الذات المؤلّفة في “رجع الصدى” بين الاسترجاع والابتداع

رجع الصدى


الملخّص:

تدرس هذه الورقة البحثيّة حضور الذات المؤلّفة في خطابها فتقتفي أثر الذات في مؤلف “رجع الصدى” للكاتب التونسيّ محمّد العروسي المطوي، بالتركيز على وجهين بارزين للأنا: وجهٍ يستعاد من الماضي تنسج ملامحه الذاكرة، ووجهٍ يبتدعه الخيال من ممكنات الحياة. لذلك يتتبّع البحث فعلين أساسيّين ينسجان صورة الذات في هذا المؤلّف هما “التذكّر” و “التخيّل” في إطار تصوّر يشدّ الصلات بين الكتابة والوجود ويرصد تجليّات الذات في النصّ ووجوه حضورها فيه وملامحها المرسومة كلماتٍ وارتسامات ظلالها عليه.

كلمات مفاتيح: الذات المؤلّفة، الاسترجاع، الابتداع، محمد العروسي المطوي، “رجع الصدى”، السيرة الذاتيّة.

Abstract:

This research paper studies the presence of the author’s self in its discourse, tracing the self in the book “Raj’ al-Sada” by the Tunisian writer Mohamed al-Aroussi al-Matwi, while focusing on two prominent aspects of the ego: a face recovered from the past whose features are woven by memory, and a face created by imagination from the vast possibilities of life. Therefore, the research traces two basic actions that weave the self-image in this book; which are “remembrance” and “imagination”; within the framework of a conception that tightens the links between writing and existence and monitors the manifestations of the self in the text as well as the faces of its presence in it. It also draws the features of the self with words projecting its own shadows.

Key words: autobiography, remembrance, author’s self, invention, “Raj’ al-Sada”, Mohamed al-Aroussi al-Matwi.

1- مقدمة:

يبرز حضور الذات في النصّ الإبداعيّ السرديّ العربيّ أمرا لافتا منذ ثلاثة عقود أو يزيد، فقد غلبت على هذا الإنتاج نزعة جديدة حمّل فيها السّارد صوتين؛ صوت السّارد الذي يروي، وصوت المؤلّف الذي يقف وراءه، في تداخل فنيّ بين مقاميْ السّرد والكتابة، يؤكّد حضور الذات في نصّها بشكل قويّ. فنشأ عن ذلك اتّجاه بدأ يسود في السرد العربيّ الجديد، هو اتّجاه “تذويت السّرد” و”سرد الذّات.

 وقد كتب الأديب محمّد العروسي المطوي في مجالات كثيرة، وخلّف مدوّنة أدبيّة متنوّعة النّصوص والآثار، مثل أعماله الإبداعيّة في الرّواية (ومن الضّحايا، وحليمة والتّوت المرّ)، والقصّة (طريق المعصرة) والمسرح (خالد بن الوليد) والشّعر (فرحة شعب، ومن الدّهليز) والسّرد الذّاتيّ (رجع الصّدى). وهي نصوص تكشف سمة بارزة في منتجه مفادها حضور الذّات المؤلّفة في صور شتّى تتغيّر بتغيّر مجال الكتابة وأشكال التّعبير وطرائق الإبداع والتّفكير والتّصوير. ولكنّها تنجلي على نحو أوضح في “رجع الصدى” أين تنسج الذّات استرجاعا وابتداعا استنادا إلى لذّة الاستحضار: “لا يفتأ يعيد ويعيد فيشعر بجلالة الذكرى ولذّة الاستحضار”[1] واعتمادا على متعة الابتكار: “كانت سبحا طويلا في التخيّل والتصوّر والتوليد والابتكار” [2].

وتؤطّر هذه الورقةَ أمورٌ ثلاثة:

ـ الأمر الأوّل هو اهتمامها بالذات وظلالها المرسومة كلمات واشتغالها بالأنا المسرودة كما عركتها يد السارد من طين الحياة وماء الكلمات في “رجع الصّدى” تقتفي فيه آثار الذات وترصد حضورها بين صفحاته بحثا في ظلال النصّ ذاته والمخيال الذي يمتح منه نصّ العروسيّ المطويّ شخصيّاته وصوره وبناه.

ـ والأمر الثاني هو التسليم بأنّ الذّات المنشئة للخطاب تتشكّل وهي تنشئ الكلام وتحدث ذاتها وتبتدعها. فهي منشئة ناشئة؛ منشئة للنّصّ ناشئة فيه وبه وتلك كفاءة المبدع “أن يتنزّل في خطابه ذاتا تتشكّل وتنمو في حِدْثَان الخطاب”[3]

  ـ والأمر الثالث هو أنّ البحث في الذات من هذا المنظور ليس قراءة إحاليّة ترصد العلامات المرجعيّة لحضور ذات العروسي المطويّ في النصّ المبدع، وإنّما هو أقرب إلى القراءة الاحتماليّة التي تلتقط ملامح الذات من ظلالها الوارفة المنتشرة في المتن النصّيّ وتتفكّر الذات المبدعة، ذاتا كاتبة وذكاء سرديّا، لا تنعزل عن الشرط التاريخيّ والموضوعيّ الذي يسيّج وعيها بكونها ذاتا مثقّفة منخرطة، في إشكاليات واقعها.

انطلاقا من هذا التصوّر في حضور الذات المؤلّفة في خطابها تدرس هذه الورقة وجهين لهذا الحضور المعلّم بفعلين أساسيّين ينسجان صورة الذات في “رجع الصّدى” هما “التذكّر” و “التخيّل” في إطار تصوّر يشدّ الصلات بين الكتابة والوجود ويرصد تجليّات الذات في النصّ ووجوه حضورها فيه وملامحها المرسومة كلماتٍ وارتسامات ظلالها عليه. فالذاكرة تتحسّسُ بها منابت النشأة والإبداع ترمّم به حضورها في تجربةِ التقلّبات والتعثّرات

2- الذات المسترجعة (التذكّر):

يسرد المؤلف في “رجع الصدى” جزءا هامّا من سيرته زمن الطفولة، ويتنقل بين محطّات عدّة من تاريخه الطفليّ دون اعتماد السّرد المتسلسل الذي يميّز السّيرة الذاتيّة. فالراوي لا ينفكّ يسترجع طفولة “الفتى” عبر شريط استرجاعيّ هابط من حيث الإيقاع الزمنيّ (من عمر السنتين : أسبق مخزون يتذكّره إلى المراهقة الأولى (14 أو 15سنة).  وفي العنوان بعض دليل على الاسترجاع؛ فالـ “رجع” فيه معنى” الرجوع” وفي المتن دليل أمتن؛ إذ تسترجع ذكريات الشخصيّة وتفصّل تقاسيمها، وتذكر مواهبها بواسطة فعل التخييل والتذكّر والبوح والاسترجاع (يذكر) ما ينزّل النصّ في مستوى أوّل ضمن السرد الاستعاديّ.

 والاسترجاع analepse حاضر بقوّة في خطاب السارد ومعجم السرد، حتّى لا تكاد تخلو صفحة تقريبا من تذكير بأنّ السارد يتذكّر ومثال ذلك قوله: “إنّه ليذكر أنّه كان ابن سنتين.. [4]” “أسبق مخزون في ذاكرته..[5]“. وفي الصفحة الثامنة وحدها يتردّد فعل “يذكر” ثمانيَ مرّات تأكيدا للتعويل على هذه الآليّات في سرد الذات. ويكون الاسترجاع باستخدام فعل الذكرى ومشتقّاته (الذاكرة، الذكرى، يتذكّر، يذكر…) أو مداراته (يختزن، يحفظ ..)..

وما يدعم هذه الوجهة إلى القصّ الارتداديّ ما يلمس القارئ من صلة الرواية بالحكاية، فزمن الحكاية ينتمي إلى الماضي (منذ سنين وعقود/الهناك) في حين تجري الرواية في الراهن (الآن وهنا). وما الاسترجاع (الارتداد) سوى “سرد لاحق لحدث سابق”؛ فلا بدّ إذن من استحضار ما مضى. ويتوسّل الخطاب السرديّ في “رجع الصّدى” جملة من الأفانين في تجسير الهوّة بين الزّمنين، فيكون باعتماد:

ـ “كان” في ذكر الأحوال (كان نفاضة جراب أبويه…كان الوحيد في القرية…)

ـ و”كان + الفعل المضارع” في رواية الأفعال (كان يختزن ويتذكّر، كان الفتى يشعر…، كان يسمع..)

ـ وباستعمال المؤشّرات الزمانيّة الدالّة على التبعيد نحو قوله: “لقد قيل له فيما بعد..[6] و”لما سيعلمه فيما بعد وفي البُعْدِ[7]” …

وتمثّل تعيينات الفضاء والزمان هي الأخرى علامات مرجعيّة تستحضر ماضي الشخصيّات (عبد السلام الأسمر، سيدي أبو لبابة، عبد الكريم الخطابي…) والمكان (لماية، العين المطويّة، المطويّة، قرية الظهرة..) والزمان.(كنت يوم 24 نوفمبر 1924…، ثورة عبد الكريم الخطابي على فرنسا سنة 1925…).

وليس التذكّر فعلا مطواعا ينقاد بسهولة ويستجيب بيسر، وإنّما فيه مكابدة ومجاهدة، لذلك “لا يفتأ (الفتى) يعيد ويعيد”(ص76) تمرينا للذاكرة وتدريبا لها حتّى تكون الاستجابة والنصر “فيشعر بجلالة الذكرى ولذّة الاستحضار”. ورغم معاندة الذكرى تأتي أغلب الحكايا من منبع التذكّر ومن عمل الذاكرة. وتكشف هيمنة الأفعال الذاكريّة أنّها مصدر أساسيّ في كتابة الذات ورسم ملامحها زمن الطفولة. ويبرز الاسترجاع في النصّ استرجاعين:

ـ استرجاعًا حدثيّا هو من مسؤوليّة الذاكرة الحدثيّة فيه خلع المطويّ صندوق الذكريات وفتح حدائق الذات رجع صدى روح آلمها الصمت، فإذا ببعض الوقائع تتسرّب من شقوق الذاكرة، وإذ تزدحم الأحداث في رأس السارد/المؤلّف يشغّل غرباله فما يستعاد من الوقائع الجماعيّة والحوادث الذاتيّة إلاّ الهامّ المهمّ؛ فإذا للفتى أيّام كأيّام العرب (يوم القرّة، يوم الطيّارة، ليلة الجراد…).

ـ استرجاعًا نصّيّا هو من مسؤوليّة الذاكرة النصيّة وبه تستحضر جملة من النصوص المبثوثة على امتداد “رجع الصدى” من مَثَلٍ سائر (حمل الجماعة ريش) وشعر دائر (كانت بلاد عامرة أمّاليها *** قعدت خراب للبوم يغرّد فيها.) وأحجية ذائعة ( ستّ رجلين وستّ يدين وثلاث روس فيهم عين[8]) وخرافة شائعة (حكايات الخالة مريم حول “الشعاطيط والبعاطيط[9]).

وقد تعاضدت في “رجع الصدى” الذاكرتان الحدثيّة والنصيّة في صوغ الذات المسترجعة، فالمؤلّف يكتب ذاته من خلال تجربته الحياتيّة ولكنّه ينسج برد حكاياه أيضا انطلاقا ممّا تعمر به ذاكرته من نصوص. وتبدو الكتابة من هذا المنظور الاسترجاعيّ بوحا حذرا يعبّر عن الحضور في العالم وساكنيه. فالمؤلّف يعلن عن نفسه الفتيّة ويبني ذاته في لبنات الوجود.

غير أنّ ما ذكرنا من تقنيّات الارتداد الذاكريّ لا يمكن أن يجرى على مفهوم “الملاءمة المرجعيّة adéquation référentielle” أي تطابق محكيّ السارد مع ما جرى فعلا للفتى تطابقا تامّا. فهذه المطابقة مستحيلة من جهة “اختلاف المادّة التاريخيّة (وقائع حسيّة ونفسيّة/جدول قيميّ) عن محملها الكتابيّ وهو من طبيعة رمزيّة (جدول إنشائيّ)”[10] ويمكن أن يفهم على سبيل مرونة المرجع الذاتيّ وقابليّته للتعديل والتفريع والزيادة والحذف …

وتعرض مختلف مكوّنات السرد الاسترجاعيّ المذكورة سابقا من معجم ومكان وزمان وشخصيّات وأحداث وتواريخ… الذات على نحو مخصوص.

فالسرد الذاكريّ في “رجع الصدى” لا يهب الصّورة مكتملة عن الذّات، إنّما يتركها نهبا لخيانة الحكاية وسطوة النّسيان. لذلك، تصل إلينا طفولة الذات في لوحة سرديّة استرجاعيّة منقوصة أنتجها اختيار جماليّ لكتابة شذريّة تجمّع شظايا طفولة موزّعة على أماكن مختلفة وأزمنة متنوّعة. فلم تكن الصلات متينة بين مقاطع النصّ ووحداته سواء في مستوى التّتابع الزمنيّ أو الحبك القصصيّ، إذ يُلاحَظ تباعدٌ كبير بين أزمنة الحكايات وتقطّع جليّ في حبل القصّ؛ فإذا الفتى المرسوم كلماتٍ أصداءُ ألوان بدأت تبهت ورجعُ أصوات أنشأت تغيم. إنّ شخصيّة الفتى كما تجلّت من تقنيّات استحضار الماضي المختلفة قابلة للامتداد في نصوص ذاتيّة أخرى، فهي غير منتهية تستمدّ مرجعيّتها من قابليّتها للدخول في مقامات استدعائيّة تذكّريّة متداخلة متقاطعة (انفتاح النصّ).

وشخصيّة الفتى كما قدّمها الاسترجاع الذاكريّ ذات نامية تتدرّج في الحركة المكانيّة من الضيق إلى الامتداد (المنزل، القرية القديمة، قابس، تونس..). وتتدرّج في الحركة الزمانيّة من الأصغر إلى الأكبر (من عامين في الذكرى الأولى إلى 14/15 سنة…) وتتدرّج في الإدراك والتصوّر من الوعي البسيط السطحيّ (يستقبل المسائل وينفعل بها) إلى الوعي المركّب العميق (يحلّل الظّواهر ويحكم عليها).

تشكيل الذات في هذا المستوى الاسترجاعي لا يبئر على رمزية الشخصية بل على إنسانيّتها المحدّدة بتاريخيّة الذات، ما يجعل الفتى أقرب إلى مفهوم “الشخص personne” منه إلى مفهوم “الشخصيّةpersonnage” رغم صعوبة الفصل بينهما. ونصّ “رجع الصدى” من زاوية علاقة الذات بالآخر، نصّ يمتح من ذاكرة صاحبه ويرسم جغرافيّة المشهد البشريّ الذي تغذّت منه ذات الفتى، لكنّه في الآن نفسه نصّ ذاكرة جماعيّة أشمل وأوسع تستغرقه وتمتصّه في ثناياها هي ذاكرة قرية جنوبيّة متحوّلة مع الزمان الجارف في الاسم (لماية، العين المطويّة، المطويّة) وفي الفضاء (القرية القديمة/عمق الواحة، القرية الجديدة (الظهرة) في ضرب من انفتاح المرجع الذاتيّ (حياة الفتى) على المرجع القرويّ (حياة القرية وناسها). فيكون تحيين الذاكرة وتفعيلها إعادة ترميم تاريخيّة الذات والوجود الجمعيّ. فتستعاد الذكريات في الخطاب السرديّ لتملأ فراغ الراهن، لا إخبارا بما كان وإنّما تحويلا للتاريخ المعيش إلى وجود رمزيّ يثبت في المكتوب انتصارا على الزمان “هادم اللذّات” “فيرجع إليه ليحيا من جديد مع تلك الذكريات” [11].

وفي الجملة، لم تكن عمليّة رسم الذات عن طريق التذكّر عمليّة عابرة للأحداث والشخصيّات/ الشخوص والأماكن، وإنّما كانت عمليّة واعية تستنطق الذكريّات وتعيد صياغتها، وتبدو الذات كما تنجلي في خطابها الاسترجاعيّ ذاتًا مقتصدة في مديح الأنا زاهدة في تمجيدها ترجع الكثير من الأحداث التي غيّرت مجرى حياتها إلى القدر والصدفة (حادثة الكوليج: فجأة ودون تخطيط يجد نفسه جالسا في أحد المقاعد بالكوليج [12]، وفي حادثة “التلفون” يجد نفسه بالصدفة “رجل الإنقاذ” [13]

وهذه الصورة المتواضعة مخالفة لما ألف قارئ “الأيّام” لطه حسين و”أنا” للرافعي، و”حياتي” لأحمد أمين… ففي هذه السير، تنجلي هويّة الذات المسترجعة هويّةَ ذات عارفةٍ متساميةٍ بما تعرف مريدةٍ متعاليةٍ في إرادتها وعزمها، واثقةٍ في خطاها مطمئنّةٍ إلى تحقيق مشروعها، مشروع إثبات الذّات عن طريق الكفاح المعرفيّ. وتلوح لنا خلفيّة صوغ الذات المسترجعة بالذكرى خلفيّة تمجّد الذات وتمتدحها وتحتفي بقدرتها على تأسيس ذاتها بذاتها بالاستناد إلى يقينيّة ترتفع بالذات المؤلّفة إلى مقام النموذجيّة وتعظيم الأنا برسم صورة الكمال التي تبرّر الكتابة عن الذات كما يذكر عبد القادر الشاوي في “الكتابة والوجود” وبتشييد صورة ذات مؤلّفة مليئة بذاتها قد يصل بها الزهو بـ “أناها” حدّ الغرور والاغترار.

3- الذات المبتدعة (التخييل):

لا شيء يرتدّ إلينا من المرايا إذا صفت سوى ذواتنا عارية، ولكن إذا تباعدت المسافات وغامت الذكريات وتشوّشت المرايا كما هو الشأن في “رجع الصدى”، لجأ منشئ النصّ إلى الإبداع والتخييل يملأ بهما الشقوق والفجوات وييسّر بهما الركض في زوايا الذاكرة الخؤون. عندها تتربّع الذات المؤلّفة على أريكة اللّغة وتسعى في ترتيب فوضى الوجود على رفّ البيان السرديّ وبلاغة القصّ، فنكون إزاء مسلك ثان في رسم الذات يقوم على الابتداع [14](l’invention de soi).

في هذا المستوى تتدفّق من أنامل المبدع ينابيع الكلمات، فيتغيّر معجم القصّ باتّجاه لغة شاعريّة إيحائيّة بالأساس ترسم على لوح الكتابة ذاتا تُنْحت في صخر الكلم. فتتشقّق اللّغة بين يدي المؤلّف وتتناثر أشعّةٌ من ضياء كلماته معلنة حضور الذات في خطابها فـ “للصّدى رنينه وحنينه” (صفحة الغلاف) وللّغة طاقتها على نقل مناخات الذات معجما وتركيبا وللقصّ آليّاته في التصوير والتعبير. فالاختيارات التّعبيريّة الّتي تقوم بها الذّات للتّعبير والتصوير وتزرعها في شكل صيغ قوليّة مختلفة باختلاف نمط الخطاب ومقاصده هي ما يميّز الذّات المؤلّفة ويفردها.

في هذا السّياق من علاقة اللغة بالذات والكتابة بالوجود الذاتيّ، أنشأ محمد العروسي المطويّ “رجع الصدى” فضاءً لفظيّا”[15]، فيه يزرع من الصّور والمشاهد ما يشدّ به المتقبّل وينتقي من العبارات والتّراكيب ما به يعرّف “بأناه”[16] ويعبّر عن ذاته وقد اختار من المعيّنات ما يدلّ على حضورها (المكان: المطويّة، قابس، تونس ، الزّمان: 1924، 1925..، الضمائر: الغائب المتكلّم، الإشارة: هذا، تلك، هنا هناك..، المواقف: القبول، الرفض …) ويستحضر عبر الذّاكرة والتّخييل فضاءاتٍ ومشاهدَ وذواتٍ يحلّ فيها ويقدّم للقارئ من خلالها ذاته؛ فالذّات المنشئة للخطاب السرديّ في “رجع الصدى” تصوغ خطابها في مجموعة من الذّوات وتتقمّص مجموعة من الأدوار تكون بواسطتها حاضرة غائبة في الآن ذاته، وتتسرّب عبر نظام الإضمار، فتجري في ضمير الغائب والمتكلّم وتطلّ على القارئ في كلّ مرّة من كوّة هذا الضّمير أو ذاك تراوغه وتخاتله عبر ما تختار من أفانين القول وصيغ الحضور والغياب.

ومن الأفانين المعتمدة في النصّ التبعيد distanciation عن طريق التلاعب الضميريّ واستدعاء راو شاهد يراقب الفتى ويخبر عنه. فاستخدام ضمير الغائب والزمن الماضي يحدث مسافة بين زمن الكتابة (زمن السارد الكهل)، وزمن الحكاية (زمن البطل الطفل)؛ مسافة تمتصّ حرارة الأحداث وثقل أثرها النفسيّ وتقود إلى ضرب من الحياد البارد.[17] وقد أضعف هذا الاختيار، في تقديرنا، رسم الذات رسما نفسيّا. فالتصوير الخارجيّ المنقول بواسطة عيني الراوي ووعيه قلّص مساحة الوصف النفسيّ العميق وحدّ من مساحات النزول إلى أعماق الذات وبواطنها رغم ما يمكن أن يمثّله ذلك من إمكان قصصيّ وثراء دلاليّ ومادّة بيوغرافيّة حيّة. فجاءت لغة الوجع الطفليّ في “الرجع” صامتة مصطخبة، وكان خطاب الفرح فيها صائتا صامتا.

ومن تجليّات الابتداع في رسم الذات التصوير بالآخر؛ إذ كان التنويع في الشخصيّات سبيلا سلكه منشئ النصّ إلى إنشاء الذات. فتزاحمت في “رجع الصدى” الشخصيّات وتنوّعت؛ فمنها القريب المألوف (سي عمر المؤدّب، البثير الصديق، الخالة مريم، العجوز عائشة…) ومنها الغريب العجيب (لعوج بن عناق، بوغرارة، بو تلّيس، الشعاطيط..) ومنها النبيل ذو الجلال (الأولياء والأقطاب: سيدي بولبابة، عبد السلام الأسمر، عبد الكريم الخطابيّ). وليس إحضار هذه الشخصيّات وتنويعها تقديما لها في ذاتها، وإنّما لصلتها بوجه من الوجوه بالذات المؤلّفة (سيدي عبد السلام الأسمر هو الجدّ البعيد للمؤلّف، والعجوز عائشة زوج الفتى، …) فالمؤلّف يصوغ خطابه في مجموعة من الذّوات تنويعا للزوايا التي يعرض منها ذات الفتى.

ومن آليّات الابتداع المعتمدة في رجع الصدى قصّ الآخرين الذي كان مجالا لرسم الذات. فالفتى كان سمّيعا يصخي إلى الحكايات والروايات؛ “كم كان يسمع”[18] وأيضا “كانوا يحكون…”[19]. كثيرا ما يتّكئ المطويّ على السماع ويعيد إنتاج محكيّات الآخرين (قصّ الخال لحكاية “لعبة القتال بالمقلاع” وقصّ الخالة مريم لحكاية “الشعاطيط البعاطيط” [20]. وقد يكون تصوير الذات بالانتقال من السّماع إلى الابتداع كما في حكاية العجوز العزباء العمّة عائشة التي “كانت له سبحا طويلا في التخيّل والتصوّر والتوليد والابتكار”[21]. اختطف من حكاية صديقه “عزوبيّة عائشة العجوز الستينيّة” وبنى عليه حكايات وحكايات كانت موضوع أسمار العائلة.

ومن أهمّ آليّات الابتداع في “رجع الصدى” الانتقائيّة، إذ تلوذ الذات الساردة بالنسيان غربالا تصفّي به ما يمكن أن يقال وما يحسن السكوت عليه. “”إنّه يجهل أو نسي تماما…[22] “، “إنّه لا يذكر أيّ شيء[23]” … ولملء شقوق الذاكرة تركن الذات إلى التخييل؛ يقول:” “لكنّ الفتى يسبح به الخيال[24]” ويذكر في الصفحة الثانية والثمانين “ظلّ الفتى مدّة يحكي عن مغامراته وشجاعته في ذلك اليوم” وكثيرا ما “كانت الأسرة تثير خياله”[25] فينطلق في تفجير “النبع من الخيال الفيّاض[26]” ابتداعا لحكايات زواجه من العمّة عائشة ذات الستّين التي ولدت له بلقاسم وعبد الحميد وسكن معها على أجنحة السحاب. هذه الحكايات التي “كانت سبحا طويلا في التخيّل والتصوّر والتوليد والابتكار”[27]، وهذه الانتقائيّة المتّكئة إلى النسيان المبرّرة بخيانة الذاكرة تنشئ نصّا تتنازعه يدان راسمتان: يد تكتب وتوقد شعلة السّفر إلى حياة تواري شظاياها المنتشرة حول الفتى وتنزع ما انغرز منها في ذاكرته، ويد تمحو وتسدل السّتار لتبقى الذكرى مطويّة في غياهب البئر. وقد يكون للفتى في جحافل السنين التي أوجعته كلُّ مبرّرات المحو.

إن الخيال ركن أساسيّ من أركان الكتابة الذاتيّة في “رجع الصدى”، دونه تخرج من كونها فنّا أدبيّا له شعريّته الخاصّة…وابتداع الذات في هذا المستوى هو تشكيل مفردات العالم بكلّ ما كان يحمله من تاريخ وقضايا وشخوص، وما ينداح عنها من موضوعات تمسّ جوهر الممكن والمحتمل في عالم الفتى الخاصّ والعامّ. ومن هذا المدخل يمكن أن نرى انفتاح النصّ السيريّ (الصوت) على التخييل (الترجيع) رفدا للنصّ بجوانب أخرى تغذّي الحكاية السيريّة وتوسّع من أبعادها “لتستقبل في نسيجها أفقا تاريخيّا متاخما لأفق النصّ يفيض عنه ويفتح في نسيجه بياضات لغاية ملئها”[28].

يوظّف الحوار أسلوبا من أساليب التخييل الأدبيّ لتمثيل الوقائع المتذكّرة والإيهام براهنيّتها قصد محاصرة حقيقتها الجوهريّة (التي تتخطّى عرض الحدث سطحيّا) التي لا يجلوها إلاّ فعل الكتابة الإبداعيّة الذي يجسّر الهوّة بين تاريخين: “تاريخ الذات المؤلّفة ترتدّ إلى زمنيّتها الماضية تحتضنها وتعيد إنتاجها لتلمّ شتاتها وتاريخ القراءة تسعى إلى إدماج زمنيّتها الراهنة في زمن النصّ”[29] فيكون ترهين الماضي المسترجع ونشره في زمن القراءة.

في “رجع الصدى” كتب المطويّ حياة الفتى الحاصلة والممكنة، ومدّ ذاته “أصداء” هي “ومضات مضيئة تنير عن بعد وتوحي بالأحلام والرؤى….. ” و “أرجاعا” تختلف ذبذبتها ويهيم انتشارها في اللانهائيّ…” ( صفحة الغلاف الثانية). فإذا بالقارئ إزاء أطيافِ ذاتٍ، لا تكون الكتابة اقتفاء لأثرها بعد أن تشكّلت واكتملت (وتأتي الكتابة لتكتب عنها)، وإنّما الكتابة هاهنا ضرب من ممارسة الوجود وصوغ الذات وتأمّلها.

وترسم لوحة ابتداع الذات وجه الفتى يفترع لحياته مسالك أخرى حين كرهت نفسه السير في إثر الماشين الغافلين، وتبرز الحنين المقيم في أعماق الفتى إلى عطر الأرض يعبره ـ هو المقيم بالعاصمة ـ ولم يبق منه غير الصّدى الغائم. وتُركّب ذاتا منشطرة يغلبها الحنين تارة فتأتي متعالية سامية بما تملك من تفوّق نسبيّ على الأقران في المدرسة (الأوّل في الإنشاء) وفي الحياة (سعة الأفق)، ويكسرها الواقع أطوارا أخرى، فتبرز الذات هشّة يغلب عليها التردّد والخوف.

وهذه الذات المتردّدة تمثّل صورة جديدة للذات المؤلّفة في السرد الذاتيّ العربيّ لا تخلع الأنا عن عرشه ولا تعلن نهاية المؤلف وموته، لكنّها تعيد تشكيل ملامحه على أساس يجدّد حضور الذات المؤلّفة في النصّ السرديّ العربيّ المعاصر وفق هويّة سرديّة مغايرة ليست نموذجيّة نمطيّة، بل هي حيّة في تردّدها بين النجاح والخيبة واقعيّة في تأرجحها بين الإرادة والانكسار.

4- التّأليف: بين هويّة الذّات وهويّة النصّ:

تتجلّى “الذّات” في “رجع الصّدى”، “منشئةً للخطاب” و” ناشئة عن الخطاب وفيه” سواء في مستوى الاسترجاع أو الابتداع. فليست ذات الفتى المسرودة في النصّ معطى قبليّا سابقا على الكتابة، وإنّما هي “نتاج حدوث تعرّف ذاتيّ الكينونة، نتاج ذاتيّ في حدوث التّعرّف التّدريجيّ” ([30]) بواسطة النسج الخطابيّ والتحبيك القصصيّ. ووفقا لهذا التّصوّر، لا تبدو هويّة الذات كائنة في جواهر سابقة عن الحدوث اللّغويّ، وإنّما هويّة الكائن “ميزة يكتسبها في حدثان الخطاب بما يلحقه من فواعل التّفرّد” ([31]) وليست هذه الفواعل سوى الاختيارات التّعبيريّة الّتي تقوم بها الذّات للتّعبير عن الحال في شكل صيغ قوليّة يقوم فيها الكلام على التّسليم بأنّ ما يميّز الذّات ويفردها إنّما هو ما تتوسّل به اللّغة مختلفة في الكلام باختلاف نمط الخطاب ومقاصده”[32].

ولا شك اليوم أنّ استرجاع الواقعيّ لا يخرج عن “القدرة التخييلية”. فقد يقودنا الإحساس بهذا الواقعيّ الذي ولَّى ومضى إلى أنّه حقيقة نراها الآن ونشعر بها ماثلة في أذهاننا، ولكنها في الحقيقة منطقة موجودة في اللاوعي تبدو وكأنّها ذات قدرة على التشكّل والتلوّن والظهور مرّة أخرى بمظهر مغاير لما كان يدور في “المخيلة”، وأنّ محاولة استعادتها مرة أخرى، ومعاودة استرجاع أحداثها التي مرّت عليها سنوات طوال، تجعل التلاحم بين الواقعيّ والمتخيل مؤسّسًا لواقع جديد، هو لا شكّ واقع إبداعيّ آنيّ مشحون برؤية فرديّة أو جماعية خاضعة لقوانين المكان والزمان في شكلها الذي ينتسب إلى التّجربة الإبداعيّة. ومن هذا المنظور لا انفصال للاسترجاع عن الابتداع بل هو بعضه، والذات في مكوّنيها “المرجعيّ” والتخييلي” ذات منشأة بلغة القصّ.

وبعيدا عن كلّ الخلط الممكن بين “الأنا الحقيقيّ(je réel)  والأنا المتخيّل(je fictif)”[33]  نقدّر أنّ الذات في “رجع الصدى” كائن لغويّ ينشأ في الخطاب وهو ينشئه. فالكلمة هي التي صنعته  (الكائن) وبعثته من سبات طينته الهشّة، فإذا هو ذات تسعى تشيّد الخطاب وتبني ذاتا ذات هويّة متردّدة بين الفعل والانفعال. فالمرجعيّ (المسترجع) يراهن في نصّ المطويّ على توظيف المتخيّل (المبتدع) وصهره في مواضعاته صهرا يذهب بما ألف من تصوّر يلازم بين المتخيّل والكذب والمرجعيّ والصدق.

وقد بدا لنا البحث في ثنائيّة “الاسترجاع والابتداع” في جانب منه منفتحا على هويّة النصّ ذاته انفتاحا وانغلاقا، فبينما كانت “الملفوظات المرجعيّة تراهن على جعل اللغويّ متعديّا معيدا لإنتاج سياق واقعيّ في بنية لغويّة”[34] مستعيدة ما جرى في سياق نظام الإحالة المخصوص الذي بني عليه خطاب الاسترجاع ويدعمه الميثاق القرائيّ، بينما كان ذلك كذلك، كان الملفوظ السرديّ في وجهه الابتداعيّ انفتاحا على مجالات الممكن والمحتمل.

يتحوّل تاريخ الذات المسترجع في كتابة “رجع الصدى” “لحظة زمنيّة بكرا” لا تستحضر ما كان كما كان وإنّما تعيد إنتاجه بطريقة تراهن على إعادة صياغة الوعي بالذات لا مجرّد الإخبار بما كان منها ومن ثمّة “القيمة الإبداعيّة للفعل الكتابيّ الذاتيّ”[35]

وعتبة العنوان “رجع الصدى” تحقّق درجة من الانزياح الجماليّ عن العتبات العنوانيّة المعهودة في الكتابة السيريّة العربيّة (أنا/الرافعيّ، حياتي/ أحمد أمين، سبعون/نعيمة… ) ففي عبارتي العنوان “الرجع والصدى” كلّ المزج بين الاسترجاع التذكّري (السيرة) والأصداء بما تعنيه من خيال واستيهامات (تخييل). كأنّ العنوان بذلك يعدل عن مألوف الميثاق القرائيّ الذي يلتزم قول الحقيقة بربط التخييل بمحكيّ الحياة ورسم الذات، فإذا نحن في تلك المنطقة الحدوديّة بين جنس الرواية وكتابة الذات وإذا عقد التلقّي يدعونا إلى تقبّل ما يروى لنا في إطار جماليّة البين بين شكل من الكتابة رجراج لكنّه بالغ اللطافة يستعصي على التصنيف وفق الآليّات والمعايير التي وضعها لوجون في شبكته المحدّدة للأجناس السرديّة أو جينات في تقسيمه الخطاب إلى ثنائيّة “التخييل والتعيين”؛ شكلا من الكتابة نافرا من التحديد المنهجيّ، متنكّبا عن السيرة الذاتية  والرواية وعن أوهام الوضوح التجنيسي المفترضة، إلى دهاليز الذات وأنفاقها الحبلى بالمفاجآت المدهشة، ولعلّ عنونة محمّد  العروسي المطوي لنصّه بـ “رجع الصدى” وتجنيسه بـ”نصوص روائيّة من جنس السيرة الذاتيّة”[36] وجمعه فيه بين مرجعيّة السيرة وتخييليّة الرواية بين سرد الذات المرجع وتخييلها، جعلت نصّه تعبيرا أوّليّا لولادة شكل سرديّ جديد على تخوم السيرة الذاتيّة من جهة وعلى عتبات الرواية من جهة ثانيّة، ومؤشّرا معبّرا عن وعي خفيّ بضرورة التغيير يجدّد السيرة الذاتيّة ويتنكّب عنها.

5- خاتمة: الكتابة والوجود:

الحياة التي جرّحت عواصفُها “الفتى” في “رجع الصدى” لم تطهّره جراحها. فكان لا بدّ من الكتابة، والمؤلّف الكهل، حين ترهقه المعارك لا بدّ له أن يتمدّد في حضن الزّمان مسترجعا صدى حياة طفليّة قصيّة. فيجدّ الراوي في طلب الذكرى متّبعا المسار الارتداديّ إلى سنوات انطفأت ولم تبق منها سوى ملامح باهتة؛ إذ تتناسل السنوات وتكبر فجوات التذكّر وتتّسع شقوق الذاكرة. فالطفولة ذلك النبع الذي تتغذّى منه الذّاكرة، تتوارى خلف خرائب الزّمان ولا يظفر منها الراوي سوى ببوارق ذكريات تدبّ في الروح يتمسّك بها ويقيّدها بالكتابة رسما لفتى من كلام صورته صدى سَفَر في شعاب الحياة الممتدّة وصدوع الذات.

من هذه الزاوية، تبدو الحكاية سلاح المؤلّف في مواجهة العدم (الاستعارة الشهرزاديّة الكبرى) ولعلّ ذلك ما جعل السمة الأبرز للذات في رجع الصدى هي سمة الحكي؛ فالخال “محدّث بارع” ([37]) و”للخال بايان والثالث عليه الخصومة” كما يقول المثل، وابن الأخت “الأوّل في درس الإنشاء” ([38]) والابتداع. فالفتى قد ورث براعة الحكي (من الخال) وأبدع فيه باعتراف المؤسّسة المدرسيّة (هو الأوّل في الإنشاء) والأسرة التي احتفت بمهاراته السرديّة.  و”رجع الصدى” أصداء صراع الذات مع الزمان، فالزّمان في نصّ “الصدى” دود الكيان، يقرض الذاكرة ويحوّلها إلى “أصداء” و”أطياف” ويقضم من طمأنينة الكائن فيلوذ بالكتابة يثبّت على جدرانها ما بقي من وشوم الذاكرة قبل أن تتلاشى.

ولعلّ أوضح رسوم الوشم وشم الطفولة، صورة الفتى “المطويّ” الهاجع في زوايا الذاكرة ترتدّ بعد معاندة ومكابدة تجلوها صورة الفتى “المطويّ” القابع في ثنايا الكلمات تفيض من أزمنة قصيّة.

على لوح الكتابة صدى ذكريات وعلى شاشة الذّاكرة نصّان يتجاوبان هما الصوت والصّدى على الضفّتين يتقابلان، فليس الفتى سوى رجع تلك المصائر وإن تباينت أصداؤها. وليست القصّة، قصّة الذات، سوى أصداء الأسفار في تجاويف الحياة الواسعة تتباعد أوقاتها وتختلف حالاتها تمّحي أو تكاد فيعيد المؤلّف رسمها بماء الكلمات ممّا تجمّع في بئر الذاكرة (تذكّرا) وممّا ملأ شقوقها من أخاييل (ابتداعا).

[1]– هو نصّ في السرد الذاتيّ كتبه العروسي المطويّ آخر حياته يعود فيه بالذاكرة إلى سنين النشأة الأولى، انظر: رجع الصدى (نصوص روائية من جنس السير الذاتية)، الدار العربية للكتاب، تونس 1991.. كلّ الإحالات الواردة داخل النص بذكر الصفحة هي من الطبعة نفسها.

[1]– “رجع الصدى” ص 76

[2]– المرجع السابق، ص 95

[3]– أحمد حيزم ، من شعريّة اللّغة إلى شعريّة الذّات ، دار صامد للنّشر والتّوزيع ، صفاقس/تونس فيفري 2010 ص: 211

[4]– “رجع الصدى” ص8

[5]– المرجع السابق، ص11

[6]– المرجع السابق، ص 40

[7]– المرجع السابق، ص41

[8]– المرجع السابق، ص 45

[9]– المرجع السابق، ص 50

[10]– جليلة طريطر، أدب البورتريه، مؤسّسة الانتشار العربيّ و دار محمّد علي، صفاقس تونس، 2011، ص108

[11]– “رجع الصدى” ص 53

[12]– المرجع السابق، ص 51

[13]– المرجع السابق، ص 75

[14]– Jean- Claude Kaufmann, L’invention de soi. Une théorie de l’identité », Questions de communication, 7 | 2005, 478- 480

[15]– محمّد رشيد ثابت، الأنا بين الإنشاء والنّشأة في خطاب السّيرة الذّاتيّة ، موارد عـــ10ــدد كليّة الآداب و العلوم الإنسانيّة بسوسة 2005 ص:30 .

[16]– Michel Zink, La Subjectivité littéraire autour du siècle de saint Louis, Paris, PUF, « Écriture », 1985, P : 77

[17]– تخلو رجع الصدى من علوّ نبرة البوح، وسطوة الاستبطان والتعرّي السيكولوجيّ وتكاد تكتفي بالتصوير الخارجيّ.

[18]– “رجع الصدى” ص71

[19]– المرجع السابق، ص 83

[20]– المرجع السابق، ص50

[21]– المرجع السابق، ص 95

[22]– المرجع السابق، ص 66

[23]– المرجع السابق، ص 67

[24]– المرجع السابق، ص 97

[25]– المرجع السابق، ص 93

[26]– المرجع السابق، ص 95

[27]– المرجع السابق، ص 95

[28]– جليلة طريطر، مرجع مذكور، ص115

[29]– نفسه ص 122

[30]– Francis Jaques :Différence et subjectivité – Aubier – Montaigne . Paris 1982.p 42

[31]– أحمد حيزم ، من شعريّة اللّغة إلى شعريّة الذّات ، دار صامد للنّشر والتّوزيع ، صفاقس/تونس فيفري 2010 ص: 24

 [32]- أحمد حيزم : مرجع سابق ص:211

[33]– Arnaud Schmitt, Je réel / Je fictif. Au- delà d’une confusion postmoderne Toulouse, Presses universitaire du Mirail, coll. « Cribles », 2010, 203 p.

[34]– جليلة طريطر، أدب البورتريه، مؤسّسة الانتشار العربيّ و دار محمّد علي، صفاقس تونس، 2011، ص105

[35]– ادوار سعيد، خارج المكان، ترجمة فوّازطرابلسي، بيروت، دار الآداب، 2000، ص22.

[36]– رجع الصدى (نصوص روائية من جنس السير الذاتية)، الدار العربية للكتاب، تونس 1991.

[37]– “رجع الصدى” ص 40

[38]– المرجع السابق، ص 96

المراجع:

  1. ثابت محمّد رشيد، الأنا بين الإنشاء والنّشأة في خطاب السّيرة الذّاتيّة ، موارد عـــ10ــدد كليّة الآداب و العلوم الإنسانيّة بسوسة 2005
  2. حيزم أحمد ، من شعريّة اللّغة إلى شعريّة الذّات ، دار صامد للنّشر والتّوزيع ، صفاقس/تونس فيفري 2010
  3. سعيد ادوارد، خارج المكان، ترجمة فوّازطرابلسي، بيروت، دار الآداب، 2000.
  4. طريطر جليلة ، أدب البورتريه، مؤسّسة الانتشار العربيّ و دار محمّد علي، صفاقس تونس، 2011
  5. المطوي العروسي، رجع الصدى (نصوص روائية من جنس السير الذاتية)، الدار العربية للكتاب، تونس1991
  6. Kaufmann, Jean-Claude, L’invention de soi. Une théorie de l’identité, Questions de communication, 7, 2005.
  7. Jaques Francis : Différence et subjectivité – Aubier – Montaigne. Paris 1982.
  8. Schmitt Arnaud, Je réel / Je fictif. Au-delà d’une confusion postmoderne Toulouse, Presses universitaire du Mirail, coll. « Cribles », 2010.
  9. Zink Michel, La Subjectivité littéraire autour du siècle de saint Louis, Paris, PUF, « Écriture», 1985.

 

مقالات أخرى

جماليّة التّناصّ في الشّعر الصّوفيّ

“زيارة” الضّريح بإفريقيّة مطلع العصور الوسطى

التّرجمة والمترجمون في البلاد التّونسيّة في القرن التّاسع عشر

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد