تأثير التّحديث في دولة قطر على المفاهيم المعيارية الاجتماعية:

التّحديث في دولة قطر

الملخّص:

سعى هذا البحث إلى محاولة تفكيك العلاقات القائمة بين مفاهيم؛ الهوية الوطنية، والعرف الاجتماعي، والأصالة، والتحديث، والإدارة السياسية، في الحالة القطرية. والهدف من ذلك هو معرفة طبيعة تلك العلاقات الجدلية القائمة بين جميع هذه الأطراف.

وقد تمكّن البحث عبر توسّل منهج تحليل النصوص من الوقوف على آلية التأثير بين السياسي والاجتماعي وفهم كيفية اشتغالهما. كما تمكّن من معرفة طبيعة النمو والتطور في وعي القطريين بهويتهم الوطنية والثقافية. وانتهى إلى الكشف عن حدود التقدم نحو الدولة المدنية الحديثة في علاقة بالمشكلة الثقافية ووعي الأفراد بهويتهم.

الكلمات المفتاحية: الهوية الوطنية – الأعراف الاجتماعية – الأصالة – التحديث – الإدارة السياسية.

Abstract:

This research tries to deconstruct the existing relationships between concepts; National identity, social custom, authenticity, modernization and political management in the Qatar case. The aim is to know the nature of those dialectical relations that exist between all these parties.

Through the use of the text analysis method, the research was able to identify the mechanism of influence between the political and social and understand how they work. He was also able to know the nature of growth and development in Qataris’ awareness of their national and cultural identity. It ended with revealing the limits of progress towards a modern civil state in relation to the cultural problem and the awareness of individuals about their identity.

Key Words: National identity – social norms – authenticity – modernization – political management.


1- المقدمة:

أصبح البحث في أسباب التغيير الاجتماعي من القضايا الملحّة في الخطاب السوسيولوجي المعاصر، وخاصة فيما يتعلق منها بالأسباب المحلّية. وهي مسألة تقودنا رأسا إلى قضية العلاقات التي تربط تلك التغييرات الاجتماعية الممكن رصدها، بالتحولات التي يضطلع بها النظام السياسي والإداري للدولة. وذلك لأن مفهوم التغيير الاجتماعي غالبا ما يتم تناوله في سياق علاقته بمفاهيم سياسية وإدارية مجاورة له، مثل الخطط التنموية، والمشاريع التحديثية، وتوجّهات السياسة المحلية، والعالميّة وغيرها. كما يتم تقديم التغيير الاجتماعي عادة باعتباره نتيجة لعدة أسباب مركّبة، ولكنها في الغالب في علاقة بالمؤسسات والخطط الاستراتيجية والتنموية للدولة. ورغم أن مظاهر هذا التغيير الاجتماعي تختلف من فئة إلى أخرى، ومن مجموعات إلى غيرها، تظل إمكانيات ملاحظته واضحة في شكل عناصر عامة مشتركة، مثل تطور النمط المعيشي للناس، وتحول تفضيلاتهم المعيارية الجماعية، وتغير سلوكاتهم الاجتماعية الأكثر عموميّة مثل اتجاهات الاستهلاك. وهو ما يعني بالنسبة للباحث السوسيولوجي وجود علاقة تأثير وتأثر بين السياسي والاجتماعي، أو بين المؤسسة الإدارية وبين اتجاهات الوعي الثقافي للأفراد.

وفي دولة قطر تحديدا، يمكن معاينة أن مسألة التغييرات الاجتماعية أتت نتيجة عدة نقلات سياسية نوعية ساهمت في حدوثها. ودون أدنى شك كانت البداية لطفرة البترول في إحداث النقلة النوعية لأسلوب الحياة المجتمعي القطري. إذ مست تلك النقلة تدريجيا العادات والتقاليد العامة للمجتمع بدرجة عالية في سلّم الثقافة المحلية. فلقد كان لطفرة البترول الدور الرئيسي في الانتقال النوعي المجتمعي من حياة الصناعات اليدوية والحرفية إلى حياة الموظفين والمتمدنين. بل إن مشروع بناء الدولة الحديثة الذي قام نتيجة الثورة النفطية ساهم في إعادة تشكيل الهوية الوطنية، وإعادة صياغة مفهوم المواطن القطري الجديد. وهو المواطن الذي استيقظ على جملة من الخدمات ذات الرفاهية العالية، بما فيها من ضمانات صحية ومميزات تعليمية، ووفرة في الوظائف والرواتب، وأنشطة اقتصادية متنوعة وحديثة نقلته من حرفي تقليدي بسيط إلى طبقة وسطى متعلّمة وموظفة. ومثل هذه النقلات الإدارية والسياسية هي التي ساهمت في النقلات النوعية للتغيير المجتمعي القطري، حتى بلغ الوعي الاجتماعي إلى الوضع الذي هو عليه الآن.

مشكل البحث: في خضم هذه التغييرات المتتالية على المجتمع القطري يظل السؤال قائماً: ما نسبة مساحة التغيير الحقيقية وحدودها التي طرأت على المجتمع القطري؟ وهل شملت مساحة التغيير الثقافي هذه موضوع الهوية الوطنية؟ وهل التغيير الشامل حتمية اجتماعية تفرضها الحداثة والتطورات العالمية؟ أم تظل بعض أطياف الهوية الجماعية القطرية أصيلة وبعيدة عن يد التغيير؟

يدعونا مفهوم “الهوية الوطنية” ذي الطبيعة المركزيّة هنا إلى ضرورة تحديد دلالته بدقة. فنحن نعني بالهوية الوطنية في هذا السياق جملة الأبعاد الثقافية المحدِّدة لوعي الشخصية القطرية بذاتها. أي جملة التمثلات التي تظهر على سطح وعي الشخص القطري حين يلفظ عبارة الـ “نحن”. وغالبا ما تكون هذه العناصر هي؛ العادات والتقاليد، ونظام التداول اللغوي السائد (اللهجة)، ومعايير التفضيل التي توجّه الذوق العام، والإطار الديني أو الروحي، والمظاهر الثقافية الأخرى مثل الزي الوطني والانتماء للجنسية، ومشاعر الولاء لمثال الدولة المحمول في المخيلة الشعبية. ويعرّفها الأستاذ جمال سند السويدي: “بأنها الخصائص أو السمات المشتركة التي يتميز بها مجموعة من الناس، والتي عادة ما تكون مستقاة من القيم والعادات والأعراف السائدة التي تحكم المجتمع، ومن التاريخ أو النضال المشترك، الذي يجعل الجميع يشعرون ويؤمنون بأن مصيرهم واحد، ورغم أن الهوية الوطنية تتبلور في سياق التطورات المختلفة الداخلية والخارجية لأي مجتمع، فإن جوهرها ثابت؛ حيث تبقى كالروح التي تسري في أجساد أبناء الشعب أفراداً وجماعات، وتضمن لهم البقاء والاستمرار، وفي الوقت نفسه التطور والاستقرار”. وغالبا ما يطرح مفهوم الهوية الوطنية إشكالا حول اختلاف وتعدد العناصر التي يتكئ عليها وتحدّده؟ وهل أن تلك العناصر ثابتة على نحو مطلق؟ أم متغيرة على الدوام؟ وماهي الروافد التي تغذي حركة الوعي بالهوية الوطنية؟

ويستدعي مفهوم “العرف الاجتماعي” بنفس الإلحاح المنهجي ضرورة تحديد دلالته في سياق هذا البحث. والحقيقة أننا نقصد بالعرف الاجتماعي كل ما تعارفت عليه المجموعة بأنه ممّا ينبغي سلوكه في ظروف وملابسات بعينها، أي جملة “المواضعات الاجتماعية” و”الاتفاقات الضمنية” من الـ “قواعد” المحدّدة للسلوك في المواقف والسياقات المناسبة. فهو الإجابة عن سؤال: ماذا ينبغي عليّ فعله في مثل هذا الموقف، ويكون ذلك مرضيا للجميع؟ ويتميز العرف الاجتماعي عادة بالثبات النّسبي والتكرارية والعراقة والتداول بين الأفراد في الحياة الاجتماعية. وغالبا ما يتم استبطان الأعراف حتى تتحول إلى قواعد تضبط سلوك الناس دون تفكير أو نقد. فهي دائما ذاتها. ويتمّ اعتمادها لذاتها دون البحث عن وجاهتها أو مبرراتها. وفي المعجم هي: “ما استقر عليه الناس في تصرفاتهم في المجتمع” . ويطرح هذا المفهوم إشكالا يمكن التعبير عنه كالآتي: هل أن العرف الاجتماعي ملزم ضرورة حتى وإن لم ينسجم مع التفضيلات الفردية؟ وإذا كان العرف الاجتماعي متحركا وغير ثابت فماهي الروافد التي تغذي حركته تلك؟

2- آليات تكوّن الهوية الوطنية القطرية:

يتأسّس مفهوم الهوية الوطنية على مبادئ أساسية تبدأ من فكرة الأصالة، وتنتهي بخلق تراث جماعي يكوّن نسقا اجتماعيا موحدا. ولقد بدأت الهوية الوطنية في دولة قطر بالتبلور في الوعي الجمعي في شكل شعور عميق بالانتماء إلى الكيان السياسي الذي تكوّنه “جزيرة قطر” بعد المرحلة البترولية، وظهور مؤسسات الدولة، ورسم الحدود الجغرافية النهائية لاحتواء القبائل والعوائل. وقد كان لتوجيه عوائد البترول نحو موازنات الخدمات المؤسسية العامة دوره الحاسم في إحداث نقلات ملموسة في الوضع الاجتماعي، من حيث تحسين الحال المعيشي، ومجانية حق التعليم والرعاية الصحية، وتطوير التبادلات، والتوظيف، وخلق فرص عمل جاذبة للعمالة المحترفة، وازدهار في العمارة والبنية التحتية.

وللديمغرافيا القطرية تاريخها العريق من حيث مراحل تكوّن المجتمع القطري، والتحولات التي طرأت عليه وصولا به إلى اليوم. غير أن المتأمل في سيرورة هذا التاريخ يلاحظ أن هناك لحظتين بارزتين وفارقتين، هما؛ استقلال دولة قطر، أي ظهورها ككيان سياسي معترف بسيادته وحدوده الجغرافية، واكتشاف الطاقة، أي استثمارات صناعة النفط والغاز الهائلة وعوائدهما الطائلة. والواقع أن الهوية الوطنية القطرية تدين بوجودها إلى هاذين الحدثين الفاصلين. فلقد أسفرا عن “صدمة ثقافية” أعمق من صدمة غزو “نابليون” لمصر في نهاية القرن الثامن عشر. بل إن تعبير “الصدمة” الذي يليق بالحالة العربية إثر ذلك الغزو الأوروبي قد لا يبدو دقيقا لوصف “الحالة القطرية” التي تليق بها عبارة “الولادة الثقافية” من رحم نهاية الاستعمار الإنجليزي وظهور ثروة الموارد الطبيعية الضخمة.

إن الانتقال النوعي للجماعة البشرية القطرية من كونها مجتمعات بحرية تعتمد الصيد والرعي كنمط إنتاج أساسي، إلى كونها مدنيّة تتغذى على عوائد تبادل الخدمات والوظائف في شركات تنقيب البترول وغيرها مما أطلق عليهم ناصر محمد العثمان بالسواعد السمر ، كان حاسما في تشكيل الهوية الوطنية الحديثة. والاختلاف بين النمطين الاجتماعيين القديم والحديث في الحالة القطرية لا يعني مجرد تحوّل في الأدوات الإنتاجية، بل هو تحوّل جذري في المعيار القيمي لتقسيم الفئات الاجتماعية، وتحديدها بناء على قوة التحكّم بأدوات الإنتاج الجديدة، وليس فقط تلك التقليدية أي القوة المستمدة من القبيلة.

ومن المعروف مدى ارتباط العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية في قطر بالقبيلة وتراثها الإسلامي. وهي عناصر ثقافية لا تزال تُلاحَظ بقوة في السلوك الاجتماعي للشخصية القطرية إلى اليوم، وذلك رغم جميع مظاهر التحديث والمدنيّة المتقدمة التي دخلت عليها. ولعل هذا التركيب والترتيب في البيئة القطرية بين مظاهر حداثية تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين، وبين وعي قيمي وثقافي يستمد جذوره من أعماق تاريخية يعود إلى قرون مضت، هو ما يشكّل في الواقع موضوع الاستفهام المركزي للبحث السوسيولوجي المحلي، وقد ينسحب على الحالة الخليجية ككل، بل ولعلها مسألة عربية في معناها الماكرو سوسيولوجي. حتى أن هذه المفارقة قد ذهبت بالمفكر السوري أدونيس إلى حد تشريحها بمشرط نقدي حادّ في قوله: “إن بين العربي كجوهر نفسي، والعربي كحياة يومية، مسافة طويلة، يملؤها الفراغ والتفتّت. إن العربي المعاصر يحيا في كيانين: ذاته المغرقة في القدم، وحياته المتهالكة على أشكال المدنيّة الحديثة”.

وهذه الازدواجية العجيبة بين مظاهر الحياة المادّية وبين الوعي الثقافي أي الحياة النفسية، جعلت أدونيس يذهب إلى حد استنتاج أن الهوية الثقافية العربية في هذا الوضع الشاذ غير موجودة أصلا، لأنها لا تتمتع بوجود موضوعي حقيقي، فيقول: “هكذا لا يبدو العربي غريبا عن شرقه فحسب، وإنّما إلى ذلك يبدو غريبا عن العالم أيضا. إنه وجود مؤجل. وفيما هو يستمرّ، ناقلا مقلدا، يبدو غصنا مصطنعا في شجرة الحضارة المعاصرة”.

في مقابل هذا التحليل الصريح لأدونيس، لا نظنّ من المجازفة في شيء، أن نقرّ بأن الشّخصية القطرية بقدر ما تجمع في هويتها الثقافية هذه العناصر المتنافرة تاريخيا وزمنيا، فإنّها تبدي قدرة واضحة على هضم هذا التباين، وجعله يبدو طبيعيا في الوعي الجمعي، كما لو أنه ليس من باب المفارقة أن يمتلك القطري آخر الاختراعات التقنية والرقمية، بينما يظل يفكّر قيميا ضمن نفس المفاهيم التقليدية.

ولعل أبرز الفرضيات البحثية قدرة على تفسير هذا الأمر هو طبيعة التاريخ الخاص بالإنسان القطري، ذلك التاريخ الذي كانت للجغرافيا فيه دور أساسي، باعتباره في جزء كبير منه “بحّارا” ويعيش على السفر واللقاء بالآخر، والاحتكاك به تجاريا وثقافيا، فلا غرابة في أن يعود في كل مرة بعناصر ثقافية جديدة يراكمها مع مخزونه الثقافي التقليدي. حتى تم استبطان هذا السلوك التاريخي، وتحوّل تدريجيا إلى جزء مكوّن للهوية الوطنية، التي ظلت إلى الان منفتحة باستمرار على الآخر، متمثلة في ذلك معنى تلك الجملة الشهيرة التي أطلقها الزعيم الهندي المهاتما غاندي: “سوف أفتح نوافذي على جميع رياح العالم، دون أن تستطيع ريح واحدة أن تقتلعني من جذوري”. وعليه يبدو أن ما انتهى إليه تحليل المفكر أدونيس من التشكيك في إمكانية “التركيب الثقافي” في الهوية العربية، خاصة حينما شبّه الهوية الثقافية للعربي المعاصر بالشجرة التي تلصق بها “ثمار مصطنعة يؤتى بها من هنا وهناك ويراد لها في أحيان كثيرة، التصديق بأنها طبيعية تتدلى من غصن طبيعي” ، هو في الواقع موقف لا يخلو من شطط، ويجانبه الصواب.

وهكذا يبدو أنه من المناسب أن نستخدم في وصف ما مر به التاريخ الاجتماعي القطري القريب عبارة “التحديث” بدل “الحداثة”، متجنبين بذلك إشكالية مفهوم الحداثة وفلسفتها الثقافية والعلمية بالغة التعقيد. فالتحديث هو عصرنة الواقع المادي والثقافي للمجتمع. وفي الحالة القطرية فإن الدولة بمؤسساتها هي التي تقود عمليات التحديث، وتراقب وتوجّه أثاره الاجتماعية. ولذلك فالخط التنموي الاقتصادي يسير بالتوازي “كقضبان سكة القطار” مع الخط الثقافي للمجتمع. وكلا الخطين يخضعان للتوجيه السياسي أي للسلطة الحاكمة في الدولة. غير أن السياسي نفسه ليس حرا تمام الحرّية في رسم الاتجاهات العامة للتّنمية، سواء الاقتصادية منها أو الثقافية للمجتمع، وإنما تحكمه إكراهات عميقة وأحيانا صارمة. وقد بيّن الباحث محمد شحرور في كتابه “الدولة والمجتمع؛ هلاك القرى وازدهار المدن” كيف تتحدّد العلاقات -من وجهة نظره-بين النظام الاجتماعي من جهة، وبين الدولة المدنية من جهة أخرى، وذلك بحسب مستوى القيم والمعايير الأخلاقية للجماعة في علاقة برؤية تلك الجماعة لمفاهيم “الخير المدني” وأساليب تحصيل “السعادة المدنية”. وبمعنى آخر، تلعب هذه المفاهيم الأخلاقية الدور الرئيسي في تحديد مسار الظاهرة الاجتماعية العامة، بل وتحدّد علاقة المجتمع بالدولة. فمثلما أن النظام الاجتماعي هو نتيجة الفعل السياسي، فإن الدولة كجهاز سياسيّ هي بحد ذاتها نتيجة تطور النظام الاجتماعي، إنها جدلية الاجتماعي والسياسي التي لا تنتهي.

أمّا المفاهيم الأخلاقية للمجتمعات فتتجلّى في ثلاثة مستويات رئيسية فسّرها محمد شحرور حينما حدد المستوى الأول للقيم الأخلاقية بحسب مستوى الدوائر الأسرية والعشائرية والقبلية . بيد أن هذا النوع من العلاقات قد خضع، في رأيه، إلى طابع الأهلية في سياقه الاجتماعي والسياسي، وجعل من التقدم المدني نحو الدولة المدنية الحديثة يسير بإيقاع بطيء، يصعب معه إعادة بناء ذات المجتمعات في إطار دولة حديثة. وهذا البطء في التقدم والنمو يأتي بسبب عسر الخروج والانتقال من المضمون الأهلي، العشائري، والقبلي، الذي يعتبر مسيطراً ومتحكماً في الأنماط العامة للحياة، ويمنع، بذلك، الانتقال الثقافي نحو المفهوم الحديث للدولة المدنية، دولة المؤسسات والتطور التقني، ووفرة الإمكانيات المالية والعلمية. وهكذا هيمنت المفاهيم التقليدية “للخير” و”النظام” و”الوجود المشترك”، وظلت تدور في فلك الأشكال التقليدية للسلطة، أي القبيلة وحدودها العشائرية، دون التقدم فعليا نحو الدولة المدنية الحديثة. ولعل هذا الطابع الاجتماعي هو الذي غلب على التاريخ العربي الخليجي لمدة طويلة، قبل أن تصيبه بعض التحولات بدخول العناصر الحديثة للإدارة السياسية، التي كان لها الفضل في تطوير الهوية الوطنية والاقتراب بها نحو مفهوم الدولة.

أما بالنسبة للمستوى الثاني لفهم علاقة المفاهيم الاجتماعية بالدولة المدنية، فهو يتعلق بمستوى العلاقة المالية، وتحديدا بإمكانيات الدولة وقدرة جماعاتها على الإنتاج في اقتصاد نشط فعّال، أو الاعتماد على الأنظمة الريعية التي تحدّد القاعدة الاجتماعية للانتفاع المادي عبر التملّق للسلطة، لا عبر نشاط استثماري يقوم على العمل الاقتصادي، وعلى التوزيع العادل بين قوى الإنتاج. وما يغلب على مجتمعات الخليج العربي بشكل عام هو هذا النظام الريعي، الذي أدى إلى تحديد مقامات الأفراد الاجتماعية بحسب المكانة، والوجاهة، والتأثير القبلي، من دون وجود ما يقابلها في شكل إنتاج محلي فعلي. ففي هذه المجتمعات الريعية تنشأ ربحية الدولة على الاستثمار في الخام، واستلام أرباح ذلك الخام، في دائرة مغلقة من الإنتاج والاستهلاك لنظام مغلق على ذاته. ولذلك لا نزال نعاين انعكاس تلك الأرباح على مستوى التطور الثقافي والسياسي المحدود لتلك المجتمعات، على الرغم من تطور مستويات الخدمات المؤسسية والأمنية فيها.

أما بالنسبة إلى المستوى الثالث والأخير، فهو يتحدّد بدرجة الوعي المعرفي في المجتمع، والذي من شأنه أن يساهم في تمكين تقدم المجتمعات تكنولوجيا وعلميا بما للثقافة العلمية وذكاء الأفراد من دور أساسي في تحديث بنية المجتمع الموضوعية باستمرار، اعتماداً على ممارساتها التشريعية، ومن خلال بنية التعليم ودعم سلطات الدولة وتثمينها للجهد والإبداع والعمل الحقيقي. ومثل تلك الأنظمة الاجتماعية “الذكيةّ” هي القادرة فعليا على بناء الدولة المدنية الحديثة والتمتع بجميع أصناف “الخيرات المدنية” التي توفرها لمواطنيها. ويكشف التاريخ الأوروبي الحديث عن أن ولادة الدولة المدنية الحديثة “دولة المؤسسات والحقوق والحريات” التي تحولت الى “دولة رفاه”، لم تنشأ إلا نتيجة تراكمات معرفية ارتبطت أساسا بالحدث الأكبر في تاريخ أوروبا وهو “الحداثة العلمية والفكرية” في القرنين السادس عشر والسابع عشر. بينما لا تزال المجتمعات العربية الى اليوم تبحث عن “حداثتها الخاصة” التي يبدو أنها تأخرت كثيرا، حتى بات الأمل معقودا على “التحديث” وليس على “الحداثة”.

وبناء على ما تقدّم، فإن المفاهيم الأخلاقية “للخير” و”نظرة الناس للحياة الاجتماعية وأهدافها” في كل مجتمع هي التي تنشئ النظام السياسي للدولة، كما يقول الباحث محمد شحرور، مثلما أن تلك المفاهيم نفسها تأتي في الأخير نتيجة لماهية النظام نفسه، ويساعدنا فهم هذه العلاقة الجدلية التي تربط بين المجتمع والدولة على إدراك حركة تطور الوعي السياسي للمجتمعات وظهور “الهويات الوطنية” والنظم السياسية عبر التاريخ.

3- السياسي والاجتماعي في رؤية قطر الاستراتيجية:

صدرت رؤية قطر 20-30 في عام 2008، واعتمدتها سياسة التنمية الوطنية لدولة قطر في شكل مخططات كانت البداية من عام 2011 وحتى عام 2016. وتعتبر خطط التنمية الاستراتيجية أداة سياسية واقتصادية فعالة لإنجاز أهداف تنموية أكثر استدامة. ورغم ضبابية التنمية الثقافية في ركائز رؤية قطر الوطنية، فإنّ ذلك لا يمنع من محاولة فهم الإشارات التي ظهرت ضمنيا في ثنايا الأهداف الاجتماعية والوطنية للرؤية. ولعل هذه الضبابية نفسها هي التي لاحظها أيضا الباحث علي بن خليفة الكواري حينما تحدّث عن وجود ثغرات في الخطة الاستراتيجية، والتي تظهر في الثقافة والتعليم والإعلام والتشريع والقضاء وتكافؤ الفرص وفي الإدارة العامة وغيرها .

لقد شملت الركيزة الاجتماعية مثلا في خطة قطر 20-30 الحفاظ على التراث والثقافة القطريين وتعزيزهما، حيث جعلت هذه الاستراتيجيا من أهدافها حفاظ المجتمع القطري على جوهر ثقافته واستمراريته مع الماضي، متمثلة في المبادئ الأساسية للإسلام، وصون الموروث والمكانة الاجتماعية للأسر العريقة . لا سيما أن التّحدي لا يزال مستمراً في الحفاظ على التوازن ما بين التغييرات الحديثة وجوهر الموروثات الوطنية.

ورغم أهمية هذه الهدف من جهة علاقته بمفهوم الهوية الوطنية والأصالة، فإنه يكتنفه بعض الغموض من جهة آلية التنفيذ. فالسؤال القائم أمام هذا الهدف هو: كيف يمكن ضمان استمرار الموروث الاجتماعي كعنصر ثابت في الهوية الوطنية، وتحفيز المجتمع في الآن نفسه على انتقاله النوعي لمواكبة الحياة الحديثة، وما تقتضيه من تعليم متجدّد، وانفتاح على ثقافات جديدة ودخيلة؟ وهي نفس المفارقة التي تحتويها أهداف الخطة في جانبها الاقتصادي، حيث تقوم بتحفيز الإنتاج الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الوطني، وادخال الأنشطة الاقتصادية الحديثة، كل ذلك مع الإبقاء على العقلية الريعية التي أدت إلى ” تنمية الضياع” بحسب عبارة علي خليفة الكواري ، أي استمرار الخلل بين الأهداف الطموحة للخطة الاستراتيجية، وبين الواقع الاجتماعي الحقيقي، وهو الواقع الذي يؤيد تحليل الأستاذ محمد شحرور حين تحدث عن “العائق المفهومي” أمام المرور من النظام الاجتماعي إلى الدولة المدنية الحديثة الحقيقية.

من البديهي أن تأتي استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر ضمن رؤى واستراتيجيات تقوم بصياغتها الإدارة السياسية، وأجهزتها التشريعية والتنفيذية. وغالبا ما تكون هذه الاستراتيجيات على شكل تخطيطات قصيرة المدى أو متوسطة أو بعيدة. وبحسب طبيعة هذه الخطط تتحدّد آليات التنفيذ. ومن البديهي أيضا أن يكون حال المخططات النظرية في دول العالم النامي هو التطبيق النسبي، وهو راجع إلى طبيعة الوعي الثقافي للمجتمع من ناحية، وإلى أجهزة الدولة التنفيذية والرقابية من ناحية ثانية. فالفرق غالبا ما يكون شاسعا بين النوايا أو الشعارات البراقة والأهداف العظيمة التي تقود الخطط التنموية، وبين ما يتحقق منها في نهاية الأمر. ولقد لاحظ الباحث عيسى بن شاهين الغانم هذا الموضوع في دولة قطر تحديدا، فألمح إليه قائلا: إن حجم وثيقة استراتيجية التنمية الوطنية يعتبر هائلاً، إذ تغلب عليها العموميات في الجوانب المصيرية . وهكذا تغيب في الواقع عن الاستراتيجية الخطة الواضحة لحل القضايا الملحّة ومعالجتها، أكثر مما تغيب عنها الرغبة في إيجاد الحلول من قبل الجهات المعنية على ما يبدو. ويأتي هذا الغياب لعلاج القضايا والاشكاليات الاستراتيجية نتيجة تحديات فنية ومنهجية، فمن ناحية تمثل المركزية الإدارية المفرطة عائقا امام توزيع المهام التنفيذية بدقة، ومن ناحية ثانية فإن التحدي الراسخ الذي استعصى علاجه منذ سبعينيات القرن الماضي هو طبيعة البيئة الإدارية العامة ، التي لا تستجيب للنقلات المعاصرة بسهولة. ومن هذا المنطلق، تظل الاستراتيجية الوطنية بعيدة فعلا عن الحاجة الحقيقية للمواطن القطري، لأنها تستجيب فقط للتّطلعات المؤسّسية ورؤاها النظرية. وعلى هذا النحو تظل القضايا المصيرية التي تواجه المجتمع القطري واقتصاده بلا آفاق واضحة للحل، وبلا أدوات فنّية تسعى جديا لعلاجها ضمن آلية تخطيطية شاملة وفعّالة. فلقد ظلت على سبيل المثال مسألة الخلل السكاني، والتي نتجت من اقتصاد بالوني متضخم، تؤثر على التركيبة الاجتماعية وتزيد من استنزاف الموارد المحلية ومفاقمة الخلل الوظيفي من خلال استمرار ظاهرة استيراد الموظفين الإداريين الكبار من الغرب رغم توفر الكفاءات الوطنية من خريجي الجامعات الوطنية ومن المبتعثين.

وبلا شك، فإن أي خطة تنموية لا بد أن تؤثّر ولو جزئيّا في بعض عناصر الهوية الجماعية من حيث التحولات التي تتجلّى بشكل بارز في العادات الاستهلاكية وأسلوب الحياة ومظاهر التجديد. ويصعب إيجاد الرابطة أو فهم العلاقة في الحالة القطرية بين التحولات الثقافية في وعي وسلوك الناس، وبين الحراك التنموي الذي تقود قاطرته الدولة بأجهزتها الرسمية. خاصة عندما تكون لمثل هذا التأثير أبعاد مختلفة تمس جوهر الوجود الاجتماعي ومفاهيم أفراده عن أنفسهم، وعن الحياة المشتركة التي يعيشونها، وعن أصالتهم العربية والإسلامية. إنها مفارقة تعني أن جميع المشاريع التنموية لا بد أن تتضمن شكلا من التأثير الإيجابي وغير الإيجابي على النمط الثقافي العام للمجتمع. وكم كان عالم الاجتماع الألماني اليريتش باك محقا حينما ألمح إلى وجود نوع من المفارقة بمثابة القانون العام في تطور المجتمعات، وخاصة منها الصناعية الحديثة. يقول باك: يبدو “الإنتاج الاجتماعي للخيرات مرتبطا على نحو دقيق بالإنتاج الاجتماعي للمخاطر” . غير أنه يمكننا الاستنتاج أنه في الحالة القطرية يتعلّق الأمر بإنتاج أدوات التأثير الاجتماعي في كل خطة تنموية جديدة.

4- الأصالة والعرف وجدل التغيير:

من البديهي عند الخوض في تحليل ظاهرة الأصالة في الوعي الاجتماعي القطري الإشارة إلى أن جزءا مهما من الأفراد يعتقدون أنهم متمسّكون بأصالتهم التي يرون أنّها جزء لا تتجزأ من مفهوم هويتهم الوطنية. كما يرون أن هذه الهوية تجمع في مكوناتها بين الماضي التاريخي والحاضر الراهن. ولهذا السبب فسّر الباحث أسعد فايزه، مفهوم الأصالة بكونه قبل كل شيء قيمة اجتماعية، تتحدّد في وعي بعض الأفراد وتشير إلى تفضيلاتهم الثقافية التي تميّزهم عن غيرهم من أفراد المجتمعات الأخرى . وتدل الأصالة على ترسّخ مكونات تاريخية من الماضي في الثقافة الحالية للمجتمع، فهي اعتراف بالتراث مكونا جوهريا في الثقافة الجماعية. ويكشف هذا المنظور أن الأصالة هي طبيعة “الروح العامة” الأكثر حضورا في وعي أفراد المجتمع القطري، والتي توجّه سلوكياتهم وتفضيلاتهم القيمية، كما أنها لا تتردد في تقديم نفسها باعتبارها أعرافا اجتماعية ثابته تعكس ماهيتهم الثقافية، حتى وإن كانت تغلب على الحياة العامة مظاهر الحداثة والعصرية.

ويضطلع النظام التعليمي في أغلب مجتمعات العالم، وفي الحالة القطرية تحديدا، بمهمة التجديد في مفهوم الأصالة وتطويره. إذ أن التطورات المعرفية المتسارعة والتي ينقلها التعليم إلى الثقافة الوطنية تساهم بدورها في دفع الوعي بالهوية الوطنية إلى الانفتاح التدريجي على المحيط الإنساني، وهو ما يحرّر الوعي المحلي من التبجيل المطلق والإجلال المبالغ فيه للأصالة المحلّية.

يلعب مقوّم التعليم على المساهمة في إحداث التحوّلات في المجتمع، وذلك بقدر حاجة التعليم أيضاً إلى التحول والتطور عبر الفواعل الأخرى مثل السياسي، والثقافي، والاجتماعي والاقتصادي. كما أن النظام التعليمي يظل المحرك الرئيسي لعملية التغيير الاجتماعي التدريجي لدوره الفاعل في “التنمية البشرية” الشاملة وتحقيق غايات وأهداف اجتماعية. وهكذا تتحدد درجة النمط التغيري من خلال حجم القدرة على قبول التجديد. وبمعنى آخر، للتعليم دور مهم في القدرة على تغيير وتجديد منظومة المرجعيات التقليدية، أو الموروثات الفردية، وتمدين مخرجات النظام التعليمي بشكل عام .

من هنا تظهر الحاجة إلى فهم بُعد الهوية الوطنية على التجدّد، وعلاقة ذلك التجدّد بجودة المنظومة التربوية واحتوائها على آخر المستجدات العلمية والمعرفية. وهكذا يظل التعليم هو المحرك الذي يقود العلاقة الشبكية بين التربية والمجتمع، والهوية والمجتمع، والعالم الخارجي والمجتمع. ولهذا السبب تظل مهمة المدرسة الثابتة من زاوية سوسيولوجية هي “إعادة تشكيل الهيئة الاجتماعية المستقبلية” في كل مرة. إذ المدرسة هي مثل مراوح السفينة الضخمة في أسفلها والتي تدور بنشاط ومجاهدة في الخفاء لتدفع ذلك الجسم الهائل الطافي إلى التقدم والثبات في الحركة.

وتكتسب المدرسة حيوية أكثر في ظل العولمة التي يبدو أنها لا تريد مفارقة عصرنا دون أن تترك آثارها في شكل ندوب ثقافية حادة، محفورة على أجسام الخصوصيات الثقافية حول العالم. ولا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى الدفاع الأعمى عن الهوية الوطنية كما لو أنها موضع تهديد من الهويات الأخرى، أو كما لو أنها في خطر جسيم، فمثل هذه الصيحات التي تطلقها بعض القوى “الارتكاسية” في المجتمع (كلما تهددت مصالحها) ويتردد صداها في وسائل الإعلام “الإيديولوجية”، هي في الحقيقة تعبير عن استسلامية لا تناسب الثقة في النفس التي ينغي أن تتمتع بها الهوية الوطنية الصلبة والواثقة. ولا تكون الهوية الوطنية ندّية للتحديات التي يفرضها الصراع الثقافي الحاد في “العولمة” إلا متى أدركت أهمية الأصالة وأهمية التجديد في الآن نفسه. ولنا في الأمم الشرقية العظيمة مثل اليابان والصين وماليزيا والهند أمثلة إيجابية على قدرتها على أن تنتمي إلى عصر التقدم التقني تماما، وأن تحافظ على خصوصياتها الثقافية في الوقت ذاته. وليست الهوية القطرية إلا جزءا من هذا الصراع الحاد بين الهويات، لكنها كما يبدو من وعي القطريين بأنفسهم، قادرة على أن تنافس الهويات الأخرى المدفوعة بتفوقها التقني، والمزهوّة بقيم و”أيديولوجيا” الدولة المدنية الحديثة.

لم تنجح العولمة في شيء كما نجحت في تحويل مجتمعات برمتها إلى جماعات تجد مطلق سعادتها في الاستهلاك وترى كامل وجودها موجها نحو الإقبال على مزيد من الاستهلاك، والتخلي التدريجي عن القيم الإنسانية الأخرى، قيم الإبداع والتفكير والحرية والكرامة والمعرفة والتضامن الاجتماعي والإنساني. وليس من الصعب رصد انتشار قيم “المجتمع الاستهلاكي” داخل الثقافة العربية واحتلالها أحيانا مقام الصدارة في قائمة الاهتمامات الثقافية للأفراد. ومشكلة تلك القيم الاستهلاكية أنها إقصائية لأهم ما هو إنساني في الإنسان، نعني خاصّة كرامته ككائن نوعي، يستهلك ليحيا وليس يحيا ليستهلك.

يتمثل الموقف السليم في ذلك التوازن داخل الهوية الوطنية بين العالمي والمحلي، أي بين الوافد وبين الأصيل، والنظر إليهما بعين التقدير والاحترام نفسها. ذلك لأن موقف التشكيك فيما هو أصيل ومحلى كان، وما يزال، الهدف الأثير لكل مشروع استعماري عولمي، ولم تسقط في فخه سوى الثقافات الهشة من جهة ثقتها بهوياتها الوطنية. وعليه فإن تحصين الهوية الثقافية من الداخل ينبغي أن يكون هدف المؤسسات الاجتماعية على اختلافها، بدءا بالمؤسسات المنتجة للمعرفة (بحث، ومخابر، وجماعات علمية) والمؤسسات التعليمية، وانتهاء بالصحافة والإعلام. إذ أنّ الهوية الثقافية هي ما يشكّل قوة المجتمعات والأمم لأنها تحافظ من خلالها على الجمع بين الأصالة والمعاصرة. والهوية الثقافية القوية هي التي تحرص على تحقيق التوازن بين المحافظة على الماضي ومعايشة الحاضر والمستقبل .

إن تحقيق هذا التوازن ليس بالسهولة التي يقال بها في الخطاب، بل هو تحدّ حقيقي. فالهوية الثقافية الوطنية ينبغي أن تكون كالنهر الجاري، لا يقف ماؤه أبدا وإلا فسد وصار مضرا. وحتى تتجدّد الهوية الثقافية ينبغي أن تقبل بالتعدد الداخلي أولا، وتتعايش معه باعتباره جزءا منها، لا عبئا عليها. والتعدّد الداخلي في الهوية يعني، بالضرورة، تعدّد الإبداعات الثقافية وتعدد النزعات الاجتماعية والفردية في الأفكار والسلوك، وقبول ذلك الاختلاف باعتباره ثراء لا تهديدا. وكلما كانت الهوية الثقافية متسامحة مع تعددها الداخلي كان ذلك من مظاهر قوتها الخارجية. والعكس: أي كلما كانت أحادية منغلقة كان ذلك مصدرا من مصادر ضعفها في المحافظة على البقاء والمقاومة.

ومن هذا المنطلق، عبر عبد العزيز الخاطر عن الخطر الذي يهدد كل هوية ثقافية، والهوية الثقافية القطرية على وجه الخصوص، وذلك حينما تجازف بالتحول إلى “جوهر زائف” ما لم تستمر طبيعتها السردية التي كانت تتطور بشكلها التلقائي بين أفراد المجتمع، لأنها ما أن تصبح الهوية ميتافيزيقية أي متشابهة ومتعالية لغياب التعددية فيها ، حتى تتحجر وتموت. فمن تلك الهوية الجوهرية تتكون عادة تلك الشخصية المنهمكة التي تظل منكفئة على الماضي ومن الصعب الانتقال بها إلى المستقبل.

من نافلة القول التذكير بأنّ قوة الهوية الوطنية تتحدّد بما لها من قدرة على تحريك المجتمع البراغماتي المعاصر نحو التجديد والتطور اللذين يصعب تحقيقهما دون الامتلاء بقيم اجتماعية مرجعية، منها على سبيل المثال احترام التنوع والتعدّد وتقدير الاختلاف وقبول الآخر، مع الحفاظ على درجة معينة من الأصالة والخصوصية. غير أن ما يلفت انتباه الدّارس هو أنّ الهوية الخليجية والقطرية منها على وجه الخصوص قد تمّ فيها تغليب القيم المادية على القيم الاجتماعية والإنسانية بفعل العوامل السياسية والاقتصادية في إطار مفهوم الدولة الريعية . وهنا بالذات تطرح المسألة الثقافية من جديد كجوهر للتفكير السوسيولوجي في الحالة الخليجية. لأن مدخل أي تغيير حقيقي في الحاضر والمستقبل هو المدخل الثقافي، أي تغيير المفاهيم الاجتماعية أولا.

وغالبا ما تُطرح المسألة الثقافية باعتبارها نتيجة وليس منطلقا. فالوعي الثقافي لدى الأفراد غالبا ما تٌحدده التنشئة الاجتماعية بأدواتها الرسمية وغير الرسمية. وقد اخترنا تقديمها أحيانا، في سياق هذا البحث، بوصفها نتيجة لأنّنا ربطناها بمشاريع التنمية وقرارات الإدارة السياسية، ولكننا نظرنا إليها، أحيانا أخرى، باعتبارها فاعلا في التغيير الاجتماعي، لأن بإمكان الوعي الثقافي أن يكون قاطرة للتطور الحضاري للمجتمع. وفي كل الأحوال، ينبغي في رأينا، دائما أن نأخذ الثقافة بعين الاعتبار باعتبارها محركا فاعلا في النمو والتحديث الاجتماعيين. فالثقافة عبارة عن تركيبة معقدة من المفاهيم -المعايير، تكشف عن الصورة السائدة للأعراف والعادات والتقاليد المؤثرة في سلوكيات المجتمع سواء تلك المكتسبة أو المتوارثة . والمثال على ذلك الأعرف التي تمثل طائفة من الأفكار والآراء والمعتقدات التي تنشأ في جو الجماعة وتمثل مقدسات الجماعة ومحرماتها . وليس من الشائع التطرق للعرف الاجتماعي وعلاقته المباشرة بالصورة الأكبر لعمليات التنمية وتحديد المسارات الاجتماعية والثقافية على مستوى ماكرو اجتماعي.

 إن العرف الاجتماعي يخلق الوعي المجتمعي حول الكثير من القضايا، ويقوم بمراقبة السلوك الاجتماعي للأفراد وضبطه كي تستمر سلطته الأخلاقية على الناس. ومن الصعب حصر العرف في الحدود الأسرية، خاصة أن الجماعات والفئات الاجتماعية الأخرى تخضع جماعيا لأعرافها. والحقيقة أن فعل العرف لا يكون إلا داخل الجماعات التي صنعته والتي تؤمن بسلطته. ولكن خارج إطار تلك الجماعات لا مجال لاشتغال العادات والأعراف الخارجة عنها.

ولا يمكن للعرف الاجتماعي أن يكون له تأثير في الناس دون أن تكون له سلطة المراقبة والعقاب. وهي سلطة اعتبارية أخلاقية تعاقب المتعدي على الأعراف بما تفرضه عليه من مشاعر الدونية والذنب. وعليه تكون الأعراف في النهاية إحدى أدوات الضبط الاجتماعية التي ينشئها المجتمع من أجل خلق أكبر قدر من الروابط والتشابك بين أفراده، فهي بمثابة السنن الاجتماعية التي تعبّر على المعنى الشائع للاستعمالات والعادات والتقاليد والمعتقدات .

لا شكّ أنّ الأعراف تشكّل أحد أهم أطياف الهوية الثقافية للمجتمع، إذ بالأعراف تلعب الثقافة الدور المحرك للسلوك التنظيمي في المجتمع، ولا مراء في أن القيم والمعايير تظل أساساً خاصاً بالجماعة، ويظل المطلوب دائما هو المحافظة على التوازن بين ممارسة السلطة والمجتمع، وبين سلطة المجتمع الشفاهية والقانونية ، والقدرة على مواءمة حركة الهوية الثقافية مع الحركة التنموية للمجتمع، ومنح أكبر فضاء ممكن للمثاقفة والتبادل الثقافي والاقتصادي في فضاء الإنسانية ذاك الذي يحتوي حدود السيادة الوطنية ولكنه لا ينفيها.

5- الخاتمة:

نعيش عصر التحوّلات الكبرى. ونحيا الآن غروب مرحلة ثقافية هامة جدا من التاريخ العالمي المعاصر الموسوم بطابع العولمة. ومن مميّزات هذه اللحظة الحضاريّة هو تصاعد خطابات الهويات التي اقترنت بما سمي بـ “صراع الحضارات”. وفيه تشهد البشرية امتدادات ثقافية للعولمة ارتبطت أحيانا بالصراعات الدولية الساخنة منها والباردة. وفي ذروة الجدل الثقافي حول قضايا العولمة استفاق الناس فجأة على أولوية سؤال الهوية؛ من نحن؟

وانشغل الجميع برهة بهذا السؤال، وتنوعت الإجابات ولكن ظلت القضية واحدة لدى الجميع تقريبا: الوطن والثقافة هما من يصنعان هويتنا الاجتماعية. وكل ذلك في علاقة صميمة بالسياسة والاختيارات السياسية.

وفي قطر تحديدا، يتمثل الناس في وعيهم صورة معينة للهوية “القطرية” يتجادل فيها طرفان: التراث الاجتماعي والأخلاقي، والاختيارات السياسية التي قادت الدولة وحدّثتها. غير أنه بقدر ما يؤثر السياسي في الاجتماعي في قطر، فإن الاجتماعي بدوره يؤثر في السياسي. إنها لعبة التأثير المتبادل. وهو تأثير محسوب ودقيق تراقبه الإدارة السياسية بعناية وتتحكم فيه، من أجل تحقيق الرهان الأسمى: أن يكون للهوية الوطنية القطرية مستقبل واعد في عالم الصراع الدولي، عبر المحافظة الدّقيقة على التوازن بين الأصالة والانتماء للتاريخ، وبين الانفتاح على الآخر والسعي إلى الانخراط الفاعل في كل ما هو عالمي وإنساني. وهو ما نعتقد أن الهوية الوطنية والثقافية القطرية سائرة في طريقه اليوم.

6- مراجع البحث:

  1. التريكي، فتحي، أخلاقيات العيش المشترك، دار المتوسطية وكرسي الأيسيسكو للعيش المشترك، تونس 2021،
  2. الخاطر، عبد العزيز، النظام المعرفي المجتمع القطري، دار الشرق، قطر، 2019،
  3. سعيد، محمد أحمد (أدونيس)، فاتحة لنهاية القرن، دار العودة بيروت، 1980.
  4. العثمان، ناصر محمد، السواعد السمر: قصة النفط في قطر، منشورات دانة للعلاقات العامة، 1981.
  5. فائزة، أسعد، العادات الاجتماعية والتقاليد في الوسط الحضري بين التقليد والحداثة، الجزائر، 2012.
  6. الكواري، علي خليفة، العين بصيرة: مثلث التجاهل: النفط والتنمية والديمقراطية، منتدى المعارف، بيروت، 2013،
  7. الكواري، علي خليفة، وآخرون، الشعب يريد الإصلاح في قطر أيضاً، منتدى المعارف، بيروت، 2014،
  8. محمد شحرور، الدولة والمجتمع: هلاك القرى وازدهار المدن، دار الساقي، بيروت، 2018.
  9. النجار، باقر سلمان، صراع التعليم والمجتمع في الخليج العربي، دار الساقي، 2003.
  10. معجم المعاني الجامع، مادة “الأعراف الاجتماعية” (https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar) (10/11/2021).
  11. صحيفة الاتحاد الإماراتية، https://www.alittihad.ae/opinion/

مقالات أخرى

الإعلام والطائفية السّياسية في الزمنية العربية الملتهبة: ملامح محنة خفيّة

علم الاجتماع الماركسي

الحب والجنس: إيقاعات التناغم والانفصام؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد