في مفهوم الزمن، أومَن يُخاطب مَن؟

مفهوم الزمن

الملخّص:

تتمحور مقاربتنا حول مفهوم الزمن من منظور المنهج التأويلي التذويتيّ. ومدارها على الذات التي أثقلتها فجائع الزمان بدافع عاطفة كبيرة منْ عواطف النفس الإنسانية[1]، تلك الذّات التي عانت الفقد، وتحسّرت على قيمة وجوديّة ضاعت منها. وفي هذا المعنى جاء في النّص القرآنيّ أنّ يعقوب عليه السلام: ﴿وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف﴾ [سورة يوسف، 84]. ثُمّ طار به الحدس الغيبيّ بعيدا إلى تصوّر الحياة الجميلة الثرّة. ﴿إنّي أعلم من اللّه ما لا تعلمون﴾ [سورة يوسف: 86]. ولا يخفى عن النظر فيما تقدّم شُعُور الذات بالزمن الذي تحطّم، وثمّة كذلك إحساس بالمُعاناة[2]. هذه المُعاناة التي ترجمتها العاطفة الإنسانيّة ماثلة في الذات الأبويّة المُشخّصة للزمن الخصيب حينًا، وماثلة حينًا آخر في الزمن العقيم.

إنّها رحلة الواقع عبر القلم والبحث بوصفها مطيّة للباحث عبر الزمان لضرب عصا الترحال بُغية نحت الكيان. فلا سبيل إلى رسم موطئ قدم تنقدح عنده شرارة الإدراك الذاتيّ إلّا عبر تأصيل الكيان[3].

الكلمات المفاتيح: التلفّظ – الزمن – العلامة التأويلية – ممكنات الوجود – الحدس المعرفي.

Abstract

Our approach revolved around the concept of time from the perspective of the subjectivist hermeneutic method. And its orbit on the self that was burdened by the famine of time out of a great emotion from the emotions of the human soul, that self that suffered loss, and lamented an existential value that was lost from it. In this sense, it came in the Qur’anic text that Jacob, peace be upon him, said: Then the metaphysical intuition flew him away to the perception of the beautiful and rich life. “I know from God that which you do not know” [Surat Yusuf: 86]. It is not hidden from looking at the foregoing, the self’s sense of time that has been shattered, and there is also a sense of suffering. This suffering, which was translated by human emotion, is present in the fatherly self that diagnosed the fertile time at times, and is present at other times in the sterile time. It is the journey of reality through the pen and the search as a metaphor for the researcher through time to strike the travel stick in order to sculpt the entity. There is no way to draw a foothold that ignites the spark of self-realization except through the rooting of the entity.

Keywords: Pronunciation – time – hermeneutic sign – possibilities of existence – cognitive intuition.


عتبة البحث أو النّص المنطلق:

﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾ [ يوسف: 84- 86]

1- المقدّمة:

من نافلة القول أن نُشير، ضمن هذا السيّاق، الذي نتحرّك فيه أنّنا نولّي وجوهنا شطر القراءة التأويليّة (L’étude interprétatif). بما هي استقصاء لممكنات الوجود[4]. فتكون قراءاتنا للآيات القرآنيّة المذكورة سلفا قراءة أدبيّة تنأى كل النأي عن الكتب الدعويّة.

وعماد تأويلنا ضمن هذا الحيّز، هو زمن البدء والمُنتهى في هذا العمل. لهذا يتوجّب علينا أن نهتدي بصيرورة البناء الدلاليّ للمعجم اللّغوي المشكّل للقول الذي هو وثيق الصّلة بالسّيرورة الزمنيّة أو الزمن في تسياره.

ونحن في إشارتنا إلى السيرورة (processus)، من منطق المُمكن أن نجد أضربَ تواصل وأنساق تفاصل، وهي التي بها نزمع أن نستقصي ممكنات الوجود، ما بان منه وما احتجب كالعلامة في مستواها الأوّلاني لا تُدركها المعاني[5]. فدونك التطبيق من بعد مشروع تمهيد. هذا الذي نذكر.

2- في سحب المبنى على المعنى:

“وتولّى عنهم…” ثمّة عمليّة فتق علائقيّ نشأت بزوال بنائيّة الرتق. فأداة الاستئناف (الواو)في كلمة وتولّى عنهم. تعني حتما أنّه كان ثمّة انتماء للمجموعة. وبناء على هذا التمشّي، نقف على ما يلي:

” تولّى عنهم”: انفصال الذات عن المجموعة. وإن شئنا الدقّة في المسمّيات قلنا: انفصال النبيّ يعقوب عليه السلام عن قومه. وهذا ما عبّرنا عنه بالفتق بعد الرتق.

“يا أسفي على يوسف”: التحسّر المدعوم بحرف نداء وُظّف تلبيةً لتداعيات مقام النُدبة. وموضوع التحسّر ههنا هو غياب يوسف أو التفريط في نبي اللّه يوسف كما سيتّضح ذلك لاحقا. هذا الغياب الذي يحمل بين طيّاته الحضور المنسيّ أو حضور الكائن الذي لا يُنسى.

وابيضّت عيناه: عبارة تحيل على ترجمة الحالة الشعوريّة في مشهديّة صدمة الذات. وبذا ينبلج تأثير مستتبعات الزمان في داخليّة الإنسان إلى حدّ تجرّع مرارة الحزن.

ولم يلبث أن جاء الردّ سريعا: “قالوا تاللّه تكون حرضا أو من الهالكين”، تصدّر القسم فيه المحاورة المباشرة لبيان المآل أو الجزاء على سبيل التّهديد والوعيد والتخويف.

3- في انتخاب الماضي بمنظار واقع الحال:

وإن نحن رُمنا الإجمال بعد التفصيل، استوقفنا انفصال الذات عن الآخر وانفرادها بمأساتها وأحزانها واستحضار يوسف الغائب تذكارا وتفكارا إلى حدّ فقدان بؤرة النور البصريّ. وهو الأمر الذي جعل القوم يُوجّهون له اللّوم والعتاب مبرزين له المآل أو الجزاء.

وممّا لا يدعو مجالا للشكّ والحيرة والارتياب، أنّ للزمن في حلّه وترحاله اليد الطُولى في ترتيب سريان الأحداث مدّا وجزرا، تواصلا وتفاصلا. لهذا نرانا إزاء حركة مغمورة في داخلية يعقوب النبيّ عليه السلام. وهي حركة لها صلة بالجانب الفكريّ وبالجانب الشعوريّ في الآن ذاته، يترجمها سفرب الذات نحو الماضي عبر مستجدّات واقع الحال استشرافا للآتي. ويمكن تبويب هذه الحركة في المستوى الأوّلانيّ لأنّها مجرّد شعور ليس إلّا.

وهذا الشّعور الذي تتبنّاه على أنّه حقيقة، من وجهة نظر أكثر تمثيلا لهوّة الإحساس، لا يكون إلاّ بفعل وحي يُوحى إليها أو من خلال حدس تحدسه أو عبر إدراك تتّخذه سمة حقيقة، ينقلنا من المستوى الأوّلانيّ الأكسيولوجيّ الخام إلى المستوى الثانيانيّ الذي بمُوجبه تندرج العلامة من الحيّز الغامض إلى الحيّز المتّضح. نقصد من المستوى الشعوريّ إلى مستوى الواقع حيث الحقيقة التي تدركها الذات.

4- في التلفّظ استقصاء غيبيّا:

وبذا، تتّضح العلامة التأويليّة فتشكّل أحقيّة لا نقاش فيها لمّا تقول الذات المتلفّظة “إنّي أعلم من اللّه ما لا تعلمون”. ويُمكنُنَا اِستخراج أمارات التلفّظ أيضًا مِن خلال الملفُوظ (L’énoncé). فأصل الكلام في قولِهِ (أعلم من اللّه ما لا تعلمون): أنا الآن وهنا أقول: أعلم من اللّه ما لا تعلمون. وبما أنَّ التلفّظ قول يقُولُهُ قَائل ويتوجّهُ بهِ إلى المُخَاطَب قصدَ التأثيرِ فيهِ[6]، فإنَّ التلفّظ القوليّ في هذا الشَاهد يقصِدُ مِنْ ورائهِ المُتلفّظ إلى الاِتّصَالِ بموضوع رغبتِهِ وهو تحقيق متعة المعرفة الغيبيّة.

فعلامة الصدمة أو صدمة الذات إزاء ما فقدت، أو لنقل انفصال الذات عن موضوع رغبتها (انفصال يعقوب عن يوسف عليهما السلام)، من منظور حضاريّ يسوّره التّسآل: كيف تقبّلت الذات -وهي محور الخطاب- الأثر الشعوريّ المُحطّم الهادم للكيان؟

ومن منظور ثقافيّ: ما وجاهة ملامة القوم للنبيّ يعقوب على شعور أبويّ في منتهى البداهة؟

الجواب، ضمن هذه الحوزة، تبرزه العلامة وهي تتدرّج في مستواها الديناميّ[7]. فصدمة الذات مردّها التقصير في المحافظة على الأمانة (يوسف عليه السلام). وملامة القوم جاءت لقصديّة أسّ، ألا وهي نسف لكلّ ما هو له صلة بحكاية جار عليها الزمان فانقضت وانتهت. لذلك وجب أن تتوقّف في الماضي، لا الحاضر يرثها، ولا المستقبل يستقطبها.

5- في مفهوم الزمن تأويلا سيميائيّا:

الملاحظ إذن، أنّ ثمّة، بين المستوى الأوّل والمستوى الديناميّ، لَبس وجب توضيحه. وهذا لا يتسنّى إلّا بوضع العلامة سيميائيّا في مستواها النهائيّ[8]. فلمّا يقول المتلفّظ[9] “إنّي أعلم من اللّه ما لا تعلمون”. يتّضح المعنى ويتبدّد الغموض. فيتّضح لنا مليّا، أنّ الذات لها مصدر علم من اللّه لا علم أعلم منه.

ومن هذا المنظور التأويليّ الصِرف، يتأكّد عندنا أنّ صنع الحركة من فرز كلّ احتمال. وهو ما يتناسب مع الحركة الفكريّة والشعوريّة في شكل اهتزازات وجوديّة. ولعلّ هذا ما يُفضي بنا إلى القول إنّ حركة الزمن مرتبطة بحركة التفكير عندنا وبحركة الأشياء من حولنا من منظور علم النفس السلوكيّ[10].

فالسلوك الذي أراد يعقوب النبي عليه السلام زرعه بين أبنائه في الماضي، لم يكن هو ذاته في الحاضر. وهو ما قرأه غيبيّا ‘علم الغيبيات”. أمّا أفراد العشيرة، فتبنّوا، في المقابل، حركة الزمن على أساس روتينيّة حركة الطبيعة من حولنا.

حريّ بنا بعد هذا الذي ذكرنا آنفا، أنّ نقرّر أنّ الزمن لا يُعدّ حركة انسيابيّة للحظة الزمنيّة كما تصوّره لنا الرؤية السطحيّة للعقل. ولعلّ هذا ما يجعلنا على ما يشبه اليقين بأنّ الزمن ثابت في الكتلة الكونيّة. وبسبب من هذا، أدركت كلّ الذوات المشكّلة للخطاب التلفّظي المذكور في صدر هذا المقال، أنّ الكتلة الكونيّة ثابتة عبر الزمن وأنّ الزمن ثابت عبرها. فالمتغيّر الوحيد هو نائبات الزمن وليس الزمن. “من الحزن فهو كظيم”، “تكون حرضا أو تكون من الهالكين”. فالثابت هو الزمن والمتحوّل هو حالة الكائن بفعل الزمن.

وإن نحن أمعنا النظر في الانصهار اللّانهاياتيّ في الزمن العمودي أو الزمن الداخليّ أو التسلسل الزمنيّ لهجرة السلوك الذهنيّ والفكريّ في عمق المادّة من الماكروكونيّ إلى الجزئيّ إلى الذرّي إلى ما دون الذرّي، وجدنا أنّ العلم لم يتوصّل إلى إماطة اللّثام عنها إلّا باتّحاد الزمكان حيث يتمّ تجديد المادّة تحت غطاء ولادة الحاضر من رحم الماضي[11].

والمقصود بهذا، أنّ كلّ حركة داخلنا ماديّة كانت أو فكريّة تبدو وكأنّها تسافر بنا نحو الماضي عبر بوّابة الحاضر. وهذا ما نعبّر عنه بالحقيقة الأوّليّة، شأن الحقيقة التي كابدها يعقوب النبيّ عليه السلام. فالمادّة الفكريّة انطلقت من زمن الحاضر: صدمة الذات بسبب ضياع يوسف عليه السلام. وطوّحت بها الذاكرة إلى استرجاع الغائب تذكارا وتفكارا وتسيارا[12]: “يا أسفي على يوسف”.

فالمادّة الفكريّة التي عنها نتكلّم في ارتحالها تذكارا، ترافقها اهتزازات وجوديّة وهي المستوى الذي يُوحي بأنّنا سافرنا إليه لإنتاج معنى وجوديّ أو سيرورة وجوديّة وهي الحقيقة المفضّلة لدينا قبل أن يسافر بها العقل نحو المستقبل ويصيّرها مادّة مركّبة. فلو افترضنا جدلا أنّه بإمكاننا التحكّم في حركة مسار الموجودات الكونيّة، فماذا نلاحظ؟ سنلاحظ أنّ الزمن لا يتحرّك ولا ينساب بصفة مسترسلة كما يصوّره العقل البشريّ.

فما ننتهي إليه استنتاجا، هو أنّ الزمن تصوّر ذهنيّ مرتبط بحركتنا وبحركة الأشياء من حولنا. ولتأكيد ما استنتجنا، نجد عند التمعّن في علم الأعصاب ضمن إطار تحليل يندرج في حيّز علم النفس السلوكيّ، أنّه عندما يبدو أحدنا مضطربا ويريد للوقت أن يمرّ بسرعة، تكثر حركته وكأنّه يحفّز الزمن على المرور بسرعة أكثر. وهذا ما يدخل في إطار ردّة فعل عقليّة مادية عفويّة/ اعتباطيّة (arbitraire)[13].

المراد قولا من خلال هذا المثال، هو أنّ الزمن مفهوم تصوّري ذهنيّ مرتبط بالحركة.

6- في رحلة العقل من الصورة الاحتماليّة إلى الحقيقة الماديّة:

يهمّنا أن نشير، ضمن هذا المقام التأويليّ، أنّ مرور الوقت وانتظامه لا يعني بالضرورة حركة الزمن المتعارف عليه، ذلك أنّ الوقت هو خاصيّة صنعها العقل بناء على روتينية حركة الطبيعة من حولنا[14].

 فدورة الأرض حول نفسها قسّمت إلى 365 دورة سمّيت باليوم. ينقسم اليوم إلى ليل ونهار وإلى 24 وحدة زمنية تعارفنا عليها بالساعة. جُزّئت الساعة إلى 60 دقيقة وقسّمت الدقيقة إلى 60 ثانية. وهكذا إلى ما لانهاية من التجزيئات بناء على الحركة البديهيّة المألوفة للطبيعة.

وبناء على ما تقدّم، يتراءى لنا أنّ الزمن الأفقي هو الحركة، فحين نتحرّك يبدو لنا الزمن هو الآخر يتحرّك في ترجمة حرفيّة لنظرية البنية الخاصّة. ومن جانب آخر، الزمن الحقيقيّ المتغيّر يكمن داخل عمق المادّة وهو الفارق بين الزمن الماكروكونيّ والزمن الأبديّ، أو رحلة توفيق العقل بينهما. نقصد مدّة استغراق العقل لتحويل الصورة الاحتماليّة الأبديّة إلى الحقيقة الماديّة التي تظهر لحواسّنا[15].

ومن هذا القبيل، فإنّ لكلّ منّا زمنه الخاصّ وعمره الخاصّ وتكيّفه في الزمن على نحو خاصّ كذلك. أَوَ لم يقل يعقوب النبيّ عليه السلام لعشيرته: “إنّي أعلم من اللّه ما لا تعلمون”. هو جواب مقتدر لجوهر تصوّرات أهل القبيلة. تصوّرات قوامها: “ستكون حرضا أو تكون من الهالكين”.

نخلص، على هذا الأساس، وبهذا القدر من التأويل، إلى أنّنا إزاء ضرب من ضروب العاطفة. والمقصود بالعاطفة، في هذا السياق التحليليّ، هُو سيادة علامات المشاعر والإحساس، منْ تأمّل وبُكاء وافتقار وانكسار ومُناجاة وما سوى ذلك. وغالبًا ما ينمُو سُلطان العاطفة لحظة الحاضر. وهي لحظة لها وجه واحد وبُعد أوحد، إنّها لحظة التفتيت والانحلال والتغيّر الفاجع[16].

فالمُتأمّلُ في محاورة يعقوب عليه السلام مع أفراد قومه، يرى أنّ جوهر الخطاب فيها يُلخّصُ زمنيّة الحاضر على أنّها قاتمة مأساوية. والحركةُ المُضادّة لهذه الزمنيّة تتمثّلُ في استعادة الماضي[17]. وعندما تستعيدُ الذات لحظة الماضي نقضًا للحاضر، فإنّ ذلك يكون حتما منْ إملاءات سُلطة العاطفة التي يرتكزُ إليه الحُلم.

 فمنطقُ العاطفة هُنا يُحرّكه الشُعور الإنسانيّ بمدى المُفارقة بين “كان” و”أصبح”. ومن المنْطقيّ في كُلّ شيء أنّ تجنح سُلطة العاطفة بالمرء إلى الماضي. لأنّ الماضي حافل بذكريات حميميّة، كانت أمارات الابن الحبيب (يوسف عليه السلام) أبلغ تمثيل لها.

وبسببٍ منْ هذا كان تحسّر الذات التي أثقلتها فجائع الزمان بدافع عاطفة كبيرة منْ عواطف النفس الإنسانية[18]. والوجهُ في ذلك أنّنا نرى الذات المتكلّمة قد تولّت عن المُخَاطَب، وتحسّرت على قيمة وجوديّة ضاعت منها. “وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف”. ثُمّ طار به حدسه الغيبيّ بعيدا إلى تصوّر الحياة الجميلة الثرّة. “إنّي أعلم من اللّه ما لا تعلمون”.                                              

فلا يخفى عن النظر أنّ هُناك شُعُورا بالزمن قد تحطّم، وثمّة كذلك إحساسا بالمُعاناة قد حلّ[19]. هذه المُعاناة تُترجمُها العاطفة الإنسانية ماثلة في الذات الأبويّة المُشخّصة للزمن الخصيب حينًا، وماثلة حينًا آخر في الزمن العقيم. ولا يذهبنّ بنا الظنُّ إلى أنّ هذه النوائبَ المتمثّلة في اندثار فلذة الكبد، وغياب الآخر والخواء المكاني مُعطّلة للفكر الإنساني، بل لعلّها وراء تنشيطه وتحفيزه.

وحسبنا من ذلك أن نلاحظ أنّ الذات الإنسانيّة، من خلال نُدبتها وتحسّرها على الذي فات، وقراءتها الاستشرافية للغيبيات، قد فهمت حقيقة وُجُودها في الكون. لذلك أمكن القول، إنّ اتّحاد الاستشراف الغيبيّ بمستتبعات واقع الحال فيه مُحولةٌ لفهم الكون.

ومنْ هُنا وجد الإنسان مشروعية السؤال عنْ حقيقته في الكون مُتاحة. هكذا نكون قد تحسّسنا محمول العنوان. “في مفهوم الزمن، أو مَن يُخاطب مَن؟” بما هي رحلة الواقع عبر القلم والبحث، ومطيّة الباحث عبر الزمان لضرب عصا الترحال بُغية نحت الكيان. فلا سبيل إلى رسم موطئ قدم تنقدح عنده شرارة الإدراك الذاتيّ إلّا عبر تأصيل ذاك الكيان[20].

7- الخاتمة:

يمثّل مفهوم الزمن وأسلوب المحاورة معا تشكيلا لآيات من فنّ الغريب، تستهوينا بما فيها من فتنة جميل الذكريات والتذكار وتفكّر الأهل الأخيار والشوق إلى الأحبّة الأبرار. وتتركنا ختاما في حيرة وتسآل عن أحداث الدمار التي تنعاها إلينا، وأحوال الإنسان ومآلــــــــــــه فــــــي الوجود (L’existence) ومصيره فـــي الزّمــــن (Le temps).

ولا يخفى عن نظر المتفحّص أنّ بحثنا الموسوم بـــ “في مفهوم الزمن أو مَن يُخاطب مَن” يحتكم إلى لحظتين: لحظة الماضي (Le passé) بما هي لحظة الخصب النّفسي (La richesse psychologique) لما فيها من شوق وهناء. ومردّ ذلك إلى أنّ المكان المرتكن يسجّل إعمارا، وحضور “يوسف” الابن قائما اسما وصورة وموقفا، أو لنقل حضوره قائما بعدسة العين.

ولحظة الحاضر بما هي لحظة الجدب النّفسي (La pauvreté psychologique) لما فيها من عناء وشقاء، لأنّ المأوى المعهود والمعبود تحوّل من الإعمار إلى القفر. وحضور “يوسف” فلذة الكبد أصبح طيفا لا غير، فحضوره قائم بفوتوغرافية الذاكرة. ومن شأن هذا المشهد الخلّب والمنظر القلّب المتشكّل من خواء المكان وغياب “يوسف” ووحشة الحياة أن يبعث على التدبّر والاعتبار في الوجود.


[1]– عزّة حسن، شعر الوُقُوف عَلَى الأطلَال مِنَ الجَاهلية إلَى نِهَاية القرن الثَالث: درَاسة تَحليلية، الطبعة الأولَى، 1388هـ / 1968م، دمشق – سوريَا، ص 14.

[2]-René Poirier, Essaie sur quelques caractères des notions d’espace et de temps, édition Vrin, Paris 1932, p 64.

[3]-Paul Ricoeur, Histoire et vérité, édition, Seuil, paris 1987, p 45.

[4]– إنّ العَلَامات الكونِيَة هي أيَاقين أو أمَارات دالّة عَلَى شيء مُعيّن أو هي رمزا لأشيَاء مِنْ جِنسِهَا. ومِنْ ثمّة نُلَاحِظُ أنَّ هُنَالِكَ بنَاء مُبرّرًا، عندئذ نتَحدّث عن المُستوى التأويلِيّ البنَائيّ. ولا يفُوتنا أنْ نُشيرَ إلَى أنَّ أشيَاء الكونِ لا تظهَرُ لَنَا كَمَا هي عَلَيهِ، بل تتمظهر وِفقَ مُشتَهى الذات المُدركة لَهَا. فتأويل الذات لأشيَاء الكون وفقَ منظُور تذويتيّ هو مَا نُعبّرُ عنهُ بالمستَوى التأويلي التَذويتيّ. ثُمَّ إنَّ السنَن الثَقَافِي الرابض في الدَائرة الهرمنطقية هو وقود الإدراك لدَى الذات المُنشغلة باِستقصَاء مُمكِنَات الوُجُود. وهنَا نَتَكلَّمُ عن المُستَوى التأويلِي الدائري. وكُلّ ذلِكَ لَا يتمُّ إلّا بحُلُول الإنسَان الموجُود في الوُجُود، يتفحّصُ جوهر الأشيَاء ويقوم بتجسيدها بشكـــــل مُبــــــــرّرًا وهـــــذا قِـــــــوَامُ المستـــوى التأويلــــي الأنطلُوجِـــيّ.

اُنظر كتَاب مُحمّد بن عيّاد، في المنَاهج التأويلية، منشُورات وحدة البحث في المناهج التأويلية، كُلية الآداب والعلوم الإنسَانية بصفاقس، الطبعة الأولى، ديسمبر 2012، مطبعة التسفير الفنّي، صفاقس – تونس، ص 83 ومَا بعدها، ص 113 ولاحقها، ص 145 وما بعدهَا.

[5]– ملاحظــــــة: إنَّ مُصطلحَــات الأولانيــة / الثانيانيــة / الثالثانيــة، التي أشرنَا إليهَـــا في المتن هي ترجمة اِقترحهَا محمّد بن عيّاد في كتابـــه، في المناهج التأويلية، مرجع مذكور، ص157-158.

[6]– Katrin Kerbrate Orechioni , L’énonciation de la subjectivité dans le langage , édition Librairie Armand, Colin, Paris 1980 Pp 40-45.

[7]– Charles Sandres Peirce, Ecrits sur le signe،traduction Gérard Dalidale, ، édition ، Seuil, Paris 1978, p 111.

[8]– Ibid. p 85.

[9]– يقول بنفنيست ضمن هذا الإطار:

” L’émergence des indices de personne (je / tu) qui se produit dans et part l’énonciation. Le terme je dénotant l’individu qui y est profère l’énonciation. Le terme tu l’individu qui présent comme allocutaire”.Problèmes de linguistique générale, tom 2, édition Gallimard, 1974, p 83. -Emile Benveniste

[10]– عبد العلي الجسماني، علــم النفس وتطبيقاته الاجتماعيــة والتربويــة، الطبعــة الأولــى 1994، منشورات الــدار العربية للعلــوم، بيروت -لبنان، ص 309.

[11]– Raymond Polin, Le bonheur considéré comme l’un des beaux-arts, édition P. U. F. Paris 1965, p113.

[12]– Ferdinand Alquié, Le désir d’éternité, édition, P. U. F. Paris 1943, p 30.

[13]– محمّد بن عيّاد، مسالك التأويل السيميائي، منشُورات وحدة البحث في المنَاهج التأويلية، كلية الآداب والعُلُوم الإنسَانية بصفَاقس، الطبعة الأولى، 2009، مطبعة التسفير الفنّي، صفاقس – تونس، ص 48.

[14]– كمال أبو ديب، مجلة المعرفة السورية العدد 195، ص 39، نقلا عن صلاح عبد الحافظ في كتابه، الزمان والمكان وأثرهما في حياة الشاعر الجاهلي وشعرهِ، ص 6.

[15]– Encyclopaedia Universallis, Corpus 14, édition, S.A. France 1988, p 426.

[16]– حسن سعيد كَمُّونِي، الطلل في النّص العَرَبِي، دِرَاسة في الظَاهِرة الطَلليَة مَظهَرًا للرُؤيَة العَرَبيَة، مَرجع مَذكُور، الفقرة الثَالثة، ص 41.

[17]– كَمَال أبو ديب، الرُؤَى المُقنّعة نحو منهج بنيوي في دِرَاسة الشعر الجَاهِلِي: البنِيَة والرُؤيَا، منشورات الهيئة المِصرِيَة العَامّة للكِتَاب، القَاهرَة 1986، الفقرة الثانية، ص 326.

[18]– عزّة حسن، شعر الوُقُوف عَلَى الأطلَال مِنَ الجَاهلية إلَى نِهَاية القرن الثَالث: درَاسة تَحليلية، الطبعة الأولَى، 1388هـ / 1968م، دمشق – سوريَا، الفقرة الثَانِيَة مِنَ المُقدّمة، ص 14.

[19]– René Poirier, Essaie sur quelques caractères des notions d’espace et de temps, édition Vrin, Paris 1932, p 64.

[20]– Paul Ricoeur, Histoire et vérité, édition, Seuil, paris 1987, p 45.

مقالات أخرى

الإعلام والطائفية السّياسية في الزمنية العربية الملتهبة: ملامح محنة خفيّة

علم الاجتماع الماركسي

الحب والجنس: إيقاعات التناغم والانفصام؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد