أبو نصر الفارابيّ من منظور محسن مهديّ

أبو نصر الفارابيّ

الملخّص:

تبحث هذه الدراسة في الجهود التي قدَّمها العالم العراقي محسن مهدي في مجال دراسة الفلسفة الفارابية، والأسباب التي دفعته إلى التخصص في فكر أبي نصر الفارابي الذي يُعدُّ مؤسّس الفلسفة الاسلامية، وأحد أهم الفلاسفة المسلمين المؤثّرين في فلسفة العصور الوسطى. وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى تحليل المنظور المنهجي الذي عليه ارتكن الدكتور محسن مهدي في النظر إلى منجز الفارابيّ الفلسفيّ. ويقوم هذا المنظور على بعدين، الأول هو الإنصاف والثاني هو الاستكشاف.

الكلمات المفتاحية: استكشاف، إنصاف، الحروف، الفارابي، فلسفة، مهدي.

Abstract:

This study examines the efforts made by the Iraqi scholar Mohsen Mahdi in the field of studying Farabi philosophy, and the reasons that led him to specialize in the thought of Abu Nasr al-Farabi, who is considered the founder of Islamic philosophy, and one of the most important and influential Muslim philosophers in the philosophy of Middle Ages.

 The study then analyzed the methodological perspective on which Dr. Mohsen Mahdi relied in looking at Al-Farabi’s philosophical achievement. This perspective is based on two things, the first is fairness and the second is exploration.

Keywords: al-Farabi., exploration, fairness, Mahdi, letters, philosophy.


1- مقدّمة:

الفلسفة شكلٌ مهمٌ من أشكال التفاعل الإنساني التي بها يتجرد الإنسان من خصوصيات النظر الواقعي التقليدية ليغوص في عمومياتها، متأملا إياها بكليانية عقلانية، محاولاً الإحاطة بسطوحها وأعماقها. وبغيته من وراء ذلك البحث عن الحقيقة في تجردها ونقائها.

وفي خضم الحركة العلمية والفكرية التي شهدها القرنان الثالث والرابع الهجريان برز اهتمام العرب بعلوم جديدة غير العلوم التي كانوا ضليعين فيها، كعلم النحو والفقه والتفسير والبلاغة التي كانت أحقّ العلوم بالتعلم والحذق، إذ بها يُعرف إعجاز كتاب الله تعالى. ومن العلوم الجديدة التي ساهم نشاط الترجمة في التعرف عليها هي الفلسفة التي كان لها عند الأمم الأخرى مكانة مهمة.

ولم يكن أمر ممارسة الفلسفة سهلاً مقارنة بعلوم كانت راسخة وعتيدة في تلك العهود من عمر الحضارة العربية الإسلامية، فعُدّت الفلسفةُ أوّل الأمر فرعاً من فروع علم البلاغة ومورست تحت مسمى (علم الكلام) وسُمي المشتغلون بها متكلمين، أي أصحاب الصنعة الكلامية في بحثهم في القرآن وتدليلهم على إعجازه. وأوّل فرقة للمتكلمين كانت فرقة المعتزلة واهتمت بتفسير فنّ القول. ومن متكلميها البلاغيين واصل بن عطاء وسهل بن هارون وعمرو بن عبيد والجاحظ الذي كان ذا نزعة عقلية وطابع جدالي يقوم على الاستدلال بالمنطق والقياس.

2- أهمّية الفارابي في تاريخ الفلسفة الإسلاميّة:

لم تأخذ الفلسفة اسمها كفرع معرفي مستقل عن علوم اللغة إلا على يد أبي نصر الفارابي الفيلسوف المولود عام 259 أو 260هـ / 870 م والمتوفّى عام 339 هـ /950م الذي أتقن النحو وجادل النّحاة واللغويين عقليا حتى أثبت لهم مقدرته كفيلسوف مؤسّس ضليع في التراث الفلسفي الإغريقي والتراث اللاّهوتي الأفلاطوني المحدث، فكان أنْ لُقّب بالمعلم الثاني.

وبسبب شهرته في الفلسفة وبراعته في فهم أرسطو في كتابيه فن الشعر والخطابة، ولدراسته على أيدي المتصوّفة في بغداد، وانخراطه في الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، متأثرا ببعض النسطوريين من مدرستي أثينا والإسكندرية، أظهر بعض النّحاة والبلاغيين له ولغيره العداء، ومنهم ابن الأثير الذي ثار على أساليب الفلاسفة ورأى في الفارابي وابن سينا ـ ومن شابههما ـ رجالا أضلّهم أرسطو وأفلاطون[1].

أما الفقهاء فكانوا يشجّعون علم الكلام الذي كانت له مكانة مهمّة، لكنه ملحق وسطَ علوم الدين الإسلامية، ومنها علم الفقه، فكانوا يقومون برعاية علم الكلام عندما يحتاجون إليه لكنهم كانوا يراقبونه مراقبة شديدة، ويعملون على قمعه كلّما بدا في ذلك زرع للشك في أذهان المؤمنين وإغراقٌ لهم في جدل عقيم أو تحويل لهم عن واجباتهم الشرعية، إلى أن استطاع الفارابي بعقلانيته الجدلية جلب الاهتمام إلى ملل الوحي، متعاملاً معها كفلسفة لا تضاد الدين، بل هي أفضل طريقة للحياة، وهي السبيل الذي عبره يستطيع الإنسان بلوغ المعرفة الأكمل[2].

وعلى الرغم من تلك المواجهة، فإنّ الفارابي واصل عمله الفلسفي والمنطقي بدلالات ومسائل لها صلة بالفلسفة الأفلاطونية، مبتكراً علوماً جديدةً منها علم إحصاء العلوم وعلم السياسة المدنية، فاتحا الباب للفلاسفة من بعده كابن سينا وابن رشد وابن طفيل وابن ماجة وابن ميمون فضلا عن الغزالي وابن خلدون، مؤثرا في علماء البلاغة العربية في القرن السادس للهجرة مثل القزويني والسكاكي والرازي والسبكي والتفتازاني وغيرهم. ووصل تأثير أبي نصر الفارابي إلى فلاسفة العصور الوسطى في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، لكن عوامل كثيرة جعلت إرثه الفلسفي منسيّا، فلم يترجم منه إلا القليل في أواخر القرن التاسع عشر.

إنّ أهمية التراث الفكري الذي خلَّفه الفارابي جعلت بعض المفكرين الغربيين المهتمين بالفلسفة الشرقية لا يشيرون إليه سوى من بعيد. وقد لا يشيرون إليه أصلا. والسبب أنّ الغربيين ينظرون إلى الفلاسفة المسلمين عامة على أنهم مجرّد ناقلين للإرث اليوناني، وأنّ فضلهم يقتصر على إيصال هذا الإرث إلى عصر النهضة، لتقوم أوربا بإحيائه من جديد، وكأنّ الفلاسفة المسلمين لم يضيفوا لهذا الإرث جديداً، ولم يكونوا مبتكرين ولا مطوّرين.

ولا شكّ أنّ وراء هذا التصور نزعة استشراقية تجعل الفلاسفة الغربيين ينظرون باستعلاء إلى الفيلسوف الآتي من الشرق، ويصفونه بالشيخ الحكيم، ويعدّون فلسفته حكمة، فلا هو يتأمل الظواهر والبواطن ولا هو يبتكر المفاهيم والاصطلاحات.

بيد أن من يقرأ الفلسفة الإسلامية يجد أنّ ابتداع المفاهيم هو مطلبها، ولذلك ابتدع الفارابي ألفاظ (الأجناس والمحمول والماهية) في مقابل ألفاظ (التيموس والنوس أو النوع) عند أفلاطون، و(الكاثريسس والجوهر) عند أرسطو. وهو ما لم يقم به الفلاسفة الغربيون أنفسهم ممن درسوا أفلاطون وتأثروا به، بل إنّ بول ريكور[3] لم يضع مفاهيم كالتي وضعها الفارابي وهو الذي أهتم كثيراً بكتاب ـ( الجمهورية)، ووقف مليّا عند المدينة الفاضلة، وانشغل بالنفس الإنسانية كحقل قوى يتعرض للتجاذب المزدوج من العقل والمجاز والمماثلة والرمزية والمثال.

والملاحظ أنّ أعمال الفارابي، بدءا من مطلع القرن العشرين إلى اليوم، قد باتت تحظى بالاهتمام، فكُتبت فيها الدراسات والأبحاث، وصيغت حولها منهجيات وطروحات سوسيولوجية وأنثربولوجية وسياسية، ووضعت فيها نظريات بعضُها أدبي فكري، وبعضها الآخر نفسي واجتماعي وثقافي.

ولعلّ أهم تلك الرسائل والمصنفات وأكثرها شهرة، هو كتاب (الجمع بين رأيي الحكيمين) و(آراء أهل المدينة الفاضلة) و(السياسة المدنية) التي فيها يتجلّى مجمل العمل الفلسفيّ عند الفارابي.

3- الفارابي من منظور محسن مهدي:

تمتّع الدكتور محسن مهدي بميزات الباحث الأصيل، وأهمّها الأناة والدقّة والصبر، متمكنا بذلك من القيام بهذا العمل المضني بحثا وتحقيقا، جامعا تخصصه في علم الاجتماع بمعرفته المعمّقة بالتراث الفلسفي الإغريقي والإسلامي مع توظيف قدراته الذاتية وموهبته الأدبية التي منحته أسلوبا علميا خاصا، استطاع به، في الوقت نفسه، أن يتحرّر من التقييد الأكاديمي، و أن يعزّز البعد العلمي في أبحاثه ودراساته، حتى قال عنه شارلز بتروورث:” أن اشتهاره بالبحث العلمي المضني والشامل جعله يتجنب التقيد بالعرف العلمي المتمثل بالإحالة إلى الأدبيات الثانوية التي تمتّ بصلة إلى موضوعه الخاص من قريب أو بعيد”[4].

وعلى الرغم من أنّ أول عمل بحثي لمحسن مهدي كانت أطروحته للدكتوراه الموسومة بــــ(فلسفة التاريخ عند ابن خلدون) والتي بها تخصص في علم الاجتماع، فإنّها كانت أيضا بداية مشواره في دراسة الفلسفة الإسلامية القروسطية عامة، وفلسفة الفارابي خاصة.

أما أسباب تخصص الدكتور محسن مهدي في فلسفة الفارابي فهي كالآتي:

  • أنّ الفارابي هو أول فيلسوف أعلى من شأن إرث مدرسة الإسكندرية في الإسلام متمتعاً بمرتبة أرسطو نفسه كمعلم ثان، لا بوصفه مجرد مترجم ومؤرخ وناقل للتراث الفلسفي، وإنما باعتباره فيلسوفا فاض على الإرث الفلسفي الأفلاطوني والأرسطي بالكثير من فهمه، فكانت له فلسفته التي عبرت عنها مصنفاته، مرشدا من سيأتي بعده إلى الكيفية التي بها تفهم الأدبيات الأفلاطونية المحدثة باستعمال المنطق والعلم المدني أي العلم المهتم بالمدنية.
  • أنّ الفلسفة الغربية لم تول المعلم الثاني الأهمية التي تناسبه، بل تأثرت بدلا من ذلك بتلميذه ابن سينا الذي كان شديد التأثر بأفكار الفارابي وطرائقه في ملاحظة الجواهر والأعراض وتشخيص الظواهر والسلوكيات. ولعل تفرد الفارابي بفلسفة خاصة في مقاربة الشريعة الإلهية بالفلسفة الإسلامية جعل مصنفاته مصدر حيرة وتضليل للباحثين، ولذلك آثروا ابن سينا عليه.
  • -ما ساد من افتراض أن مصنف الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة) هو صيغة أخرى منقولة من مدينة أفلاطون.
  • ما تميز به أرث الفارابي الفلسفي من تنوع علمي يجمع بين الفقه والكلام والفلسفة العملية والمدنية والعلوم النظرية والعلم الطبيعي والإلهيات وبين علوم أخرى استحدثها وتفرد فيها.
  • اقتناع محسن مهدي أن التباين بين السياسة الأفلاطونية وملل الوحي أمر قائم لكن هناك أوجه تشابه قائمة أيضا. وهذا ما “يشجع طالب الفلسفة والملة على حد سواء على البحث عما توفّره له السياسة الأفلاطونية من تعاليم عن ملل الوحي. ومن المؤكّد أن وجود آراء في الله والكون داخل أمة ما غير كاف لاعتبارها شبه المدينة الفاضلة حسبما تصورها أفلاطون”[5].
  • اهتمام محسن مهدي بالفلسفة المدنية وفلسفة الملة التي استعملها الفارابي للدلالة على الدين.
  • ما انطوت عليه نصوص الفارابي من طابع فلسفي يتّسم بالعمق، باستثناء القليل من نصوصه التي اتسمت بالبساطة.
  • تفرّد الفارابي في أفكاره الفسلفية حول العلاقة الجدلية المعقدة بين العلم والمدنية كمعضلة ناقشها متفحّصا جذور آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية والملل الجاهلة والضّالة، وتساءل من هو الإنسان؟ وما هي المدنية؟
  • -اجتراح الفارابي لعلم جديد لم يعرف قبله هو علم إحصاء العلوم، وتنظيره للفلسفة المدنية في سياق مماثل لسياق الجمهورية والطيماوس والنواميس لأفلاطون، و متوافق، في الآن ذاته، مع مستلزمات الشّريعة الإلهية.
  • -أن الفارابي فيلسوف خدم الفلسفة الإسلامية من خلال إدراكه “النزاع الكبير بين السعي وراء الخلاص الفردي والسعي وراء الخلاص العام غير أنه كان الفيلسوف المسلم الوحيد الذي اختار أن يستكشف هذا النزاع.. وبذلك.. أبرز حسن محبة البشر الذي تتمتّع به الفلسفة. وتفاني الفيلسوف النبيل في سبيل رفاه أمته وبهذه الطريقة فإنّه أسدى خدمة عظيمة للأمة الإسلامية”[6].
  • ـ أنّ الفلاسفة الذين آتوا من بعد الفارابي لم يتوافق احترامهم له ولا تقدير انجازه مع التفهم لدوره كفيلسوف أسس الفلسفة الإسلامية[7].
  • هذه الأسباب مجتمعة وغيرها هي التي وجّهت جهود المفكر محسن مهدي العلمية نحو الفارابي ليتخصّص في فلسفته بعد أن تخصص في الفيلسوف ابن خلدون. وهذا جزء من مآثره الكثيرة في علم الاجتماع في العراق والعالم.
  • والأسئلة التي تتبادر الذي يتبادر إلى لذهن، في هذا السياق، هي: هل أنصف محسن مهدي الفارابي فعلا؟ وهل كان له منظور خاص في دراسة أرث الفارابي الفلسفي؟ وهل كان تحقيق رسائل الفارابي عاملا مساعدا لمحسن مهدي أن يلم بالفلسفة القروسطية؟ وكيف استطاع محسن مهدي أن يلمّ بالمعارف التي جمع فيها الفارابي بين العلوم اللغوية والإنسانية والعلمية ليكون له دوره المهمّ في الفلسفة الإسلامية؟ وأيهما أثّر في محسن مهدي: ابنُ خلدون الذي قاده إلى الفارابي أم الفارابي الذي سحبه من ابن خلدون؟ وأين نضع محسن مهدي في اهتمامه بدراسة الفلسفة القروسطية وتحقيق كتب أعلامها؟ أمع المحققين التقليديين أم مع المفكّرين المجددين؟

للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها لا بد من الوقوف على أبعاد المنظور الذي به وجّه الدكتور محسن مهدي اهتمامه لمنجز الفارابي الفلسفيّ، وهو منظور ذو بعدين:

3- 1- البعد الأول: الإنصاف:

أنصف محسن مهدي الفارابي في مواضع كثيرة من كتابه (الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية) وفيه ركز على مواطن الابتداع والاجتراح التي بها تميزت فلسفة الفارابي، فلم تكن تقليدا للفلسفة اليونانية.

وأوّل مواطن الإنصاف تأكيده أنّ ما قدّمه الفارابي من تفكير في طبيعة الإنسان هو إدراك لما طرحه كتاب النواميس لأفلاطون من أسئلة تتعلّق بالشرائع، لكنّه أيضا تفكير تميز فيه الفارابي، فخصَّ به الفلسفتين: فلسفة السياسة والفلسفة المدنية. وقد وجّهت الطبيعة البشرية اهتمام الفارابي، وجعلته يتلمس هاتين الفلسفتين معتمدا التقصّي والتقوى كصفتين طبيعيتين في الإنسان تجعلانه يكتشف المجهول أو يبحث عنه من دون أن يتطلب ذلك منه معرفة المبادئ الأسمى، كما أنهما لا يفرضان مسبقا الحكمة التي تحيط بالكل. ومن ثم تكون حالة الجهل عند الإنسان أولية عادة، فلا يحصر نفسه في مرتبة يقرّ فيها بحالة جهله؛ بل إنه يجادل الجميع، باحثا عن أرض صلبة يقف عليها، وعن تصورات أكثر ايجابية ومبادئ أكثر سموّا. وفي رأي الفارابي، فإن الطبيعة البشرية هي التي تجعل الإنسان يفضّل “أن يقول أنا أؤمن وأبحث من أن يقول أنا أصدق أمرا وأنا أعلم أن الحقيقة مغايرة تماما”[8].

وبسبب اهتمام الفارابي بطبيعة الإنسان، ركز محسن مهدي عليها في كتابه (الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية) معرّفا هذه الطبيعة بأنّها مصدر سعادة الإنسان، وعليها يتوقّف كلّ ما يصنعه على طبيعته ومرتبته في إطار الكلّ الطبيعي، ومدركا العرف لا بوصفه أمرا اعتباطيا بالكامل أو مقبولا ببساطة كطريق افترعه السّلف، وإنما بوصفه أمرا يحسِّن الطبيعة ويجعلها تامّة. ومن هنا رفضت الفلسفة الإسلامية الفكرة القائلة إنّ الشّريعة الإلهية تحظر التحرّي الحرّ، وفي الحقيقة فأنها تقول، بدلا من ذلك، إنها مفروضة. وقد باشرت تقصيها وفقا لأفضل المناهج المتوفرة، ألا هو المنهج المتمثل في الوثوق بما يمكن أن يُرى، وليس بما يُقال، والاستناد إلى الطبيعة بدلا من رأي الإسلاف[9].

ومن الإنصاف أيضا ما أكّده د. محسن مهدي من أن الفلسفة الفارابية عقلانية في رؤيتها للإنسان كمفردة تدلل على معنى انطوى فيها بالقوة، موضوعٌ[10].

وإذ يقسم محسن مهدي المتكلمين إلى فئتين: فئة العقلانيين وفئة التقليديين، فإنه يدرج الفارابي ضمن فئة العقلانيين، لأن فلسفته المدنية بدأت مسيرتها في سياق جديد يضع للحضارة العربية الإسلامية صورة جديدة في القرن العاشر الميلادي من خلال بعث فلسفة أفلاطون وأرسطو من جديد، وتحرير الفلسفة السقراطية من اللاهوت المسيحي. فتأثر بفعله هذا الفكر اليهودي في القرن الثاني عشر على يد موسى بن ميمونيدس والفكر المسيحي اللاتيني في نهاية القرن الثالث عشر على يد ألبير الأكبر وتوما الاكويني. وبسبب هذا كلّه صار الفارابي يعرف بأنّه رئيس مدن العلم وبقعة الحكمة والمعلم الثاني.

وقد تأسف محسن مهدي لأنّ فلسفة الفارابي لم تفهم حقّ الفهم، بل كان يُتعامل معها بجهل حتى أنّ “رجالا آخرين عظماء ومشهورين قد أداروا ظهورهم، بطريقتهم، للحياة العامة ولأمتهم عن جهل أو خيبة أمل. وهناك بيننا اليوم من المفكرين من لا يزالون عاجزين عن إدراك معنى عبارة (فلسفة مدنية)، ولا يكتبونها أبدا من دون وضعها بين مزدوجين كما لو كانت عديمة الدلالة، أو كما لو أنّ العبارة تمثل بحثا تافها يقوم به أناس لم يكتشفوا الفلسفة الحقّ. يمكن لهؤلاء المفكرين أن يعلِّمونا أشياء كثيرة، غير أنهم لن يعلمونا قطّ كيف نفكر جيدا في المسائل العامة، ولا كيف نحسّن مصير أبناء امتنا وكيف نرسي سياسة مدنية ونحافظ عليه”[11].

وعقلانية الفارابي جعلته يبحث في مقولات ما بعد الطبيعة لأرسطو لا أن يختصرها، وبهذا رد محسن مهدي على من قال إن الفارابي لم يأتِ بشيء جديد سوى تلخيص مقولات أرسطو. وعزّز رأيه بالفروق بين الفارابي وأرسطو من ناحية الجهة التي يبحثان فيها، وهو ما نجده مفصلا في كتاب ( الحروف) الذي حقّقه محسن مهدي، وعنه قال:” إن كتاب الحروف هو تفسير لكتاب أرسطو طاليس في ما بعد الطبيعة ولا يعني هذا أن الكتابين يتفقان في جميع الموضوعات التي ينظران فيها بل هناك فروق”[12].

وقد رأى الفارابي أن كتاب (ما بعد الطبيعة) مقدم لجميع أجزاء المنطق ومقدم لجميع أجزاء الفلسفة التي لا تنظر في شيء غير المقولات، لكنّ الفارابي تجاوز ذلك كلّه إلى التعاليم والعلم الطبيعي والعلم المدني، كما أن الفارابي نظر في ألفاظ ومعان مشهورة في لغات عصور من غير لغة أرسطو طاليس وعصره وملته. هذا فضلا عن تباين فحوى كتاب (الحروف) للفارابي عن فحوى كتاب (ما بعد الطبيعة) ومضمونه وأغراض أرسطو طاليس فيه[13]. وعن ذلك يقول محسن مهدي: “أن الفارابي لم يكن من الشراح المستعبَدين للنص الذي يقومون بشرحه وأنه كان له رأي خاص في غرض ما بعد الطبيعة. وهذا هو السبب الرئيس للاختلاف بين الكتابين”[14].

وما بحثه الفارابي في مصنفاته المختلفة من علوم تتصدر اهتمامات الفكر الإسلامي كالنحو والفقه واللاهوت، ساعدته فيها معارفه التي اكتسبها من رحلاته إلى بلدان عديدة وبعيدة. فكانت كتاباته بمثابة رسائل موجهة إلى قومه الذين لم يغادروا الوطن[15].

وأما القول بأن الفارابي بنى مدينة حاكى فيها مدينة أفلاطون في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة)، فإن عقلانية الفارابي في (كتاب الملة) تفنده. وقد حقّق محسن مهدي هذا الكتاب، وفيه وجد أن تشبيه المدينة بالبدن الحي الكامل توكيد لهوية الفارابي الأصيلة. وعن قول الفارابي إن أعضاء البدن الحي لا تتعاون لمجرد تحقيق غاية مشتركة، بل لها مراتب مختلفة، قال مهدي: “والملة ووضعها وصلة أقسام المدينة ومراتبها بنظائرها من أقسام العالم ومراتبها والقوى النفسانية ومراتبها وأعضاء بدن الإنسان ومراتبها تذكر القارئ بكتابي الفارابي في العلم المدني هما مبادئ (آراء أهل المدينة الفاضلة) و(السياسة المدنية).. أما المدينة الفاضلة والسياسة المدنية فتعطي الآراء والأفعال وكأنها تشرع ملة ما أو تعطي مثالا يجب أن ينظر إليه من يريد وضع ملة ما في أمة ما أو في زمان ما”[16].

ولأهمية هذا الكتاب احتل مكانة مهمة بين مؤلفات الفارابي، وفيه استعمل الفارابي لفظ الملة بخلاف كتابه “الملة الفاضلة”. وبين هذين الكتابين بعض الاختلافات فما تحتوي عليه فصول “كتاب الملة” هي غير محتويات كتاب “الملة الفاضلة” الذي فسر محسن مهدي سبب تسميته بـــ “أن ابن طفيل يذكر في قصة حي بن يقظان أن الفارابي أثبت في كتاب الملة الفاضلة بقاء النفوس الشريرة بعد الموت في آلام لا نهاية لها بقاءً لا نهاية له”[17].

3- 2- البعد الثاني: الاستكشاف:

من عادة العلماء البحث في أصل اللغة ونشوئها، وهو ما وجده محسن مهدي في الفارابي الذي غاص في أصل اللغة واكتمالها وعلاقتها بالفلسفة والملة، وذلك في كتاب (الحروف) أكبر مصنفاته. وحققه محسن مهدي، وفيه رؤية جديدة لهذا الفيلسوف لا بوصفه أمام المنطقيين، بل شيخ المترجمين العارف باللغات السريانية والفارسية واليونانية، فكان يحدد ما يعمله المترجمون عند نقلهم أي مصطلح من اليونانية مع شروح وافية لمعاني المصطلح العلمية والفلسفية في اللغة العربية ولغات أخرى غير العربية فضلا عن تفسير المعاني العامية وصلتها بالمعاني العلمية. وكان الاعتقاد السائد قبل تحقيق محسن مهدي لكتاب الحروف أن الفلاسفة الذين كتبوا بالعربية كانوا قد استقصوا البحث في معاني المصطلح وكذلك الفلاسفة الإغريق.

ولا شك في أن كتاب الفارابي كان مصدرا استقى منه شراح كتاب “ما بعد الطبيعة” لأرسطوطاليس الذين أتوا بعد الفارابي مثل ابن سينا وابن رشد، الكثير من آرائهم في العلم الإلهي[18].

ليس هذا حسب، بل إنّ كتاب الحروف يكشف لنا بعدا آخر في الفارابي كعالم لغوي، فقد اعطى لمعاني الأفعال تسميات غير تسميات سيبويه وغيره من النحويين كما سمى معنى الحروف بالألفاظ الدالة[19]. ومن أمثلة تفسير الفارابي لمعاني الحروف تفسيره حرف الجر(على)، فقال: “وقد يقال على العموم (على) ما عرّف ماهية أي شيء كان من أنواع جميع المقولات، وعلى ما به قوام ذاته. وهو الذي بالتئام بعضها الى بعض تحصل ذات الشيء. وهي التي إذا عقلت يكون قد عقل الشيء نفسه ملخصا بأجزائه التي بها قوام ذاته أو ملخصا بالأشياء التي بها قوام ذاته وهو الذي بالتئام بعضها إلى بعض يحصل ذلك الشيء ـ أي شيء كان”[20].

والفارابي هو الذي فرَّق بين المصطلح النحوي والمصطلح المنطقي. وبسبب مقدرته اللغوية تمكن من توطيد الفلسفة كعلم، شأنها شأن النحو والفقه. ولهذا التوطيد صلة بحادثتين كشف عنهما العلامة محسن مهدي من خلال تحقيقه لكتاب (الحروف): الحادثة الأولى اجتماع الفارابي بابن السراج، والحادثة الثانية مناظرة متى والسيرافي.

وبحسب محسن مهدي فإنّ ابن السراج النحوي الذي صحب المبرد إمام نحاة البصرة كان أستاذ الفارابي، وقد اجتمعا بعد وفاة المبرد. ومن هنا جاء اهتمام الفارابي بعقد الصلات بين النحو والمنطق ومن ثم تمكن من الإلمام بالتراث النحوي واللغوي العربي “وهو أمر لم ينظر فيه مفكر إسلامي قبل الفارابي أو بعده بالتفصيل والعمق الذي نظر فيه الفارابي في مصنفاته العديدة “[21].

إن هذا الاستكشاف يفسر لنا سبب تأليف الفارابي لكتاب الحروف كما يدلنا على مصدر الفارابي في بعض ما يقوله عن آراء نحويي العرب وأقوالهم في معاني الحروف، وخاصة ما يقوله في نشأة علم اللغة عند العرب، علما أنه لم يذكر ابن السراج في هذا الكتاب[22].

أما مناظرة متّى والسيرافي فكانت انتصارا للنحو على المنطق وللنحويين على أصحاب المنطق والفلسفة، لأن متّى لم ينظر في النحو وأحكام اللغة، وكان يجهل الحروف ومعانيها ومواضع استعمالها ولذا نجح السيرافي في إظهار جهل متّى باللغة العربية ونحوها وفقهها، وإبطال ادعائه أنه لا حاجة للمنطقي إلى النحو.

وهذا ما جعل الفارابي ينتبه إلى أهمية تعلم النحو واللغة، فصحب ابن السراج… لكن الذي لاحظه محسن مهدي في هذه المسالة هو هذا الغموض الذي شاب علاقة الفارابي بمتى، فقد قيل إنه أخذ عنه، وإن متّى كان أسنَّ من الفارابي الذي كان أحدَّ ذهنا وأعذب كلاما والفارابي كان يومئذ في بغداد يدرس المنطق والفلسفة[23]. وعن ذلك قال مهدي:” يخيل إلي أن المناظرة التي جرت بين متي والسيرافي أدت بكثير من تلامذة الفارابي إلى أن يسألوه كيف يجيب هو عن الأسئلة التي أثارها السيرافي عن اللغة وصلتها بالمنطق وعن الحروف.. وذلك لأن الفارابي كان على علوّ شأنه في المنطق عارفا بالعربية وفقهها ونحوها .. ويبدو لي أن الفارابي ذهب يجيب عن هذه الأسئلة ويفسر هذه الأمور في حلقة كان يشرح فيها معاني لحروف ويفسر فيها كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو طاليس، فأطنب في أصل اللغة والنحو وفي نشأتها وفي صلتها بالفلسفة والملة .. وعلاقة الشكل اللفظي بالمعنى العقلي وعلاقة المعاني العامية بالمعاني الفلسفية. ونقل المعاني من لغة إلى أخرى يدحض ما زعمه السيرافي من أن المنطقيين لا يصرفون عنايتهم إلى اللغة التي يتحاورون فيها ويدارسون أصحابهم بمفهوم أهلها”[24].

وممّا اكتشفه محسن مهدي في تحقيقه لكتاب الحروف أيضا أن كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو لم يكن من الكتب التي بدأ بها الفارابي التعلم، بل تعلم أولا الكتب المنطقية والطبيعة والرياضية. وهذا ما رأى فيه محسن مهدي دليلا على أنّ الفارابي ربما صنّف أو أملى كتاب الحروف بعد الانتهاء من تصنيف أو إملاء كتبه الأخرى في المنطق وعلوم الفلسفة، كما اكتشف الدكتور محسن مهدي أن هناك شكوكاً حول ترتيب الكتاب وكمال نصه وأنه من غير الممكن إعادة ترتيب الكتاب أو إكمال نصه لعدم وجود الأسس الثقافية لمثل هذا العمل[25].

ومن أسلوب الفارابي في كتاب الحروف ما يدل على أنه كان في الأصل مجموعة دروس ألقاها الفارابي وكتبها السامعون عنه في مجلس التعليم، كما اكتشف محسن مهدي السبب وراء عدم اهتمام الفارابي بالإشارة في كل كتاب يكتبه إلى جميع الكتب التي صنفها من قبل مع رجوعه الدائم إلى ما قاله فيها. وهذا ما يجعل هناك صلة بين المواضيع التي يبحث فيها الفارابي في كتاب الحروف وبين المواضيع التي تبحث فيها كتبه المنطقية الأخرى[26].

ومن الاستكشافات التي رصدها محسن مهدي ما وجده وهو يبحث في دقائق حياة الفارابي من تشابه اسم الفارابي باسم عالم لغوي آخر هو أبو نصر الفارابي الجوهري وهو أحد أعلام القرن الرابع الهجري وقد ترجم له ياقوت الحموي في إرشاد الأريب وكان إماما في لغة العرب، ومات في نيسابور. وأصله من فاراب وهو ابن أخت أبي اسحق الفارابي صاحب (ديوان الأدب)[27].

ومن دقائق ما اكتشفه أيضا في تحقيقه لكتاب الملة هو ابتداع الفارابي لدعاء وُصف بالعظيم، لأنه يحصي الآراء والأفعال والأقاويل التي بعضها يعظم الله ويمجده، يقول المحقق: “ليس من الغريب أن يكون الفارابي قد ألف دعاء بيّن فيه ما يعنيه بقوله: “الأقاويل يعظم بها الله”. ويبدأ الدعاء هكذا “اللهم يا واجب الوجود ويا علة العلل يا قديما لم يزل” وينتهي ” وأمط عنها كدر الطبيعة وأنزلها في عالم النفوس المنزلة الرفيعة الله الذي هداني وكفاني وأراني والحمد لله وحده وصلّى الله على من لا نبيّ بعده وسلم تسليما”[28].

4- خاتمة:

إذا كان العلامة إبراهيم مدكور قد اهتم بفلسفة الفارابي منذ عام 1934، واهتم الباحث المستشرق ليو شتراوس بتأثر الفارابي بفلسفة أفلاطون، فإن ما قام به المفكر العراقي الدكتور محسن مهدي يظل هو الأهم، لا من ناحية التعريف العلمي بفكر الفارابي الفلسفي حسب، إنما أيضا من ناحية ما قام بتحقيقه من رسائل هذا الفيلسوف ومصنفاته التي كانتْ طيّ النسيان والإهمال طيلة عصور مضت. فأخرجها إلى النور، ليضيف إلى مكتبة الفلسفة العربية والعالمية إضافات مهمة تعطي صورة مقرّبة لأبي نصر الفارابي، موجهاً اهتمام الدارسين إلى هذا الفيلسوف الشرقي المسلم والعالم المؤسس الذي لُقب بالمعلم الثاني. ويعدّ ما قدّمه الدكتور محسن مهدي في تحقيق كتاب (الحروف) من منظور خاص وعمليّ في قراءة فلسفة الفارابي ونقدها استكشافاً وانصافاً، مثالاً من مجموعة أمثلة تدلّل على أهمية ما تركه الفارابي من إرث كبير ومنجز ثريّ، كما تؤكد ما لكتاب “الحروف” من موقع خاص في خارطة المصنّفات الأخرى التي ألفّها الفارابي.


[1]– ينظر: ضياء الدين بن الاثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، الجزء الاول، قدمه وعلق عليه د. احمد الحوفي ود. بدوي طبانة ( القاهرة: دار نهضة مصر) ص306-310.

[2]– ينظر: د. محسن. س. مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية، ترجمة وداد الحاج حسن، (بيروت : دار الفارابي، ط1، 2009)، ص71.

[3]– ينظر: بول ريكور، فلسفة الإرادة الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، ( المغرب: المركز الثقافي العربي، ط2 ، 2008).

[4]– د. محسن. س. مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية، مصدر سابق، ص11.

[5]– المصدر نفسه، ص26.

[6]– المصدر نفسه، ص95.

[7]– ينظر: المصدر نفسه، ص76.

[8]– المصدر نفسه، ص50-51.

[9]– المصدر نفسه، ص39-49.

[10]– أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، حققه وقدم له وعلق عليه محسن مهدي،( بيروت: دار المشرق، 1986)، ص78.

[11]– د. محسن. س. مهدي، الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية، مصدر سابق، ص95.

[12]– أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، مصدر سابق، ص33.

[13]– المصدر نفسه، ص30-33.

[14]– المصدر نفسه، ص42.

[15]– المصدر نفسه، ص93.

[16]– أبو نصر الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، حققها وقدم لها وعلق عليها محسن مهدي،( بيروت: دار المشرق، ط2 ، 1991)، ص11. وحقق محسن مهدي كتاب الواحد والوحدة، لأبي نصر الفارابي ( بيروت : دار توبقال، ط1، 1990) مقدّماً له ومعلّقاً عليه أيضا.

[17]– المصدر نفسه، ص13.

[18]– المصدر نفسه، ص27.

[19]– المصدر نفسه، ص28.

[20]– المصدر نفسه، ص100-101.

[21]– المصدر نفسه، ص46.

[22]– المصدر نفسه، ص46.

[23]– المصدر نفسه، ص47-48 وتذكر كتب الطبقات أن الفارابي كان يدرس المنطق والفلسفة في بغداد حتى سفره إلى الشام في آخر سنة 330 هـ.

[24]– المصدر نفسه، ص49

[25]– المصدر نفسه، ص43-44

[26]– المصدر نفسه، ص24

[27]– أبو إبراهيم اسحاق الفارابي، ديوان الأدب، تحقيق أحمد مختار عمر وإبراهيم أنيس.

[28]– أبو نصر الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، مصدر سابق، ص32-33.

مقالات أخرى

الإعلام والطائفية السّياسية في الزمنية العربية الملتهبة: ملامح محنة خفيّة

علم الاجتماع الماركسي

الحب والجنس: إيقاعات التناغم والانفصام؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد