883 إلى حدود سنة 1953. وتمّت مقاربة هذه النشأة عبر الإلمام بجملة العوامل التي شكّلت سياقا لحركة الفكر والأدب. وتمثّلت هذه المؤثّرات في جوانب سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وفكريّة. وقد تمّ الجمع بينها عبر تقديم صورة مفصّلة عنها خلال فترات تاريخيّة متتالية لتحديد ملامح التطوّر الأدبي الذي مثّل صدى للتحوّلات الّتي شهدتها تونس في مختلف المجالات. فكانت المراوحة بين ما هو سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ وإصلاحيّ من جهة، وبين ما هو فكريّ وأدبيّ من جهة أخرى. وقد سعينا من خلال هذا المقال إلى التّعريف بمرحلة هامّة من مراحل الأدب التّونسيّ، والتأريخ لفترة ساهمت في تشكيل ملامح الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس.

الكلمات المفتاحيّة: بدايات- الحركة الفكريّة- الحركة الأدبيّة- تونس.

Abstract:

This article is interested in the beginnings of the intellectual and literary movement in Tunisia with reference to the book of Mohammed Al-Fadhil Ben Ashour, which deals with this issue through a historically-staged overview from 1883 to 1953. The emergence of this movement is approached through listing the factors that shaped the context for this movement of thought and literature. These influences have political, social, economic and intellectual aspects. They are brought together in a thorough picture of the successive historical periods of this movement to identify the features of literary development that echoed the transformations that Tunisia had witnessed in various fields. So, it is the alternation between what is political, social, economic and reformist on the one hand, and what is intellectual and literary on the other hand. Through this article, we seek to introduce a significant era of Tunisian literature, and to historicize a period that contributed to the shaping of the intellectual and literary movement in Tunisia.

Keywords: beginnings, intellectual movement, literary movement, Tunisia.


1- المقدّمة:

تزامنت نشأة الحركة الفكريّة والأدبيّة مع عدّة سياقات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ساهمت في بلورتها. كما أنّها اقترنت مع مستويات التطوّر الحضاريّ والثقافيّ المختلفة التي شهدها المجتمع التونسي ومنها ظهور المدارس والطباعة والصحافة والجمعيّات الأدبيّة والمكتبات. وقد واكبت حركة الفكر والأدب، بكلّ فروعها الشعريّة والنثريّة، في تونس هذا المنحى. و اهتمّت عدّة كتب بالتأريخ لنشأة الأدب التّونسيّ من خلال تحديد عواملها وأعلامها وأغراضها. ولعلّ من أهمّ هذه الكتب الّتي وُجدت في مرحلة مبكّرة كتاب “الحركة الفكريّة       و الأدبيّة بتونس في القرنين 13 – 14 ه/ 19 – 20 م”[1] لابن عاشور[2] الذي حاول من خلاله الإلمام بتاريخ تونس الفكريّ والأدبيّ في العصر الحديث.

وتألّف الكتاب من دروس أكاديميّة في شكل ثماني محاضرات ألقاها أمام طلبة قسم الدّراسات الأدبيّة واللّغويّة بالقاهرة عرّف فيها بهذا التاريخ. وأثبت في آخره مجموعة من النّصوص التي اقترحها بوصفها نماذج شاهدة على النّهضة الفكريّة والثقافيّة في البلاد التونسيّة من منتصف القرن التاسع عشر إلى زمن الاستقلال. وقد قارب ملامح التطوّر الأدبيّ في تونس من خلال ربطه بإنشاء مؤسّسات ثقافيّة وحركات سياسيّة، وبمجالات إعلاميّة، وبأعلامه المعروفين والمغمورين في القرنين التّاسع عشر والعشرين.  وسنعمد إلى مقاربة هذه النشأة عبر تقسيمها إلى مراحل:

2- مرحلة ما قبل الاحتلال وما بعده:

درس ابن عاشور في محاضرته الأولى العوامل التي انعكست على الوضع الفكريّ والأدبيّ في تونس قبل الاحتلال وأثناءه.[3] وقد سبقت فترة الاحتلال وما فرضته من وضع جديد، هو وضع الحماية، عمليّة إصلاح بدأت مع أحمد باشا الذي اعتمد منهجيّة إصلاحيّة قامت على توجيه الأعمال والنّظم في مقرّ المسؤوليّة. فكلّف محمود قابادو[4]بتحرير خلاصة دروس الأساتذة الأجانب وترجمة كتب أوروبيّة وأسند الإشراف إلى خير الدين.[5] فانتقل إلى العمل الإصلاحي من الميدان العملي إلى الميدان الثقافيّ. وتطوّرت الحياة الأدبيّة باحتكاك العقليّتين الغربيّة والإسلاميّة الذي أسّس لظهور تيّار فكريّ جديد وفلسفة أخرى للنّهضة الإسلاميّة. وقد شملت الدّعوة الإصلاحيّة اقتباس علوم الغرب نقلا وتعلّما، والأخذ بأسباب المدنيّة الغربيّة ووجوب الالتحاق بها عبر الإصلاحات في المجالات العلميّة والسياسيّة والاجتماعيّة والإداريّة. 

وبرز دور خير الدين في عهد المشير الثالث محمد الصادق[6] الذي سنّ فيه إنجازات هامّة لعوامل التطوّر بتبنّي النّظم الإصلاحيّة واقتباس المعارف والعلوم الّتي تحقّقت بها النّهضة الأوروبيّة. وقد حرص خير الدين على تحقيق برنامجه الإصلاحيّ في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وكانت له إصلاحات في المجال الفكريّ بما أنشأه من مؤسّسات ساهمت في التطوّر الفكريّ والنّهضة الأدبيّة بتونس مثل إنشاء المدرسة الصادقيّة[7]والمكتبة العبدليّة وتنظيم التعليم الزيتونيّ وتشجيع الطباعة والصحافة والنّشر. وقد وسّعت الصادقيّة دائرة التعليم العربيّ الدّينيّ بتعليم اللّغات التركيّة والايطاليّة والفرنسيّة وتعليم الرياضيّات والطبيعيّات والاجتماعيّات، إضافة إلى إصلاح التعليم الزيتوني بتخطيط برامجه وضبط مناهجه وسنّ امتحانات النّقل والشّهادات. وتضمين المناهج إلى جانب العلوم الشرعيّة ووسائلها مواد الرياضيّات والطبيعيّات.

ساهمت المكتبة العبدليّة، التي أنشئت على الطراز الأوروبيّ، في نشر الفكر الجديد، إذ جُمعت فيها الكتب المتفرّقة في المساجد والمدارس، ورُتّبت، ووُضعت فهارسها. وضمّت مطبوعات حديثة صادرة في الشّرق وفي أوروبا، وصحف ونصوص القوانين والتراتيب المتعلّقة بالبلاد التونسيّة. فشاعت المعارف وانتشرت الآداب.

ومثّلت الطّباعة والصّحافة والنّشر أبرز العوامل في تطوّر الحياة الفكريّة والأدبيّة. فوُسّع نطاق الطّباعة بكثرة نشر الكتب الأدبيّة والتاريخيّة. واتّصلت جهود النّشر في تونس بمركزيّ النّشر ببيروت ومصر. فكثُرت المراسلات والمبادلات. وتعدّدت الكتب المطبوعة في الشّرق الّتي تمّ ترويجها في تونس. أمّا بالنّسبة إلى الكتابة والتّحرير فقد انتظم صدور مجلّة “الرائد التّونسيّ”.[8] وتطوّر نسق الكتابة فيها من الاقتصار على نشر الأوامر والقوانين والتّسميّات والأخبار الداخليّة والخارجيّة، وإدراج الأخبار المتعلّقة بتقدّم العلوم والاكتشافات وتقارير علميّة في التاريخ والجغرافيا والاجتماع، إلى نشر المقال الأدبي، إذ اشتملت، أثناء تولّي محمّد السّنوسيّ[9] تحريرها، على مقال توجيهيّ شبيه بالمقال الأدبيّ، يعتمد على ضبط الموضوع بطريقة التّعريف اللّغوي وإيراد الأدلّة القرآنيّة والأحاديث وشواهد شعريّة ونثريّة. وقد مثّلت هذه المؤسّسات الأربعة مجتمعة رافدا هامّا لفتح شعاب أخرى في الفكر والأدب. فحظيت بالتفاف المثقّفين ومؤيّدي الدّعوة الإصلاحيّة حولها. واستمرّ وجودها بعد اعتزال خير الدين للنّشاط السّياسيّ. وحافظت على تراتيبها وقوانينها وما تتلقّاه من اعتمادات ماليّة.                                                                                                                                                    لكنّ سلطات الاحتلال عمدت إلى الحيلولة دون تطوّر هذه المؤسّسات الهامّة. إذ فصلت محمد السّنوسي عن تحرير جريدة “الرائد التونسي” بعد معاهدة الحماية. وقيّدت نشاطها وجعلته منفتحا على النّاحية الرّسميّة فقط. وأسّست إدارة العلوم والمعارف التي وضعت جميع الأجهزة الثّقافيّة والتعليميّة تحت إشراف فرنسيّ مستعرب. وبعثت مؤسّسة تعليميّة، اعتمدت الفرنسيّة أداة للمعرفة العامّة وخصّصتها لدراسة التاريخ والجغرافيا والرياضيّات والطبيعيّات، تمثّلت في المدرسة العلويّة. وحصرت مجال العربيّة في اتقان اللّغة ودراسة الدّين. فانهار الكيان الثقافيّ للبلاد. وانسحب أعلام النّهضة الفكريّة وهاجروا إلى بلدان مختلفة. ولم يبق في تونس من دعاة الإصلاح إلاّ الشيخ سالم بوحاجب[10] الذي عُزل عن الحياة العامّة. فانحصرت ملامح الحياة الفكريّة و الأدبيّة في الإنتاج الفرديّ للمجموعة التي التفّت حول بوحاجب.  

حدّد ابن عاشور، خلال هذه المراحل، ثلاثة مظاهر للتطوّر الأدبيّ النّثريّ: أمّا أوّلها فتمثّل في التحرير الوصفيّ الذي انقسم بدوره إلى فرعين أساسيين هما الوصف الماديّ والعرض القصصيّ المرتبطين بتوجّه الكتّاب نحو وصف البلدان والطّرق والمباني والاختراعات الّتي تنتمي إلى العالم الأوروبي وتُمثّل مظاهر حضارته. وهو وصف قام على التّدقيق والإطالة. ومثلما تأثّر الفرع الأوّل من الوصف بالرّحلات، فإنّ الرّحلات أثّرت أيضا في فرعه الثّاني الذي اهتمّ بوصف السّير والتنقّلات وتاريخ الممالك والبلدان. وتولّد عن الصّنف الثّاني من الوصف فنّ التّراجم. فقد توجّه الاهتمام نحو التّاريخ التّونسيّ وتراجم التونسيّين تأكيدا للشّخصيّة الوطنيّة الخاصّة.

وأمّا ثانيها فتمثّل في التّحرير العلميّ الذي اهتمّ بالمباحث العلميّة تحقيقا وتبسيطا. وأُلحق أدبه بدائرة النّثر التعليمي. فعُرضت النّظريات، واستخلصت العبر، واستنتجت الفوائد. و أمّا ثالثها فتجسّد في المقال السّياسيّ الذي تجاوز صبغة المقال الصحفي الذي يهتمّ بجزئيّة من كلّيات المسائل السياسيّة إلى المقال الذي يعمد إلى بيان القضيّة بتقرير أصلها التاريخيّ ووضعها القانونيّ اعتمادا على الأدلّة والقواعد من جهة، وإلى الإقناع بالطرق البرهانيّة والخطابيّة والجدليّة من جهة ثانية. وقد مثّل الاحتلال الفرنسيّ قادحا لهذا الفنّ النّثريّ الذي عُدّ شكلا من أشكال النّضال السّياسيّ بطرحه للقضيّة التّونسيّة وإبرازه فظاعة العدوان الفرنسيّ وكشفه الأباطيل الّتي المستعمر عمل على ترويجها.

أثبتت هذه الأغراض، بما يجمعها من تقارب وتفاعل ووحدة المنشأ والمرجع، أنّ النّثر في هذه المرحلة كان اجتماعيّا سياسيّا وكتّابه من رجال السياسة الذين أكّدت كتاباتهم واقعيّة الأدب التّونسي وتصويره للحياة التونسيّة. وتجاوز هذا النّثر السّجع وفنون البديع. فكان أسلوبه مجدّدا ومتحرّرا وطابعه متّسما البساطة والوضوح. ومثّل أدب محمد السّنوسي مثالا لهذا التوجّه الجديد من الكتابة، إذ صبغ كتاباته بروح التّجديد. واعتمد أسلوبا أدبيّا على غير المنهج القديم المألوف.  

3- مرحلة الخلدونيّة:

ارتبطت الحياة الأدبيّة في تونس ارتباطا مباشرا بالأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة.[11] فقد استولى المستعمر الفرنسيّ على جميع أجهزة الحكم والإدارة، وحرص على بناء جميع النّظم على التقاليد الغربيّة متجاوزا الدين الإسلامي والعادات التونسيّة. وقد أدركت النخبة الإصلاحيّة خطورة هذا الوضع. ووجدت في جريدة “العروة الوثقى”[12] بما حملته من مبادئ تدعو إلى التّحرير والاستقلال خير مُعبّر عن أفكارها. ومثّلت زيارة محمد عبده لتونس حافزا لطرح سوء حالة البلاد وإعلان رفض النّظم البلديّة. وهو ما عُبّر عنه بحركة احتجاجيّة أرغمت الحكومة على التّراجع في قراراتها وتنقيح نظم البلديّة ومجالاتها. ثمّ نفت الإدارة الفرنسيّة دعاة الإصلاح وعزلتهم فانحلّت جمعية العروة الوثقى وتفرّق أعضاؤها و أنصارها.

برز في هذا الظرف عنصر جديد ناشئ من المتعلّمين هو عنصر المتخرّجين من الصادقيّة، المزدوجة ثقافتهم بين إسلاميّة وغربيّة. ورغبة من الوزير الأكبر للدولة التونسيّة في الحفاظ على الذاتيّة التونسيّة العربيّة للإدارة، دعّم سلك موظّفيها بموظّفين من خرّيجي الصادقيّة. وتمّ توظيفهم في مجالي التّعليم والإدارة. وتمسّك أبناء الصادقيّة وأبناء الزيتونة بالمنهج الإصلاحيّ الذي سنّه خير الدين وضمّنه مبادئه في سبيل تحقيق نهضة البلاد. وانكشفت لهم نوايا الاستعمار في القضاء على القوميّة العربيّة التونسيّة لمّا حرص على النأي بالمؤسّسات القوميّة عن التطوّر وعزلها عن تأثير التيّار العصريّ تمهيدا لزوالها، فلا بقاء إلاّ لمن انخرط ضمن الثقافة الفرنسيّة روحا وفكرا.

شهدت هذه المرحلة تأسيس جريدة “الحاضرة”[13] التي قُصِد منها تجديد الدعوة الإصلاحيّة باتّباع أصحابها فلسفة قابادو ومنهج خير الدين في الأخذ بسبل التمدّن، وتولّى تحريرها دعاة للنّهضة ومجيدون للّغة الفرنسيّة من ذوي المعارف في الطبيعيّات والرياضيّات. كانت “الحاضرة” امتدادا لـ “الرائد التونسيّ”. فنشرت مقالات عن الأحداث السياسيّة. وعرضت ما يُنشر بالصحف الفرنسيّة والانجليزيّة والايطاليّة. واهتمّت مقالات أخرى بطرح النّظم الاجتماعيّة والسياسيّة في أوروبا و دراسة أطوارها التاريخيّة ممّا وسمها بطابع تعليميّ. وساهمت بإشاعة أساليب جديدة لعرض التاريخ ومقارناته واستنتاجاته وفق مناهج تفكير مقتبسة من المصادر الحديثة للتّاريخ الأوروبيّ.

ولم يكن طابع الاعتدال الذي اعتمدته “الحاضرة” في مسلكها السّياسيّ وتجنّبها إثارة غضب الإدارة الاستعماريّة ليحظى بتأييد ذوي الغيرة الوطنيّة المتحرّرين من قيود الوظائف. فصدرت جريدة “الزهرة”[14] الّتي قام تحريرها الصحفيّ على النقد والاحتجاج، وفضح المقاصد الاستعماريّة. فعمدت الحكومة إلى تعطيلها ممّا زاد في إشعاعها.                                                            

 و سعى دعاة النهضة إلى إحياء المبدأ الذي قامت عليه أسس الدعوة الإصلاحيّة بإتقان العلوم الكونيّة. وطبّقوا هذا البرنامج بتكوين الجمعيّات مثل جمعيّة الخلدونيّة[15] لبثّ العلوم العصريّة باللّغة العربيّة لتعويض النقص الذي يعانيه التعليم الزيتوني. ونُظّمت دروس في التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعيّة والرياضيّة والاقتصاد واللّغة الفرنسيّة. وانتقد أساتذة جامع الزيتونة وطلبته خلو مناهج التعليم من تلك العلوم. وقد امتدّت هذه الدعوة إلى حين سنّ نظم جديدة للامتحانات اعتبرت فيها مواد الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا إلزاميّة. فسيطرت الفكرة الإصلاحيّة على الشبيبة الزيتونيّة. وواجهت حركة الإصلاح التعليمي رفضا من بعض الشيوخ إلاّ أنّهم أيقنوا، بتصدّي دعاة الإصلاح لهم، أنّ هذه الحركة أصبحت مذهبا مقترنا بالإصلاح الدّينيّ له دعوة وأتباع.                                                                                     

قويت الحركة الإصلاحيّة بظهور الثعالبي[16] الذي دعا إلى التطوّر والحريّة وفهم أسرار الدّين. وتأكّدت روح النّهضة الفكريّة بتعدّد الصحف الأسبوعيّة لمتخرّجين من الخلدونيّة. وخاضت هذه الصحف في المباحث الدينيّة. وناصرت الفكرة الإصلاحيّة. كما أيّدت محمد عبده وروّجت لأفكاره. فدعت إلى الإصلاح الدّينيّ. وكانت زيارته لتونس سنة 1884 تأييدا وتقويّة لحركة الإصلاحيين. وتأكّد خلال هذه الفترة حضور الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بوصفه داعية للإصلاح الدّينيّ والتّعليميّ ومناصرا للإصلاحيين ومقاوما للمحافظين.   

وصدرت خلال هذه المرحلة المجلّة العلميّة “السّعادة العظمى”[17] لمحمد الخضر حسين[18] الّتي مثّلت مركزا للحركة الفكريّة. وجمعت بين شقّين متباعدين، شقّ معارض للدّعوة الإصلاحيّة وآخر مناصر لها. وإضافة إلى ذلك، طُرحت فيها المباحث الدينيّة ومسائل أصول الدّين الاعتقاديّة وفروع الفقه العمليّة، وعدّد ابن عاشور العوامل التي أدّت إلى التّطوّر الأدبيّ، وانعكست إيجابا على عدّة جوانب فكريّة.

تطوّرت الحياة العلميّة خلال هذه الفترة تطوّرا تظافر مع الجانبين الفكري والنّفسيّ ممّا أسهم في تكوين الخصائص الأدبيّة الّتي تميّزت بها هذه المراحل. وقد اضطلعت الخلدونيّة، بوصفها مؤسّسة علميّة، بدور هامّ في تحقيق النّهضة الفكريّة. فأوجدت تعليما، وبعثت فنونا، واستعانت بمعارف ومناهج غير مطروقة. ثمّ تجاوزت أساليب الدّراسة التقليديّة، ففتحت، أمام الباحثين، أبواب المجادلات العلميّة التي ترتكز على البحث والبرهان في طرحها للمسائل الدينيّة. فقرنوا بين الأدلّة النّظريّة والغايات العلميّة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الثقافة الأدبيّة برزت أهمّيتها في التكوين العلمي العامّ، إذ عمد كتّاب تونس والمشّرق إلى تأكيد هذا التوجّه بإثباتهم مظهر القوّة البيانيّة فيما نشرته لهم الصّحف والمجلّات. وبالتقاء هذه العوامل، شهدت مجالات البحث انفتاحا تجسّد في فنون وكتب من العلم والأدب نحت منحى اجتهاديّا.  ووُجّه الاهتمام خلال هذه المرحلة نحو المباحث التّاريخيّة إحياء للآثار التونسيّة، وتنويها برجال العلم والأدب التونسييْن، وتعريفا بأعلام التاريخ الإسلاميّ ونفائس الكتب النّادرة.

وساهمت التآليف التي اعتمدت صور البحث العلميّ الطريف، ونقلت البحث العلمي والفلسفي عن مفكّري الغرب، و عرّبت روائع من الآداب الغربيّة، في توجيه الكتّاب في تونس وجهة جديدة في البحث والتحرير. وقد نسب ابن عاشور تطوّر الأدب في هذا الطوّر إلى عاملين أساسيين هما العامل الشرقيّ والعامل المحليّ. وتتجلّى المؤثّرات القادمة من الشّرق في جملة الآثار الأدبيّة التي تصدر في شكل كتب وما يُنشر في المجلّات والصحف. فكان تأثّر كتّاب تونس بالأدب النّثري الجديد الذي اعتمد دقّة الوصف والتّصوير عبر عرض واضح ومتسلسل للأفكار ومتجاوز للقوالب البلاغيّة المعقّدة، إضافة إلى اطلاعهم على الأدب الشعري الجديد الذي كان له أثر في توجيه الشّعر بتونس وجهة جديدة تبتعد عن الطرائق الشعريّة القديمة وتتفاعل مع واقع الناس وانفعالاتهم. وقد استقى الشّعر مواضيعه من الأحداث الهامّة الّتي كانت تملأ تاريخ تلك الحقبة والحياة العامّة وطرق إصلاحها.

وحدّد ابن عاشور أسباب تطوّر نشاط الحركة الأدبيّة، من ذلك وفرة الدّوريّات الّتي بلغ عددها بين مجلّة وصحيفة ما بين 1888 و 1909 خمسا وأربعين نشريّة. فتعدّدت تبعا لذلك المطابع الخاصّة بالتّونسيين الّتي وفّرت دواعي التّحرير، وأشاعت الأخبار والأفكار، وتولّت ترويج الطرائق الكتابيّة المتأثّرة بنهضة الأدب في الشّرق، ونقلت معان وأفكار متأثّرة بالحضارة الغربيّة ومعرّفة بآدابها ونظم تفكيرها. وهو ما أثرى الحركة الأدبيّة في تونس بالتّلاقح الفكريّ بين حضارتين، مستفيدة من أفكار مبتكرة وصور جديدة وأساليب مستجدّة.   

اعتمادا على ما نُشر خلال هذه الفترة من كتب ومجلّات وصحف حدّد ابن عاشور مظاهر التطوّر الأدبيّ بأن قسّمها إلى أغراض توزّعت بين النّثر السّياسي والنّثر الفنّي والنّثر العلميّ. وقرن السّياسيّ بجريدة “الصّواب”[19] لمحمد الجعايبي[20] التي نشرت المقال السّياسيّ النّقديّ لتنظيم الحكم وتصرّف الإدارة، داعيا في منهجه الاجتماعي الإصلاحيّ إلى تأسيس الجمعيّات الخيريّة والشّركات الاقتصاديّة. وقد فرّع النّثر الفنّي إلى ثلاثة أغراض مختلفة من الإنشاء المتباعدة في جوهرها والمتلاقية في مقاصدها الفنيّة. فأدرج، ضمن الغرض الأوّل، وصف الخواطر وتمثيل المجرّدات وإبراز الأحاديث النفسيّة في قالب المحاورات. وهو غرض يعتمد التفنّن الخياليّ وأبلغ قوالب التعبير. ويستأثر الغرض الثّاني بالتقرير الوصفيّ المتعلّق بالسّير والبلدان والمعالم والمجامع والعوائد ومحاورات المجالس. وقد فرّعه فرعين: الأوّل هو الرحلات التي تقدّم تاريخ البلدان ونُظمها ومظاهر حضارتها، والثاّني هو فرع الأخبار الذي تعلّق بوصف الحفلات الرسميّة والمواكب الملكيّة والترجمة لرجال العصر والتعريف بالنُّظم والمؤسّسات الدوليّة. أمّا الغرض الثّالث فقد خُصّص لفنّ الرواية. فعُدّت “الهيفاء وسراج اللّيل”[21] أوّل رواية ظهرت في تونس لكاتبها الشّاعر والمصلح الدّينيّ صالح السّويسي القيرواني.[22] أقامها كاتبها على هيكل القصّة البسيطة، ضعيفة العقدة الروائيّة. وحصر موضوعها في الدّعوة إلى العلم والتخلّق بالخلق الإسلاميّ الصّحيح، ونوّه فيها بالدّعوة الإصلاحيّة وعظمة رجالها. ونقد الأوهام الباطلة التي تروّج عن الدين الإسلاميّ.                    

وقد ازدهر النّثر العلميّ خلال هذه الفترة نتيجة لاتّساع المعارف وارتقاء مناهج التّعليم ووفرة الكتب والمجلّات. وساهم إتقان اللّغات الأجنبيّة والاطلاع على الإنتاج الأدبيّ والفكريّ الغربيّ، تعريبا وتلخيصا واقتباسا، في اتّساع مجالات المعرفة. وقد استدلّ ابن عاشور على ازدهار فنّ النّثر بالمقالات السياسيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة الّتي تولّد عنها مظهر جديد من مظاهر النّهضة الأدبيّة هو مظهر الخطابة العلميّة. ووجّه الإصلاح الدينيّ المفكرون نحو طرح مواضيعهم بنظر دينيّ وتحليل حكمي نحت فيه كتاباتهم العلميّة منحى أدبيّا لما تضمّنه من سمو البيان و بلاغة التّعبير.

4- مرحلة قدماء الصادقيّة:

درس ابن عاشور في محاضرته الثّالثة الطّور الممتدّ بين 1911 و 1920[23] والذي شهد تأسيس النّخبة ذات الثّقافة الغربيّة جمعيّة “قدماء الصّادقيّة”[24] الّتي وُسمت ببعدها الوطنيّ وتأسيسها لمنهج عملها اعتمادا على بثّ فكرة التّطوّر في الأوساط الشعبيّة وإحداث إصلاح جوهريّ في الفكر والمجتمع والمؤسّسات العامّة. وكان لمنهجها السّياسيّ تأثير كبير على تكييف نشاطها الأدبيّ، إذ اعتنت بالثّقافة الفرنسيّة. فاكتسى نشاطها صبغة ثقافيّة غربيّة واكتفت بالمحاضرات باللّغة الفرنسيّة الّتي يلقيها كتّاب ورجال فكر ونقّاد فرنسيين بنادي الصادقيّة. وفتح النادي، في وقت لاحق، باب المحاضرات بالعربيّة فقدّمها أساتذة اللّغة العربيّة وعُمد التّفكير الإسلامي من شيوخ الزيتونة، فكانت عميقة الفكرة ومحكمة الأسلوب وراقية التّعبير. ومهّدت للأدب والفكر العربيين سبيلا للتطوّر والارتقاء. وشرّعت بابا جديدا للإنتاج الأدبي. ورفعت شأن البيان والفكر العربيين. وأدركت حركة مؤسّسي قدماء الصادقيّة أنّ غاياتهم لا تتحقّق إلاّ بنهج اللّغة العربيّة. فعدّلت منهجها. 

وحدّد ابن عاشور عوامل التطوّر الأدبي خلال هذا الطوّر الذي اتّسم بتمايز التيّارات      واختلاف مبادئها ومناهجها. وتوثّقت الصّلات بين النّخب المثقّفة والجمهور بواسطة المحاضرات والاجتماعات العامّة والصحف. هذا وقد أدرك مفكرو هذه المرحلة رواج الأفكار التي تتأسّس على الجدل والتناظر والتحاجج، وضرورة نقد أفكارهم وتحليلها قبل طرحها ممّا أثّر في ارتقاء المنهج الفكري للآثار الأدبيّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ النّثر السّياسيّ خلال هذه الفترة قد ارتبط بالصحافة فازدهر بازدهارها. وشهدت الصّحف الوطنيّة خلال هذا الطوّر، إضافة إلى التّحرير بالعربيّة، تحرير المقالات السّياسيّة باللّغة الفرنسيّة، إذ كانت تُنشر في صحف فرنسا وفي صحيفة “التّونسيّ” ذات اللّسان الفرنسيّ.[25] وتعمد الصّحف النّاطقة بالعربيّة إلى نقلها. فقد نشطت حركة التّعريب إثر نشوء النّشرات العربيّة للصحف الفرنسيّة. وشاعت في اللّغة العربيّة مناهج تفكير غربيّ في تحليل الموضوع وضبطه، وأساليب تعبير فرنسيّ في تركيب الجمل ونظمها وخصائص تعبيرها. فأمّا أساليب الصّياغة التي نُقلت بها المقالات المكتوبة بلغة أجنبيّة فقد أثّرت في نصوص التّحرير السّياسيّ. وأمّا اتّساع مواضيع هذه المقالات والتعمّق فيها وتحليل عناصرها فقد أثّرت في إدراج الدّراسة السّياسيّة ضمن النّظر العلميّ الموضوعيّ.                                 

أدرج ابن عاشور ضمن النّثر السّياسيّ شكلا آخر من أشكال الإنشاء الصحفيّ ممثّلا في الجدل بين الصحف التي ارتبط تعدّدها بتباين انتماءاتها السّياسيّة والثّقافيّة. وقد دار هذا الجدل على أعمدة صحف “التّونسيّ” و “الزهرة” و”مرشد الأمّة”.[26] وبلغ حدّ المشاحنات بينها. واصطبغ بحدّة النّقد والتهكّم. و اشتمل النّثر السياسيّ على باب التّعليق على الأخبار والحوادث، وازدهرت الكتابة ضمنه بسبب كثرة الأحداث وتباين المناهج السّياسيّة. وتدرّج كتّابه في كتاباتهم الصحفيّة من التعرّض للحدث ثمّ تحليله والتعليق عليه إلى استخلاص عبره. ولاحظ ابن عاشور أنّ التقدّم المحقّق في باب النّثر السّياسيّ لم يتحقّق في باب النّثر الفنّي، إذ وجّه الاهتمام خلال هذه المرحلة إلى السّياسة والنّضال واتّخذ من الصّحافة مجالا له. ولم يحل ذلك دون ظهور كتابات تجاوزت المواضيع السّياسيّة وما تفرضه من أساليب في صياغتها، نحو محاولات اندرجت ضمن النّثر الفنّيّ. هذا وقد اعتمدت تلك الكتابات المناهج الفنيّة والمحاسن اللّفظيّة. فنُشرت قطع من الفنّ قائمة على تخيّل القصص والمحاورات، وحُرّرت المقالات السّياسيّة بأسلوب فنّي بلاغيّ. ونشير إلى أنّ تحرير الرّحلات الرسميّة منها والخاصّة في أوروبا، بوصف المشاهد والحياة الاجتماعيّة والمقارنة بين الماضي الإسلاميّ والحاضر الأوروبيّ، استمرّ بأسلوب اعتمد دقّة الوصف وبراعة العرض التّاريخيّ.

إضافة إلى ما تقدّم، أدرج ابن عاشور ضمن الأدب الفنّيّ الرواية التمثيليّة الّتي اعتبرت فنّا من فنون الأدب، فواكبت الصّحف الروايات التي تمّ عرضها تمثيليّا، واهتمّ بها الأدباء، وتوجّه الكتّاب نحو صياغتها.

وبرزت أصداء النّثر العلميّ خلال هذه المرحلة في الدّروس والمحاضرات. وقد وجّه اهتمامه نحو الدّراسات التاريخيّة والبحوث الأثريّة التي تدرس التّاريخ التّونسيّ. ونشير في هذا السّياق إلى أنّ حسن حسني عبد الوهاب قد اهتمّ بهذا المجال باحثا ودارسا، إذ تتبّع دراسات الأثريين المستشرقين والأوروبيين. ووسّع دائرة بحثه وإنتاجه معتمدا البحث التّفصيليّ والتنقيب الأثريّ. ولخّص التّاريخ التّونسي بمنهج علميّ دراسيّ متين، إضافة إلى أنّه جمع نصوصا شعريّة ونثريّة لأدباء تونسيين مع تراجم وجيزة.

5- مرحلة الصحافة:

لاحظ ابن عاشور أثناء دراسته عوامل التّطوّر الأدبيّ في الفترة الممتدّة بين 1920 و1928[27] أنّ هذه الفترة شهدت تطلّعا نحو بعث معالم النّهضة التونسيّة وتجديد العمل السّياسيّ في سبيل التّحرير. وشهد هذا التوجّه رواجا في صفوف الشّباب المثقّف. فبُعثت الحركة الإصلاحيّة بعد ركود، ونشطت حركة الكتابة في شؤون السّياسة والإصلاح الدينيّ والفكريّ والاجتماعيّ.

وقد تركّزت مظاهر الحياة الفكريّة والأدبيّة في هذه المرحلة حول الحركة السياسيّة ممّا أدّى إلى تحرير الصّحافة، وعودة الصّحف المعطّلة وصدور أخرى جديدة. وتلاقت جميعها في الدّعوة إلى التّكتّل الاجتماعيّ والمطالبة بالحقوق وشرح أصول البرنامج السّياسيّ الذي ينادي بحكم دستوريّ نيابيّ وبالإصلاح القضائيّ والإداريّ ولفتت هذه الصّحف الانتباه إلى أنّ المنظومة الإصلاحيّة لن تتحقّق إلّا بالكفاح السّياسيّ وتحرير سياسة البلاد من قيود الوضع الاستعماريّ. وقد تدعّم النّشاط الصّحفي بالحرص على توسيع نطاق الطّباعة لتشجيع إصدار الصّحف وتيسير شؤونها. و ساهم هذا المناخ في إعادة بعث الجمعيّات الثّقافيّة مثل جمعيّة “قدماء الصادقيّة” الّتي أصدرت مجلّة أدبيّة، وحفل نادي الخلدونيّة بمظاهر النّشاط الأدبيّ. فألقيت فيه المحاضرات الّتي توجّهت نحو المواضيع التّحليليّة والنّظريات الأدبيّة والقضايا الفكريّة والدّراسات الأدبيّة النّقديّة. واستمر النّشاط الصحفي باستمرار استناد الحركة الفكريّة إلى الحركة السّياسيّة التي اجتمعت تيّاراتها المختلفة حول أهداف أساسيّة وحّدتها. وبحدوث الأزمة السّياسيّة بين أنصار المنهج السّياسي الشّرقي وأنصار المنهج السّياسيّ الغربي، وظهور الدّعوة الشيوعيّة وحركة العمّال، فترت الحركة الفكريّة. وانصرفت الصّحف والجمعيّات إلى المعركة الحزبيّة. واحتكرت الأفكار والأقلام معارك السّياسة.

اللاّفت للنّظر أنّ ابن عاشور أكّد أهميّة الدّور الذي أدّاه عنصر النّهضة للكفاح التحريريّ وعنصر النّهضة لترقيّة العلوم والآداب في تطوير الأدب عامّة في تونس والنّثريّ منه خاصّة. وقد رنت تونس إلى تحقيق نهضتها الوطنيّة فانفتحت على الشّرق العربيّ، واتّخذت من نهضته وتحرّره ومظاهر مدنيته وأدبه مثالا يُحتذي. واستلهمت النّاشئة الأدبيّة بتونس الأدب الرائج في الشّرق من جهة. وتوجّهت إلى الإنتاج الأدبيّ الغربيّ من قِبل المتمكّنين من اللّغة الفرنسيّة الذين نقلوا أوجهًا من الآداب الغربيّة من جهة ثانية. وقد عاضدتهم في هذا السّعي مجلّات وكتب وافدة من الشّرق اعتمدت تعريب آثار أدبيّة ومؤلّفات فلسفيّة وفكريّة، إضافة إلى كتابات المهجر ذات الأسس الغربيّة. ولاحظ ابن عاشور أنّ النّثر الفنّي، خلال هذه الفترة، نحا منحى جديدا بما شهده من أفول أغراض ونشوء أخرى كالقصّة والصّحف الفكاهيّة.[28] وأشار إلى أنّ القصّة تأكّد حضورها لدى الكتّاب بتأثير عاملين اثنين. تمثّل الأوّل منهما في ادراكهم الفوارق بينها وبين المسرحيّة. وتمثّل العامل الثّاني في عمليّة الترجمة. فقد اهتمّ المجيدون للّغة الفرنسيّة بنقل القصص. فعرّب محمد الجلولي قصّة “فيدورا” الّتي لم تحظ برواج كبير.[29] ثمّ اهتمّت مجلّة “البدر” إثر الحرب العالميّة بنشر قصص فرنسيّة معرّبة أو ملخّصة ارتبطت بنمو عدد المجيدين للّغة الفرنسيّة وارتقاء ثقافتهم الأدبيّة. و ألهمت النّهضة التركيّة الخيال الروائي للكتّاب بما احتوته من مثل عليا في التّضحيّة والشّجاعة. فصيغت وقائعها في شكل روايات صغيرة اعتمدت الحدث الواقعيّ وأضفت عليه تخيّلا ووصفا وتفنّنا في التّعبير.[30]                        

6- مرحلة حركات الشّباب:

اهتمّ ابن عاشور في محاضرته الخامسة بالفترة الممتدّة بين 1928 و 1938،[31] إذ أوضح أنّه بمرور خمسين سنة على رسوخ مؤسّسات النّهضة الفكريّة بإصلاحات خير الدين، تأصّلت فكرة الإصلاح، وازداد الإقبال على العلم. فارتفع عدد التّلاميذ والطّلبة، وسخّرت الحركة الوطنيّة إمكانيّاتها الأدبيّة والماديّة للتشجيع على مواصلة التّعليم العالي بفرنسا. وقد قدّمت الجمعيّات الثّقافيّة مساعداتها الماديّة للطّلبة المغتربين فارتفع عددهم. وشاعت الرّوح الإصلاحيّة الّتي أساسها النّهوض العلميّ. فبرز عنصر الشّباب الذين آمنوا بالرّقيّ الفكريّ. وتوحّدت صفوف الشّباب المغترب في سبيل العلم لمّا أيقنوا سمو قيمتهم ومسؤوليتهم على مستقبل الوطن. فقويت روحهم الوطنيّة، وافتخروا بانتسابهم إلى حياة فكريّة أصيلة مع الانفتاح على مجتمعات قائمة على أسس العدل والحريّة. وسعوا إلى إنماء روح الثّقافة القوميّة فيهم بالانضمام إلى مجامع ونوادي الطلبة العرب. و طالب شباب جامعة الزيتونة بالإصلاح التعليميّ والإداريّ. وتباينت الآراء بين شقّ الأغلبيّة المطالب بالمحافظة على صبغة التعليم الزيتونيّ، وشقّ الأقليّة المؤيّد للإصلاح الجوهريّ. وتوحّد الشّباب، رغم تباين مشاربهم بين زيتونيين ومدرسيين ووطنيين دستوريين، في تأييد الإصلاح. ورجح عدد المؤيّدين لهم بعدد الصّحف الّتي انضمّت إلى دعوتهم وموقف رجال السّياسة الوطنيّة المناصر لتوجّههم.

اعتمدت الجمعيّات الثّقافيّة على جهود الشّباب، والتفّ حول كلّ هيئة من الهيئات     المسؤولة عن تلك الجمعيّات نخبة من الشّباب تقوم على ابتكار البرامج وتنفيذها ليصبح للحياة الثقافيّة دور عمليّ. وقد نُظّمت ملتقيات تحيي ذكرى رجال من التّاريخ التونسيّ، وتحتفي بأحداث أدبيّة تثبت الهويّة الثقافيّة لتونس. وتتصدّى لسعي المستعمر إلى تأكيد السّيادة الثّقافيّة للغته وآدابه.

ومن أجل ترسيخ الفعل الأدبيّ، تعاونت “الخلدونيّة” مع “قدماء الصادقيّة” على بعث المنتديات الأدبيّة وإحداث نواد تُطرح فيها المباحث الفلسفيّة والأدبيّة. وتُلقى فيها المحاضرات العلميّة العامّة في الأدب والتّاريخ والعلوم الطبيعيّة وعلم الفلك والاقتصاد السّياسيّ. وبرز معها عنصر الشّباب الذي تولّى إلقاء بعضها. وقد كان لهذه المحاضرات أثرها في توسيع دائرة البحث والمعرفة وتوجيه أساليب الدّراسات النقديّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذا النشاط الأدبي والإنتاج العلميّ حفّز المفكّرين والأدباء على التأليف وإلقاء المحاضرات الّتي رافقتها الدّعوات التجديديّة. فألقى الشّابي بالنّادي الأدبيّ لقدماء الصّادقيّة محاضرة “الخيال الشّعري عند العرب” الّتي أثارت جدلا كبيرا بين مدح وقدح. وكُتبت المقالات النّقديّة مناصرة واستخفافا وتهكما. وقد أصدر الطّاهر الحدّاد “امرأتنا في الشّريعة والمجتمع” الذي عارضه علماء الزّيتونة. وكتب رجال من علماء الدين تآليف الردّ عليه، وفي المقابل ناصره دعاة التجديد.

شهدت هذه المرحلة طموح الشّباب التّونسي وحرصهم على إبراز شخصيّتهم وتأكيد حضورها الفعّال. فسعوا إلى نشر أفكارهم. وساعدهم في ذلك طبيعة الوضع السّياسيّ وتعدّد مجالات البحث العلمي، وارتقاء مناهجه، ووفرة نتاجه. فتحرّرت الأفكار، واتّسعت دائرة البحث. وحفّز وضع مقاييس نقد جديدة الأدباء على البحث عن قوالب فنيّة ومعان مغايرة لكتاباتهم. وقد مثّلت النّوادي والمجامع مجالا لتلاقي المفكّرين وتبادلهم النّقد والتّوجيه ومقارنة المنهج والتّنافس لإنتاج الأفضل، واستغلال فرص نهضة الفكر وتحرّر الأدب. وساهمت مجلّة “العالم الأدبيّ”[32] لزين العابدين السنوسي في تحقيق النّهضة الفكريّة بنشرها للإنتاج الأدبيّ الشّرقيّ والغربيّ، وتعريفها بتيّارات الآداب الغربيّة والمناهج الأدبيّة، واهتمامها بفنّ القصّة في تونس. فنشرت القصص والروايات التّونسيّة. ونقلت القصص عن لغات أجنبيّة. وجمعت بين الأدب والفكر والفنّ. فنشرت أشعار المجدّدين ومقالات النقد المسرحيّ. ووجدت الدعوة إلى الإصلاح الّتي شاعت خلال هذه الفترة صدى لدى المفكّرين. فأصبحت المناداة بالتّجديد أصلا من أصول منهج، لا فقط الأدب، بل أيضا الدّين والاجتماع والفكر لتفاعل هذه المكوّنات مجتمعة ولتأثيرها في بعضها البعض. فهي جوانب تتلاقى في توقها إلى التّجديد والحريّة.

مثّل النّثر الفنّيّ عامّة والقصّة منه على وجه الخصوص مظهرا من مظاهر تطوّر الأدب خلال هذه المرحلة. فقد صيغت بلون تونسيّ استجابة لدعوات متتالية بضرورة تحرير القصّة التونسيّة من طابع الحياة الفرنسّية وجعلها صورة عن الحياة التونسيّة. فنشرت “العالم الأدبيّ” أقاصيص مستمدّة من صميم الحياة الشعبيّة والنفسيّة التونسيّة. ونشرت بعض هذه القصص بإمضاء رمزي مثل الرّاوي والمحدّث، وإن اشتركت في أسلوب صياغتها ممّا يدلّ على أنّها لكاتب واحد. وقد نُسب بعضها الآخر إلى كاتبها بشكل صريح مثل قصّة “روح ثائرة” للشّابي و”دموع القمر” لمصطفى خريّف و “هل كان مجنونا” للتيجاني بن سالم. وتقاربت هذه القصص في منهجها التّحريريّ صورا و تخييلا و حوارا.

7- خاتمة:

      يُعدّ كتاب ابن عاشور “الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس” مرجعا هامّا لكلّ المهتمّين بالأدب التّونسيّ أو جانب من جوانبه. فهو يضطلع بتأطير المسار الأدبيّ في تونس منذ بداياته إلى حدود فترة الاستقلال. فقد سعى إلى تقديم ومتابعة حركة الأدب والفكر في تونس عبر عرض تاريخيّ مرحلي بدأه من 1883 وانتهى بسنة 1953. وقد حاول فيه الإحاطة بجوانبها من خلال الإلمام بالعوامل الحافّة بعمليّة الإنتاج. وربطها بجملة من المؤثّرات المحيطة التي شكّلت سياقا لفعل الكتابة من حركة وطنيّة ونشاط صحافيّ وبعد تحديثيّ وتأكيد للهويّة العربيّة الإسلاميّة. فراوح بين ما هو سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ وإصلاحيّ، وبين ما هو فكريّ وأدبيّ. وقد جمع بين هذه الجوانب وقدّم صورة مفصّلة عنها خلال فترات تاريخيّة متتالية لتحديد ملامح التطوّر الأدبيّ الذي مثّل صدى للتحوّلات الّتي شهدتها تونس في مختلف المجالات. وإن أغفل ابن عاشور تحليل الجوانب الفنيّة للكتابات الأدبيّة الّتي عرضها وأرّخ لها، ولم يعر اهتماما كبيرا بأدبيّة النّصوص، فإنّه توصّل إلى التّعريف بالأدب التّونسيّ وتصنيفه إلى أجناس أدبيّة مختلفة. ألحقها بمختارات أدبيّة نثريّة وشعريّة تُظهر مختلف مراحل الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس.

8- قائمة المراجع والمصادر:

المراجع العربيّة:

الكتب:

  1. أمين (أحمد):زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربيّ، بيروت، دت.
  2. تأليف جماعي: الشيخ محمود قابادو: الرجل ومكانته في تاريخ الأدب التونسيّ، تونس، بيت الحكمة، 2010.
  3. التونسي (خير الدين):أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تونس، المطبعة الرسميّة، ط1، 1867.
  4. الخضر حسين (محمد): دراسات في العربيّة وتاريخها، مكتبة دار الفتح، 1960.
  5. الخضر حسين (محمد): رسائل الإصلاح، دار الاعتصام، 1981.
  6. الخضر حسين (محمد): بلاغة القرآن، دار النوادر، 2010.
  7. ابن سالم (عمر): قابادو: حياته، تراثه وتفكيره الإصلاحيّ، مركز الدّراسات والأبحاث الاقتصاديّة والاجتماعيّة، 1975.
  8. السنوسي (محمد): الرحلة الحجازيّة، الدار التونسيّة للنّشر، ج1، 1976.            
  9. السنوسي (محمد): الاستطلاعات الباريسيّة في معرض 1889، د.د.ن، 1891.
  10. السنوسي (محمد): مجمع الدواوين التونسيّة، ج1+2، د.د.ن، 1877.
  11. سويسي القيرواني (صالح): الهيفاء و سراج اللّيل، مجلّة خير الدين، السنة الأولى، ع 6/7، 1906.
  12. الشنوفي (عليّ): محمد السنوسي حياته و آثاره، طبعة نشريات الجامعة التونسيّة، 1977.
  13. ابن عاشور (محمد الفاضل): الحركة الفكريّة و الأدبيّة في تونس، تونس، بيت الحكمة – قرطاج، ط 4، 2009.
  14. ابن عاشور (محمد الفاضل): أركان النّهضة الأدبيّة في تونس، مطبعة النّجاح، تونس، 1963.
  15. ابن عاشور (محمد الفاضل): موجز البلاغة، المطبعة التونسيّة، 1932.
  16. ابن عاشور (محمد الفاضل): أليس الصبح بقريب، الشّركة التونسيّة للتّوزيع، 1967.
  17. ابن عاشور (محمد الفاضل): التحرير والتنوير، تونس، الدّار التونسيّة للنّشر،1984.
  18. ابن عاشور (محمد الفاضل): أصول النّظام الاجتماعيّ في الإسلام، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، 2001.
  19. عمار بن أحمد (المختار):الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: حياته وأثره الفكري، الدار التونسيّة للنّشر، 1985.

الدوريّات:                                                                                  

  1. مجلّة قصص، م 2، ع 1، جانفي 1968.

المراجع الأجنبية:                                                                                                 

  1. NoureddineSraieb: «A l’origine de la modernité en Tunisie, le Cheikh Mahmoud Qabadu 1815-1871″,in the Maghreb review,no3,4, vol19, 1994, pp319-326.
  2. Smida Mongi : Khair-Eddine, Ministre réformateur, M.T.E, Tunis, 1970.

[1]– نشر في طبعات مختلفة منها:

– الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس، القاهرة، معهد الدّراسات العاليّة، ط 1، 1956. – الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس، تونس، الدار التونسيّة للنّشر، ط2، 1972.

– الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس، تونس، الدار التونسيّة للنّشر، ط 3، 1983.

– الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس، تونس، بيت الحكمة – قرطاج، ط 4، 2009.

[2]– هو محمد الفاضل بن محمد الطاهر بن الصادق عاشور وُلد بتونس في 2 شوّال سنة 1327 الموافق لـ 16 أكتوبر 1909. وتوفّي في 12 صفر 1390 الموافق لـ 19 أبريل 1970. ويُعتبر أحد أهمّ علماء الدين في القرن العشرين. نشأ في أحد بيوت الدين والعلم، إذ أتمّ حفظ القرآن في التّاسعة من عمره. ودرس أسس القراءات والفقه والنّحو. وأحرز على شهادة التّطويع سنة 1928 من جامع الزّيتونة. والتحق به سنة 1932 للتّدريس. ثمّ أسندت إليه عمادة كليّة الشّريعة وأصول الدين.

– انظر: المختار عمار بن أحمد: الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: حياته وأثره الفكري، الدار التونسيّة للنّشر، 1985. *من مؤلّفاته: – تراجم الأعلام، الدار التونسيّة للنّشر، 1970. – أركان النّهضة الأدبيّة في تونس، تونس، مطبعة النّجاح، 1963. – التفسير و رجاله، مجمع البحوث الإسلاميّة، 1970. – أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، مكتبة النّجاح، 1969.

[3]– محمد الفاضل بن عاشور: المحاضرة الأولى: صدمة الاحتلال ( 1300 – 1314ه/ 1883 – 1897م)، ضمن الحياة الأدبيّة و الفكريّة في تونس، المرجع السابق، ص23-65.

[4]– محمود بن محمّد بن محمّد بن عمر قابادو وُلد سنة 1816 بتونس العاصمة وتوفّي سنة 1871. يُعتبر أحد روّاد الحركة الاصلاحيّة بتونس في القرن التاسع عشر. تميّزت شخصيته الدينيّة والفكريّة بنزعتها إلى التحديث ومراهنتها على الانفتاح. درّس بالمدرسة الحربيّة بباردو وبجامع الزيتونة. ولم يقتصر دوره على التعليم الديني واللّغوي، بل كلّف طلبته بتعريب بعض كتب الفنون العسكريّة من اللّغات الأوروبيّة إلى اللّغة العربيّة. ودعا إلى ضرورة اتّجاه المسلمين نحو العلوم والفنون الحديثة المنتشرة لدى الغرب.

انظر:

– تأليف جماعي: الشيخ محمود قابادو: الرجل ومكانته في تاريخ الأدب التونسي، تونس، بيت الحكمة، 2010.

– عمر بن سالم: قابادو: حياته، تراثه وتفكيره الإصلاحي، مركز الدّ راسات والأبحاث الاقتصاديّة والاجتماعيّة، تونس، 1975.

– Noureddine Sraieb : «A l’origine de la modernité en Tunisie, le Cheikh Mahmoud Qabadu 1815-1871″,in the Maghreb review, no3,4, vol19, 1994, Pp319-326.

[5]– خير الدين التونسي ولد سنة 1820 وتوفّي سنة 1890. يعتبر أحد روّاد الإصلاح والحركة التحديثيّة في تونس. قام بعدّة إصلاحات. وقاوم الحكم الاستبدادي. وحرص على اقامة العدل. وقد شملت إصلاحاته ميادين التعليم والادارة والاقتصاد. ودعا في كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك إلى ضرورة الاقتباس عن الغرب أسس الحداثة مع الحفاظ على الهويّة الإسلاميّة.

– خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تونس، المطبعة الرسميّة، ط1، 1867.

– أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت،

– Mongi Smida, Khair-Eddine, Ministre réformateur, M.T.E, Tunis,1970.

[6]– محمد الصادق باي: وُلد سنة 1813 و توفّي ستة 1882. ويحتلّ الترتيب الثّاني عشر في مستوى سلسلة البايات الذين حكموا تونس. ظهر خلال عهده عهد الأمان. وتمّ إصدار أوّل دستور تونسي، والتّوقيع على معاهدة باردو.

[7]– المدرسة الصادقيّة: أسّسها خير الدين التونسي سنة 1875. وتمثّل أوّل مدرسة ثانويّة عصريّة. وقد اعتمدت طرق تدريس حديثة. واهتمّت بتعليم العلوم الرياضيّة والطبيعيّة واللّغات الأجنبيّة إلى جانب اللّغة العربيّة والفقه والعلوم الدينيّة.

[8]– الرائد التونسي: صدر عددها الأوّل في 22 جويلية 1860. تضمّنت جزءا رسميّا اختصّ بنشر القوانين والمراسيم الحكوميّة، وقسما آخر اهتمّ بالمسائل السياسيّة والأدبيّة و الاخباريّة. وهي مستمرّة في الصدور إلى اليوم تحت تسميّة الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة.

[9]– محمد بن عثمان بن محمد المهدي السنوسي وُلد سنة 1851 وتوفّي سنة 1900. أخذ العلم عن كبار مشايخ جامع الزيتونة ممن كان لهم دور في الحركة الإصلاحيّة التحديثيّة مثل سالم بوحاجب و محمود قابادو و أحمد بن الخوجة. ثمّ تولّى التدريس اثر حصوله على شهادة التطويع سنة 1870. كانت له أنشطة فكريّة وصحفيّة. وتقلّد مناصب قضائيّة.

-انظر: عليّ الشنوفي: محمد السنوسي حياته و آثاره، طبعة نشريات الجامعة التونسيّة، 1977، ص169. *من مؤلّفاته: -الرحلة الحجازيّة، الدار التونسيّة للنّشر، ج1، 1976.

-الاستطلاعات الباريسيّة في معرض 1889، د.د.ن، 1891. -مجمع الدواوين التونسيّة، ج1+2، د.د.ن، 1877.

[10]– سالم بوحاجب: وُلد سنة 1827 وتوفّي سنة 1924. كان من روّاد الإصلاح ومن أئمّة الاجتهاد البارزين في تونس وفي العالم الإسلامي. وكان إلى جانب مكانته العلميّة ودوره الإصلاحيّ والدينيّ أديبا وشاعرا.

[11]– محمد الفاضل بن عاشور: المحاضرة الثّانية: الخلدونيّة (1314 – 1329 /1897 – 1911)، الحياة الأدبيّة والفكريّة في تونس، مرجع سابق، ص.67-112.

[12]– جريدة العروة الوثقى: دوريّة أسبوعيّة أنشأها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. صدر عددها الأوّل سنة 1884. كانت ذات توجّه إصلاحيّ ومرتبطة بحركة النّهضة. ومثّلت منبرا لمقاومة الاستعمار.

[13]– جريدة الحاضرة: صدر عددها الأوّل سنة 1888. وصدر عددها الأخير سنة 1911. وقد احتوت على أربع صفحات. خُصّصت الأولى منها للافتتاحيّة. و أُفردت الثّانية لنشر أخبار الدولة العثمانيّة. واهتمّت الثّالثة بالأخبار المحليّة في المجال السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ. ونُشرت في الرابعة الإعلانات. وقد انضمّ إلى أسرة تحريرها نخبة من رجال الإصلاح الزيتونيين والصادقيين.

[14]– جريدة الزهرة: صدر عددها الأوّل سنة 1890 وعددها الأخير سنة 1959. وهي جريدة سياسيّة أدبيّة لصاحبها عبد الرحمان الصنادلي.

[15]– الجمعيّة الخلدونيّة: هي جمعيّة ثقافيّة تأسّست سنة 1896. اهتمّت بترتيب خطب ودروس في علم التاريخ والجغرافيا واللّغة الفرنسيّة والطبيعة والكيمياء والفيزياء والفلسفة.

[16]– عبد العزيز الثعالبي: وُلد سنة 1874 وتُوفّي سنة 1944. درس النّحو والعقائد والآداب. وتحصّل على شهادة التطويع من جامع الزيتونة. ثمّ واصل دراسته في المدرسة الخلدونيّة لينخرط لاحقا في الحياة العامّة. جمع بين السياسة والدّين. وعُرف بأنّه رجل إصلاح وتجديد ومقاومة. دعا إلى الاستقلال والحريّة.

[17]– مجلّة السعادة العظمى: هي مجلّة علميّة أدبيّة. صدر العدد الأوّل منها سنة 1904. أنشأها محمد الخضر حسين. تكوّنت من أبواب توزّعت بين الافتتاح وعرض لعيون المباحث العلميّة واهتمام بالآداب وعناية بالأخلاق وطرح للأسئلة والاقتراحات ثمّ خاتمة في مسائل متفرّقة.

[18]– محمد الخضر حسين: وُلد سنة 1876 وتُوفّي سنة 1958. عالم دين تونسي من أصل جزائري. درَس و درّس في جامع الزيتونة. و تولّى مشيخة الأزهر من 1952 إلى 1954. *من مؤلّفاته: – دراسات في العربيّة وتاريخها، مكتبة دار الفتح، 1960. – رسائل الإصلاح، دار الاعتصام، 1981. – بلاغة القرآن، دار النّوادر، 2010.

[19]– جريدة الصّواب: أنشأها محمد الجعايبي سنة 1904. وتواصل صدورها إلى سنة 1938. أوقفتها السّلط الاستعماريّة أكثر من مرّة بسبب مواقفها الوطنيّة.

[20]– محمد الجعايبي: وُلد سنة 1876. وتُوفّي سنة 1938. درس بجامع الزيتونة. ويُعدّ من روّاد الإصلاح في تونس.

[21]– صالح سويسي القيرواني: الهيفاء و سراج اللّيل، مرجع سابق، ص345-347.

– مجلّة قصص بتقديم لمحمد صالح الجابري، م 2، ع 1، جانفي 1968، ص.46-67.

[22]– صالح سويسي القيرواني( 1874- 1941) عصامي التكوين إذ اقتصر تعليمه على ريادة الكتاتيب. تأثّر بمحمد عبده و جمال الدين الأفغاني فكتب المقال الإصلاحي. من كتبه دليل القيروان- منجم التبر في النّثر والشّعر- النّثر البديع.

[23]– محمد الفاضل بن عاشور: المحاضرة الثّالثة، مرجع سابق، ص113-155.

[24]– جمعيّة قدماء الصّادقيّة: تأسّست سنة 1905. اعتمدت في نشاطها الثقافي باللّغة الفرنسيّة. ثمّ قدّم عدد من مدرّسي جامع الزيتونة محاضرات باللّغة العربيّة. و أصدرت سنة 1920 مجلّة عنوانها المجلّة الصادقيّة. وأنشأت ناديّا أدبيّا.

[25]– صحيفة التونسيّ: Le Tunisien أصدرتها حركة الشّباب التونسيّ سنة 1907. وتُعدّ أوّل صحيفة تونسيّة ناطقة باللّغة الفرنسيّة. تبنّت مطالب التونسيين. ودعت إلى نشر التعليم للنّهوض بالبلاد وإلى ضرورة إصلاح الهياكل الاقتصاديّة.

[26]– مرشد الأمّة: صحيفة تونسيّة ناطقة باللّغة العربيّة. صدر عددها الأوّل سنة 1909. وقد أسّسها سليمان الجادوي الذي أصدر أيضا “المرشد” و “أبو نوّاس”.

[27]– محمد الفاضل بن عاشور: المحاضرة الرابعة: الصّحافة، مرجع سابق، ص.157-194.

[28]– محمد الفاضل بن عاشور: الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس، مرجع سابق، ص182. ” اتّجه النّثر الفنّي في هذه الحقبة اتّجاها جديدا إذ توقّف بعض أغراضه الماضية. ونشأت له أغراض كان عنها بمعزل. وتقلّص أثره من الصحف السياسيّة. و انقطع عن الرحلة. فاستعاض بالغرضين الجديدين القصّة والصّحف الفكاهيّة. وخدمهما مع الغرض الناشئ في الحقبة الماضية وهو المسرحيّة.”

[29]– المرجع السابق، ص 183 – ” ففي سنة 1330 ه / 1912 اهتمّ محمد العربي الجلولي من متخرّجي المدارس العربيّة الفرنسيّة بنقل قصّة فيدورا عن الكاتب الفرنسي فيكتوريان ساردو. و تعاون على حسن سبكها بالعربيّة مع محمد الجعايبي. فلم تلق رواجا كبيرا، إذ نبت عنها الأذواق يومئذ.”

[30]– محمد الفاضل بن عاشور: الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس، مرجع سابق، ص 183 “وأوّل من فتح هذا الباب في الكتابة هو الشّيخ محمد الحبيب بإصدار روايتين موضوعهما تركي. ثمّ اقتفى سبيله في الكتابة القصصيّة شاب زيتونيّ ظهر نبوغه الأدبي بتوجيه الأستاذين محمد مناشو وعثمان بن الخوجة وهو الشّيخ أحمد خير الدين. فأظهر من حسن التخيّل و جمال الوصف و جاذبيّة التعبير ما مكّن لرواياته رواجا ولسمعته الأدبيّة منزلة ثابتة.”

[31]– محمد الفاضل بن عاشور: المحاضرة الخامسة: حركات الشباب (1346 – 1357ه/ 1928- 1938م)، ضمن الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس، مرجع سابق، ص.195-232.

[32]– مجلّة العالم الأدبي: صدر عددها الأوّل سنة 1930 والأخير سنة 1936. أسّسها زين العابدين السنوسي. وقد مثّلت منبرا للتّعريف بالأدب التونسي.

مقالات أخرى

الإعلام والطائفية السّياسية في الزمنية العربية الملتهبة: ملامح محنة خفيّة

علم الاجتماع الماركسي

أنطولوجيا الارتجال الموسيقي

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد