التفاصيل في الرواية الواقعيّة

نجيب محفوظ

الملخّص:

انطلقنا في هذا البحث من الإشكاليّة الأساس: ما هي خصائص التفاصيل في الخطاب الروائيّ الواقعيّ؟

وقد نظرنا في التفاصيل من خلال أثر روائيّ يُصنّف ضمن الاتّجاه الواقعيّ في الكتابة الروائيّة، هو رواية “بين القصرين” لنجيب محفوظ. باعتباره أبرز من كتب في هذا الاتّجاه وأبرز من يمثله في رواياته في العالم العربيّ. فنظرنا في طبيعة التفاصيل فيها وفي كيفيّات تشكيلها في الرواية ووظائفها فيها ووجهات النظر المتحكّمة في بنائها.

وقد توصّلنا إلى نتائج من أهمّها:

أنّ التفاصيل في رواية “بين القصرين” هي تفاصيل الحياة الماديّة،  في مستوى الشخصيّات و الأماكن و الأشياء.

أنّ التفاصيل في هذه الرواية تكون بالأنماط الخطابيّة الثلاثة سردا ووصفا وأقوالا.

أنّ التفاصيل في هذه الرواية مفعّلة في البرامج السرديّة في الرواية.

أنّ التفاصيل في رواية “بين القصرين محكومة برؤية كليّة شموليّة ماديّة ديدنها الوقوف عند الجزئيّات والتدقيق في التفاصيل. وهي رؤية تسعى إلى أن تكون موضوعيّة.

 إنّ ما أسلمنا إليه البحث في التفاصيل في رواية “بين القصرين “بوصفها أنموذجا للرواية الواقعيّة يؤكّد أنّ هذا العنصر يختلف جوهريّا عن مثيله في الرواية الرومنطيقيّة. وهذه نتيجة في ما نقدّر مهمّة، تجعلنا نطمئنّ إلى أنّ التفاصيل تقبل أن تكون مدخلا إنشائيّا تصنيفيّا ملائما ومناسبا.

الكلمات المفاتيح: التفاصيل – الواقعيّة – التشكيل – الوظائف .

Abstract:

This essay attempts to study the characteristics of details in a realistic narrative discourse through a novelist that is classified within the realistic writing, which is the novel (Bain al-Qasrain) “Between the Two Palaces” by Naguib Mahfouz. It sheds light on the novel’s use of details and verisimilitude as a narrative technique in characterisation, description and dialogue.

 Moreover, this essay postulates that the novelist’ s aesthetic choices pave the way for him to create a fictional world that is deeply rooted in notions of authenticity and realism. 

We have reached the most important results:

  • The details in the novel “Between the Two Palaces” are the details of material life, whether it is related to characters, places or things.
  • The details in this novel are in the three rhetorical styles, narration, description, and sayings.
  • The details in this novel are activated in the narrative programs in the novel.
  • The details in the novel (Bain al-Qasrain) are governed by a comprehensive, materialistic vision.

Key words:  realism – details – poetics -constructions – functions.


1- تمهيد:

تحكي رواية “بين القصرين” تفاصيل حياة أسرة تقليديّة تنتمي إلى الطبقة المتوسّطة، تعيش في وسط مدينيّ، كلّ فرد من أفرادها له عالمه الخاص المتميّز وعلاقاته المتفرّدة مع ذاته ومع الآخرين ممّن يحيطون به.

تمتدّ الفضاءات التي تدور فيها أحداث الرواية بين منزل السيد أحمد عبد الجواد بطل الرواية ودكّانه في النحّاسين وامتداد شارع بين القصرين. وقد اهتمّ الراوي بتفاصيل هذه الأمكنة وبدقائق حياة الشخصيّات التي تسكنها محاولا أن يلتقط اليوميّ منها من قبيل ما يفعله السيّد أحمد عبد الجواد في المنزل وخارج المنزل والعلاقات التي كان يقيمها مع غيره من الأصدقاء والنساء “العوالم”، ومن قبيل ما كان يفعله ابنه ياسين في مختلف تعرّجات حياته العاطفيّة والعمليّة، وما كان يفعله غيره من الشخصيّات التي كان لها حضور في هذه الرواية.

فللراوي في هذه الرواية اهتمام بتتبّع الأحداث الصغرى، والإلمام بالتفاصيل الدقيقة التي تتميّز بها عائلة من البورجوازيّة الصغيرة وما يمكن أن تصطبغ به من علاقات تَقارب (الحبّ والزواج والصداقة) وانفصال (خصام وطلاق) وما يمكن أن تتسبّب فيه من مشاكل تنعكس سلبا أو إيجابا على حياة الشخصيّات ومراحلها وأطوارها. وقد تجسّد هذا من خلال نموذج أسريّ انتقاه الراوي وشكّله بالسرد، وجعل محوره السيد أحمد عبد الجواد الرجل المستبدّ في علاقته بزوجته أمينة وبأبنائه، والقاضي بأمره في رسم مسار حياة الشخصيّات التي تحيط به وملامح سلوكهم وعلاقات بعضهم ببعض.

يحاول الراوي في هذه الرواية دائما أن يوهم متلقّيه بأنّه أمين في نقل ما ينقله، وبأنّه محكوم بمنطق الواقع خاضع لسلطان ما يمكن أن يكون أو أن يحدث. فنكاد نمسك فيها بخصائص المدينة العربيّة التقليديّة العتيقة بعاداتها وتقاليدها، وأعرافها، وبأحداثها اليوميّة والتاريخيّة السياسيّ منها والاجتماعيّ.

وكان للتفاصيل في هذه الرواية أن تكون عاملا يضمن هذا الإيهام، ويسهم في تنظيم عالم يحاكي الواقع ويتمثّله سواء تعلّق الأمر بالشخصيّات أو تعلّق بالمكان وما يمكن أن يتأثّث به وما يحتويه، ولهذا عدّت هذه الرواية أنموذجا من الروايات الواقعيّة في مفهومها التقليديّ أو ما يعبّر عنه بالرواية الواقعيّة التسجيليّة أو الوصفيّة التي يمكن أن تنافس السجلّ المدنيّ وأن تكون البيت الزجاجيّ الذي ينعكس عليه الواقع أو يعكسه، ذلك أنّها تسعى إلى أن ترصد الواقع في شموليّته وفي تفاصيله الصغرى ودقائقه.

فكيف هو أمر التفاصيل في رواية “بين القصرين” لنجيب محفوظ بوصفها رواية تنتمي إلى التيار الواقعيّ الذي يعدّه النقاد بداية الاهتمام الفعليّ بالتفاصيل في الفنّ بصفة عامّة وفي الرواية بصفة خاصّة، حيث يكون الراوي فيها ومن خلفه الروائيّ، مهووسا بالتفاصيل مهتمّا بالجزئيّات وصغائر الأمور ودقائقها؟[1]

وكيف هو أمر التفاصيل في رواية تنتمي إلى اتّجاه فنّيّ أو إلى مدرسة فنيّة لا تكون إلاّ بالتفاصيل ولا تتشكّل إلاّ بها؟[2].

يظهر اهتمام الرواية بالتفاصيل من خلال العنوان الذي تخيّره المؤلّف لروايته “بين القصرين”. فعلى المستوى اللغويّ المعجميّ تتشكّل الجملة من مركب إضافيّ، المضاف إليه في هذا المركّب ورد في صيغة مثنّى لو رددناه إلى صيغة المفرد لكان لدينا (قصر + قصر) وجمعها قصور. وهي الأجزاء التي يمكن أن تتشكّل بها المدينة في جزء منها وهو من صميم ما يتعلّق بالتفصيل، يتأكّد برأس المركّب المضاف الذي ورد في شكل ظرف دالّ على المكانيّة “بين”. وهو ما يزيد التفصيل تدقيقا وإمعانا بأن يحصر المكان في حيّز أصغر محدّد.

وأمّا على مستوى الاستعمال فإنّ هذا المركّب الإضافيّ “بين القصرين” يحيل على اسم علم لمكان متعيّن على الخارطة الجغرافيّة يتعلّق بشارع من شوارع مدينة القاهرة المصريّة. إذن هو تفصيلة بوصفه جزءا من كلّ، هو المدينة لا يكون إلاّ بها ولا تكون إلاّ به. وهو مكوّن يؤكّد نزوع الرواية إلى التفصيل وقيامها عليه.

وإذا ما أمعنّا النظر فيه ألفيناه يختزل أغلب سمات التفاصيل في هذه الرواية وفي الرواية الواقعيّة من جهات عديدة منها:

طبيعة التفاصيل وهي من هذه الناحية تفاصيل ماديّة تتشكّل ممّا يحيط بالشخصيّات وممّا يشمل الفضاء خاصّة والمحيط.

كون هذه التفاصيل لها وصلات بالواقع وأنساب فالموصوف المذكور متعيّن في الواقع وموجود فيه.

كون هذه التفاصيل من طبيعة ما هو ثقافيّ وليست ممّا هو طبيعيّ شأن ما وجدناه في رواية “زينب”، بما أنّ “بين القصرين” لا يكون إلاّ من صنع الإنسان ولا يكون إلاّ نتيجة فعله الثقافيّ في الكون.  

        ومن هذا المنطلق رأينا أن نقارب التفاصيل في هذه الرواية وأن ندرسها فيها بوصفها أنموذجا من الكتابة الروائيّة له خصوصيّاته ومميزاته، لا من حيث درجةُ حضور التفاصيل فيها وكميّته، ولكن من حيث نوعيّةُ الحضور ومشمولاته وكيفيّاته وغاياته وأغراضه.

وقد أبلغنا تتبّع التفاصيل في رواية “بين القصرين” إلى جملة من الخصائص نوجزها في ما يلي:

1-تفاصيل الحياة الماديّة.

2-التفاصيل مفعّلة في بناء العالم الروائيّ.

3-تفاصيل تكون بالأنماط الخطابيّة الثلاثة.

4-تفاصيل محكومة برؤية ماديّة موضوعيّة ووجهة نظر جماليّة وضعيّة.

  وسنحاول مقاربة التفاصيل في رواية بين القصرين من هذه المداخل المميّزة لحضورها فيها.

2- تفاصيل الحياة الماديّة:

لم تكن رواية “بين القصرين” رواية تهتمّ بالريف، والمزارع، والحقول والأنعام والطير شأن ما كان مع الرواية الرومنطيقيّة، حيث تغدو الطبيعة الفضاء القادر على الاستحواذ على اهتمام الراوي والواصف والشخصيّات، فيلتقطون منه ما يفصّلون فيه بطريقتهم ليؤثّثوا به عالم الرواية الحكائيّ. فرواية “بين القصرين” غابت عنها هذه الفضاءات مجملة أو مفصّلة ولم يكن لها فيها ذكر إلا ما يرد عبر التصوّر وهو فيها نادر عزيز. يقول الراوي:

“وشمل قلبه بسرور عجيب ولكنّه – لم يخل كحاله أبدا- من ظِلّ أسى يتبعه كما يتبع رياح الخمّاسين مشرق الشمس”[3].

تحضر الطبيعة في هذا الشاهد من خلال مكوّنات تفصيليّة أساسيّة ثلاثة: البرق، ورياح الخمّاسين، ومشرق الربيع. وحضورها في هذا المقام ليس حضورا لذاته يجعل منها حيّزا يحتضن فعل الشخصيّة. فهي في هذا الشاهد تأتي في إطار توضيحيّ تفسيريّ يجنح إليه الراوي ليقرّب من المتلقّي صورة الشخصيّة “فهمي” وهو يرقب جارته من على سطح منزله، وما يتّصل بحالته النفسيّة حين يتسنّى له رؤيتها وما يضطرب في دواخله من مشاعر متناقضة فرحا وحزنا. فليست الطبيعة ممّا يقصد إليه الراوي قصدا فيتحدّث عنها بوصفها مكوّنا إطاريّا يجري فيه فعل الشخصيّة ويؤثّر فيه أو يتأثّر به مثلما كان الأمر بالنسبة إلى رواية “زينب” مثلا.

 وإذا ما كانت التفاصيل من الطبيعة وتكون حاضنة للفعل في رواية “بين القصرين” فإنّها ترد فيها على هيأة مخصوصة. فلا تُقصد لذاتها، وإنّما تكون جزءا مكمّلا للفضاء المدينيّ. يقول الراوي:

“كانت الشمس على وشك الاختفاء فلاحت قرصا أبيض مسالما توارت عنه حيويته وبردت حرارته وانطفأ توهجه وقد بدا بستان السطح المسقوف باللبلاب والياسمين في ظلمة وانية”[4].

تبدو الطبيعة في هذا المشهد من خلال عنصري “الشمس” و”البستان”. فهما العنصران المفصّل فيهما في هذا المقام واللّذان تابعتهما عين الراوي في هيأتيهما وتحوّلاتهما المدلول بها على الحيّزين المكانيّ والزمانيّ لفعل الشخصيّة “فهمي” وهو يرصد جارته من فوق سطح منزله. غير أنّ عمل الإحالة نزّل التفاصيل الطبيعيّة في هذا المقتبس منازل مخصوصة، إذ طبعها بطابع مدينيّ ظهر خاصّة من خلال سمة الانغلاق التي تميّز بها المكان وأُخرج عليها (سور، مسقوف). ومن خلال محدوديّة الرؤية، وطبيعة العناصر المفصّل فيها ( لبلاب، ياسمين )، وهما إلى النباتات التي تتوافر في الفضاءات المدينيّة أقرب. وهو ما لم يُعهد في الرواية الرومنطيقيّة. بل إنّ طابع الانغلاق ونبات الياسمين واللبلاب أقرب إلى ما هو ثقافيّ ومرتبط بحضور الإنسان وبفعله، أكثر ممّا هو مرتبط بالطبيعة البكر ضالّة الرومنطيقيّ ومطلبه ومهربه. فكلّ ما هو طبيعيّ في الرواية محكوم بسلطة الثقافيّ وموجّه به، فهي التي تحدّد منطلقاته وتعلن حضوره بالكيفيّة التي تطبع بها هذه الثقافة المكان وتجعله مميّزا ممّا سواه. يقول الراوي:

“ثمّ عادت مدفوعة بحب الاستطلاع إلى النافذة فأطلّت منها. بدا وشي الشروق ناشبا في غلالة السحر وأضواء الصباح تسيل من ذرى المآذن والقباب”[5].

تتجسّد الطبيعة في الشاهد أعلاه من خلال عنصرين رئيسيّين هما “وشي الشروق” و”أضواء الصباح”. ولم يكن حضورها في هذا المقام حضورا طبيعيّا بكرا خاليا ممّا هو ثقافيّ، وإنّما كان مصبوغا بطابع من صنع الإنسان وفعله. وكان ذلك عبر ثنائيّتين تتحكّمان في هذا الفعل وعنهما تصدران. أوّلهما كون العنصر الأوّل الذي هو “وشي الشروق” مؤطّرا بحدود النافذة التي أطلّت منها المرأة وهي حدود ماديّة هندسيّة. والآخر كون العنصر الثاني الذي هو “أضواء الصباح” مؤطّرا بالمدى الذي تسمح به المآذن والقباب وهي حدود رمزيّة دينيّة. فيتضافر بذلك ما هو ماديّ وما هو رمزيّ ليطبعا العناصر الطبيعيّة فتفارق أصل جوهرها وتلوّن بما هو ثقافيّ.  

هكذا يمكن القول إنّ الطبيعة في رواية “بين القصرين” ترد فيها لماما، ولم يكن الراوي ليوليها عناية واهتماما. ولم تكن من مشاغله ليفصّل فيها شأن ما كان مع الرومنطيقيّين. وإن كان المتلقّي يعترضه بعض منها في هذه الرواية فهو –على ندرته- مكيّف لملاءمة ما هو من صميم المدينةِ الحيّزِ المحوريّ الذي تدور فيه الأحداث. ذلك ما ينبئ به عنوان الرواية “بين القصرين” الذي يحيل -كما سبق وأن أشرنا- على موضع متعيّن في عالم المؤلّف الحقيقيّ وما يفصح عنه قول الراوي وتعليقاته في أكثر من موضع من هذه الرواية[6]. وهو ما فرض أن تكون طبيعة التفاصيل فيها مخصوصة تولي عناية بالغة بالجوانب الماديّة من شخصيّات وأمكنة وما يؤثّثها من أشياء.

 لم يترك الراوي في رواية “بين القصرين” شخصيّة من شخصيّاتها إلاّ وتتبّع تفاصيلها الجسديّة مهما كان دورها في الحكاية أساسيّا أو هامشيّا عارضا. فهو فيها لا يفوّت فرصة إلاّ ويقتنص من جسدها بعضا من التفاصيل ممّا يراه قابلا لأن يفصّل فيه بما يلائم المقام الذي تتنزّل فيه والمقصد الذي يريده:

“كانت خديجة في العشرين من عمرها […] وكانت قوية ممتلئة […] مع ميل إلى القصر. أمّا وجهها فقد قبس من قسمات الوالدين على نهج لم يراع فيه الانسجام، ورثت عن أمها عينيها الصغيرتين الجميلتين، وعن أبيها أنفه العظيم، أو صورة مصغرة منه ولكن ليس إلى القدر الذي يغتفر له، ومهما يكن من شأن هذا الأنف في وجه الأب الذي يناسبه ويكسبه جلالا ملحوظا فقد لعب في وجه الفتاة دورا مختلفا”[7].

المقام في هذا الشاهد هو مقام يلتفت فيه الراوي إلى خديجة ابنة السيد أحمد عبد الجواد ليعرّف بها من خلال ما يميّزها من مظاهر جسديّة تجعلها مختلفة عن أختها عائشة. وكان وجهها البؤرة التي تركّز فيها نظر الراوي لرصد ما به تتشكّل من تفاصيل صغرى كالعينين ولونهما وحجمهما والأنف. وقد خوّل مبدأ المقارنة الذي اعتمد في التفصيل والتدقيق للراوي أن يستحضر بعضا من العناصر التفصيليّة لشخصيّات أخرى كان ذكرها قبل هذا الموضع من الحكاية. وكانت فرصة ليستدرك ما فاته، فيقدّم ما به تتميّز هاتان الشخصيّتان من مظاهر “فيزيولوجيّة” جسديّة. وهو ما يوضّح حرصا من الراوي على التدقيق في ما هو ماديّ قادر على أن يعرّف بالشخصيّات ويميّز بعضها من بعض حتى وإن تشابهت. فأنف خديجة يكاد يكون متطابقا مع أنف والدها أو هو صورة مصغّرة من أنف الأب، لكنّ دوره الجماليّ[8] كان مختلفا لدى الشخصيّتين ومتباينا، فإن أضفى على وجه الأب مهابة وضربا من التناسب والوسامة، فإنّه أضفى على وجه الابنة قبحا وعدم انسجام.

يوجد إذاً سعيٌ من الراوي واضح إلى بيان ما به تتميّز الشخصيّة “خديجة” من ملامح جسديّة والتقاط تفاصيل تتشكّل من خلالها هويّتها. وقد جمع الراوي تفاصيل جسديّة لثلاث شخصيّات هي الأب والأمّ والابنة. وهي جميعها تجمع بينها قواسم مشتركة كثيرة تكاد توحّد بينها في مستوى طبيعة هذه التفاصيل وكيفيّات بنائها. وهي قواسم تختزل في كليّتها خصائص حضور التفاصيل في رواية “بين القصرين” وتُجليها بما يختلف عن الرواية الرومنطيقيّة ويفارقه.

فالتفاصيل المتعلّقة بالشخصيّات في رواية “بين القصرين” هي تفاصيل المظاهر الماديّة المحسّة من الشخصيّات الموصوفة. فقد ركّز الراوي في الشاهد أعلاه مثلا على القوّة الجسديّة للشخصيّة خديجة والامتلاء وقصر القامة. لينتقل بعدها إلى التدقيق في قسمات الوجه وأجزائه الصغرى كالعينين والأنف من حيث الكيف والحجم، ويسمح في ما بعد للتفاصيل أن تمتدّ وتنموَ، فيوضّح علل حجم الأنف وأسبابه ويردّهما إلى ما هو وراثيّ من جهة الوالدين الأب والأمّ.

والراوي في بنائه للتفاصيل له منهجه وطريقته لا يحيد عنهما في أغلب الأحيان. فهو في الغالب يبدأ من المجمل العامّ أو الكلّ ثمّ يتدرّج بعدها إلى التفصيلة أو إلى الجزء. هذا ما نتبيّنه في الشاهد أعلاه من وجوه شتّى تتّجه بإحكام من المجمل إلى المفصّل بصفة تراتبيّة وعبر حلقات ما يني حجمها يتضاءل مع تقدّم الوصف وصولا إلى التفصيلة الأصغر. فخديجة هي كلٌّ بالنسبة إلى التفاصيل الواردة في الشاهد جميعها (القامة والجسد والوجه) والجسد كلّ بالنسبة إلى حجمه وامتلائه، والوجه هو الآخر كلّ بالنسبة إلى العينين والأنف.

والملاحظ أنّ الراوي في تفصيله إذ يحكمه بهذا المنطق، فإنّه غالبا ما يجعل من المشهد التفصيليّ قائما على بؤرة مركزيّة تتشكّل من تفصيلة صغرى تنتهي إليها العمليّة التفصيليّة برمّتها وتقف عندها. فالعنصر الأهمّ في جسد خديجة في الشاهد المذكور سابقا والذي يمثّل مركز الاهتمام وعنصر الجذب هو “الأنف” وهو البؤرة التي تنتهي إليها عين المفصّل وتوصلها إلى مبتغاها فتقف عن التفصيل. فآخر ما انتهى إليه المفصّل في شخصيّة خديجة وجسدها ووجهها تحديدا هو الأنف. فهو العنصر الذي نال أكثر من غيره من اهتمام الراوي واستحوذ تقريبا على نصف المقطع الوصفيّ. وهو العنصر الذي سيُبنى عليه مصير الفتاة ويحددّ مستقبلها وخاصّة في مسألة الزواج كما سنرى لاحقا في ما يخصّ وظائفيّة التفاصيل[9]، حتى أنّه يمكن القول إنّ هذا العنصر هو الذي منه تتفرّع العناصر الأخرى ومنه ينبثق المجموع وتتفرّع شبكة الوصف والتفصيل.

يتجسّد هذا الحكم بكلّ وضوح في تفصيلة “عجيزة العالمة”. يقول ياسين:

“يا لها من عجيزة سلطانية جمعت بين العجرفة واللطف يكاد البائس مثلي يحس بطراوتها وشدتها معا بالنظر المجرد.. وهذا المفرق العجيب الذي يشطرها تكاد تنطق الملاءة عنده.. وما خفي كان أعظم.. إني أدرك الآن لماذا يصلي بعض الناس ركعتين قبل أن يبني بعروسه.. أليست هذه قبة. بلى وتحت القبة شيخ، وإني لمجذوب من مجاذيب هذا الشيخ”[10].

بدأ المتكلّم بشخصيّة العالمة، فالعجيزة، لينتهي عند “القبّة”، وما تحت القبّة “شيخ”. فهو وإن لم يصرّح بأسماء الأعضاء الجسديّة ومال إلى التكنية، لم يخرج عمّا هو ماديّ جسديّ، يمثّل مثار الشهوة ومدارها. والتراتبيّة التي يتدرّج فيها المتكلّم في تنظيم تفاصيل الشخصيّة الجسديّة محفوظة، كذلك، في هذا الشاهد[11]: فـ”العالمة” كلّ بالنسبة إلى العجيزة، والعجيزة كلّ إذا ما نظرنا إلى القبّة، مثلما هي القبّة كلّ في علاقتها بـ “الشيخ”:

“العالمة ”          ←                      العجيزة             ←                  القبة             ←                   “الشيخ”

 ثم إن “الشيخ” هو البؤرة التي تشكّل محور التفاصيل ومركزها الذي يقف عنده الوصف والتفصيل. وهو المبتغى من العالمة بالنسبة إلى المتكلّم ياسين. فهي تفصيلة وإن لم تكن تحت طائلة نظره، وليس مشمولا بها إدراكه إلاّ بالتصوّر، استحوذت على اهتمامه وتركيزه أكثر من غيرها. فجعلها مثل القَفلة للمشهد التفصيليّ، وغلّفها بهالة من المجاز تتجاوز حقيقة المسمّيات إلى التكنية. وأضفى عليها طابعا من القداسة الجماعيّة تبرّر طقوس صلاة الرجال قبل البناء بأزواجهم، ليبلغ درجة قصوى من الانفعال الذاتيّ بهذا “الشيخ” فيفضّله على غيره من العناصر ويحبوه بمزيد من التركيز والتمييز والتفضيل (أعظم)، ويحدّد علاقته به، ويصرّح بموقفه منه ومكانته عنده:

“وإني لمجذوب من مجاذيب هذا الشيخ، يا هو.. يا عدوى”[12].

والتفاصيل في رواية “بين القصرين” في أغلبها، تبنى على النقيض وضدّه. ففي المثال الأوّل جمعت الشخصيّة خديجة بين صغر العينين وجمالها. وجمعت، كذلك، بين جمال العينين وقباحة الأنف. فقد ورثت عن أمّها عينيها الصغيرتين الجميلتين، وعن الأب عظم الأنف، وكان هذا العنصر “قد لعب في وجه الفتاة دورا مختلفا عمّا لعبه في وجه والدها” بحسب قول الراوي[13].

وقام التقاطب ماثلا في المثال الثاني في صلب العنصر المفصّل فيه (العجيزة). ففيها تركّزت سمتان متقابلتان هما “العجرفة” و “اللطف” ، و”الطراوة” و”الشدّة”. وهو من خصائص التفصيل في الرواية، إذ دأب الراوي أن يجعل العنصر المفصّل فيه مركزا لنقيضين أو أكثر، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى السيد أحمد عبد الجواد الذي جمع بين جمال الأنف ومهابته، وقبح الإصبع الأصغر في قدمه:

“ولما كشف قدمه اليمنى بدا أوّل عيب في هذا الجسم الهائل الجميل في خنصره الذي تآكل من توالي الكشط بالموسى في موضع كاللو (كذا) مزمن”[14].

فجسد أحمد عبد الجواد وإن كان به من شروط المهابة وعناصر الجمال الكثير، فإنّ فيه، كذلك، من العيوب الكثير الذي يمكن للراوي أن يعدّدها فعبارة “أوّل عيب” تقتضي بالضرورة أن يكون جسد الشخصيّة حاملا لعيوب أخرى ثانية وثالثة لم يشأ الراوي أن يكشفها ويفصّل فيها في هذا الحيّز من المقال.

ما يمكن أن نقف عنده ممّا سبق أنّه ليس ثمّة مطلق في الجمال أو في القبح في العناصر المفصّل فيها في الرواية، ولا وجود لشطط فيه. فمهما كانت الشخصيّة جميلة وعظيمة فثمّة دائما جانب من القبح يتوارى داخل هذا الجمال وتندغم به هذه العظمة. وهذا ما يجعل التفاصيل تحفظ دائما للموصوفات والعناصر المفصّل فيها ضربا من التوازن. فلا يبلغ الراوي في وصفها المثال والمطلق لتغدو متعالية عن الممكن أو عن الواقعيّ، وإنّما يكون دائما حريصا على أن تكون ممّا يمكن أن يوجد في الواقع أو يحتمل وجوده فيه.

يمكن القول إنّ التراتبيّة في تنظيم التفاصيل في رواية “بين القصرين” وكيفيّات بنائها فيها، تجعل التفصيلة دائما مرتبطة بالكلّ أو بالمجموع المفصّل فيه. فلا يمكن للمتلقّي أن يدرك التفصيلة إلاّ وهي مندرجة في كلّ. ولا يمكن للتفصيلة في الرواية أن توجد مستقلّة بذاتها أو أن تنعزل عن أصل المجموع أو الكلّ الذي إليه تنتمي[15] فتغدو هي نفسها كلاّ أو مجموعا. فأنف الشخصيّة خديجة لم يذكر في الشاهد إلاّ وهو منتم إلى وجهها. والوجه لم يفصّل فيه إلاّ بالنظر إليه جزءا من جسد هو جسد خديجة. وقس على ذلك أنف السيد أحمد عبد الجواد أو خنصره، و”الشيخ” في ما فُصّل فيه من جسد العالمة.

وما يمكن قوله، كذلك، إنّ ما تقدّم يؤكّد قيام التفاصيل أساسا في هذه الرواية على ما هو ماديّ جسديّ، برز خاصّة من خلال التفات الراوي إلى العناصر التي يمكن أن يتشكّل منها جسد كلّ شخصيّة من شخصيّات الحكاية، وأن يعكف على التدقيق في ما يراه من جسدها قابلا لأن يكون مدار اهتمام يحسن أن يقف عنده وأن يفصّل فيه.

إنّ هذا التوخّي في بناء التفاصيل وتشكيلها في رواية “بين القصرين” يجعلها مختلفة اختلافا بيّنا عن التفاصيل في غيرها من الروايات ولا سيما تلك التي تنتمي إلى الرواية الرومنطيقية التي كان الراوي فيها غالبا ما يتجاوز التفصيل في جسد الشخصيّة إلى التفصيل في عواطفها ممّا يتّصل بالجانب المعنويّ غير الماديّ منها.

ولا يعني هذا أنّ رواية “بين القصرين” قد انشغل الراوي فيها عن التفصيل في عواطف الشخصيّات ومشاعرها بما هو منها ماديّ جسديّ. فإن كانت الرواية الرومنطيقية (رواية زينب على سبيل المثال) قد قصرت التفاصيل في ما هو عاطفيّ وتحديدا في ما يتعلّق بالحبّ: ما به يكون له علّة وسببا ويكون به تحقّقا روحيّا وإنجازا وما يؤول إليه مصيرا ومآلا، فإنّ رواية “بين القصرين” كان اهتمامها بما هو عاطفيّ أعمّ وأشمل.

فإن فصّل الراوي في ما هو موصول بالحبّ جمع بين الروحيّ والماديّ. فليست تجربة فهمي مع ابنة جيرانه مثل تجربة والده السيد أحمد عبد الجواد مع شخصيّات النساء “العوالم”. فقد كان فهمي أقرب في عواطفه إلى ما كان بالنسبة إلى شخصيّة زينب أو إلى شخصيّة إبراهيم في رواية “زينب”. يتابعه الراوي في جميع أحواله الجسديّة والنفسيّة وهو يراقب جارته من على سطح منزل والده فيذكر احمرار وجهه وخفقان قلبه وسروره وفرحه:

“أمل كان يجيء به دواما في مثل هذه الساعة لعله يفوز منها بنظرة إذا اتفق ودعاها إلى السطح بعض شأنها، ولم يكن تحقيقه يسيرا كما دل تورد وجهه الناطق بفرط سروره وخفقان قلبه المتتابع ببهجة مفاجئة”[16].

في حين يُخرج التفصيلُ عاطفة الحبَّ لدى والده مخرجا آخر مختلفا. فيضرب الراوي صفحا عن كلّ هذه المشاعر الحساسة، والانفعالات الرومنطيقيّة وآثارها النفسيّة والجسديّة (تورّد الوجه، فرط السرور، خفقان القلب، البهجة)، إلى حبّ نفعيّ ماديّ جسديّ. يقول الراوي:

“ولكن السيد أحمد لم يخبر من ألوان الحب –على كثرة مغامراته- إلاّ الحبّ العضويّ وحيّ اللحم والدم”[17].

فتكون التفاصيل في ما يتعلّق بالعواطف أكثر شمولا ممّا كان معتمدا في الرواية الرومنطيقيّة التي لا نجد فيها إلاّ ضربا واحدا من العواطف يغلّب فيه الراوي الحديث عمّا هو روحيّ ليكون أقرب إلى نهج العذريّين، وقد خصّ بذلك أغلب الشخصيّات من قبيل زينب وإبراهيم وحامد في كثير من تجاربه.

ثم إنّ خاصيّة الشمول هذه نظفر بها من جهات أخرى، ذلك أنّ الاهتمام بالجوانب المعنويّة للشخصيّات كان في رواية “بين القصرين” يشمل المشاعر والأحاسيس. وهذه المشاعر والأحاسيس مختلفة باختلاف الأسباب والعلل متنوّعة بتنوّعهما. فلم يقصرها الراوي على التفصيل في نوع واحد من المشاعر. ولم يضيّق من دائرتها فيعلّقها بشؤون النفس الناجمة عن أثر العاطفة والحب والهيام والحزن. وإنّما كان يفصّل في ما هو ممكن من أحوال النفس وما هو محتمل منها كالقلق والغضب[18]، والخوف[19]، والحنين[20]، والشكّ والتمني والفرح والسرور[21]، والحياء والخجل[22]، والطمأنينة والحنين والكراهيّة والنقمة والرغبة في الانتقام والثأر[23]، والحنق والألم[24] والغيرة[25].

ولم يكن التفصيل في الجوانب المعنويّة في رواية “بين القصرين” ليحدَّد مداره على الحياة العاطفيّة للشخصيّات، وإنّما وسّع الراوي دائرته ليشمل الجوانب النفسيّة الخاصّة والعامّة للشخصيّات ممّا يتّصل بعلاقتها بذاتها هي نفسها أو يتّصل بعلاقاتها بالآخر، وليشمل كذلك، ما هو من شؤون النفس وما هو من الشؤون العامّة كما يقول الراوي نفسه في هذه الرواية[26].

وما يدعم ظاهرة الشمول أنّ هذه المشاعر المحمولة على الشخصيّات في الرواية متحرّكة متغيّرة متناوبة. فليس ثمّة حال واحدة توقف عليها الشخصيّة وتطبع بها لا تفارقها، مثلما كان مع زينب أو إبراهيم أو حسن أو حامد في رواية “زينب” مثلا. فالشخصيّات في رواية “بين القصرين” ليست سجينة انفعال واحد تدور في فلكه ويظلّ الراوي يفصّل فيه جيئة وذهابا، وإنّما هي كتلة من الانفعالات تتغيّر بتغيّر المقامات والسياقات التي توجد فيها، والمحيط الذي تتفاعل معه.

وهكذا يتكامل مظهر الشخصيّات الماديّ الجسديّ ومظهرها العاطفيّ النفسيّ، فكلاهما مشدود إلى هذا الخاصيّة. وهذا ما يجعلها شخصيّات أقرب إلى الواقع أو إلى الممكن وجوده. فتكون التفاصيل بهذا “ضمانة للوهم المرجعيّ بالنسبة إلى الخطاب الواقعيّ[27].

 إنّ تفصيل ما هو ماديّ في رواية “بين القصرين” لا يتعلّق بالشخصيّات فيها فحسب، وإنّما يطال -كذلك- المكان وما يؤثّث به، إذ يغدو فيها هذا العنصر بما يشتمل عليه من جزئيّات مكانا ثقافيّا مدينيّا. ويدقّق الراوي في هويّته فيسميه باسم أو يخصّه بصفة، أو يحدّه بحدود، فتكون له ماهيته المخصوصة المميّزة (شارع، منزل، مقهى، غرفة نوم، سطح منزل، مطبخ، حانة، حانوت):

“وقصد بدالة كستاكي عند رأس السكة الجديدة –حانوت كبير ظاهره بدالة وباطنه حانة يفصل بينهما باب صغير” [28].

ويفصّل الراوي في هويّة المكان الجغرافيّة والهندسيّة، ويهتمّ عندئذ بتحديد المواقع الخاصّة بالأمكنة والتفصيل فيها. ويذكرها بمكوّناتها الدقيقة، وجزئيّاتها الذريّة الصغرى (Microscopique). يقول في حديثه عن بيت السيد أحمد عبد الجواد:

“وكان للبيت فناء متّسع في أقصاه إلى اليمين بئر سدّت فوهتها بعارض خشبيّ مذ دبّت أقدام الصغار على الأرض وما تبع هذا من إدخال مواسير المياه، وفي أقصى اليسار على كثب من مدخل الحريم حجرتان كبيرتان أقيمت الفرن في أحدهما واستعملت بالتالي مطبخا وأعدت الأخرى مخزنا”[29].

ويلتفت الراوي إلى مكوّنات المكان والأثاث الذي وضع فيه واحتواه:

“وكانت الحانة بالحجرة أشبه، تدلى من سقفها فانوس كبير وصفت بجنباتها موائد خشبيّة وكراسي خيزران جلس إليها نفر من أهل البلد والعمال والأفندية، وتتوسط المكان تحت الفانوس مباشرة مجموعة من أصص القرنفل”[30].

ويهتمّ الراوي بالأطعمة فيذكر طعمها ولونها ومكوّناتها ويدقّق في تفاصيلها:

“كان يتوسط الصينية النحاسية اللامعة طبق كبير بيضاويّ امتلأ بالمدمّس المقليّ بالسمن والبيض، وفي طرفيها تراكمت الأرغفة الساخنة، وفي الطرف الآخر صفت أطباق صغيرة بالجبن والليمون والفلفل المخللين والشطة والملح والفلفل الأسود”[31].

ويلتفت إلى ملابس الشخصيّات ويطيل عندها المكث ويذكرها بكامل تفاصيلها:

“ولما تدانت المرأة منه بسط ذراعيه فخلعت الجبة […] وعادت ففكت حزام القفطان […] تناول السيد جلبابه فارتداه ثم طاقيته البيضاء فلبسها”[32].

والثقافيّ مدلول عليه بهذه المكوّنات المفصّل فيها في الأمثلة الثلاث السابقة جميعها. فالأمكنة غالب عليها أثر الحضور الإنسانيّ وفعله فيها بما لم يتركها على حالتها الطبيعيّة. ومن آثار هذا الفعل أن تكون للمكان اتّجاهات تحكمه وتعرّف به وتحدّد موقعه (في أقصاه إلى اليمين، وفي أقصى اليسار على كثب من مدخل الحريم، وتتوسط المكان تحت الفانوس مباشرة، كان يتوسط الصينية النحاسية )، وأن تكون له أجزاؤه وأن يقسّم تبعا لدواعي استعماله ويفرّع وفقا لحاجات ساكنه(حجرتان كبيرتان، الفرن، مطبخا ،مخزنا ) وأن تكون له علّة تستوجب وجوده على هذا الشكل أو ذاك وتنظيمه بهذه الطريقة أو تلك (سدت فوهتها بعارض خشبي مذ دبت أقدام الصغار على الأرض وما تبع هذا من إدخال مواسير المياه).

تنسحب سمة الثقافيّ كذلك على الأشياء والأطعمة والملابس ممّا ورد في حكاية الرواية. فالأشياء وكذا الملابس في أغلبها تنتمي ّإلى ما هو مصنوع (الفانوس، الكراسي، الجبة، حزام القفطان، الطاقية)، والأطعمة محوّلة عن طبيعتها الأولى بفعل “التقلية” (المدمّس المقلّى في الزيت) أو الطبخ (الأرغفة الساخنة) أو  “التخليل” (الفلفل المخلّل). وهي جميعها تحيل على ما يمكن وجوده في بيئة شرقيّة ممّا تختصّ به طبقة اجتماعيّة معيّنة، أقرب إلى أن تكون من الطبقة الوسطى.

إنّ هذا الزخم الكبير من الأمكنة المؤنسنة بأشيائها التي تؤثّثها وأطعمتها لم تكن لتحفل به رواية زينب ولا لتلتفت إليه. وإذا ما ذكر بعض منه فعلى سبيل الإشارة الموجزة التي تنبّه إلى أنّ الشخصيّات مثلا تناولت طعامها أو ارتدت ملابسها وسلكت هذا المسلك أو ذاك، وأنجزت هذا الفعل أو ذاك دون تفصيل أو إطالة[33].

ولكون التفاصيل في رواية “بين القصرين” تتعلّق بالمظاهر الماديّة للشخصيّات والأمكنة والأشياء، فقد يسّر هذا على الراوي أو الواصف أن يتتبّع العناصر الصغرى منها ويلحظها، وأن يدقّق فيها. ذلك أنّ التفصيلة الماديّة تغدو للعين الرائية نقطة ارتكاز تعين الذاكرة على بناء صورة مفصّلة مخصوصة متكاملة للشيء موضوع التفصيل، أو تكون نقطة عبور منها ينطلق الراوي لاستدعاء تفاصيل أخرى مجاورة.

وكان سبيله إلى التفصيل أدوات خطابيّة مختلفة. فقد تكون سردا أو وصفا أو حوارا. وهذه هي الأنماط الخطابيّة التي تتشكّل بها التفاصيل في رواية “بين القصرين”. وهو ما نتبسّط فيه بالشرح والتحليل في ما يلي. 

3- تفاصيل تكون بالأنماط الخطابيّة الثلاثة:

أجريت التفاصيل في رواية بين القصرين في الأشكال الخطابيّة الثلاثة: الوصف والسرد والأقوال. فمن التفاصيل في الرواية ما هو من صميم الحكاية ومنها ما هو من جوهر الخطاب[34].

إنّ النظر في رواية “بين القصرين” لا يترك مجالا لأن نجاري بعض النقاد والباحثين فنقول إنّ التفاصيل في الرواية الواقعيّة قائم فيها بالوصف. بمعنى أنّ التفصيل الجاري في الوصف هو العمدة في مثل هذا النوع من الرواية. ولكن نقول إنّ التفصيل بالوصف له حضور بارز فيها. والتفصيل بالوصف يكون على أشكال شتى منها بالتعيين أو بالنعوت والأحوال أو التشبيه أو الكناية.

فليس ثمة في الرواية شيء يفوت عين الراوي فلا يطلق عليه اسما يعيّنه ويحدّد به هويّته ويميزه من غيره، وخاصّة إذا كان من الأشياء الصغرى ممثّلا في الأثاث أو الأطعمة:

“وقدّمت لهم الأم حساء ودجاجات محمرة وأرزا وأتمت أطباقها […] بجبن وزيتون ومش وأحضرت عسلا أسود بدلا من الحلوى”[35].

اقتصر التفصيل في هذا الشاهد على ذكر الأشياء بأسمائها (حساء، أرز، جبن، زيتون…). واكتفى الراوي بمراكمتها دون وصفٍ ظاهر أو نعت أو تفصيل في أحوالها. ولم يلجأ إلى الوصف إلاّ حين اضطرّ إلى تمييز “العسل” فأردفه بصفته “الأسود” حتى يتجنّب خلطا قد يحدث في ذهن المتلقّي بين العسل الأسود والآخر الطبيعيّ.

و قد تكون التفصيلة في الرواية واحدة يذكرها الراوي مفردة فلا يخصّصها بما يوضّحها كالمصباح أو المنديل أو الطربوش أو العصا أو “الشلتة”:

“وقعدت على الشلتة”[36].

فيغدو التعيين نوعا من التحديد والضبط الهوويّ، غير أنّ هذه التفاصيل المعيّنة بأسمائها غالبا ما يوردها الراوي مقيّدة بصفات أو بأحوال أو بغير ذلك. ويعدّ هذا الإجراء جوهر التفصيل بالوصف في رواية “بين القصرين”. إذ يحرص الراوي على أن يردف كلّ تفصيلة إمّا بنعت أو بجملة من النعوت توضّحها. يقول على سبيل التمثيل:

“لاحت [الغرفة] كريمة الأثاث ببساطها الضخم والكنبة الطويلة المغطاة بسجاد صغير القطع مختلف النقوش والألوان”[37].

فلم يكتف الراوي بذكر الأثاث مجملا ولا بوصفه (كريمة الأثاث)، وإنما راح يفصّل مكوّنات الأثاث حريصا الحرص كلّه على أن يقيّد كلّ موصوف بصفة تخصّه:

بساط            ←               ضخم

كنبة               ←              طويلة

سجاد             ←               صغير

النقوش          ←            مختلفة الألوان

وإمّا أن يردف العنصر المفصّل فيه بما يقيّده من أحوال ولا سيّما إذا كان تابعا لشخصيّة من الشخصيّات أو كان جزءا منها:

” وقد لاح أبطها من فرجة الفستان أملس ناصعا يتصّل منحدره بأصل نهد كقرصة العجين”[38].

فالإبط عنصر مفصّل فيه. وهو في هذا الشاهد البؤرةُ الوصفيّة المنتهى التي يقف عندها الواصف ويقفل وصفه لشخصيّة “العالمة”. لم يكتف فيه بذكره وبتعيينه، وإنّما أتبعه بما يُبين عنه بأكثر من حال (أملس، ناصعا، يتّصل منحدره …).

وسيّان في ذلك أن تكون الأحوال ممّا هو متعلّق بالجانب الماديّ من الشخصيّة مثلما تقدّم في الشاهد أعلاه، أم بأحوال الشخصيّة النفسيّة والعاطفيّة:

“فبادرت تعدّ [القهوة] ثم قدمتها له خافضة العينين خفيفة الخطى من الخوف والحياء”[39].

ومن النعوت التشبيهُ، ويعتمده المفصّل في رواية “بين القصرين” بكثرة. يأتي به ليضرب مثلا على ظاهرة معيّنة تذهب بالتفصيل إلى مستويات أبعد وأدقّ:

“كصورة للسفيرة عزيزة معلّقة بحجرة مريم أيضا زاهية الألوان رقراقة البشرة وسيمة القسمات فاقت بجمالها صورة الحسناء التي تطالعه صورتها كل يوم بدكان ماتوسيان”[40].

 تشغل الصورة مثالا بلاغيّا في هذا السياق يحلّ محلّ المشبّه به. لم يكتف الواصف بذكرها وإنّما استطرد ليجعلها تنمو داخليّا ففصّل في صاحب الصورة واستمرّ في تفصيل ألوانها وبشرتها وقسماتها (رقراقة البشرة وسيمة القسمات)، ثم جعلها تنمو خارجيّا ففصّل في موضعها من الحجرة (معلّقة بحجرة مريم أيضا) وعقد بينها وبين صورة ثانية (صورة الحساء) مقارنة وضعته في صلب تشبيه آخر وإن كان هذه المرّة قائما على المفاضلة والتمييز.

 قد يكون التشبيه في هذا السياق لتقريب بعيد يخال الراوي أنّ المتلقّي لا يدركه أو لا يفهمه في نوع من الاستبدال يوضّح صورة العنصر المفصّل فيه:

“وكانت الحانة بالحجرة أشبه”[41].

أو يوضّح به وضعا أو يصف به حالة:

“وانقض عليها كأنّه فيل ينقض على غزال”[42].

وإن كان التشبيه في هذا المثال غير منطقيّ ذلك أنّ الذي ينقضّ على الغزال في عادات المتلقّى القرائيّة والثقافيّة هو حيوانٌ غيرُ الفيل، كأن يكون الأسد أو الفهد، غير أنّ المفصّل لا يقصده لأنّ الافتراس الجسديّ الحيوانيّ غير حاصل في المثال إلاّ من الناحية الجنسيّة. وكان مقصد المفصّل أن يوضّح ضخامة جثّة الشخصيّة ياسين مقارنة بجثة الخادم التي انقض عليها، وأن يقدّم صورة تقريبيّة للفارق بين جسديهما أثناء المضاجعة وعِظَم الشبق الذي كان يستبدّ بياسين فيفقده قدرته التمييزيّة العقليّة والأخلاقيّة ويدفعه إلى أن يواقع خادمته.

هذا الضرب من التشبيه التفصيليّ نادر الورود في رواية “بين القصرين”، إذ غالبا ما يكون قائما على وضوح العناصر المفصّل فيها وفقا لما يقدّر الراوي أنّ متلقّيه يفهمها ويدرك الصلة التي تعقد بين طرفيها: المشبّه والمشبّه به، دون لبس أو غموض قد يدفع إلى بذل جهد لفهم المقاصد بربط اللاّحق بالسابق واللّجوء إلى السياق لتفكيك المعنى الأوّليّ الذي قصده المتكلّم.

من  النادر أن يكون التفصيل قائما على التكنية أو تسمية الأشياء بغير مسمّياتها أو بما يجاورها، كأن يقول الراوي: “تحت القبّة شيخ”[43].وإن كان السياق في هذا المثال يُعِين المتلقّي على فهم قصد المتكلّم بعبارة “الشيخ” في نوع من التقيّة والإخفاء ودفعا لحرج وحفظا لماء الوجه كما يقال، أو إجلالا لهذا العنصر المفصّل فيه وتعظيما له وفق ما أوضحنا سابقا، وهو الأقرب إلى التأويل ذلك أنّ الراوي في مواضع أخرى لا يتحرّج من أن يسمّي الأعضاء الجنسيّة من المرأة خاصّة، بمسمّياتها كالعجيزة والنهدين والسرّة والردفين والثديين والبكارة[44]. فالغالب على خطابه التفصيليّ الإبانة والتصريحُ لا الغمز والتلميح عبر التكنية والمجاز والترميز.

إنّ التفصيل بالخطاب الوصفيّ في رواية “بين القصرين” له حضور وازن في الرواية. يأتي فيها على ضروب شتّى، أهمّها الوصف بالتعيين، حيث تُذكر التفاصيل بمسمّياتها فحسب وهذا الاستعمال نادر، ذلك أنّ التفاصيل غالبا ما تكون مقيّدة بالنعوت والصفات والأحوال وهذا النوع من التفصيل هو المعتمد في الرواية والأساس فيها. فيه تتفرّع الموصوفات من الأشياء المفصّل فيها وتتكاثر وتتوالد وتتنامى داخليّا وخارجيّا، في ضرب من الدقة والوضوح يحقّقان وَهْمًا مرجعيّا يجعل من التفاصيل أقرب ما تكون إلى حكاية الواقع.    

ومثلما يكون التفصيل بالوصف يكون بالسرد، ونقصد به في هذا السياق البعد الحدثيّ الذي يطلق عليه بعض النقاد والباحثين التفصيل الحكائيّ[45] مسايرين في ذلك نعومي شور[46]، والذي تتحقّق به سيرورة الحكاية وتحوّلها[47]. ويقوم أساسا بالأفعال تضطلع بها الشخصيّات وإليها تُسند، إذ يعمد الراوي إلى الحدث فيفتّته إلى جزئيّاته الصغرى عبر تجزئته إلى أفعال ذريّة دنيا يمكن أن يتشكّل منها هذا الحدث ويتألّف، ويركّز على تقريب المسافة الزمانيّة الفاصلة بين الفعل وما يليه، ويحرص على ألاّ يترك. فراغات في سيرورة الأحداث التي ينقلها، فيغدو الحدث بالنسبة إلى المتلقّي أقرب إلى أن يكون مشهدا يجرى أمامه:

“ولما تدانت المرأة منه بسط ذراعيه فخلعت الجبة عنه وأطبقتها بعناية ثم وضعتها على الكنبة، وعادت إليه ففكت حزام القفطان ونزعته وجعلت تدرجه بالعناية نفسها لتضعه فوق الجبة، على حين تناول السيد جلبابه فارتداه وهو يتثاءب وجلس على الكنبة ومدّ ساقيه مسندا أقذاله إلى الحائط”[48].

الحدث في هذا المقطع السرديّ هو “استقبال الزوجة زوجها السيد أحمد عبد الجواد بعد عودته من السهر خارج المنزل”. وهي عادة طقوسيّة تنهض بها الزوجة كلّ ليلة. لم يشأ الراوي أن ينقله مجملا، بل رأى أن يفصّل فيه ويدقّق في رصد التفاصيل الحدثيّة الصغرى التي تتشكّل منها الأحداث مركّزا على ما يطلق عليه رولان بارت “الوظائف الثانويّة” Catalyses[49]، ممّا يمكن أن تنهض به الزوجة إزاء زوجها من أعمال، وما يمكن أن ينهض به الزوج تجاوبا مع ما يمكن أن تقدّمه له من خدمات. فبدا المشهد الحدثيّ ممتلئا، مشبعا بالتفاصيل، خاليا من الفراغات الزمنيّة. بل إنّ الراوي أحيانا، لفرط ما مال إلى التدقيق في ما يجري، دخل في نوع من التكرار (وأطبقتها بعناية = وجعلت تدرجه بالعناية نفسها) وكان بإمكانه أن يختزل كلّ ما قيل في عبارة أو جملة بما يعادل الحدث نفسه(استقبال الزوجة زوجها …). فبدا المشهد بهذا معطّلا زمنيّا خطابه أكثر من الحكاية أو هما على الأقلّ متساويان تساويا يتحوّل فيه المقطع إلى ما يشبه المشهد Scène[50] أو ما يسمّيه بعضهم تحليلا Analyse[51]، يضع فيه الراوي متلقّيه وجها لوجه مع الحدث الذي ينقله حتى لكأنّه يساير وقوعه أو يشاهده مباشرة آن حدوثه وتحقّقه. وذلك بفضل ما فرضه الراوي على بناء المشهد من تراتبيّة صارمة في ما بين الأفعال، فلا يمكن أن يتقدّم فعل فيها على آخر من حيث زمنيّته، أو أن يسبق غيره وصولا إلى نهاية المقطع. وليس ثمّة فراغات زمنيّة تفصل بين الأفعال. فكلّ منها يأخذ بغيره الذي يتلوه دون قفز أو إسقاط. فغدا المشهد بالنقل المفصّل الدقيق محيّنا.

ثمّ إنّ الأفعال عماد التفصيل في المشهد السابق، أفعال من صلب الحكاية الأساس في الرواية. تنتمي إلى السياق الحدثيّ العامّ، ذلك أنّها توسيع لحدثِ كيفيّة استقبال الزوجة زوجها بعد عودته من السهر استعدادا لخلوده إلى النوم، وهو ما يمكن اختزاله في الخطاطة الوظائفيّة التالية:

انتظار الأمّ عودة الزوج والأبناء/ عودة الأبناء/ سماعها صوت زوجها يودّع أصدقاءه/ فتحه الباب ودخوله البيت/ استقبال الزوجة زوجها وإعانتها إيّاه على تغيير ملابسه استعدادا للنوم.

فمشهد استقبال الزوجة زوجها ليس دخيلا على الأحداث، لأنّه جزء منها ولا يمكن إسقاطه أو التخلّي عنه أو القفز عليه أو تجاوزه. غير أنّ الراوي في هذا المستوى من التفصيل الحدثيّ يمكن أن يترك الحكاية الأساس أو الحدث الأساس وينصرف إلى حدث آخر ثانويّ فيفصّل فيه:

“وتحوّل السيد عنها متظاهرا بالجد. ودعا إليه وكيله ثم وصّاه بصوت مرتفع بطلبات الست […] وتمتم مخاطبا السلطانة:

-الدكان وصاحبه تحت أمرك !

وكان للمناورة أثرها فقالت المرأة في دعابة:

-أريد الدكان وتأبى إلا أن تجود بنفسك

وأعقب هذه المعركة فترة من السكون بدا فيها كلاهما راضيا عن نفسه. ثم فتحت العالمة حقيبتها وأخرجت مرآة صغيرة ذات مقبض وراحت تنظر في صورتها. فمضى السيد إلى مكتبه”[52].

التفصيل في هذا المقطع متحقّق بأنماط خطابيّة مختلفة، ولكن ما نريد تأكيده هو أنّ “فتح العالمة الحقيبة ونظرها في وجهها في المرآة” تفصيل قائم بالأحداث. وهي أحداث أقرب إلى أن تكون انصرافا من الراوي أو استطرادا منه خارج الحكاية الأصل أو الأحداث الأساسيّة المتمثّلة في زيارة العالمة دكان السيد أحمد عبد الجواد وحوارها معه حول البضاعة التي تريدها وتكليفه وكيله بإحضار ما تريده العالمة، ثمّ إحضار البضاعة وانصراف العالمة. فالنظر إلى المرآة يأتي في هذا المشهد عبارة عن “وقف سرديّ” Pause narrative[53]. يخرج عن منطق الأحداث البنائيّ، ولا علاقة له مباشرة بالسابق من الأحداث ولا باللاّحق منها إذ بالإمكان حذفه أو إسقاطه من دون أن يتغيّر منطق بناء الأحداث أو يختلّ. فهو في الحكاية أشبه بالجملة الاعتراضيّة فتحها الراوي رغبة منه في التفصيل والتدقيق والإلمام بكلّ شيء، وإن أدّى به الأمر إلى أن يكون كالزوائد الحدثيّة[54].

يؤكّد ما تقدّم حرص الراوي على التفصيل وتشقيق الأحداث الأساسيّة منها والفرعيّة، كما يؤكّد، كذلك، على أنّ التفصيل في الرواية يؤدّى بالأحداث وليس مقصورة تأديته فيها على الوصف فقط، خلافا لما يقول به بعض من النقّاد والباحثين.

والتفصيل في رواية “بين القصرين” لا يكون فقط بما تقدّم من أنماط خطابيّة كالوصف والسرد فحسب، وإنّما يكون فيها، كذلك، بالأقوال[55]. منها ما يكون من أقوال الشخصيّات ومنها ما يكون من أقوال الراوي.

فمن أقوال الشخصيّات التي يتأدّى بها التفصيل الخطابات الداخليّة مباشرة كانت أم غير مباشرة ممّا يمكن أن يندرج تحت إصطلاح المونولوج:

“يتساءل عمّا دهى ثورته، عما هدى شياطينه”[56].

أو يندرج تحت ما يصطلح عليه الخطاب غير المباشر الحر:

“كان يعاني في حيرة بالغة ولأول مرة في حياته ذاك المرض المستوطن في نفس الإنسان. الملل. لم يعرفه من قبل عند زنوبة ولا حتى عند بائعة الدوم لأنه لم يملك هذه أو تلك كما يملك زينب الآن بيمينه […] فأي فتور يتبخر من تلكم “الملكية” الآمنة المطمئنة .. الملكية ذات الظاهر […] وأي مأساة في أن تندمج نشوة القلب والجسد في آلية العادة”[57].

بيد أنّ الغالب في هذه الرواية أنّ الراوي يجري التفاصيل في خطابات الشخصيّات الخارجيّة في ما يدور بينها من حوارات مباشرة:

“-هه؟ كيف عودها؟

-في عود أبلة خديجة..

ضاحكا:

-في هذه الناحية لا بأس؟ كيف أتعجبك كعائشة؟

-كلا.. أبلة عائشة أجمل كثيرا..

-يخرب بيتك أتريد أن تقول إنها كخديجة؟

-كلا إنها أجمل من أبلة خديجة..

-كثيرا؟”[58].

 الملاحظ أنّ أقوال الشخصيّات قد يكون التفصيل فيها حدثيّا أو من قبيل ما يمكن أن يدرج في ما هو من السرد لطبيعة الخطاب الذي يتشكّل به التفصيل، إذ يقوم التفصيل في أفعال الشخصيّات من قبيل:

“رأيتها تخرج منديلا وتتمخط”[59].

أو يكون التفصيل في شكل تعجّب أو سؤال تطرحه إحدى الشخصيّات في تبادلاتها القوليّة بينها وبين غيرها من الشخصيّات:

“يا له من شعر سبط طويل ما رأيك؟ سأجدله في ضفيرة صغيرة واحدة، ألا يكون ذلك أروع؟

-بل ضفيرتين .. ولكن خبريني هل أبقي الجراب في قدمي أو أدخل عليهن عارية الساقين؟”[60].

ويكون التفصيل ذا بعد وصفيّ يعمد فيه المتكلّم إلى تضمين كلامه وصفا تفصيليّا لظاهرة مّا:

“-حرام عليك.. حرام.

-تستطيعين فهمها بعقلك المظلم، عيون زرق، وشعر من سبائك الذهب، شريط أحمر ونجمة لامعة. شيء مفهوم”[61].

 أمّا ما يتعلّق بالتفاصيل التي تكون بأقوال الراوي، فنظفر بها في ما يطلقه من تعليقات تتضمّن في الغالب تفسيرا لسلوكات الشخصيّات وأفعالها وتبريرا لهما ولأقوالها ومواقفها:

“كان من عادة الشباب أن يهب بعض فراغه لمطالعة القصص والأشعار- لا لإحساسه بنقص تعليمه فالابتدائية وقتذاك لم تكن مطلبا صغيرا- ولكن غراما بالتسلية وولعا بالشعر والأساليب الجزلة”[62].

ويقدّم الراوي من خلال هذه التعليقات الوجوه المحتملة للحدث الواحد، والتصوّرات الممكنة لكيفيّات وقوعه أو لأسبابها:

“ولكن واحدة منهن لم تسول لها نفسها الخوض في الموضوع إما لأن الخوض فيه جهارا أمر لا يجمل بهن أمام كريماتهن، وإما لأن دواعي المجاملة أملت عليهن بأن يمسكن عنه حيال أمينة وكريمتيها”[63].

أو يقدّم الراوي من خلال التعليقات وصفا لمكان أو تعريفا به:

“قصد بدالة كستكاكي عند رأس السكة الجديدة –حانوت كبير ظاهره بدالة وباطنه حانة يفصل بينهما حانوت صغير- ووقف عند مدخلها”[64].

ما يمكن قوله في مثل هذه التفاصيل المؤداة بخطاب الراوي التعليقيّ أنّها غالبا ما توضع بين علامات طباعيّة مميّزة أبرزها المطّتان، فتكون عبارة عن الحاجز الطباعيّ الذي يفصل صوت الراوي الحكّاء عن صوت الراوي المعلّق المبرّر المفسّر. ثمّ إنّ مثل هذه التفاصيل نادرا ما كانت توظّف لتقديم احتمالات لحدث مّا ولكيفيّة وقوعه وغالبا ما كانت تأتي توضيحا لسلوك الشخصيّات وتصرّفاتها وتحليلا للأحداث ولنفسيّات الشخصيّات ومبرّرات أفعالها وأقوالها وانعكاس هذه الأفعال والأقوال على حياتها ومشاعرها[65].

نجمل القول في الأنماط الخطابيّة التي تتشكّل بها التفاصيل في رواية “بين القصرين”، فنقول إنّها تكون بالأنماط الخطابيّة الثلاثة وصفا وسردا وأقوالا. فإمّا أن يكون التفصيل قائما في الرواية بالوصف، وعندئذ يهتمّ الواصف المفصّل بذكر الشيء موضوع التفصيل والإلمام بما يمكن أن يوصف به من نعوت وأحوال وهيئات وبما يمكن أن يتولّد منه من جزئيّات وعناصر صغرى يَطالها الذكر إيغالا في الإيهام بمطابقته مع الواقع.

وإمّا أن يكون التفصيل قائما في الرواية بالسرد فيعمد المفصّل إلى الحدث فيفتّته إلى أفعال صغرى مشكّلا منه ما يشبه المشهد الممسرح والمحيّن حتّى لكأنّه يجرى بمرأى من المتلقّي وأمامه، يتابعه من بدايته إلى نهايته دون انقطاع أو فراغات، ودون أن يوجد ما يمكن أن يعطّل بعدَه الحدثيّ أو زمنيّته.

 وإمّا أن يكون التفصيل قائما في ما تتلفّظ به الشخصيّات من أقوال وما يجري بينها من تبادلات قوليّة وحوارات، أو ما يجري في دواخلها من أقوال كالمونولوغ والخطابات غير المباشرة الحرّة. فيعمد المتكلّم إلى تضمين ما يقوله بعضا من التفاصيل الجزئيّة تعلّقت بالأحداث أو بالأوصاف. ويكون التفصيل في هذا الإطار جاريا كذلك في خطابات الراوي التعليقيّة وهو كثير في هذه الرواية.

4- تفاصيل مفعّلة في البرنامج السرديّ:

للتفاصيل في رواية بين القصرين” شأنها المخصوص المميّز، رأيناه في طبيعة هذه التفاصيل أوّلا وفي كيفيّات بنائها في الرواية، وفي الأشكال الخطابية التي تتحقّق بها التفاصيل ثانيا، وفي أهميّتها ودورها السرديّ في مبنى الحكاية.

فإنّ حضور التفاصيل في رواية “بين القصرين” حضور وظيفيّ، إذ إنّها تكون فيها ضامنا من الضمانات التي بسببها تنشأ التحوّلات السرديّة. فتغدو التفصيلة جزءا يسهم في تنظيم الفضاء الحكائيّ وفي ترتيب عناصره، وهي وظيفة تكشف جانبا من الآليات الخفيّة التي تحكّمت في بناء الرواية وتبين عن جانب من الخطط السرديّة التي فعّلها الراوي في تشكيل عوالم نصّه الروائيّ، وإقناع متلقّيه بها، وتشويقه لما يرويه من أحداث وما يسرده من حكايات ولما تؤول إليه الحكاية، ويمتعه بتتبّع مساراتها. فهذه الوظيفة عليها المعوّل في كشف اللّعبة الفنيّة المتوخّاة في البناء والتشكيل، والعوامل المحفّزة على الفعل فيها والموجّهة للبرامج السرديّة وممكنات السرد في الرواية.

تغدو التفصيلة –بهذا- ضروريّة ولا يمكن حذفها أو القفز عليها، لأنّه بغيابها يختلّ بناء الحكاية وتتفكّك الأحداث وينفرط عقدها، ولا تكون ثمّة مبرّرات قويّة لوجودها. فهي ممّا يمنح الحكاية التماسك ويسبغ عليها المعقوليّة. فإذا كانت التفاصيل الموظّفة للإخبار عن العالم المرويّ والإيهام بالواقع من التفاصيل الثانويّة (المتمّمات والمبلّغات بلغة رولان بارت)، فإنّنا يمكن أن ندرج التفاصيل التي توظّف توظيفا سرديّا في التفاصيل الأساسيّة في الرواية[66].

تعدّ التفاصيل في هذه الرواية أمرا ضروريّا، عليه يعقد الراوي تحوّلات حكايته وتطوّرها ونموّها وهذا ما قصدناه بالوظيفة السرديّة التي نراها مجسّدة في جانبين أساسين في هذه الرواية، هما التبشير أو الفاتحة، والتحفيز. فهي فيها إمّا أن تنبئ، فتكون عبارة عن “بِشَارة” سرديّة تتحقّق في الحكاية في ما يأتي من أحداث عبر ما يُسمّى في السرديّات “الفاتحة”، وإمّا أن تكون علّة عنها ينتج اللاّحق من الأحداث وينبثق، عبر ما يمكن أن نطلق عليه التحفيز السرديّ.

 وقد وجدنا نوعين من التفاصيل في رواية “بين القصرين”، يمكن أن نطلق على النوع الأوّل منهما التفاصيل الفاتحة والثاني التفاصيل المحفّزة[67].

-التفاصيل الفاتحة:

إنّ كثيرا من التفاصيل في رواية “بين القصرين” كانت معادلا لما يطلق عليه في السرديّات الفاتحة Amorce[68] إذا لم تكن هي نفسها فاتحة. توضع فيها التفصيلة كالبذرة، قرينةً على ما سيحدث وما سيكون من أمر الشخصيّات وعلامةً عليه. صحيح أنّ إدراك المتلقّي هذه الوظيفة لا يكون إلاّ عبر سيرورة استدلاليّة يقيمها بالذي سبق من أحداث والذي تلاها منها ليوازن في ما بينها ويربط السابق باللاّحق، وينظر في العلاقات بينها ليكتشف أنّ التفصيلة في الحكاية ما هي إلاّ إرهاص بما يأتي ونبوءة تدخل في إطار إستراتيجيّة الراوي في تشويق المتلقّي، وفي إحكام بنائه الحكاية ومنحها ما يلزم من التماسك والانسجام.

ففي سياق تعكّر العلاقة بين السيد أحمد عبد الجواد وزوجته، تمّ التركيز على تفصيلة واحدة من جسده وهي “القلب” وجعلها أبناؤه محور الحوار الذي دار بينهم في غياب أمّهم:

“وتكلموا كثيرا عن “قلب” أبيهم فاتفقت كلمتهم على أنه قلب خيّر رغم ثورته وحدّته”[69].

والحقيقة أنّ الراوي يستشرف بهذه التفصيلة ما سيؤول إليه أمر الخلاف بين الزوجين ونتائجه. وقد انتهى بما بشّرت به التفصيلة وترجم بعفو الزوج وأمره بإرجاع زوجته إلى بيتها بعد أن كان قد طردها منه[70].

كذلك كان أمر “النارجيلة” التي رآها ياسين حين كان يعود أمّه في بيت زوجها:

“بيد أن بصره تحرك تاركا المرآة فالتقى بخوان وضعت عليه نارجيلة التف خرطومها حول عنقها كالثعبان”[71].

والنارجيلة تفصيلة مثّلت لنبوأتين: الأولى مصير الأمّ. والثانية مصير أموال الأمّ بعد موتها. والنبوءتان مستدلّ عليهما بعبارة (التف خرطومها حول عنقها كالثعبان) وهو ما أثار في نفس ياسين الدهشة والإنكار أوّلا وخاصّة في ما يتعلّق بمصير أمّه الذي ينتظرها وهو الموت، وأثار ثانيا الهيجان والتقزّز ممّا ينتظر ثروتها بعد موتها وما ستؤول إليه، وكان قد “التفّ” عليها الزوج واحتكرها لنفسه[72].

غير أنّ من أبرز التفاصيل التي وظّفت توظيفا تبشيريّا كانت فيه التفصيلة في الرواية فاتحة لما يليها من أحداث هو المنديل. فهو التفصيلة الوحيدة التي مثّلت جانب القبح في الموصوف الذي هو زوجة ياسين ليلة زواجه منها:

“وخيل إليه أن الغلام يغالب رغبة في معاودة الكلام فسأله في شيء من القلق:

هات ما عندك. لا تخف! 

رأيتها تخرج منديلا ثم تتمخّط!

والتوت شفتاه تقززا كأنما كبر عليه أن تند الفعلة عن عروس في ريق فتنتها فما تمالك ياسين أن ضحك قائلا:

-لحد هنا عال، ربنا يجعل العواقب سليمة.

ألقى نظرة كئيبة على الفناء الخالي إلا من الطاهي وصبيان”[73].

المقام مقام حواريّ بين أخوين ياسين وكمال أخيه الأصغر يسأله فيه عن عروسه في محاولة منه ليكوّن صورة عنها ترضيه وترضي لهفته للقائه بها. غير أنّ ما ضمّنه الفتى كلامه من تفصيلة المنديل كان خارجا عن سياقه غير ملائم له في المستوى الظاهريّ للأقوال والأحداث. فالمقام مقام احتفاليّ يفرض أن يكون فيه التألّق في المظهر والملبس وفي الأفعال والحركات وفي الأقوال في أعلى درجاته من الكمال والتمام. وهذا ما يجعل من التفصيلة في بداية التصريح بها أمرا غريبا باعثا عن السؤال عمّا دعا الطفل ومن خلفه الراوي إلى ذكرها والتركيز عليها. ويأتي الجواب تدريجيّا مع تطوّر الحكاية وتقدّمها، لتفكّ مغالق هذه الحيرة وتنكشف نبوءة المنديل حين يكتشف ياسين الزوج في ما بعد حقيقة الزواج والزوجة ويساوره الملل ويأخذ به القلق والقرف، ويدرك أنّ “الزواج أكبر خدعة”[74]، وأنّ الزوجة في الحقيقة “شربة زيت خروع”[75]. فيخيب أمله في ما كان يحلم به نفسه عن الزواج، وينتهي به الأمر إلى أن يطلّق زوجته:

“لست متزوجا، طلقت منذ شهر تقريبا”[76].

تقف الشخصيّة والمتلقّي من ورائها، على حقيقة المنديل ووظيفته في الحكاية. وهو ما يجعله مختلفا كليّا عن المنديل في رواية “زينب”، إذ كان فيها معطّلا من وظيفته السرديّة.

-التفاصيل المحفّزة:

وهي الوظيفة السرديّة الثانية للتفاصيل. وفيها تصبح التفصيلة محفّزا للشخصيّات للقيام بالفعل ومبرّرا للأحداث وعلّة على وجودها في الحكاية. وهي من هذا الجانب تمثّل عاملا مهمّا في تحوّل الأحداث وتطوّرها ومؤثّرا فاعلا في رسم ملامح حياة الشخصيّات وأطوار تجربتهم ومنعطفاتها في الرواية.

هكذا كانت التفصيلة المشكّلة بأنف خديجة. يقول الراوي في وصفه إيّاه:

“ورثت عن أمّها عينيها الصغيرتين الجميلتين، وعن أبيها أنفه العظيم، أو صورة مصغّرة منه ولكن ليس إلى القدر الذي يغتفر له، ومهما يكن من شأن هذا الأنف في وجه الأب الذي يناسبه ويكسبه جلالا ملحوظا فقد لعب في وجه الفتاة دورا مختلفا”[77].

فهي تفصيله أثّرت في حياة الشخصيّة داخل وسطها العائليّ إذ كانت لها فيه مجلبا للسخرية والنقد والتندّر[78]. وقلّصت فرص زواج الفتاة، وجعلتها تتأخّر في الزواج مقارنة بأختها عائشة[79]، ووجّهتها وجهة مخصوصة فتزوّجت حين تقدّم بها العمر من أخ زوج أختها. فالأنف بضخامته كان العلّة الأولى لهذه الأحداث وتحوّلاتها والسبب القادح لما عاشته الشخصيّة من تجربة والموجّه له والمتحكّم في مساره، وكان الخلفيّة التبريريّة لهذه التحوّلات والدافع القويّ لكثير من تصرّفات الشخصيّة وسلوكها وانفعالاتها وعواطفها[80].

ولعلّ أهمّ التفاصيل التي كان لها مثل هذه الوظيفة السرديّة قارورة الخمر والمصباح، وتفاصيل الخادمة الجسديّة. هي أشياء صغيرة ولكنّها كانت حاسمة في تغيير وجهة حياة ياسين وقلب مسارها رأسا على عقب.

فقارورة الخمر التي تناولها لم تجعله يهدأ أو يأوي إلى فراشه بل حرّكت فيه نوازع الشهوة ّإلى الجسد. وكان قد فكّر في “زنوبة”:

“آوى ياسين إلى حجرة النوم وهو على حال من السكر شديدة […] جمحت به رغبة في العربدة […] في الحقيقة فلم يكن إلا تعبيرا عن شعور وهاج هاج به دمه المخمور فرغب جسده في الحب رغبة جنونية عجزت إرادته عن شكمها أو ملاطفتها، ولكن أين يجد مطلبه؟ هل يتسع له الوقت؟.. زنوبة؟ ماذا يحول بينه وبينها؟ طريق قصير، ضجعة قصيرة، ثم يعود فينام نوما عميقا هادئا”[81].

إذن تفصيلة الخمر (القارورة) دفعت بياسين إلى أن يتحرّر من ضوابط العقل وأن يبحث عن تلبية نداء غريزته الجنسيّة. وكان الذهاب إلى زنوبة إمكانيّة انفتحت عليها ممكنات الحكاية، وشكّلت إحدى ثنائيّتين لانفتاح مسار الأحداث وتوجيهها:

شرب الخمر          ←                     إمكانيّة الذهاب إلى زنوبة

إلاّ أنّ هذه الإمكانيّة ستلغى بمجرّد وجود تفصيلة أخرى ستفعل فعلها في حسم المسار الحدثيّ. وهي تفصيلة المصباح:

“وعندما خطا خطوتين متجها إلى الباب الخارجي في آخر الفناء، جذب عينيه نور ضئيل ينبعث من سراج على وضم أمام حجرة الفرن فألقى عليه نظرة لا تخلو من استغراب حتى عثر قريبا على جسم منطرح على الأرض”[82].

فتفصيلة المصباح فتحت زاوية رؤية الشخصيّة ومكّنتها من الإدراك الذي سيمثّل بداية انفتاح المشهد على سلسلة جديدة من الأحداث. ومكّن من أن ينفتح إدراك الشخصيّة على تفاصيل صغرى جديدة تحسم اختياره وقراره. يقول الراوي عنه:

“وهم بمواصلة السير ولكن ثمة شيء استوقفه فعطف رأسه مرة أخرى صوب النائمة فأمكنه أن يتبينها من موقفه […] رآها مستلقية على ظهرها ثانية ساقها اليمنى التي رسمت في الهواء بحافة الجلباب الملتصقة بالركبة هرما قائما عن فخذها اليسرى التي لاحت عارية فيما يلي الركبة ثم غرقت في ظلمة الفرجة التي تحسر عنها الجلباب بين الساق القائمة والأخرى الممدودة”[83].

وهذه التفاصيل سيكون لها دور رئيس في توجيه مسار حياة الشخصيّة ياسين. فجاذبيّة التفاصيل الجسديّة شكّلت مدار إدراكه وبؤرة اهتمامه وحسمت تردّده بين الإقبال على الجسد والإدبار عنه، وغيّبت عنه العقل الواعي المنضبط بقوانين الأسرة والعرف الاجتماعيّ والقيميّ وكانت مبرّرا قويّا لانهيارها مقابل سيطرة نوازع الجسد، ودفعت به إلى أن ينطرح على الخادم:

“وما يدري إلاّ وهو ينبطح فوقها”[84].

فينكشف أمره بصياح الخادم، ووصول الأب واكتشافه ابنه ياسين بفضل ضوء المصباح، ليقرّر بعدها أن يزوّجه:

“وبلهجة جافة أمره:

-قررت أن تتزوج.. !

ودهش ياسين دهشة لم يكد يصدّق معها أذنيه. كان يتوقع سبا ولعنا فحسب ولكن لم يخطر له على بال أنّه سيسمع قرارا خطيرا يغير مجرى حياته

 كلّها”[85].

وحتى نتبيّن فاعليّة التفاصيل في السرد نختزل ما سقناه من الأحداث في الوظائف التالية:

 تناول ياسين الخمر  ←     اشتداد شهوته إلى الجنس  ←     بحثه عن زنوبة  ←    قراره الذهاب إليها    ←      اكتشافه جسد الخادم ←         فقدانه العقل وارتماؤه عليها صياحها    ←     اكتشاف الأب أمر ابنه    ←        قراره تزويجه…

فالواضح أنّ التفاصيل ممثّلة في قارورة الخمر والمصباح وجسد الخادم كانت هي الحاسمة في تشكيل الحكاية في هذا المقام وتأثيثها بهذه الأحداث واختيار البرنامج السرديّ الأمثل والمناسب للحكاية بدايةً ونهايةً. والاختيار يعني بدوره في وجهه الآخر إلغاء إمكانيّة أخرى كان يمكن للسرد أن ينفتح عليها. ويمكن توضيحه بهذه الترسيمة:

 

   البحث عن المرأة 

↓                                    ↓   

برنامج زنوبة أُلغي وعُطّل وأُسقط              برنامج الخادم فُعّل في الحكاية

 

فلو لا تفصيلة المصباح لما تمكّن ياسين من رؤية جسد الخادم وانفتح له المجال واسعا بدافع من الرغبة المحتدمة ليزور بيت العالمة “زنوبة” وكانت له حكاية أخرى تفتح على إمكانات غير التي فُعّلت في حكاية الرواية. ولولا التفاصيل لغاب عن المتلقّي فهمُ اختيار الراوي هذه الإمكانيّة وتعطيل الأخرى. وغاب عن الحكاية منطق الانسجام والمعقوليّة، أو لخلق لها الراوي منطقا آخر ينتظم الأحداثَ ويشرّع وجودها. فكانت حكاية أخرى غير هذه التي تشكّلت منها هذه الرواية.

إنّ اجتماع المكوّنات المفصّل فيها الممثّلة في المصباح وقارورة الخمر وجسد الخادم، كان لها دور حاسم في تحديد اختيار ياسين وفي قطع تردّده ونفي إمكانيّة ذهابه إلى “زنوبة. وكان لهذا دوره في رسم ملامح الحكاية وتوجيهها، انطلاقا من هذه الأشياء. فهي أشياء صغيرة كان مثلها مهملا سرديّا في رواية “زينب”، ولكن كان لها في رواية “بين القصرين” شأن آخر برّر بقوّة وجودها في الحكاية وحضورها فيها. وهو أمر مخطّط له من الراوي محكوم بوجهة نظره. وهي في هذه الرواية وجهة نظر ماديّة (وضعيّة) موضوعيّة. وهو ما يمكن أن نفصّل القول فيه في ما يلي من هذا البحث.

5- تفاصيل محكومة برؤية ماديّة موضوعيّة:

إن كانت التفاصيل في رواية زينب محكومة برؤية مثاليّة أساسها الميل إلى الشطط في كلّ ما يصدر عنها من أحكام واعتماد مبدإ الانحياز، فإمّا أن يكون الشيء المفصّل فيه جميلا وإمّا أن يكون قبيحا. وهي أقرب إلى أن تكون رؤية شاعريّة حالمة ترصد الكون الممثّل من علٍ. فإنّ التفاصيل في رواية “بين القصرين” تصدر عن وجهة نظر مخصوصة يحاول فيها صاحبها أن يكون موضوعيّا وفقا لما يلائم ما هو محتمل وجوده في الواقع ملتزما بقوانينه ومقتضياته. يظهر ذلك من وجوه كثيرة طبعت التفاصيل في رواية “بين القصرين” وأكسبتها خصائص جعلتها تفاصيل: تخبر عن العالم، وتوهم بالواقع، وتنزع إلى الدقة والشمول، ويحكمها منطق الانسجام. وفي ما يلي تفصيل لهذه الخصائص.

-تفاصيل تخبر عن العالم:

يشهد ما سقناه من أمثلة بأنّ همّ الراوي في رواية “بين القصرين” هو أن يزوّد المتلقّي بكمّ هائل من المعلومات والأخبار. تعلّق الأمر بالشخصيّات أو بالأمكنة أو بالأشياء. فلا توجد شخصيّة من الشخصيّات مهما كان دورها في الحكاية كبيرا أو صغيرا، إلاّ وله هويّة مميّزة بدءا باسم العلم الذي يُنتقى لها بوصفه التفصيلة الأولى التي تخصّص للشخصيّة، وصولا إلى مظاهرها الجسديّة وأحوالها النفسيّة، والأفعال التي تنهض بها، والأقوال التي بها تنطق، والدوافع إلى هذا الفعل أو ذاك، أو إلى هذا القول أو ذاك.

إنّ التفاصيل هي التي تجعل كلاّ من ياسين وفهمي وكمال وهم إخوة في هذه الراوية مميّزين في كلّ شيء وكذلك بالنسبة إلى أختيهم خديجة وعائشة. كلّ من هؤلاء له طبيعة خلقيّة ونفسيّة واجتماعيّة مختلفة وليس ثمّة ما يوحّد بينهم رغم القرابة الدمويّة.

فعائشة مثلا ورثت أنفها عن أبيها وعينيها عن أمّها، وخديجة ورثت عينيها عن أبيها وأنفها عن أمّها[86]. وكذا الأمر بالنسبة إلى ياسين وكمال. يقول الراوي عن ياسين:

“وقد بدا بجسمه المكتنز في جلبابه الفضفاض كقربة هائلة إلا أن مظهره لم يتعارض- بحكم الزمن- مع قسامة وجهه الأسمر”[87].

ويقول عن أخيه كمال:

“رباه.. لم تترك عيبا إلا أبرزته !.. الجسم النحيف الصغير، الرقبة الطويلة الهزيلة الأنف الكبير، الرأس الضخم، العينان الصغيرتان”[88].

  رغم فارق العمر بينهما (ياسين كهل وكمال طفل صغير)، ورغم كونهما أخوين، ثمّة حرص من الراوي على أن يكونا متمايزين تمايزا يبلغ حدّ التناقض أو التضاد.

ومهما كانت درجة التقارب حاصلة بين الشخصيّات، فلا بدّ أن يضيف الراوي تفصيلة أو أكثر يخبر بها عمّا يجعلها مميّزة من غيرها واضحة الهويّة:

“كان إبراهيم وخليل أشبه بالتوأمين لولا فارق السن، على أنّ اختلافهما بدا أقل من القليل بالقياس إلى اختلاف عمريهما والحق أنه لولا قصر شعر إبراهيم ولولا شاربه المفتول، لما كان ثمة ما يميزه عن خليل”[89].

حين رأى الراوي أنّ فارق العمر بين الأخوين لا يفي بغرض التمييز بينهما، أردفه ببعض من التفاصيل التي تعين على أن يكونا شخصيّتين متمايزتين مختلفتين يدركهما المتلقّي دون بذل جهد، ففصّل في اختلاف الشعر والشارب وجعلهما علامتين فارقتين بين الشخصيّتين.

إنّ بالراوي حرصا على أن تكون الشخصيّات واضحة لا لبس فيها في ما يخصّ هويّتها، ولا تداخل مع غيرها في شأن من الشؤون. ولم يكن هذا متاحا للراوي إلاّ عبر آلية التفصيل والتدقيق، وذكر الأجزاء الذريّة التي تتشكّل منها هذه الشخصيّة أو تلك والتي تجعل منها عالما متمايزا من غيره.

ولا تشمل وظيفة الإخبار توضيح هويّة الشخصيّات وإكسابها سمة تمييزيّة توضيحيّة، وإنّما تشمل كذلك الأمكنة بما تؤثّث به من أشياء. فتغدو لها -بفضل ما ينتقيه لها الراوي المفصّلُ من تفاصيل يخصّها بها- أبعادها الواضحة من حيث البعد أو القرب والعلو أو الانخفاض، والاتساع أو الضيق، والكبر أو الصغر، والهامشيّة أو المركزيّة. وتغدو، كذلك، لها أبعادها الهندسيّة (دائريّة أو مستطيلة، بسيطة أو مركّبة، مسقوفة أو غير مسقوفة ، متعدّدة أو مفردة). وتكون لها ألوانها المميّزة (ملوّنة أو غير ملوّنة، مضيئة أو مظلمة، واتجاهاتها، توجد على يمين أو على يسار). وتكتسب أبعادها القيميّة (قديمة أو جديدة، ثمينة نفيسة أو تافهة) وكلّ ما يتعلّق ببعدها الكميّ والكيفيّ (متعدّد كثير أو غير متعدّد قليل). يقول الراوي:

“ولشد ما كان البهو موسوما بطابع بلدي جذاب بكنباتها المتلاصقة المزركشة الناعمة الموحية بالنفاسة والخلاعة الممتدة على الجانبين حتى الصدر حيث يقوم ديوان الست تكتنفه الشلت والوسائد المعدة للجوقة. أما أرضه المستطيلة فمفروشة بسجاد متعدد الألوان والشكول، وعلى كونصول يتوسط الجناح الأيمن […] أقيدت الشموع منغرسة في الفنايير، غير مصباح ضخم يتدلى من قمة منور يتوسط سقف الحجرة ذي منافذ على سطح الدار تفتح في الليالي الدافئة وتغلق بأضلاف زجاجية في ليالي البرد”[90].

فالراوي يجعل الأشياء بفضل ما يورده من تفاصيل تخصّها، نامية داخليّا [91] وذلك بتوسّعه في ذكر كيفيّات ترتيبها وتنظيمها، والإلمام بأشكالها وألوانها، والالتفات إلى علاقة بعضها ببعض ودرجة التناسب في ما بينها والتناسق (طابع بلدي جذاب).

 لا يطال الإخبار فقط الجوانب الهندسيّة أو الجغرافيّة، وإنّما يشمل مبرّراتِ وجود هذه الأشياء بهذه الطريقة أو بهذه الكيفيّة أو تلك، وطرقَ استخدامها، ووظائفَها في علاقتها بذاتها أو بالشخصيّات، وكلَّ ما يتّصل ببعدها الاستعماليّ الوظيفيّ.

 ويصبح المكان بتفاصيله عنوانا للشخصيّة يخبر عن هويّتها ويحدّد منزلتها الاجتماعيّة ويكشف أحوالها النفسيّة وعواطفها.

هكذا يمكن القول إنّ أهمّ مكوّنين سرديّين شملتهما وظيفة الإخبار وخصّهما الراوي بكثير من التفاصيل في رواية “بين القصرين” هما الشخصيّات والمكان. الشخصيّات في ما تنهض به من أفعال وما توصف به من صفات وما تنطق به من أقوال، والأمكنة في ما تتميّز به من أبعاد وما تؤثّث به من أشياء من مستواها الكميّ والكيفيّ. فلم يكن الراوي ليفوّت على نفسه فرصة ليشملهما بتقارير توضّح هويّتهما بما يجعلهما مميّزين جليّين.

والملاحظ، كذلك، أنّ هذه الوظيفة الإخباريّة تطغى في بداية الحكاية في هذه الرواية، حتى إذا أشرفت على نهايتها تقلّص حضورها وتضاءل، ذلك أنّ الراوي كان حريصا على أن يزوّد المتلقّي بما يتعلّق بالمرويّات من معلومات وتفاصيل توضّح هويّتها. فإذا ما اطمأنّ إلى أنّه وفّى هذا الجانب حقّه من التفصيل والتدقيق ولم يعد في حاجة إلى الإخبار عنه، وأنّ عالمه المرويّ أصبح قابلا لأن يُعقل ويُدرك ما دام كلّ شيء أصبح، في تقديره، معلوما، وأنّ الصلة توثّقت بينه وبين متلقّيه، انصرف عن أن يخبر عن المرويّات وأن يفصّل في عناصرها. فتكثر حينئذ تعاليق الراوي، ويحضر تفصيله في مبرّرات أفعالها وأقوالها. يقول:

“والحق أنها لم ترتح لاستدعائها أبدا لأنها من ناحية لم تلق طبيبا قط -لا لحصانة صحتها فحسب- ولكن لأنها نجحت في مداواة ما ألمّ بها من توعّك أو انحراف بطبعها الخاص”[92].

فلأنّ الراوي كان قد عرّف بهذه الشخصيّة (زوجة السيد أحمد عبد الجواد) في ما سبق من الحكاية، وألمّ بتفاصيلها الجسديّة في ما يخصّ العينين والأنف ولون البشرة، وفصّل في ما اعتادت فعله وأحاط بعلاقتها بغيرها من الشخصيّات من قبيل زوجها وأبنائها والخادم، لم يعد له مبرّر إلى العودة إلى مثل هذه التفاصيل، والتفت إلى تبرير ما يصدر عنها من أفعال وتعليلها.

نستثني من هذا مناسبات قليلة ونادرة ورد التفصيل في آخر الحكاية متعلّقا بالتعريف بالشخصيّات. ولهذا مبرّره لأنّ التفاصيل في مثل هذه المقامات تكون رهينة دخول شخصيّة جديدة مجرى الأحداث فتذكر لأوّل مرّة ويتدخّل الراوي ليُتبع دخولها بما يُجلي هويّتها. فيذكر كلّ ما من شأنه أن يوضّحها للمتلقّي، مثلما حدث هذا مع شخصيّة خليل شوكت[93]. أو يكون رهين دخول شخصيّة من الشخصيّات مكانا جديدا لم يأت الراوي على ذكره في ما تقدّم من الحكاية. فيضطر إلى تقديمه والتعريف به كالمكان الذي حلّت به خديجة حين تزوّجت ولاسيّما بيت نومها وما تأثّثت به من عناصر[94].

  همّ الراوي في هذه الرواية في ما يتعلّق بالتفاصيل، هو أن يكثّف من العناصر الصغرى التي يعتقد أنّ من شأنها أن تجعل العالم المرويّ من شخصيّات وأمكنة خاصّة، عالما متكاملا مستجيبا لشروط الواقع ومنطق وجود الأشياء فيه وحدوثها. فالتفاصيل من هذا الجانب لها وظيفة أن تخبر عن العالم، وأن تزوّد المتلقّي بالقدر الكافي من المعلومات ممّا يجعله قادرا على الفهم والإدراك.

ولم يكن همّ الراوي في رواية “بين القصرين” أن يخبر عن ذاته، أو أن يضمّن الحكاية فيها ما يتّصل بسيرته الخاصّة أو أجزاء من حياته وتجاربه شأن ما هو معتمد في رواية “زينب”. فكلّ ما أورده طيّ الحكاية في هذه الرواية واشتملت عليه من تفاصيل مهما تعاظم حضوره خصّ به ما يدور حوله وما يحيط به من عوالم دون أن يكون لذاته فيه حضور. وهذا ما يمكن أن يندرج في ما يطلق عليه الذين اشتغلوا بالخطاب الواقعيّ وبضبط خصائصه “الامّحاء التلفّظيّ” أو “امّحاء الفعل المنتج للرسالة” Le geste producteur du message [95]، حيث يُفترض أن تحتجب الذات المتكلّمة ممّا تتلفّظ به ويتوارى حضورها خلف العالم الذي تخبر عنه، إذ ليس من مشمولات الخطاب الواقعيّ ،والخطاب الروائيّ جزء منه، أن يخبر عن الذات أو أن يكون لعون التلفّظ Instance d’énonciation[96] فيه ظهور.

ويظلّ هذا الشرط قابلا للنقاش ولا سيّما إذا ما فتحنا مجال الجدل على ما أقرّته المناهج الحديثة في مقارباتها للخطاب من قبيل المقاربات التلفظيّة والتداوليّة. فلا يمكن للذات ألاّ أن يكون لها حضورها في ما تتلفّظ به مهما كان نوع الملفوظ ومهما كانت الخانة التصنيفيّة التي يندرج ضمنها أو يصنّف[97] .

قد يتقلّص مستوى حضور الذات في مثل هذا الخطاب إلى حدوده الدنيا ويصل إلى مستويات يكاد لا يظهر فيها أثر للذات في ما تنتج حكايات وما تنسج من تفاصيل، ولكن إذا ما كان هذا يشمل الحضور المباشر للذات في ملفوظها، فإنّ أثرها في ملفوظها يكون حاصلا ووجودها فيه يظلّ متحقّقا وإن كان بشكل مضمر غير صريح وغير لسانيّ[98] يتعلّق أساسا بالتمثيل وبطبيعة الشيء موضوع التمثيل وبطرق البناء والتشكيل وغيرها. 

وفي ما يتعلّق بالتفاصيل فإنّ الذات لا تنفكّ حاضرة في ما تنتقيه من عناصر مفصّل فيها وفي الأوصاف التي تحملها على هذه العناصر وتكيّفها بها وتخرجها عليها. ففي المثال الذي كنّا قد حلّلناه وبيّنّا فيه فساد التشبيه من جهة المشبّه (ياسين) في علاقته بالمشبّه به (الفيل) وعدم ملاءمته للسياق إلاّ إذا عدّلنا دلالة الانقضاض وعدَلنا به من معنى الافتراس الحيوانيّ إلى نوع آخر من الافتراس الجنسيّ، ما يشي بحضور الراوي في ما يرويه وفي الصورة التي تخيّرها للشخصيّة ياسين والصورة التي تخيّرها للخادم. فقد عمد في قوله التفصيليّ “وانقض عليها كأنه فيل ينقض على غزال”[99] إلى انتقاء صورة ساخرة منفّرة لمن رآه مخالفا لقيمه وموقفه الأخلاقيّ مخترقا قيم الجماعة من جهتين أولاها شرب الخمر وثانيتها الاعتداء الجنسيّ على الخادمة. وفي المقابل انتقى صورة للخادمة قائمة على الجميل وبالجميل مجسّدا في العنصر المشبّه به “الغزال” وما يحمله في الموروث الثقافيّ والمعجميّ المركوز في ذهن المتخاطبين من دلالات تقترن بالجمال الأنثويّ والبراءة والحاجة إلى الحماية والاطمئنان. والراوي في كلّ هذا يخطّط لينفّر متلقّي خطابه التصوريّ هذا من الشخصيّة ياسين ويجيّشه لينتصر للخادم المسكينة التي هي في مقام الكائن الضعيف.

ولا يتحقّق حضور الراوي في الرواية فقط بالوصف أو في المشاهد الوصفيّة وإنّما نجد المداخل إلى آثاره في ما يروي من أحداث وما يفصّله من أفعال بيّنة جليّة. يقول مثلا في حديثه عمّا اعتادت الزوجة أمينة فعله مع زوجها عند عودته في ساعة متأخّرة من الليل إلى منزله مخمورا:

“ولما تدانت المرأة منه بسط ذراعيه فخلعت الجبة عنه وأطبقتها بعناية ثم وضعتها على الكنبة، وعادت إليه ففكت حزام القفطان ونزعته وجعلت تدرجه بالعناية نفسها لتضعه فوق الجبة، على حين تناول السيد جلبابه فارتداه وهو يتثاءب وجلس على الكنبة ومد ساقيه مسندا أقذاله إلى الحائط”[100].

فليست غاية الراوي في ما يرويه في هذا المشهد أن يُطْلع المرويّ له عمّا يحدث بين الزوجة والزوج لحظة عودته من سهره فحسب، وإنّما ليضمّنه -كذلك- موقفه من هذه العلاقة الأسريّة المشوّهة المحكومة بمنطق الذكورة والاسعباد. فلا الزوج التزم بواجباته الأسريّة واحترم حدوده وراعى شريكه وواجب الزوجيّة. ولا الزوجة تفطّنت إلى حقوقها ودافعت عنها وطالبت بها وساءلت زوجها واحتجّت عليه. فالتفصيل في الأحداث موجّه في الأخير لنقد الزوج لغطرسته ونزوعه “البتريكيّ” ونظرته الاستعلائيّة في علاقته بزوجه. وموجّه كذلك لنقد الزوجة لطاعتها “العمياء” ورضاها بعبوديّتها من خلال ما تقوم به خدمة لزوج لم يحترم أصول العلاقة الزوجيّة، وتلذّذها به واعتبارها إيّاه حقا مشروعا للزوج يجب أن تجهد نفسها لتلبيته له على أكمل وجه وبالطريقة التي يريد[101].

ثمّة-إذن- موقف يُستقى من التفصيل ويعبّر بوضوح عن المقصد الجهيّ للمتكلّم ويكشف حضوره في ملفوظه مهما كان الخطاب في ظاهره خطابا واقعيّا نزّاعا إلى الموضوعيّة وإلى محو آثار الذات المتكلّمة منه. وثمّة دائما ما يكشف عن هذه الذات ويدفع إلى تأوّل حضورها في ملفوظها مهما ادّعت الحياد خلافا للخطاب الروائي الرومنطيقيّ الذي يكون فيه حضور الذات المتكلّمة أوضح وأجلى وأبين لا يحتاج إلى كبير تأويل واجتهاد.

وممّا يعضد حضور الذات في ما ترويه الخطاباتُ التعليقيّة المباشرة التي يفصح فيها الراوي عن موقفه ممّا هو مفصّل فيه. وهو حضور في مثل هذه المقامات مباشر لا يتطلّب تأويلا ولا اجتهادا. وهذا ما كنّا أبنّا عنه في موضع سابق من هذا البحث[102].

يمكن القول إنّ الراوي لم يكن من مشمولاته أن يلتفت إلى ذاته ويعبّر عن تجاربه ومكنونات نفسه إلاّ ما كان يُفهم من خطاباته التعليقيّة أو ما يمكن أن يتأوّله المتلقّي من طرق الإنشاء والتشكيل. وإنّ الظاهر المهيمن بالنسبة إلى الخطاب التفصيليّ في رواية “بين القصرين” هو وظيفة الإخبار. فجهد الراوي واضح في أن يزوّد المتلقّي بكمّ هائل من المعلومات والأخبار خارج إطار الذات، عبر آليّة أساسيّة تتمثّل في التفصيل. وهذا ما يفتح القول على الوظيفة الإيهاميّة للتفاصيل أو علاقة التفاصيل بالواقع. 

-تفاصيل توهم بالواقع:

تنسلّ من الوظيفة الإخباريّة وظيفة أخرى أو تتّصل بها اتّصالا وثيقا هي الوظيفة الإيهاميّة. والإيهام بالواقع هو أن يجعل الراوي المتلقّي مطمئنّا إلى أنّ ما يُروى ليس كذبا أو اختلاقا أو محض خيال وتصوّر، وأن يجعله يعتقد أنّ هذا الذي يرويه هو من الواقع أو من قبيل ما حدث فعلا وما يمكن أن يحدث أو أن يكون من الواقع، وأنّ الراوي ليس سوى ناقل أمين لهذا الذي حدث ومخبر عنه. إذن هو ضرب من العقد يوجده الراوي بينه وبين متلقّي خطابه عبر آليّة التفصيل. تضمن هذه الوظيفة الإيهاميّة وتحقّقها.

وهذا الاعتقاد والتصديق يتحقّقان حين يلتزم الراوي بحدود الواقعيّ وبالضرورات الواقعيّة Impératifs réalistes[103]ممّا يدور في فلك ما يسمّه بعضهم بالمحتمل الجماليّVraisemblable esthétique[104]، وهو في الرواية -ولا سيّما الواقعيّة- لا يكون إلاّ بهذه التفاصيل. فهي من أهمّ ما يمكن أن يكون ضامنا لأثر الواقع في النصّ أو الذي يضمن الواقع Garant le réel[105] والذي يجعل الراوي والمتلقّي يتّفقان على أنّ ما يقدّم من مرويّات هو من صميم الواقع أو الممكن والمحتمل.

تتحقّق هذه الضمانة حين يجعل الراوي متلقّيه متّفقا معه على أنّ ما ينتقيه من مرويّات هو من قبيل الواقعيّ أو الممكن والمحتمل. ويكون عبر آليّات يتوسّل بها كثيرة، منها شمول التفاصيل ودقّتها ومنها الانسجام بين التفاصيل فيما بينها، وفي ما بينها والعوالم المرويّة داخل الرواية، ومنها ملاءمة التفاصيل لما هو من خارج الرواية داخل إطار الملاءمة بين اللغة والخارج.

-تفاصيل تنزع إلى الدقّة والشمول: للراوي في رواية “بين القصرين” قدرة على الالتفات إلى تفصيلات دقيقة يؤثّث بها المشهد الحكائيّ. وظيفتها الأساس الإيهام بأنّ المشهد حيّ حقيقيّ، أو هو جزء من الواقع. وهذا وروده كثير في الرواية. يُؤدَّى فيها بأنماط الخطاب جميعها من سرد ووصف وأقوال، يتّصل بالمكان أو بالأشياء أو بما تأتيه الشخصيّات من أفعال وأعمال.

فالمكان يغدو واقعا لا بما يطلق عليه من أسماء تتطابق وما هو متحقّق عيانا خارج الخطاب فحسب، ولكن بتلك الجزئيّات الدقيقة التي يتشكّل منها ويؤثّث بها. فهي التي تدفع المتلقّي إلى أن يتوهّم أنّ ما يروى له ليس اختراعا. يقول الراوي:

“وإلى هذا خلفت بعض متعلقات البيت أثرا في نفسه استجابت له عهدا طويلا من صباه كعش يمامة في أعلى المشربية المتصلة بحجرة مريم الذي تبدو حافته فوق ركن المشربية الملتصق بالجدار كقطع من محيط دائرة يشتبك حوله القش والريش ويلوح منه أحيانا ذيل اليمامة الأم أو منقارها كيفما اتفق وضعها فيتطلع إليه”[106].

يرد هذا المقطع في سياق حدثيّ يمكن اختصاره في الوظائف التالية: استيقاظ السيد أحمد عبد الجواد من نوم القيلولة إخبار زوجته إيّاه برغبة ابنه فهمي في خطبة ابنة جيرانه ثورة الزوج وغضبه ورفضه الطلب خروج الزوجة من حجرة النوم مغادرة الزوج البيت إلى دكّانهإرسال فهمي أخاه كمال إلى بيت ابنة الجيران دخول كمال المنزل التقاؤه بمريم وإبلاغه الرسالة عودته إلى البيت.

فالعُش في أعلى المبنى -إذن- لا علاقة له مباشرة بالأحداث الأساسيّة ولا هو من الوظائف الثانويّة فهو من القرائن وتحديدا ما يطلق عليه رولان بارت المبلغات. ترد في هذا المقام للتعريف بالمكان وعلاقته بالشخصيّة كمال وما كان قد تذكّره منه. فهو ممّا يمكن أن يكون من الوظائف الثانويّة Catalyses[107] الهامشيّة، أو هو “نتوء” وصفيّ يضفي به الراوي على ما يرويه ضربا من المصداقيّة يحاصر بها متلقّيه ليجعله مطمئنّا إلى أنّ ما يرويه حقيقة. دليل ذلك أنّ التفاصيل تأتي في هذا المقطع شاهدا أو مثالا (كعش يمامة في…) انتقاه الراوي من جملة أمثلة كثيرة وتخيّره منها وأبقى عليه تذكرة للشخصيّة بماضي طفولتها،  في حين أسقط غيره المدلول عليه بأداة التشبيه (كعشّ).

كذلك تكون الأشياء. فثمّة حرص من الراوي على الالتفات إلى جزئيّات متناهية في الدقّة والصغر ليس لها إلاّ أن ترسّخ المشهد في الواقع، وتمنحه مزيدا من القدرة على الإيهام به:

“أدنت وجهها منه فمد شفتيه ولثم خدها. ثم رأى فتاتا من اللب المتسرب من زاوية فيه قد التصق بخدها. فأزاله بأنامله في حياء”[108].

فكلّ ما يتعلّق بـ “فتات اللب” وكيفيّة تصرّف الشخصيّة لإزالته، وما تبع ذلك من أحوال، ترسّخ الشخصيّات في واقع ممكن، وتكسبها ما يجعلها قريبة جدّا من أن تكون شخصيّات حيّة من لحم ودم. وينتهي دورها في هذه الحدود. وتختفي من الحكاية ولن يكون لها فيها ذكر بعد ذلك.

و ملابس الشخصيّات هي الأخرى مشمولة بهذا الحكم. يقول الراوي:

“ولما تدانت المرأة منه بسط ذراعيه فخلعت الجبة […] وعادت إليه ففكت حزام القفطان […] تناول السيد جلبابه فارتداه ثم طاقيته البيضاء فلبسها”[109].

فـ (الجبّة، وحزام القفطان، والجلباب، والطاقية الحمراء)، أشياء لها صلة وثقى بالواقع الذي تتنزّل فيه الرواية وتحيل عليه. بل إنّها هي الأداة في هذه الإحالة والوسيلة التي تجعل من شخصيّة مثل السيد أحمد عبد الجواد بما يرتديه شخصيّة مشاكلة ومحتمل وجودها في الواقع. فهي ممّا يضمن الإيهام بالواقع ويربط الجسور بين اللغة وما تنقله وتخبر عنه حتّى لكأنّ الكلمات تغدو أشياء.

إنّ ما يمكن قوله إنّ ثمّة نزوعا قويّا إلى أن تكون عين الناظر المتكلّم ملمّة بكلّ التفاصيل التي يمكن أن يكون عليها المكان و ما يمكن أن يحتويه، دقيقة في ما ترصده منه ومن جزئيّاته المتناهية في الصغر التي يعتقد الراوي أنّ متلقّي حكايته لا يمكن إلاّ أن يصدّقها على أنّها جزء من الواقع وأن يطمئنّ إلى أنّها حقيقة أو جزء من الحقيقة. وهذا ما لم نعهده في رواية “زينب” إذ رأينا أنّ الراوي فيها ميّال إلى التأليف والإجمال.

ولا يقف نزوع الراوي في رواية “بين القصرين” إلى الدقّة والشمول عند القرائن من مبلّغات أو متمّمات ممثّلة في المكان وعناصره، وإنّما يتجاوزه إلى ما يُطلق عليه الوظائف الثانويّة Catalyses[110] مجسّدا في أفعال جزئيّة صغرى تُسند إلى الشخصيّة تُرمّم بها الوظائف الأساس:

“واتجهت المرأة إلى المرآة وألقت على صورتها نظرة فرأت منديل رأسها البني منكمشا متراجعا وقد تشعبت خصلات من شعرها الكستنائي فوق الجبين فمدت أصابعها إلى المقدمة فحلتها وسوته على شعرها وعقدت طرفيه في أناة وعناية ومسحت براحتيها على صفحتي وجهها”[111].

يشكّل هذا المقطع بما يحتويه من وظائف صغرى (اتّجاه المرأة إلى المرآة، نظرها في صورتها فيها، مدّ أصابعها وتسوية خصلات شعرها، عقدها طرفي المنديل، مسحها براحتيها على صفحة وجهها) جزءا من وظيفة أساسيّة انفتحت بها الحكاية في هذه الرواية. وهي وظيفة استيقاظ الزوجة أمينة واستعدادها لاستقبال زوجها بعد عودته من السهر. وهي هنا وظائف متمّمة أو ثانويّة لأنّها تتنزّل في سياق تأثيث حدث أكبر أو وظيفة أساسيّة. ولو حذفناها لما تأثّر بغيابها بناء الحكاية العامّ، ولكنّ الذي يتأثّر هو مستوى الإيهام بالواقع، لذا كان على الراوي ليعمّق هذا المستوى، الإلمامُ بمثل هذه التفاصيل الدقيقة ممثّلة في ما يمكن أن تقوم به الزوجة لاستقبال زوجها.

هكذا يمكن القول إنّ الراوي في ما يرويه ملتزم بحدود الواقع وشروطه بما يضمن الإيهام بأنّ ما يقدّمه من مادّة لغويّة حكائيّة مرجعه الواقع ومستنده. وإنّ من وجوه هذا الالتزام الدقّة والشمول. الدقّة في الوصف والشمول في السرد. فقد كانت عين الناظر المتكلّم نشطة في تمثّل العناصر موضوع التفصيل من موصوفات وأحداث. فلا يكاد يفوتها شيء ولا حركة ولا حدث ولا قول ممّا يمكن أن يوجد أو أن يحدث مهما صغر شأنه وقلّ حجمه في إطارٍ من الانسجام بين العناصر المفصّل فيها. وهذا ممّا هو مشمول بوظيفة الانسجام دائر في فلكه. وهذا ما يمكن توضيحه لاحقا.

-تفاصيل يحكمها منطق الانسجام: وممّا يقوّي الإيهام بالواقع الملاءمة بين التفاصيل في علاقة بعضها ببعض أو علاقتها بالكون الحكائيّ وفقا لما يقتضيه منطق الانسجام. وهو في هذه الرواية على ضربين: الانسجام بين التفاصيل فيما بينها داخل العوالم المرويّة وهو انسجام داخلي، والانسجام بين التفاصيل والعوالم المرويّة داخل الرواية والعوالم المتحقّقة في الواقع خارج الرواية.

يحرص الراوي في الضرب الأوّل من الانسجام دائما على أن يناسب بين التفاصيل والمقام الذي تتنزّل فيه داخل الحكاية. يتأكّد هذا حين ننظر في علاقة التفاصيل بغيرها ممّا يجاورها في الحيّز المكانيّ الذي تشغله والذي يحتويها. يقول الراوي:

“في الأرض أكوام من الفواكه والخضر الجافة قد كساها الغبار: الفرماس والرمان اليابس وغرائر القمح وبطائن التمر وجرار الزيت وجلود السمن وقصادر الشحمة وفوق ذلك طاسات مختلفة الأحجام، يتخذها رب الدار مكاييل، وفي الحائط أشكال الثوم وأزواج القرنيط”[112].

توجد مراكمة للأشياء، ولكن هذه الأشياء تبدو متناسقة ليس فيما بينها وبين الممكن وجوده في الواقع، ولكن في ما بينها وبين المكان الذي يحتضنها وهو دكان “السيد أحمد عبد الجواد”، والفضاءات التي تشغله منه كلّ تفصيلة سواء أكانت موضوعة على الأرض أم معلّقة على الجدران. فهي تفاصيل يصلح جميعها لأن يكون من قبيل “البضائع” الممكن تداولها في مثل هذا الدكان وليس بينها ما هو شاذّ أو غريب أو خارج عن المتوقّع. وقس على ذلك الأشياء التي توجد في أماكن أخرى كالمطبخ أو المقهى أو “الصالون” أو بيوت النوم أو غيرها من الفضاءات التي فُصّل فيها في الرواية[113]. فهي دائما ملائمة للمكان الذي يحتويها موائمة له. ومثلما يلائم الراوي بين التفاصيل والمكان الذي يحتويها، يلائم كذلك، بينها وبين الحيّز الزمنيّ أو الحيّز التاريخيّ الذي ينزّلها فيه:

“وقدمت لهم الأم حساء ودجاجات محمرة وأرز وأتمت أطباقها التي حرمت من الخضر-بسبب الحصار المضروب حول البيت- بجبن وزيتون ومش، وأحضرت عسلا أسود بدلا من الحلوى”[114].

فالعناصر التي تتأثّث بها وجبة الغداء التي قدّمتها الأمّ لأفراد العائلة الذكور، كانت محكومة بسياق زمنيّ فرض أن تتشكّل بالعناصر التي تشكّلت بها خارج ما اعتادت العائلة تناوله وتعوّدت به. فغابت الخضر عن المائدة، واُستبدل العسل بالحلوى. ومبرّر ذلك الحصار الذي يفرضه الأنكليز على الحيّ الذي يقع فيه بيت السيد أحمد عبد الجواد. وهذا ما يجعل من العناصر المفصّل فيها ملائمة للسياق الزمنيّ الذي توجد فيه، وهو بدوره يجعل المتلقّي واثقا بما يقدّمه الراوي من حيث درجة صدقه وقابليّته لأن يكون من الواقع، ومطمئنّا له.

وجه آخر من وجوه الملاءمة التي من شأنها أن توهم بالواقع، يتحقّق في العناصر المفصّل فيها، وأحوال الشخصيّات. فثمّة مراعاة بيّنة من الراوي لما يتناسب ونفسيّة الشخصيّة من التفاصيل، في حالات الغضب أو الفرح أو الخوف أو المرض. فإذا كان السيد أحمد راضيا عن زوجته التفت الراوي إلى التفصيل في ما به يكون مدخلا من مداخل الشعور بالفرح والارتياح والطمأنينة من قبيل التفصيل في مظاهر الأبّهة من ملابس الرجل وأشيائه وكيفيّة تعامله معها وتأنّقه في ذلك بما يضفي عليه مسحة من الجمال والارتياح:

“ثمّ اقتربت المرأة لتنزع عنه ملابسه، وبدا في وقفته طويل القامة عريض المنكبين ضخم الجسم ذا كرش كبيرة مكتنزة اشتملت عليها جميعا جبّة وقفطان في أناقة وبحبحة دلّتا على رفاهيّة ذوق وسخاء”[115].

 يتضمّن هذا الشاهد تفصيلا لهيئة السيد أحمد عبد الجواد ولباسه الذي يمثّل مركز اهتمام الزوجة وعنايتها به حين عودة زوجها من السهر، وهو في حالة انبساط وارتياح ماديّ وجسديّ ونفسيّ. وإذا ما كان السيد في حالة غضب، حصر الراوي اهتمام الزوجة في ما يمكن أن يكون مبعث خوف، فتتركّز حواسها على صوت الرجل يرعد ويزبد أو على “العصا” وما تحدثه في أذنها من أصوات وقرقعة:

“وترامى إلى أذنيها وقع عصاه على أرض الصالة.”[116]

  فقد غابت التفاصيل من قبيل (اللباس والعطور والكرش ومظاهر الترف والغنى) تلك التي استرعت الانتباه في الشاهد أعلاه مناسبةً للسياق، وتركّز اهتمام الراوي في تفصيلةٍ غيرها موصولة بالشخصيّة نفسها ممثّلة في “وقع العصا”. ولم يخطر ببال الزوجة غير ما يرتبط بالعنف والعقاب والجبروت والغلظة. هي التي أخطأت حين عصت أوامره وتجاوزت نواهيه. وهي التي تستحقّ العقاب. والسيد أحمد عبد الجواد هو من ينفّذ فيها العقاب. والأداة هي العصا الغليظة التي لم يصلها منها سوى الصوت وما يثير الرعب في نفسها والخوف. فهي تفصيلة تتنزّل في سياق آخر مناقض السياق الذي تقدّم ويلائم غضب السيد أحمد عبد الجواد من تصرّف زوجته ويلائم نفسيّة زوجته أمينة المذعورة من ردّة فعل زوجها في هذا المقام من الحكاية.

وأمّا إذا كانت الشخصيّة في غيبوبة غير قادرة على إدراك التفاصيل التي من حولها، فإنّ الراوي يمتنع عن أن يفصّل ويسكت عن ذكر الأشياء التي تحيط بها ملاءمة منه للمقام الذي يحفّ بالشخصيّة والتزاما بمستوى إدراكها الأشياء ووعيها بها:

“بدا فهمي وكأنه في غيبوبة، كانت عيناه مثبتتين على بعض الصور الغريبة المنقوشة على السجادة الفارسية دون أن تريا شيئا.”[117].

  تنطبق هذه الملاءمة بين الشخصيّة وما يوجد حولها من تفاصيل على سائر الشخصيّات في رواية “بين القصرين” فـ”ياسين” مثلا إذا كان فرحا ركّز الراوي على هيأته وخصّ منها ما يبين عن حالات السعادة والطمأنينة والغنى كنوع المشية والجسم العظيم. وركّز -كذلك- على أشيائه الصغرى المناسبة المربط استعمالها بلحظات الفرح والحبور كالمنشّة العاجيّة والطربوش الطويل والملابس الأنيقة. يقول الراوي:

“كان شأنه إذا سار أن يسير متمهّلا في هوادة ورفق، مختالا في عجب وزهو، كأنه لا يغفل لحظة عن أنه صاحب هذا الجسم العظيم وهذا الوجه الفائض حيوية وفحولة، وهذه الملابس الأنيقة الآخذة حظها -وأكثر- من العناية، إلى منشة عاجية لا تفارق يده صيفا وشتاء، وطربوش طويل مائل يمنة حتى يكاد يمس حاجبيه”[118].

وإذا ما كانت تعتري شخصيّة ياسين حالات اليأس والقلق والملل، ركّز الراوي على القهوة وموضعها الجغرافيّ وشكلها الهندسيّ وشبّهها بما يلائم نفسيّة هذه الشخصيّة الراغبة في الصمت والانعزال والهروب، الغارقة في التشاؤم واليأس وانعدام الأفق الآمل:

“تلك القهوة التي تقع تحت سطح الأرض كأنها كهف منحوت في جوف جبل مسقوفة بربوع الحي العتيق، منعزلة عن العالم بحجراتها الضيقة المقابلة وباحتها التي تتوسطها نافورة صامتة”[119].

من البيّن -إذن- وجود حرص من الراوي على الملاءمة بين الأشياء المفصّل فيها في ما بينها، والملاءمة بينها وبين وظيفتها الاستعماليّة في الرواية. فالتناغم حاصل دائما بين التفاصيل والمقام الذي توظّف فيه. قد نجد مراكمة لهذه التفاصيل ولكنّها مراكمة لا تذهب بالتناسق بين التفاصيل في ما بينها وبين الحيّز المكانيّ والزمانيّ الذي تشغله أو في ما بينها وبين الشخصيّات، وإنّما تؤكّده وتقوّيه. فكلّ تفصيلة لها موضعها الخاصّ بها في الحكاية، والذي يجب أن تكون فيه. وكلّ تفصيلة لها وظيفتها في منظومة التفاصيل التي تجاورها. وليس منها ما يفيض عن الحاجة أو يخرج عن سياقه التداوليّ. وهذا ما لم نجده في رواية زينب وما لم يتحقّق فيها في مواضع كثيرة[120]، وما لا يتحقّق في الرواية الحديثة.

إنّ ما تقدّم يخدم وظيفة الإيهام في النصّ ويضمنها. وهو في جميعه يتّصل بوجوه الملاءمة بين التفاصيل في علاقة بعضها ببعض، وفي علاقتها بعناصر المكوّنات الحكائيّة في الرواية أي بينها وبين ما يكون من صميم النصّ. وممّا يقوّي هذه الوظيفة ضرب آخر من ضروب الملاءمة نجده بين التفاصيل داخل النص الروائيّ نفسه وبين ما يوجد خارجه ممّا كان من الواقع أو من المحتمل وجوده فيه وهذا ما يمثّل الضرب الثاني من الملاءمة. وهو متحقّق في إطار المناسبة بين اللّغة والخارج. يكون الراوي فيه حريصا على المطابقة بينهما ما أمكن وملتزما بما يقتضيه ذلك من احترام شروط النقل لما هو موجود وما هو من منطق التفاصيل المعروضة. تعلّق الأمر بالأماكن أو بالأشياء أو بالشخصيّات. والمعوّل عليه في هذا هو المشترك بين الراوي والمتلقّي من معارف تخصّ التفاصيل المعروضة من حيث طبيعتها ومن حيث منطق اشتغالها في الواقع وكيفيّاته.

  فإذا ما فصّل الراوي في وصف الشخصيّات نحا تفصيله منحى الشمول، وما رأيناه في تحليل طبيعة التفاصيل يؤكّد ذلك ويدعمه. فهي من هذا المستوى لا تكون بجانب واحد من حياة الشخصيّات، وإنّما تشمل جميع جوانبها بخيرها وشرّها. فثمّة سعي دؤوب من الراوي لتحقيق ضرب من التوازن في ذات كلّ شخصيّة، إذ غالبا ما كان يبني تفاصيله بالجميل والقبيح معا[121]، مراعاة لما يمكن أن يكون به الإنسان في الواقع وما يفرضه وجوده من توازن إذا ما اختلّ وجود هذا الإنسان في الكون.

وإذا ما فصّل الراوي في أفعال الشخصيّات التزم في تفصيله ما يناسب الشخصيّة من أفعال. فيجعل لكلّ منها دائرة فعل محفوظة، لا تختلف عمّا هو من الواقع أو من الممكن وجوده في الواقع. فلِربّ الأسرة مهامّه، وللأمّ مهامّها وللخادم مهامّها. وليس لأحد منهم أن يخرج عمّا يختصّ به من أفعال وأعمال. يقول الراوي:

“وغابت الخادم دقائق ثم عادت وهي تقول “تفضل” وأوسعت له فدخل ورقي وراءها في سلم متقارب الدرجات. انتهى به إلى دهليز ثم فتحت له بابا في مواجهته انتقل منه إلى حجرة مظلمة فظل واقفا على كثب من المدخل وهو ينصت إلى أقدام الخادم وهي تجري، ثم وهي تعود حاملة مصباحا، وتتبعها بعينيه وهي تضعه وسط الحجرة وتقف عليه لتشعل المصباح الكبير المدلى من السقف ثم تعيد الكرسي إلى موضعه وتحمل المصباح الصغير وتغادر الحجرة قائلة في أدب: “تفضل بالجلوس يا سيدي”[122].

لم يركّز الراوي في هذا المقتبس على المظهر الأنثويّ للخادم أو على أو غير ذلك ممّا تختصّ به المرأة من قبيل الوقوف على مواطن جمالها، وإنّما التفت إلى ما به تكون الخادم خادما في ما هو من المألوف في الواقع والمشاكل له وفقا لما يفرضه الواجب والمتعارف عليه في مثل هذا السياق بين المتكلّم والمتلقّي الذي في ذهنه. فحصر مجال اهتمامه في جوانب أساس تكون بهما الخادم وتختصّ بهما كالسرعة في الإنجاز والإتقان في العمل والتفاني فيه والحذر من الخطأ والأدب واللياقة واللباقة والطاعة والإرشاد والالتزام بتقديم الخدمات والقدرة على تحمّل أعباء العمل وإحساسها بأنّها أقلّ درجة من مخاطبها. وهذا جليّ واضح من خلال الأعمال التي أسندها الراوي إلى الخادم في هذا المقتبس ومن خلال أقوالها التي وجّهتها للزائر المخاطب.

ونلفي وصف الشخصيّات -كذلك- محافظا على ما يمكن أن يكون في الواقع. فللأب صفاته وللأم صفاتها، و”للعالمة” صفاتها وللخادم صفاتها وللمعافَى صفاته وللمريض صفاته، وليس لهذه النماذج أن تخرج على ما هو متواضع عليه، أو أن تشذّ عمّا اعتاده المتلقّي في الواقع:

“لم يكن يبدو منها إلا وجهها إذ اشتملت ببطانية حتى الذقن، وجه أدركه من التغيير فوق ما أدرك العينين، جف بعد اكتناز واستطال بعد استدراة وشحب بعد تورد وشف جلده الرقيق عن عظام الفك والوجنتين البارزة فبدا صورة للرثاء والعناء”[123].

تبين التفاصيل في هذا الشاهد عن صورتين نمطيّتين للشخصيّة، ما كانت عليه من نظارة ملمح وتورّد وجه واستدارته واكتنازه. وهذه الصورة استوجبتها طبيعة المهنة التي كانت تمتهنها الشخصيّة الموصوفة (عالمة). وما أصبحت عليه هذه الشخصيّة حين تقدّم بها العمر وشارفت على النهاية. ولم تشأ أن تخرج الصفات المفصّل فيها في الحالتين عمّا هو نموذجيّ معتاد. فلا بدّ للعالمة أن تكون لها مواصفاتها ولا بدّ للمشرف على الموت أن تكون له مواصفاته. وقد توضّحتا من خلال ما فصّل فيه الراوي بما يلائم المنطق المتواضع عليه.

 ثمّة التزام من الراوي بمحاكاة المنطق الناظم للعلاقات الأسريّة وتراتبيّتها. يبدو هذا في كلّ ما تقوم به الشخصيّات إذ تتوخّى فيه نظاما تحافظ عليه فلا تحيد عنه:

“هي العادة التي توقظها في هذه الساعة. عادة صاحبت شبابها منذ مطلعه ولا تزال تستأثر بكهولتها. تلقنتها فيما تلقنت من آداب الحياة الزوجيّة. أن تستيقظ في منتصف الليل لتنتظر بعلها حين عودته من سهرته فتقوم على خدمته حتى ينام. وجلست في الفراش بلا تردد لتتغلب على إغراء النوم الدافئ، وبسملت ثم انزلقت من تحت الغطاء إلى أرض الحجرة ومضت تتلمس الطريق على هدى عمود السرير”[124].

فما أسنده الراوي من أفعال إلى الزوجة وعلّقه بها من صفات هو من صميم ما يمكن أن تفعله زوجة “مثاليّة” تنتمي إلى الطبقة الغنيّة في مجتمع محافظ وما يمكن أن تتّصف به: أن تقوم بما يرضي زوجها وأن تتّصف بما يستحسنه منها اتّقاء لغضبه وما يمكن أن ينجرّ عنه من تعنيف أو طلاق وطرد، إذا ما خالفت هذه القواعد ولم تعمل بها.

والأشياء هي الأخرى في رواية “بين القصرين” في علاقتها بالواقع، مُخرجة على صورة تحاكي الموجود ومنخرطة في النظام الذي يحكمه والأنساق التي تضبطه وتشاكله. يقول الراوي على سبيل المثال:

“وكان يتوسّط الصينية النحاسية اللامعة طبق كبير بيضاوي بالمدمس المقلي بالسمن والبيض وفي أحد أطرافه تراكمت الأرغفة الساخنة، وفي الطرف الآخر صفت أطباق صغيرة بالجبن، والليمون والفلفل المخللين والشطة والملح والفلفل الأسود، فهاجت بطون الأخوة بشهوة الطعام”[125].

 تتلاءم الأشياء المفصّل فيها والظرف الزمنيّ الذي تتنزّل فيه : إفطار عائليّ صباحيّ من حيث المأكولات وحجمها ونوعها وكيفيّة تنظيمها وتقديمها. بل تكون الملاءمة بين هذه العناصر المفصّل فيها والواقع من طرق أخرى تتعلّق بكيفيّة الأكل وتناول الطعام:

“ولكنهم حافظوا على جمودهم متجاهلين المنظر البهيج الذي أنزل عليهم كأنه لم يحرك فيهم ساكنا، حتى مد السيد يده إلى رغيف فتناوله ثم شطره وهو يتمتم: “كلو” فامتدت الأيدي إلى الأرغفة في ترتيب يتبع السن، ياسين ففهمي ثم كمال، وأقبلوا على الطعام ملتزمين أدبهم وحياءهم”[126].

فطريقة الأكل المفصّل فيها في الرواية لها نظامها الصارم الذي لا بدّ لأفراد العائلة من أن يلتزموا به . يبدأ بضبط النفس وعدم التسرع ومغالبة الشهوة ثم احترام التراتبيّة الأسريّة وفقا لنظام الأسرة التقليديّة: الأب أوّلا فالأخ الأكبر فالأصغر فالأصغر، وينتهي بالحياء والأدب. وكلّه في منطق آداب الطعام المعمول به في المجتمعات التقليديّة ويشاكلها.

وقس على ذلك كلّ عمل أو فعل يقع في دائرة العائلة، إذ لا بدّ أن يحترم نظاما معيّنا يحاكي نظام حدوثه في الواقع ويماثله. مثل كيفيّة استيقاظ أفراد عائلة السيد أحمد، فلا بدّ للخادم من أن تكون أوّل من يستيقظ يليها الزوجة فالزوج فالأبناء واحدا فواحدا فالأخوات، كلّ بحسب منزلته في الأسرة وحسب عمره[127].

والراوي في هذا يفصّل وفقا لما هو محتمل وجوده ملتزما درجة من الحياد تلزمه بنقل ما يتصوّر أنّه به يعمّق مستوى الإيهام بصحّة ما ينقل، وصدقيّته حتى لا يجعل المتلقّي يشكّ في أنّ ما ينقله ليس من الواقع ولا صلة له به.

ومن مظاهر الانسجام في إخراج التفاصيل في رواية بين القصرين إخراجا يوهم بالواقع، أنّ الجوانب المرصودة من الشخصيّات الجسديّة منها والنفسيّة لا يبلغ بها الراوي مرحلة الشطط والمبالغة والمراحل القصوى، وإنّما نلفي كلّ تفصيلة منها مقدّرة بمقدار منطقيّ معقول ومضبوط. فثمّة دائما ما يكبح جماح هذا الجمال والوسامة أو الكمال والتمام. وثمّة دائما ما “يعقلن” هذه العاطفة أو تلك بما هو من جوهر نقيضها. فغالبا ما يتنازع الشخصيّات في الرواية نازعان متناقضان. ولا يترك الراوي لها أن يستبدّ بها شأن جسديّ واحد أو نفسيّ يغلب عليها. فالخوف مثلا يداخله نوع من الإقدام، والجرأة يخفّف من غلوائها بعض من الضعف والفتور:

“خارت قواها في الصالة فارتمت على طرف كنبة وكلماته القاسية الحاسمة تتردد في باطنها. ليس الرجل هازلا ومتى كان هازلا؟ […] بيد أن قلبها على امتلائه- كبر عليه أن يصدّق أن يكون هذا المصير الأسود نصيبها المقدور لإيمانها النهائيّ بالله الذي حفظها في وحدتها الغابرة من العفاريت نفسها، ولثقتها برجلها التي تأبى أن تنهار”[128].

يوجد الراوي ضربا من التوازن يحدثه في نفس الشخصيّة يذيب كثيرا من مشاعر الخوف ويلطّفها فيجعل خوف الزوجة في حدوده الممكنة حين يخلطه بشيء من الطمأنينة تستمدّها من عوالم الواقع وما ألفته واعتادت عليه (علاقتها بزوجها)، ومن عوالم الغيب واللاّمنظور ممّا تعتقد فيه وتؤمن به (الله، والعفاريت).

والسرور يكون مخلوطا هو الآخر بشيء من الحزن والأسى:

“ويشمل فيه بسرور مسكر عجيب ولكنه لم يخل -كحاله أبدا- من ظل أسى يتبعه كما تتبع رياح الخمسين مشرق الشمس”[129].

فالتقاطب في هذا الشاهد نظفر به داخل الشخصيّة وخارجها. داخل الشخصيّة تتناوب حالتان متقاطبتان: السرور المسكر العجيب والأسى الذي يتبعه فيخفّف من غلوائه. وخارج الشخصيّة وهو العنصر المشبّه به ثمة شروق لطيف تتبعه رياح قيض تؤثّر فيه ولا تتركه على حالته . وهذه الحالة ليست عارضة بالنسبة إلى الشخصيّة وإنّما هي الحالة الطبيعيّة المألوفة عند الشخصيّة. دلّت على ذلك العبارة بين المعترضتين (كحاله أبدا). ممّا يجعل التوازن في مشاعرها قائما طبيعةً لا استثناء.

والرغبة في الانتقام يداخلها هي الأخرى نوع من الرغبة في الامتلاك والشهوة:

“يجد نحوها أحيانا ما يشبه الرغبة في الانتقام، وأحيانا أخرى نوعا من الكراهية المتقطعة وإن لم يكف عن الرغبة فيها بين هذا وذاك”[130].

والإقبال على الحياة وملاهيها يكون هو الآخر بمقدار قادر على أن يعصم من الغلواء والتطرّف في اتّباع شهوات النفس وطاعة دواعي الجسد. فلا بدّ للعقل أن يتدخّل ليعقل هذه النزوات ويجعلها في مستوى وسط لا تحيد عنه. هذا ما كان مثلا مع السيد أحمد عبد الجواد في علاقاته مع المرأة. يقول عنه الراوي:

“بهذه البواعث العضوية وحدها تزوج أول مرة ثم ثاني مرة، أجل أثرت عاطفته الزوجية -بكرور الأيام- بعناصر جديدة هادئة من المودة والألفة ولكنها ظلت في جوهرها جسدية شهوانيّة، ولما كانت عاطفة من هذا النوع -خاصة إذا أوتيت قوة متجددة وحيوية دافقة- لا يمكن أن تستنيم إلى لون واحد فقد انطلق في مذاهب العشق والهوى كالثور الهائج، كلما دعته صبوة استجاب لها في نشوة وحماس. لم ير في أية امرأة إلا جسدا، ولكنه لم يكن يحني هامته لهذا الجسد حتى يجده خليقا حقا بأن يرى ويلمس ويشم ويذاق ويسمع، شهوة نعم ولكنها ليست وحشيّة ولا عمياء، بل هذبتها صنعة، ووجّهها فن فاتخذت لها من الطرب والفكاهة والبشاشة جوا وإطارا […] ولذلك لم يتركز خياله النشيط -وهو يلتهم السلطانة بنظراته، في المضاجعة ونحوها ولكنه تاه -إلى هذا الحد- في أفانين من أحلام اللهو واللعب والغناء والسمر”[131].

يمثّل هذا المقطع عملا لغويّا مشكّلا بالإخبار يسوق من خلاله الراوي ما به يعرّف بشخصيّة أحمد عبد الجواد. وهو قائم أساسا على ثنائيّة متقاطبة. تبدو أساسا من طبيعة الأعمال اللغويّة التي تشكّل بها الخطاب. فهي لا تخرج عن عملين الإثبات والنفي. أو عن منطق “صحيح ولكن”، أو “نعم ولكن”، أو الحكم والاستدراك. وهذا بيّن انطلاقا من الوسائل الحجاجيّة التي اعتمدها في خطابه والقائمة أساسا على آلياّت تعديليّة كثيرة. وردت في مواضع من هذا الشاهد صريحة من مثل:

عناصر جديدة هادئة من المودة والألفة       ←                   ولكنها ظلت في جوهرها جسدية شهوانيّة.

لم ير في أية امرأة إلا جسدا               ←                ولكنه لم يكن يحني هامته لهذا الجسد.

يلتهم السلطانة بنظراته، في المضاجعة ونحوها        ←                   ولكنه تاه[…] في أفانين من أحلام اللهو واللعب والغناء والسمر.

وكانت في مواضع أخرى منه ضمنيّة باعتماد صفات قائمة على التضادّ والتقابل، من قبيل:

أثرت عاطفته الزوجية [القديمة] –بكرور الأيام- بعناصر جديدة.

…هادئة من المودة والألفة ولكنها ظلت في جوهرها جسدية شهوانيّة.

-شهوة نعم ولكنها ليست وحشيّة ولا عمياء.

أو باعتماد أفعال قائمة هي الأخرى على التضادّ والتقابل:

– حتى يجد [السيد أحمد عبد الجواد الجسَدَ] خليقا حقّا بأن يرى ويلمس ويشم ويذاق ويسمع.

والأفعال إن كانت في هذا المقام مبنيّة للمجهول فإنّ المقصود بها هو السيد أحمد عبد الجواد ووجه التقابل قائم فيها من مدخل تقابل الأعمال ووسائل الإدراك والحواسّ المفعّلة فيها: النظر والجلد والأنف واللسان والأذن. وهي وسائل من شأنها أن يكون الإدراك المتحقّق بها لجسد المرأة إدراكا متوازنا شاملا.

وتحقّقت الآليات التعديليّة الضمنيّة -كذلك- في الشاهد أعلاه، باعتماد معجم دالّ على التحوّل والتنوّع وعدم الثبات على وجه واحد أو حالة واحدة، من مثل: (البواعث، أول مرة، ثاني مرة، أثرت، بكرور الأيام، بعناصر جديدة، متجددة، حيوية، دافقة، لا يمكن أن تستنيم إلى لون واحد، انطلق، مذاهب، هذبتها صنعة، ووجّهها، فاتخذت). وهو ما يجعل الشخصيّة لا تستقرّ على حال واحدة. فهي دائمة البحث عمّا يحقّق لها التوازن والتكامل.

ما يمكن قوله هو إنّ كثرة هذه التقاطبات المجسّدة بآليّات تعديليّة كثيرة كالاستدراك والمقابلة والمعجم يسهم في أن يبني شخصيّة متوازنة تسيّر جسدها وعواطفها وفقا لمنهج منضبط بموازين العقل وبحدوده ينحو دائما منحى الوسطيّة ويجانب ما عداه. فالسيّد أحمد عيد الجواد شخصيّة تشتهي نعم ولكنّها تتحكّم في شهوتها وتكبح جماحها فلا تجعلها “وحشيّة عمياء”. وهذا من شأنه أن يرسّخ انتماء الشخصيّة إلى المشاكل ويعمّق انسجامها مع ما يمكن وجوده خارج الرواية من نماذج بشريّة تنهج في علاقاتها وفي عواطفها نهجا وسطا يبحث دائما عن منطقة وسطى يهتدي فيها بما يمليه العقل بعيدا عن الشطط والمغالاة. ويحيد بها عن أن “يستنيم” إلى هذا الجانب أو ذاك.

فلا بدّ من أن يوجد الراوي في ذات الشخصيّة ضربا من التقاطب في المشاعر والأحاسيس يحقّق لها توازنا في العواطف يجنّبها الإيغال في أن تستبدّ بها عاطفة تذهب بها إلى حدود مثاليّة قصيّة. فكلّ شعور مسكون برديف له يجعله أقرب إلى المعقول المنطقيّ إذ لا تطرّف في المشاعر ولا غلوّ فيها مثلما هو الأمر في الرواية الرومنطيقيّة.

 يؤكّد ما تقدّم أنّ التفاصيل في رواية بين القصرين فعلا محكومة برؤية ماديّة وبوجهة نظر موضوعيّة، لا تهتمّ بالإخبار عن الذات وما يخصّ الوجود الفرديّ، وإنّما تهتمّ بالإخبار عن العالم وتسعى لبناء محكيّ يشاكل بتفاصيله ما هو موجود خارج الرواية ويوهم به. وإنّ السمة الأساس التي تتّسم بها التفاصيل في هذه الرواية هي الدقّة والشمول. الدقّة في انتقاء التفاصيل والقدرة على التقاط الجزئيّ. والشمول بالحرص على عدم ترك فراغات في الحكاية، فكلّ زاوية من زواياها مملوءة بالتفاصيل مؤثّثة بها. وإنّ هذه التفاصيل سمتها -كذلك- الانسجام. وهو قائم بين التفاصيل نفسها و قائم بينها وبين ما تحيل عليه من عوالم خارج الرواية. يخصّ هذا الأشياء والأماكن وما يتعلّق بها من صفات، والشخصيّات وما يتعلّق بها من أفعال وأقوال. فجميعها مرهون بقوانين الوجود منخرط في منطق العوالم خارج الحكاية متطابق معها. فالتفاصيل محكومة بوجهة نظر حسبها أن تجتهد لنقل الواقع أو الإيهام بمصداقيّة ما يُحكى وفقا للمعادلة التالية: أنا الراوي أقول هذا هو الواقع أعيد إنتاجه دون تشويه، وهذا هو الواقع أعرضه كما هو وفقا لإمكانيّات اللّغة التي تخوّل نقله بتفاصيله. ويبقي للمتلقّي أن يقوّم وأن يتّخذ المواقف.

جعل هذا التوخّي التفاصيل أقرب إلى أن تكون مرهونة بأحكام العقل[132] طبقا لما تسمح به طبيعة العنصر المفصّل فيه، بعيدا عن الانفعال ووجوه التذويت، إذ كانت التفاصيل فيها مرهونة بأخلاق القلب[133]. وطبع التفاصيل بضرب من الموضوعيّة وهذا ما ساعد على الالتفات إلى الواقع ورصد ما يوهم بأن يكون من الواقع. وجانَب الإجمال والتعميم والتأليف. وكثّف من حضور التفاصيل في الرواية وأغناها بها. وجعل التفاصيل قائمة بالأنماط الخطابيّة جميعها من سرد ووصف وأقوال. وهو ما لم نجده في رواية زينب إذ كان التفصيل فيها قائما أساسا بالوصف وليس بالأفعال أو بالأقوال.

ومثل هذا التوخّي استوجب أن تكون المسافة بين العون المضطلع بالتفصيل شخصيّة كان أم الراوي نفسه وبين العناصر المفصّل فيها قريبة، أو توهم بأنّها كذلك. وهو ما من شأنه أن يتيح التفصيل وييسّر السبل إليه ويجعل العين قادرة على تتبّع الجزئيّات مهما ضؤل حجمها وصغر. وهذا جميعه ممّا يمتّن العلاقة بين هذا العون والمتلقّي ويقوّي درجة المصداقيّة بينهما ويعمّق مستوى الثقة. فبالتفاصيل تُبنى جسور الثقة ويكون المفصّل جديرا بثقة المتلقّي وأهلا لها.   

6- الخاتمة:

أمكن لنا أن ندرس التفاصيل في رواية “بين القصرين” من مداخل فرضتها الإشكاليّات التي انطلق منها البحث ورام الإجابة عنها. فنظرنا في طبيعة هذه التفاصيل وفي كيفيّات بنائها ومنطق اشتغالها داخل النصّ الروائيّ. وحقّقنا في الأنماط الخطابيّة التي تتشكلّ بها في الرواية. وقاربنا وجوهها التوظيفيّة في الحكاية وحاولنا تحديد وجهة النظر المتحكّمة في انتقاء التفاصيل وفي طرق بنائها في حكاية الرواية وتشكيلها فيها.

وكان من أبرز النتائج التي توصّلنا إليها أن التفاصيل في رواية “بين القصرين” تُبنى بالأنماط الخطابيّة الثلاثة: السرد والوصف والأقوال أو الحوارات. وهذا ما لم يكن متيّسرا في رواية زينب، إذ كانت التفاصيل فيها -إن وجدت- متحقّقة بالوصف. 

وقد تشكّلت التفاصيل في رواية “بين القصرين” بما هو من طبيعة الحياة الماديّة. تعلّق ذلك بالشخصيّات أو الأماكن أو الأشياء. فإن فصّل الراوي في ما يتعلّق بالشخصيّات ركّز على النواحي الجسديّة خاصّة، وإن تناول المكان وما يُؤثّث به من أشياء غلّب ما هو منتم إلى الثقافيّ، ذلك الذي يوجده الإنسانُ ويفعلُ فعلَه فيه فيصيّره مفارقا جوهره الطبيعيّ البكر كنبات اللبلاب والياسمين والحدائق المعلّقة على أسطح المنازل، أو الصباحات التي تندلق عبر نوافذ البيوت وأصوات المآذن.

ثمّ إنّ التفاصيل حاضرة في هذه الرواية حضورا لافتا فاعلا. تتجلّى فاعليّتها في كونها عنصرا أساسا من خلاله تُوجّه مسارات الحكاية وتُحسم البرامج السرديّة وتُبرّر أداور الشخصيّات ومصائرها. رأينا ذلك من خلال تفاصيل كثيرة في الرواية (القنديل، جسد الخادم وغيرهما) إذ لم ترد في الحكاية اعتباطا ولم توجد فيها مجّانا أو عفو الخاطر، وإنّما كان لها دورها في البناء العامّ للحكاية. ولو لم توجد فيها بماهيتها تلك وبأثرها لكانت لنا حكاية أخرى غير التي تضمّنتها رواية “بين القصرين”.

والتفاصيل في هذه الرواية تظلّ صادرة عن وجهة نظر تسعى لأن تكون في ما ترصد موضوعيّة. وأن تكون بمنأى عن أهواء النفس وانفعالات الذات. وقد ظلّ الراوي في ما يروي ويفصّل محكوما بوجهة نظر شموليّة كليّة ولكنّها مرتبطة باليوميّ ومنغرسة في الدنيويّ وقائمة على ما يكون خاضعا للمعاينة قابلا الاختبار والتجربة خلافا لما كانت عليه الرؤية المتحكّمة في التفاصيل في رواية “زينب” .

وإنّ ارتباط التفاصيل في رواية بين القصرين” باليوميّ وانغراسها في الدنيويّ ساعد على الذهاب بعيدا في التفصيل والإيغال فيه أوّلا ونحا بالتفاصيل إلى التدقيق والتجزيء ثانيا، وجعل السرد في الرواية أقرب إلى روح النثر أو ما يعبّر عنه بنثر الحياة الماديّة ثالثا.

وما يمكن أن نختم به البحث في التفاصيل في رواية “بين القصرين” أنّ ارتباط هذه التفاصيل بما هو ماديّ، ونزوع الراوي فيها إلى التفصيل وصدور تركيب التفاصيل فيها وتشكيلها عن وعي جماليّ موضوعيّ ورؤية وضعيّة، هو ما حدا بهذه الرواية إلى أن تكون رواية واقعيّة تختلف عن غيرها من الروايات ولا سيّما الرومنطيقيّة منها.

 يجعلنا ما أوصلنا إليه البحث في التفاصيل في رواية بين القصرين وفي غيرها في سياقات بحثية مختلفة، نقرّ بأنّ التفاصيل مدخل وجيه صالح للتصنيف. نستطيع من خلاله أن ندرك الفروق الجوهريّة بين الروايات والوقوف على الاتّجاهات الفنيّة التي تنخرط فيها هذه الرواية أو تلك كالرواية الرومنطيقيّة والراوية الواقعيّة و الرواية الحديثة أو التجريبية.


[1]–  يعد فيليب هامون الرواية الواقعيّة مخزنا للتفاصيل. انظر:

Philippe Hamon: Introduction à l’analyse du descriptif, Paris, Hachette, 1981, P: 226.

وانظر: أحمد الناوي بدري:  إنشائيّة التفاصيل في رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، مقال منشور في مجلة علامات (المغرب)، العدد: 49، 2018. ص ص: 101 – 120.

[2]– Barthes: L’effet de réel, in, Littérature et réalité, , Paris, éd, Seuil1982, P :  89.

[3]-نجيب محفوظ،  بين القصرين، مصر، مكتبة مصر، (د.ت)، ص : 59. وهذه الطبعة هي التي سنعتمدها في هذا المبحث.

[4]– المصدر نفسه، ص 57.

[5]– المصدر نفسه، ص 350.

[6]– يقول مثلا: “أمّا أعجب ما في السطح فكان نصفه الجنوبيّ المشرف على النحاسين حيث غرست يداها في الأعوام الخالية حديقة فريدة لا نظير لها في أسطح الحيّ كله التي تغطى عادة بطبقة من قاذورات الدواجن، بدأت أول ما بدأت بعدد قليل من أصص القرنفل والورد، وراحت تستكثر منها عاما بعد عام حتى نضدت صفوفها بحذاء أجنحة السور ونمت نموا بهيجا، وخطر لخيالها أن تقيم فوق حديقتها سقيفة، فاستدعت نجارا فأقامها، ثم غرست شجرتي ياسمين ولبلاب ثم أنشبت سيقانها في السقيفة وحول قوائمها، فاستطالت وانتشرت حتى استحال المكان بستانا معروشا ذا سماء خضراء ينبثق منها الياسمين ويتضوع في أرجائها عرف طيب ساحر” المصدر نفسه، ص 35.

[7]– المصدر نفسه، ص 29.

[8]– سنرى لاحقا في البعد الوظائفيّ للتفاصيل أن تفصيلة هذا الأنف ستوظّف في ما يشبه الفاتحة.

[9]– انظر من هذا البحث، ص 34.

[10]-الرواية، ص71.

[11]– وانظر منها ص ص 70، 241، 264، 265.

[12]– المصدر نفسه، ص 71.

[13]– المصدر نفسه، ص 29.

[14]– المصدر نفسه، ص 12.

[15]– يرى فيليب هامون أنّ الشيء المفصّل فيه في الخطاب الواقعيّ يكون أساسا على النحو التالي: أ- مجموعة من التمظهرات أجزاؤها قابلة للترقيم(Enumérables). ب- تنتمي أجزاؤها إلى شبكة تنمو داخليّا (Endogène)، فكلّ عنصر يشكّل جزءا من ديكور أشمل يحتويه. ج- أو تنتمي أجزاؤها إلى شبكة تنمو خارجيّا(Exogène)، تخصّ الإلمام بطريقة الاستعمال وطريقة الحفظ والصيانة وترتيب إجراءات صنعه. انظر:

Philippe Hamon : Un discours contraint, in, Littérature et réalité, Paris, éd, Seuil, 1971, P : 147.

[16]– المرجع نفسه، ص 57.  

[17]– الرواية، ص 93.

[18]– المصدر نفسه، ص 293.

[19]– المصدر نفسه، ص ص 420، 144.

[20]– المصدر نفسه، ص 301

[21]– المصدر نفسه، ص ص 58، 59.

[22]– المصدر نفسه، ص ص 188، 141.

[23]– المصدر نفسه، ص ص 114، 317.

[24]– المصدر نفسه، ص 141.

[25]– المصدر نفسه، ص 112.

[26]– المصدر نفسه، ص 305.

[27]– Roland Barthes : L’effet de réel, Op, Cit, P : 87.

[28]– الرواية، ص 72.

[29]– المصدر نفسه، ص17.

[30]– المصدر نفسه، ص 72.

[31]– المصدر نفسه، ص ص 22- 23.

[32]– المصدر نفسه، ص 12.    

[33]– أحمد الناوي بدري:  إنشائيّة التفاصيل في رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، مرجع مذكور، ص 6.

[34]-هامش: عرضت نعومي شور لضربين من التفاصيل، التفصيل الذي يتأدّى بالوصف، والتفصيل الذي يتأدّى بالأحداث. انظر:  Naomi Schor : lectures du détail. OP. Cit. P190  

يطلق على الأوّل منهما أحمد السماوي التفصيل الوصفيّ وعلى الثاني التفصيل الحكائيّ. انظر: أحمد السماوي، التفاصيل في قصص صنع الله إبراهيم: الظاهرة والوظيفة، مقال ملحق بكتاب إنشائيّة التفاصيل في الرواية العربية، كتاب مخطوط، وهو في أصله ندوة أقامتها جمعيّة مركز الرواية العربيّة بقابس بتاريخ: 14- 15- 16 أفريل 2017، جمع وتنسيق: محمد الباردي، تقديم: محمد بن محمد الخبو، مراجعة: أحمد الناوي بدري، ص 53. (نشر الكتاب أخيرا في الأردن ولم نتمكّن إلى الآن من الحصول على نسخة منه.)

في حين يرى محمد الباردي وبوطيب عبد العالي أنّ التفاصيل تكون أساسا بالوصف.

يقول محمد الباردي: “عندما نتحدّث عن إنشائيّة التّفاصيل في الرّواية نطرح في الحقيقة وضعيّة الوصف وعلاقته بالسّرد في النّص السّردي عموما وفي الرّواية بشكل خاص. ذلك أنّ كلّ التّفاصيل والجزئيّات داخل النصّ السّردي لا تكون إلّا عبر الوصف”. انظر محمد الباردي، تحوّل وظيفة التّفاصيل في الرّواية، مقال ملحق بكتاب: إنشائية التفاصيل في الرواية العربيّة، مرجع مذكور ، ص 6.

ويقرن عبد العالي بوطيب التفاصيل بالوصف ويربطها به فكأنّهما واحد. يقول: “فموضوع التفاصيل الروائية تحديدا، والوصف عموما[…] ما زال موضوعا بكرا محافظا على راهنيته بالنظر إلى قلة الدراسات المنجزة عنه، وإلى كثرة الإشكالات المعلقة التي تنتظر أجوبة ملائمة عنها […]. ولعل ما يضفي على اختيار هذا الموضوع أهمية معرفية إضافية، فضلا عما سبق ذكره، كون الوصف يحظى بحضور خاص في الكتابة السردية عموما، والروائية منها على وجه التحديد”. انظر: عبد العالي بوطيب، شعريـة التفاصيل بين الرواية الواقعيّة والرواية التجريبيّة، مقال ملحق بكتاب: إنشائية التفاصيل في الرواية العربيّة، مرجع مذكور. ص 17 -18.

وقد نزّل عبد المجيد بن البحري الأنماط الخطابيّة التي تكون بها التفاصيل منزلة إشكاليّة تنحصر بين أن تكون من الوصف أو من الأحداث دون الإشارة إلى الأقوال. يقول: “أمّا التساؤل الثاني الحقيق بالطرح في بحثنا فموصول بمنازل التفاصيل والمستوى الخطابي الذي تشتغل فيه؛ فهل يُبحث عنها في مستوى الملفوظ الوصفي الذي يشحن الخطاب الروائي بالموصوفات الجزئية الدقيقة إيهاما بالواقعية وتعزيزا لمبدإ المحاكاة المرجعية (Mimétisme)؟ أم هل يُنظَرُ فيها في مستوى النظام الحكائي وتتالي الوظائف السردية بنوعيها الرئيسية والمساعدة في المنوال الإنشائي “البارتي” الذي رأى في النوع الثاني ضربا من الترف السردي (luxe de la narration) الذي لا طائل منه في الإبلاغ القصصي؟ أفلا يمكن أن نباشر مسألة التفاصيل في مستوى “الكلام الروائي” أو في خطاب الراوي الذي يتخفّى وراءه المؤلف بمواقفه ورؤاه وتصوراته الجمالية وخلفياته المعرفية؟”.عبد المجيد بن البحري،بلاغة التّفاصيل في الرّواية التّونسية، بحث في “التفاصيل الميتاروائية”، (“بيروت ونهر الخيانات”لمحمد علي اليوسفي أنموذجا). مقال ضمن كتاب إنشائيّة التفاصيل في الرواية العربية، مرجع مذكور، ص 174.

[35]-الرواية، ص 365.

[36]– المصدر نفسه، ص 188. وانظر منه كذلك، ص ص 5، 6.

وقد وجدنا أنّ عبارة “الشلتة” ليست من العربية بخلاف الشلّة التي هي خصلة مطويّة من خيوط الغزل.

[37]– المصدر نفسه، ص ص 5- 6.

[38]– المصدر نفسه، ص ص 240- 241.

[39]– المصدر نفسه، ص 179. وانظر منه:  ص ص11، 12، 29، 58، 71، 81، 141، 264، 322، 359، 360.

[40]– المصدر نفسه، ص 127.

[41]– المصدر نفسه، ص 72.

[42]– المصدر نفسه، ص 241.

[43]– المصدر نفسه، ص71. والمثال كنّا حلّلناه سابقا من مدخل آخر غير هذا. انظر من هذا البحث: ص 9.

[44]– انظر من الرواية مثلا : ص ص 81، 237، 256.

[45]– أحمد السماوي: التفاصيل في قصص صنع الله إبراهيم: الظاهرة والوظيفة، مرجع مذكور، ص 53.

[46]– Naomi Schor : lectures du détail. OP. Cit. P :190    

[47] محمد القاضي: معجم السرديات، مدخل: السردية، إشراف محمد القاضي، دار محمّد علي الحامّي للنّشر، ط 1، تونس، 2010، ص 254.

[48]– الرواية، ص 5. وانظر منها ص ص 6، 8، 83، 129، 190، 191.

[49]– Roland Barthes, Effet de réel, ln : Littérature et réalité, , Paris, Seuil, 1982.  P : 81

[50]– Gérard, Genette : Figures III, Paris, éd, Seuil, 1972, P : 129.

4 – Oswald Ducrot et T. Todorov, Dictionnaire encyclopédique du langage, Paris, éd, Seuil, 1972, P : 402- 403.

[52]-الرواية، ص 83.

[53]– Gérard, Genette : Figures III, Op, Cit, P : 128.

[54]– سنعود للحديث عن أبعادها الوظائفيّة في ما يأتي من البحث. انظر منه ص 29.

[55]– عرضت نعومي شور لضربين من التفاصيل، التفصيل الذي يتأدّى بالوصف، والتفصيل الذي يتأدّى بالأحداث لكنّها لم تشر إلى أنّ التفصيل قد يكون، كذلك، بالحوار أو الأقوال.

-Naomi Schor : lectures du détail. OP. Cit. P 190. 

[56]-الرواية، ص ص 292- 293. 

[57]– المصدر نفسه، ص 293.

[58] – المصدر نفسه، ص 28.

[59]– المصدر نفسه، ص 283.

[60]– المصدر نفسه، ص 139.

[61]– المصدر نفسه، ص 133. وانظر منه: ص ص89، 120، 283، 414.

[62]– المصدر نفسه، ص ص 51- 52.

[63]– المصدر نفسه، ص 260.

[64]– المصدر نفسه، ص 72.

[65]– المصدر نفسه، ص ص 17،59،  93، 124، 125، 168، 185، 186، 317، 410.

[66]– المصدر نفسه، ص ص 18-19.

[67]-أوصلنا البحث في التفاصيل في رواية زينب إلى أن بعضا من التفاصيل في رواية “زينب” كالمصباح والمنديل، وردت “ميّتة” ولم تفعّل في الحكاية ولم يكن لها علاقة بالبرامج السرديّة، أنظر: أحمد الناوي بدري إنشائية التفاصيل في رواية زينب، مرجع مذكور.

[68]-أشرنا في كتابنا “سرديات الراوي والروائيّ” إلى أنّ جيرار جينات يميّز الفاتحة من الإعلان ويراها بذرة غير دالّة بنفسها أو غير قابلة للفهم وأنّ قيمتها لا تكون معروفة إلاّ متأخرا وبطريقة استعاديّة، وتخضع لكفاءة القارئ وقدرته على حلّ الشفرة السرديّة. انظر Gérard, Genette, Figures III, Op, Cit, : P : 111. وانظر: أحمد الناوي بدري، سرديات الراوي والروائيّ، اللاذقية، سورية، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط 1، 2016، ص 139.

[69]– الرواية، ص 203.

[70]– المصدر نفسه، ص 209.

[71]– المصدر نفسه، ص 410.

[72]– المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[73]– المصدر نفسه، ص 283.

[74] المصدر نفسه، ص 306.

[75] المصدر نفسه، ص 306.

[76] المصدر نفسه، ص 408.

[77]– المصدر نفسه، ص 29.

[78]– هذا ما نجده مثلا في ما قاله ياسين في حوار دار بينه وبين خديجة:

“فلحظته خديجة بهزء وسألته:

-لم لم تلق بدفاعك هذا وأنت بين يديه؟؟

فانقلب الشاب مقهقها حتى ارتجّت كرشه ثم أجابها قائلا.

-يلزمني مثل أنفك أولاً كي أدافع به عن نفسي عند الضرورة”. المصدر نفسه: 182.

[79]-انظر المصدر نفسه، ص274 وما بعدها.

[80]-يقول الراوي: “ولعل خديجة كانت أشد الجميع شعورا بالحرج لوقوفها للمرة الثانية عثرة في سبيل أختها” المصدر نفسه، ص 152.

[81]– المصدر نفسه، ص ص 263- 264.

[82]– المصدر نفسه، ص 264.

[83]– المصدر نفسه، ص 265.

[84]– المصدر نفسه، ص 266.

[85]– المصدر نفسه، ص 269.

[86]– المصدر نفسه، ص 29.

[87]– المصدر نفسه، ص ص 51- 52.

[88]– المصدر نفسه، ص 414.

[89]– المصدر نفسه، ص 279.

[90]– المصدر نفسه، ص 92. وانظر منه: ص ص 17، 22، 23، 318.

[91]– للتوسّع في كيفيّة أن يكون للأشياء الموصوفة أو المفصّل فيها نموّ خارجيّا أو نموّ داخليّ انظر:

Philippe, Hamon, Un discours contraint, Paris in, Poétique, n : 16, 1971. P : 433.

J, M, Adam, et Petitjean, Le texte descriptif : Poétique historique et linguistique textuelle, Paris, Nathan, 1989, P : 130

حيث يتحدّثان عمّا يسمّيانه شجرة الوصف.

[92]-الرواية، مصدر سابق، ص 168.

[93]– المصدر نفسه، ص 278.

[94]– المصدر نفسه، ص 280.

[95]-Philippe, Hamon, Un discours contraint, Paris ; in, Littérature et réalité, éd, Seuil, 1971, P : 133.

[96]-Ibid.,139.

[97]-انظر:      Catherine Kerbrat-Orecchioni, L’énonciation. De la subjectivité dans le langage, Paris, Librairie Armand  Colin, 1980, P :170

[98]-انظر في طرق حضور الذات في ما تنتج السيريّ اللسانيّ والعلاميّ أحمد الناوي بدري: الإحالي والجمالي، سورية، اللاذقية، دار الحوار، 2017، ط1، ص 116 وما بعدها.

[99]-الرواية، ص 241. والمثال حلّلناه في ما سبق من هذا البحث. انظر : ص 21.

[100]– المصدر نفسه 5. وانظر منه، ص ص 6، 8، 83، 129، 190، 191.

[101]– وهذا ما فصّل فيه الراوي صراحة في خطابه التعليقيّ. يقول: “وقد خطر لها مرّة، في العام الأول من معاشرته، أن تعلن نوعا من الاعتراض المؤدب على سهره التواصل فما كان منه إلا أن أمسك بأذنيها وقال لها بصوته الجهوري في لهجة حازمة: “أنا رجل، الآمر الناهي، لا أقبل على سلوكي أية ملاحظة، وما عليك إلا الطاعة، فحاذري أن تدفعيني إلى تأديبك” فتعلمت من هذا الدرس وغيره مما لحق به أنها تطيق كل شيء- حتى معاشرة العفاريت- إلا أن يحمر لها عين الغضب، فعليها الطاعة بلا قيد ولا شرط، وقد أطاعت، وتفانت في الطاعة حتى كرهت أن تلومه على سهره ولو في سرها، ووقر في نفسها أن الرجولة الحقة والاستبداد والسهر إلى ما بعد منتصف الليل صفات متلازمة لجوهر واحد”. المصدر نفسه: 8.

[102]– انظر المصدر نفسه، ص ص 27- 28.

[103]– Roland Barthes, Effet de réel, Op, Cit, P :84- 8  

 وهذا ما تحيل عليه نعومي شور. انظر: Naomi Schorlectures du détail, OP. Cit. P  :128.

[104]-انظر Roland Barthes, Effet de réel, Op, Cit, P :170 – 171.. وهذا ما تحيل عليه نعومي شور. انظر Naomi Schor, lectures du détail. OP. Cit. P  :128.

[105]– OP. Cit. P :128.

[106]– الرواية، ص ص 126- 127.  

[107]– للتوسّع في مفهوم الوحدة السرديّة الأساس والثانويّة أو الفرعيّة، انظر: Roland, Barthes, Introduction à l’analyse structurale du récit, Paris, in, Poétique du récit, éd, Seuil, 1977, P : 20.

وانظر كذلك: أحمد الناوي بدري، المنظور السردي في رباعية الخسوف لإبراهيم الكوني، رسالة ماجستير مرقونة، إشراف محمد مهدي الغزالي، كليّة التربية، جامعة قاريونس، 1999، ص: 26- 27.

[108]– الرواية، ص 129.

[109]– المصدر نفسه، ص 12.

[110]-Roland Barthes, Introduction à l’analyse structurale du récit, Op, cit,  P: 21.

وانظر كذلك: أحمد الناوي بدري، المنظور السردي في رباعية الخسوف لإبراهيم الكوني، مرجع مذكور، ص 27.

[111]– الرواية، ص ص 5- 6.

[112]– المصدر نفسه، ص 37.

[113]– المصدر نفسه، ص ص 6، 17 – 161- 162 – 163، 280.

[114]– المصدر نفسه، ص 356.

[115]– المصدر نفسه، ص 11.

[116]– المصدر نفسه، ص 189.

[117]– المصدر نفسه، ص 402.

[118]– المصدر نفسه، ص 67.

[119]– المصدر نفسه، ص 318.

[120]– أشرنا في بحثنا في التفاصيل في رواية زينب إلى انعدام التناسب بين التفاصيل في الرواية والسياق الذي تتنزّل فيه، وأنّه إذا وجد مثل هذا التناسب فإنّه يكون نادرا أو كالشذوذ عن القاعدة. انظر أحمد الناوي بدري: إنشائية التفاصيل في رواية زينب، مرجع مذكور.

2-وهذا من شروط الخطاب الواقعيّ وما تُبنى عليه جلّ عناصره الحكائيّة. انظر: أحمد الناوي بدري: أثر الإيديولوجيا في بناء الفاعل الذات في الرواية العربية، صفاقس، دار محمد علي الحامي، مخبر المناهج التأويليّة كليّة الآداب والعلوم الإنسانية، 2017. ص، 49 وما بعدها.

[122]-الرواية، ص ص 85- 86. 

[123]– المصدر نفسه، ص 405.

[124]– المصدر نفسه، ص ص 5- 6.

[125]– المصدر نفسه، ص ص 22- 23.

[126]– المصدر نفسه، ص 23.

[127]– انظر المصدر نفسه، ص ص 18- 19.

[128]– المصدر نفسه، ص ص 188- 189. وانظر منه كذلك: 141 ص ص ، 179، 85، 292، 293…

[129]– المصدر نفسه، ص 59.

[130]– المصدر نفسه،ـ ص 317.

[131]– المصدر نفسه، ص 94.

[132]– Philippe, Van Tieg : Le romantisme français, Op, Cit, P : 11.                      

وهذا ما نجده في ما يصرّح به بلزاك في ما يخصّ علاقة الفنّ بالعقل وبالقلب، إذ يقول:

L’art possède du cerveau et non du cœur » «   انظر:

Jean Rousset : Forme et signification, essai sur les structures littéraires de Corneille à Claudel, Librairie José Corti, Cérès édition, 1996, P : 8.

[133]– انظر المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

[134]-نشر الكتاب أخيرا في الأردن ولم نتمكّن إلى الآن من الحصول على نسخة منه.

 

 

المصادر والمراجع:

المصادر :

  1. محفوظ، نجيب: بين القصرين، مكتبة مصر (د.ت).

المراجع العربيّة:

  1. الباردي، محمد: تحوّل وظيفة التّفاصيل في الرّواية، مقال ملحق بكتاب: إنشائية التفاصيل في الرواية العربيّة، كتاب مخطوط وهو في أصله ندوة أقامتها جمعيّة مركز الرواية العربيّة بقابس بتاريخ: 14- 15- 16 أفريل 2017، جمع وتنسيق: محمد الباردي، تقديم: محمد بن محمد الخبو، مراجعة: أحمد الناوي بدري.
  2. بدري، أحمد الناوي: المنظور السردي في رباعية الخسوف لإبراهيم الكوني، رسالة ماجستير مرقونة، إشراف محمد مهدي الغزالي، كليّة التربية، جامعة قاريونس، 1999.
  3. بدري، أحمد الناوي: سرديات الراوي والروائيّ، اللاذقية، سورية، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط 1، 2016.
  4. بدري، أحمد الناوي: الإحالي والجمالي، ط1، دار الحوار، اللاذقية، سورية، 2017.
  5. بدري، أحمد الناوي: أثر الإيديولوجيا في بناء الفاعل الذات في الرواية العربية، صفاقس، دار محمد علي الحامي، مخبر المناهج التأويليّة كليّة الآداب والعلوم الإنسانية، 2017.
  6. بدري، أحمد الناوي: إنشائيّة التفاصيل في رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، مقال منشور في مجلة علامات (المغرب) عدد 49، سنة: 2018، ص ص: 101 – 120.
  7. بن البحري، عبد المجيد: بلاغة التّفاصيل في الرّواية التّونسية، بحث في “التفاصيل الميتاروائية”، (“بيروت ونهر الخيانات” لمحمد علي اليوسفي أنموذجا). مقال ضمن كتاب إنشائيّة التفاصيل في الرواية العربية، كتاب مخطوط وهو في أصله ندوة أقامتها جمعيّة مركز الرواية العربيّة بقابس بتاريخ: 14- 15- 16 أفريل 2017، جمع وتنسيق: محمد الباردي، تقديم: محمد بن محمد الخبو، مراجعة: أحمد الناوي بدري.
  8. بوطيب، عبد العالي: شعريـة التفاصيل بين الرواية الواقعيّة والرواية التجريبيّة، مقال ملحق بكتاب: إنشائية التفاصيل في الرواية العربيّة، كتاب مخطوط وهو في أصله ندوة أقامتها جمعيّة مركز الرواية العربيّة بقابس بتاريخ: 14- 15- 16 أفريل 2017، جمع وتنسيق: محمد الباردي، تقديم: محمد بن محمد الخبو، مراجعة: أحمد الناوي بدري.
  9. السماوي، أحمد: التفاصيل في قصص صنع الله إبراهيم: الظاهرة والوظيفة، مقال ملحق بكتاب إنشائيّة التفاصيل في الرواية العربية، كتاب مخطوط وهو في أصله ندوة أقامتها جمعيّة مركز الرواية العربيّة بقابس بتاريخ: 14- 15- 16 أفريل 2017، جمع وتنسيق: محمد الباردي، تقديم: محمد بن محمد الخبو، مراجعة: أحمد الناوي بدري[134].
  10. القاضي، محمد: معجم السرديات، مدخل: سرديّة، مؤلف جماعي، إشراف محمد القاضي، دار محمد علي الحامي، تونس، 2010.

المراجع الأجنبيّة:

  1. Adam, J, M, et Petitjean : Le texte descriptif : Poétique historique et linguistique textuelle, Paris, Nathan, 1989.
  2. Barthes, Roland : Introduction à l’analyse structurale du récit, in, Poétique du récit, Paris, éd, Seuil, 1977.
  3. Barthes, Roland : L’effet de réel, in, Littérature et réalité, Paris, éd, Seuil, 1982.
  4. Ducrot, Oswald et T. Todorov : Dictionnaire encyclopédique du langage, Paris, éd, Seuil, 1972.
  5. Genette, Gérard : Figures III, Paris, éd, Seuil, 1972.
  6. Hamon, Philippe: Un discours contraint, in, Littérature et réalité, Paris, éd, Seuil, 1971.
  7. Hamon, Philippe : Introduction à l’analyse du descriptif. Paris, Hachette. 1981.
  8. Kerbrat-Orecchioni, Catherine : L’énonciation. De la subjectivité dans la langage. Paris, Librairie Armand Colin. 1980. 
  9. Naomi, Schor: lectures du détail. Traduction de Luce Camus. Paris, Nathan. 2éd 1994.
  10. Rousset, Jean : Forme et signification, essai sur les structures littéraires de Corneille à Claudel, Librairie José Corti, 1963, Céres édition 1996.
  11. Van Tieg, Philippe : Le romantisme français, Que je sais ? Collection encyclopédique, , Presses Universitaires de France, 15 éd 1996.

 

مقالات أخرى

هلْ أنجز التنوير وَعْدَهُ؟

البيداغوجيا النقدية في سوسيولوجيا النقيب

تعدّد الطّرق الصّوفيّة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد