المثقف: الوظيفة والتفاعل مع الواقع

مقدمة 

تعتبر قضية المثقف من القضايا الهامة جدا ومن الموضوعات القلقة على المستوي المحلي والإقليمي في أغلب بلدان العالم، وتكمن أهميتها في الدور الذي يلعبه المثقف في التنمية الثقافية ورفع منسوب الوعي الفردي والاجتماعي، وبالتالي تأثيره على أنماط التفكير الإجتماعي ودوره البارز في إحداث تغييرات فيها، قادرة على كسر الأطر التي تم تنميط المجتمع والشعوب عليها، وفي ذات الوقت رافدا معرفيا وقيميا في مواجهة كل محاولات الاستلاب والاغتراب, هذا فضلا عن خطورة دوره فيما لو استغل ما يملكه من سلطة علم ومعرفة في تسخير وعي الناس لصالح السلطة أي كان شكلها، أو لتسخيرها في سبيل تحقيق مصالحه وإنجاز طموحاته تحت شعار الثقافة.

وقد طرحت هذه القضية في العالم بعد نهاية العصور الوسطى[1]، ومنذ القرن السابع عشر تشكلت في أوروبا طائفة تسمي شريحة المثقفين، وبعد القرن التاسع عشر أخذت الطائفة تشق طريقها إلى الدول غير الأوروبية من إفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية، وذلك باسمها وخصائصها وسماتها التي تشكلت بها في أوروبا[2]. وقد عرفت هذه الطبقة بطبقة المنشغلين بالفكر بالمعنى الأخص، لأن الانشغال بالفكر سمة ليست خاصة في ذلك القرن بطبقة المثقفين، بل كانت الكنيسة ورجالاتها لها انشغالات فكرية ودينية وروحية، بل الانشغالات الفكرية سمة كثير من الكتاب والمعلمين وغيرهم من الذين يزاولون أعمالا فكرية، لكن المعني الأخص هنا المقصود به، الطبقة الخاصة التي تسيطر على المجتمع البشري في العالم، وهي طبقة ظهرت في القرون الوسطى في مواجهة علماء الدين الذين كانوا يسيطرون على العلوم في التعليم والتعلم، ويعتبرون المرجعية العلمية الوحيدة التي تترشح عنها العلوم والمعارف، إذ منعت الكنيسة غير منتسبيها في تدريس الإنجيل وقراءته وفي توجيه العلوم والمعارف، وقد درس أفراد هذه الطبقة العلوم الجديدة والفلسفة الجديدة بعيدا عن المدارس الدينية ومراكز العلوم القديمة، وقاموا بذلك بالرغم من علماء المذهب الكاثوليكي وإرادتهم في مدارس وجامعات غير دينية تعادي الكنيسة، ثم بدؤوا بالدعوة لفكر جديد، وجعلوا العلم في خدمة الحياة، ثم دخل هذا العلم ـ الذي يختلف عن العلوم التي روجت للدين ـ إلى المجتمع[3].

تتشكل الطبقة في علم الاجتماع عندما تظهر مجموعة ما لا بأس في كمها، تشترك في الهموم والمهام، وفي الآفاق والأهداف، وتظهر في بنية المجتمع ككل، ثم تبدأ بالانتشار وإن تدريجيا، وتنشأ الطبقة كنوع من التفاعل مع الظروف المحيطة الواقعية، والحاجات الحقيقية التي نتجت من التفاعل مع الأحداث، والمحيط الاجتماعي وحينما تشترك مجموعة بنفس الهموم والتوجهات والاشتغالات المعرفية، لذلك طبقة المثقفين في أوروبا نشأت وفق ظروف تاريخية اجتماعية خاصة فيها، جاءت نتيجة تفاعلاتها مع المحيط وظروفه، وتميزت نتيجة هذا التفاعل بخصائص فكرية، وتجارب واقعية شكلت وجدانها، ومنظومتها الفكرية.

ظهور المثقف في المجتمعات الشرقية والإسلامية:

يشير جان بول سارتر[4](١٩٠٥ ـ ١٩٨٠) في مقدمة كتابه “المنبوذون في الأرض” إلى أسلوب صناعة المثقف الشرقي في الغرب ومجال استخدامه قائلا: كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام ولندن النرويج وبلجيكا وباريس، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الإجتماعية الجديدة ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو والاستقبال والاستدبار، ويتعلمون لغاتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا ندبر لبعضهم أحيانا زيجة أوروبية، ثم نلقنهم أسلوب الحياة ضمن أثاث جديد، وطراز جديد من الزينة، واستهلاك أوروبي جديد وغذاء أوروبي، كنا نوحي ونلهم في أعماق قلوبهم الرغبة في تغريب بلادهم ثم نرسلهم إلى بلادهم، وأي بلاد؟ بلاد كانت أبوابها مغلقة دائما في وجوهنا، لم نكن نجذ منفذا إليها، كنا بالنسبة لها رجسا ونجسا وجنا، كنا أعداء يخافون منا وكأنهم همج لم يعرفوا بشرا. لكننا بمحض أن أرسلنا المثقفين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا بمجرد أن نصيح من أمستردام أو برلين أو بلجيكا أو باريس، قائلين: الإخاء البشري، نرى أن رجع أصواتنا يرتد من آقاصي أفريقيا أو فج من الشرق الأوسط أو الأدنى أو الأقصى أو شمال أفريقيا، كنا نقول ( الإخاء البشري) وكانت (… البشري) ترتد من الطرف الآخر، كنا نقول: ( ليحل المذهب الإنساني أو دين الإنسانية محل الأديان المختلفة) وكانوا يردوون ( … المختلفة) تماما مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض، هذه أصواتنا من أفواههم، وحينما كنا نصمت، كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضا، وحينما كنا نتحدث كنا نسمع انعكاسا صادقا وأمينا لأصواتنا من الحلوق التي صنعناها، ثم أننا كنا واثقين من أن هؤلاء المثقفين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها.” وهذه الإطلالة هي فقط للتمييز بين المثقف الأصيل والمثقف المُقَلِّد.

 التعريف:

التاريخ الإنساني غني بالمصطلحات والتعريفات لألفاظ كثيرة، بعضها مشترك في اللفظ وبعضها مشترك في المعنى، وغيرها متباين في كليهما. وكانت لفظتي الثقافة والمثقف من الألفاظ التي شغلت المفكرين، خاصة بعد العصور الوسطى التي ثار فيها مثقفوا الغرب ومستنيروها على ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية خاصة بهم. ومازالت هذه الألفاظ تشغل المفكرين إلى يومنا هذا, وكانت أيضا للنخب في الوطن العربي والإسلامي انشغالات في هذا الصدد، لكن في العقود الأخيرة غلب عليها طابع الانشغال الاستنساخي، أكثر منه انشغالا إنتاجيا مستقلا. خاصة فيما يتعلق بمفاهيم غنية ومهمة كمفهومي الثقافة والمثقف، فحينما نستهلك مصطلحات وتعريفات الآخر دون أن ننظر للبناء الفكري والوعاء الزمكاني(الزمان والمكان) الذي انطلقت منه هذه المفاهيم، فإننا بذلك نستنسخ ما لدى الغربيين استنساخا تجريديا لهذه المفاهيم، ونزرعها كثمرة في داخل عمقنا المفاهيمي والثقافي، أي في تربة مختلفة بيئيا وتكوينيا عنها، دون أن نفجر ما فيها من ألغام مفاهيمية، أو دون أن نعيد صياغتها وفق هويتنا الخاصة مفاهيميا، لننتج إرثنا المفاهيمي الفكري المستقل والمتناسب مع راهننا وقاعدتنا المعرفية والفكرية، مما يؤدي إلى خلط مفاهيمي وفكري يؤثر على توجه الثقافة العامة لدى النخب والجماهير، وتؤثر على هوية ووظيفة المثقف، وتغير أهدافها بل أدواتها ومنهجها، وبالتالي نقع في مستنقعات فقدان الهوية والذات.

“فالمصطلحات والألفاظ ذات الدلالة الاصطلاحية هي ميراث لكل الملل والمذاهب والحضارات، ولجميع ألوان المعرفة ونظرياتها، ولكل بني الإنسان. ولكن إذا نظرنا إلى أي مصطلح من المصطلحات باعتباره “وعاء” يوضع فيه “مضمون” من المضامين، وبحسبانه “أداة” تحمل “رسالة المعنى” فسنجد صلاح وصلاحية الكثير من المصطلحات والألفاظ الاصطلاحية لأداء دور “الأوعية و “الأدوات” على امتداد الحضارات المختلفة، والأنساق الفكرية المتعددة والعقائد والمذهبيات المتميزة يمكننا هنا أن نكون حقا أما المعنى الدقيق والصادق لهذه العبارة ـ عبارة “لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات”.. ولكن لو نظرنا للألفاظ والمصطلحات من زاوية “المضامين” التي توضع في أوعيتها، من حيث “الرسائل الفكرية” التي حملتها “الأدوات والمصطلحات” فسنكون بحاجة ـ وحاجة ماسة شديدةـ إلى ضبط معنى هذه العبارة، وتقييد إطلاقها، وتحديد نطاق الصلاح والصلاحية التي يشيع عمومها من عموم ما تحمل الألفاظ.. وهنا سنجد أنفسنا بإزاء العديد من المصطلحات، أمام “أوعية” عامة و “أدوات” مشتركة بين الحضارات والأنساق الفكرية والعقدية والمذهبية، وفي ذات الوقت أمام “مضامين” خاصة، و “رسائل” متميزة تختلف فيها، وتتميز بها هذه “الأوعية” العامة و “الأدوات” المشتركة لدى أهل كل حضارة من الحضارات المتميزة، وعند كل نسق ومذهب أو عقيدة من الأنساق الفكرية والمذاهب الاجتماعية والعقائد الدينية، خاصة منها تلك التي امتلكت وتمتلك من السمات الخاصة والقسمات المميزة ما جعلها ذات مذهبية خاصة وطابع خاص..”[5].

 ولعل الثقافة والمثقف من المفاهيم المحورية في الحياة الإنسانية، والتي لها تأثير كبير ومؤثر في وعي الإنسان في كل مناحي الحياة. ولأهمية هذان المفهومان وخصوصيتهما المحورية في حياة الإنسان، فلابد من الاهتمام بهما خاصة في عصرنا هذا وهو عصر العولمة على كافة المستويات، ومنها العولمة الفكرية والمفاهيمية، رغم ما تعرضت له الثقافة الغربية من انهزامات وانتكاسات بين فينة وأخرى، وما تتعرض له اليوم أيضا من مراجعات نقدية، مع أننا لا يمكننا أن ننكر ما للغرب من أسبقية في كثير من المفاهيم الإيجابية التي تتناسب وبناءنا الفكري والإنساني من جهة، ومن جهة أخرى أرى أن السباق الغربي الفكري كان دافعا لكثير من مفكرينا الإسلاميين المعتدلين، ليواجهوا ويحاوروا ويسلطوا الضوء على الكثير من الأفكار الغربية، ويعيدوا بناءها من جديد على أسسنا الفكرية للمعرفة، مما أثرى السباق الفكري بينهما.

لذلك نحن لا نستطيع أن ننظر للفكر الغربي على أنه شر مطلق، ولا على أنه خير محض، بل علينا أن ننظر له بعين الناقد المتمكن الذي يقف على أرض فكرية غنية قادرة على التجريد، وإعادة الصياغة والبناء وفق أسس معرفية سليمة لا مادية محضة ولا معنوية محضة، بل تجمع بين البعدين المادي والمعنوي، فالتجربة البشرية غنية بالمعارف وهي أحد مصادرها. ومن هذا المنطلق سنكون معنيين بتسليط الضوء على مفهوم مهم في الحياة الإنسانية هما الثقافة والمثقف، لما لهما من الأثر الكبير في وعي المجتمع ورقيه وبناءه الفكري والثقافي، ونقله إلى حواضن الأجيال القادمة بصورة قادرة على حفظ الثابت الأصيل، وبناء المتغير على أسس تهتم بالوعاء الزمكاني لأي إرث ثقافي متوراث، فترسخ الثابت في أرض خصبة، وتبني المتغير على أسس عصرية متينة لتستمر مسيرة الإنسانية نحو التطور والتنمية على كافة المستويات.

والمثقف في اللغة الفرنسية clairvoyant ومعناها بعيد النظر المستنير أي كما يشرحها الدكتور شريعتي[6] هو الذي لا يتصف بالتقيد والتوقف ولا يفكر بجمود عقائدي, بل يفكر بوضوح وسعة أفق ويميز عصره والأرض التي يقف عليها، وموقع البلد الذي ينتمي إليه والمشاكل التي تطرح في مجتمعه ويستطيع تحليلها وتقديم الأدلة لها وإفهامها للآخرين. فرسالة المثقف هي الأخذ بيد الناس والارتقاء بالمستوى الثقافي للمجتمع.

فللثقافة تعريفات كثيرة منها:

1.(الثقافة هي المخزون الحي في الذاكرة، كمركب كلي ونمو تراكمي.. مكون من مُحَصِّلة العلوم، والمعارف، والأفكار، والمعتقدات، والفنون، والآداب، والأخلاق، والقوانين، والأعراف، والتقاليد، والمدركات الذهنية والحسية، والموروثات التاريخية، واللغوية، والبيئية.. التي تصوغ فكر الإنسان وتمنحه الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تصوغ سلوكه العملي في الحياة..). هكذا عرف الأستاذ إبراهيم جواد (الثقافة).

  1. تعريف تايلور (١٨٣٢ ـ ١٩١٧): (الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع).[7]

يعلق الدكتور معن زيادة على هذا التعريف بقوله: (على ضوء الدراسات المستجدة أصبح بمقدورنا أن نأخذ على تعريف تايلور عموميته وطابعه الوصفي، وإهماله حركية وديناميكية الظاهرة الثقافية، إضافة إلى إهماله العلاقة بين الثقافة والمجتمع البشري الحامل لتلك الثقافة من جهة والبيئة أو المحيط الخاص بتلك الثقافة من جهة أخرى)[8].

  1. تعريف كوينسي رايت (١٨٩٠ ـ ١٩٧٠): الثقافة هي النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب، يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية)[9].

ويعلق الدكتور زيادة على هذا التعريف بقوله: (إن تعريف رايت لم يتمكن من التخلص كلية من الطابع الوصفي الذي أخذ على تعريف تايلور، كما أنه لا يتضمن الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في توجيه سلوك الإنسان، وبالتالي لا يتضمن دور الثقافة في صنع حاضر الإنسان ومستقبله)[10].

  1. تعريف مالينوفسكي (١٨٨٤ ـ ١٩٤٢): (الثقافة هي جهاز فعال ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل، وضع يواكب المشاكل والطروح الخاصة التي تواجه الإنسان في هذا المجتمع أو ذاك في بيئته وفي سياق تلبيته لحاجاته الأساسية)[11].

 5.تعريف غوستان فون غرونبوم ( ١٩٠٩ ـ ١٩٧٢): وهناك تعريفات أخرى مثل (أن الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجرى حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة) ومن هذا القبيل تعريف غوستاف فون غرونيوم في مطلع كتابه عن هوية الإسلام الثقافية الصادر في باريس عام 1973 حيث يقول عن الثقافة أنها (نظام مغلق من الأسئلة والأجوبة، المتعلقة بالكون وبالسلوك الإنساني)[12].

وهذه التعريفات كلها تبرز بشكل واضح أهمية العقيدة ودور الدين في صنع الثقافة وتوجيه سلوك الإنسان. هذه التعريفات عند المفكرين الغربيين فبماذا عرفت الثقافة عند العرب؟

  1. يقول الدكتور عبد الكريم عثمان: (الثقافة في اللغة العربية تعني الحذق والفهم، والتثقيف بمعنى التشذيب والتهذيب والتقويم والحذق والفطانة، وقد عرفت المعاجم الحديثة للغة العربية هذه الكلمة بأنها العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق). (25)
  2. مالك بن نبي (١٩٠٥ ـ ١٩٧٣م) يعرف الثقافة في كتابه (مشكلة الثقافة) فيقول إنها (مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه). (26)

 ويعرف الدكتور علي شريعتي[13](١٩٣٣ ـ ١٩٧٧م) مفهوم المثقف بتعريفات كثيرة أهمها:

التعريف الأول: المثقف، وبكلمة واحدة، هو الذي يمتلك وعيا ذاتيا إزاء وضعه الإنساني في الزمان والماكن التاريخي والاجتماعي الذي يعيشه، وهذا الوعي الذاتي يمنحه،جبرا وضرورة، الشعور بالمسؤولية[14].

التعريف الثاني: يحمل المثقف، من أي اتجاه كان، في أي مرحلة تحول ثقافية واجتماعية لأي مجتمع رؤية نقدية. والمقصود بهذه العبارة زنه يكون ناقما على الأوضاع السائدة، وفي الوقت نفسه، يسعى لتغييرها بما يعتقده مطلوبا[15].

ويقصد بالمثقف تارة من له عمل فكري في قبال الأعمال اليدوية، وهو بهذا يشمل أهل الاختصاص وغيرهم من ذوي الاهتمام بالقضايا العلمية والمعرفية. كما يقصد به تارة ثانية، ذلك الذي يحمل معارف وعلوما ذات علاقة بقضايا المجتمع العامة[16].

الفيلسوف الأمريكي المعاصر، نعوم تشومسكي، المناهض لسياسة الإدارة الأمريكية الخارجية، يرى أن “المثقف هو من حمل الحقيقة في وجه القوة”.

ويشتق مفهوم المثقف من مصطلح الثقافة، والأخير ينتمي إلى ذات الحقل الدلالي الذي ينتمي إليه مفهوم الحضارة، ولكن الثقافة مرتبطة بالدور الفردي، في حين أن الحضارة مرتبطة بالدور الجماعي الأممي[17].

وتأثر المثقفين بالفكر الغربي في كثير من القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية، فأخذوا كثير من المفاهيم الغربية أخذ المسلمات، دون أن ينتبهوا إلى القاعدة الفلسفية والفكرية التي انطلقت منها تلك المفاهيم، ليميزوا بينها وبين قاعدتنا الفكرية سواء على مستوى الهوية العربية أو الإسلامية, بل هم عمدوا إلى إسقاط تلك المفاهيم ومحمولاتها الغربية على واقعنا المشابه ظاهريا في بعض جوانبه لواقع العصر الكنسي، والمختلف في بناه المعرفية لما لدينا، وكانت من آثار هذا الخلط أخذ المسلمات هو المطالبات الحثيثة من أغلبهم لنبذ ورفض كل تراثنا الثابت منه والمتغير، وهذه الانتفاضة الرافضة لكل التراث بحجة رفض الماضوية والعيش في الماضي، وضرورة المعاصرة، أدت إلى فقدان مكونات آساسية في الهوية واستلاب الذات, ودفعت وفق قانون الفعل ورد الفعل إلى ردود فعل متطرفة من أطراف تنظر للغرب كشر مطلق، لتحافظ على التراث الثابت وتبقي المتغير على ما هو عليه، وكأنه مقدس كقداسة الثابت المطلق، وهي ردود فعل إنسانية طبيعية حينما يُمارَس ضد هوية الإنسان نفيا وإقصاء، ومحاولة ردم ماضيه كله والذي يشكل له عمقه الوجودي، فتكون النتيجة رفض التغيير مطلقا وانكفاء على الذات خوفا على الوجود الممتد من الماضي إلى الراهن إلي المستقبل.

ويؤكد محمد أركون (١٩٢٨ ـ ٢٠١٠ م) مسألة الصراع في مفهومه للثقافة في قوله: إن الثقافة تعني كل التيارات الإيديولوجية التي تخترق مجتمعاتنا بعنف، وخصوصا من العام ١٩٥٠م وما بعد، وهذا العنف الإيديولوجي ليس فقط عبارة عن نتاج داخلي لهذه المجتمعات، وإنما هو بالأصل يمثل الإنتاج الجدلي في خط الرجعة لتلك الصدمة العنيفة التي فرضتها الهيمنة الاستعمارية، ثم هيمنة الحضارة المادية التي تلتها، ولهذا السبب، فإن هذه المجتمعات تجد نفسها منشطرة لأن تعبر عن نفسها، كما تستطيع من خلال اللغة الدينية المتوافرة لديها”[18].

 ولكن هذا لا يعني أبدا أن الوضع القائم كله بهذه الصورة، بل هناك تدافع بين طبقة المثقفين حول موضوع المعاصرة بعد العولمة، وعادة التدافع حول موضوع بذاته يكون خط التدافع فيه بين الإفراط والتفريط مدة من الزمن، ثم تتبلور المفاهيم ليبدأ خط الاعتدال يشق طريقه إلى العقل، ولكن خلال هذه المسيرة التدافعية تكون هناك خسائر معرفية كردود الفعل العنيفة بين الرفض المطلق والقبول المطلق معرفيا، وهو ما يكون فيه وعي الجمهور غالبا ضحية هذا التدافع، ولكن غالبا ما يكون التعقل والاعتدال سيد الموقف، فهناك مثقفون يعيدون الأمور إلى نصابها المعتدل، يطرحون الفكر الإسلامي المعتدل ضمن برنامج مدروس ورؤى وأهداف استراتيجية قريبة وبعيدة المدى، وقادرة على أن تخاطب كافة المستويات الفكرية والثقافية.

هذه الرؤى تحمل في استراتيجياتها و أهدافها المثقف ورسالته بلغة إسلامية إنسانية معتدلة، ليس بمعنى أنسنة الدين وأنسنة الله، بل بمعنى تَأَلُّه هذا الإنسان بجامعية بين البعد السماوى والبعد الأرضي، فتصبح قيم السماء قيم أرضية حياتية تهذب فيها الصفات البشرية بصفات وقيم الله, والدور الكبير الذي يلعبه وسيلعبه هؤلاء في نشر تلك الرسالة والقادرة على مخاطبة الغرب ومحاورته بطريقة علمية هادفة وراقية، دون إلغاء أو تهميش للآخر سواء الآخر الغربي، أو الآخر المختلف من داخل جسد المثقفين الذين إما قبلوا كل الأفكار أو رفضوها كلها، حيث استفادوا من تلك الآراء ليخرجوا برأي معتدل بعيد عن الإفراط والتفريط، وهذا هو التدافع النافع في المعرفة، بل لعبوا أيضا في طرح الفكر الإسلامي الإصلاحي المستنير والمعتدل والهادف، وعصرنة الخطاب الديني وبلورته وفق رؤى تحافظ على الثابت وتجعل من المتغير نتاجا فكريا قادرا على مواكبة الزمان والمكان، وطرح الإسلام بحلة جديدة تجرده من كل ما هو تقليدي غير ديني وكل ما هو متشدد, وتتلاقح مع الأفكار القادمة إلينا على أساس التكامل لا على أساس الاندماج والانصهار أو التنافر والإلغاء.

ما يملكه هؤلاء من حصانه فكرية متينة كفيلة بأن تمكنهم من غربلة الأفكار وتفجير الألغام في حقل المفاهيم الغربية، وإعادة بناء وصياغة تلك المفاهيم و إنتاج مفاهيم خاصة بنا على أسس ثابتة و قيمية تنتهج خط الإعتدال الحقيقي، في طريق الإنسانية والفكر الإنساني والإنتاج المعرفي الأصيل. وهناك أيضا مراكز بحثية دراسية تنتهج هذا المسلك المعتدل معرفيا، بل من المؤكد أن هناك مراكز فكرية وثقافية تحمل هذا الهم، مما يعطينا أملا كبيرا في أن تبصر أجيالنا القادمة النور في عتمة الظلمة الفكرية والثقافية التي تهيمن على عصرنا وتفقدنا هويتنا وأصالتنا وذاتنا, بل يحقق تطلعاتنا في بناء جسر ثقافي بين الغرب والشرق ليتعرف على حقيقة الإسلام وواقعه المنير.

فأغلب المفاهيم المتعلقة بالعلوم الإنسانية كالحقوق والواجبات، والمساواة، والحريات، وجدليات نظام الحكم الأمثل، وغيرها من القضايا التي شغلت المجتمعات العربية والإسلامية في الآونة الأخيرة، كانت ساحة نزال قوية من حيث بناء المفاهيم بين المثقفين من كافة المشارب الفكرية والدينية، وخاضت مخاضات كبيرة في سبيل تظهير تلك المفاهيم تظهيرا أقرب لواقعنا، وظهرت في هذه المعارك الفكرية نسبة اختراق الجسد الثقافي للأمة وللشعوب من قبل الأفكار الغربية عبر رياح العولمة، بل كشفت اللثام عن حجم تأثر المثقفين في منطقتنا بالغرب ومنتجه المعرفي.

المثقف بين السلطة والنهضة:

بعد معرفة أهمية العلم والمعرفة، والعمل على وعي المجتمعات لنهضتها، يأتي السؤال هنا: على من تقع مسؤولية النهوض بوعي الناس؟

وبما أن المسألة متعلقة بالوعي فإنها تلقائيا تصرف الذهن إلى المثقف من حيث الماهية والوظيفة، وعلاقاته سواء مع السلطة السياسية أو المؤسسة الدينية أو الجمهور.

وهذا لا يعني حصرها بالمثقف، لكنه يعني أن المثقف محورها، لدوره الوسيط بين الجمهور والسلطة السياسية والمؤسسة الدينية، فعملية الوعي ليست أحادية المصدر والمنهج، لأن عقل الإنسان قابل للتوسع والتشعب معرفيا وعلميا، والإنسان قابل للتكيف والتطور، هذا فضلا عن التعقيدات الحياتية التي تتزايد كلما مضينا قدما في الحياة، والتي تتطلب بشكل دائم فتوحات معرفية وعلمية، وتطوير المناهج والأدوات، بل تتطلب تثاقفا بين المؤسسات الدينية والنخبة المثقفة في الشرق مع مثيلاتها في الغرب، بعيدا عن الصراعات السياسية بين الدول.

 فطالما كانت الصراعات السياسية يدور قطب رحاها بين دول عظمى ولكن هذا لم يمنع المثقفين والنخب في تلك الدول المتعادية أن تستفيد من ما تقدمه بعضها في المجال العلمي والمعرفي، فالاستفادة العلمية والمعرفية هي سبق يستفيد منه حتى السياسيون في معاركهم، ولأن مصالح الناس متعلقة بشكل رئيس على وعيها وإدراكها لحقوقها وواقعها، وقدرتها على تشخيص الأصلح، لذلك الموضوع يتطلب تظافر جهود المخلصين، وخاصة من طبقة النخبة المثقفة، التي حملت على عاتقها التصدي والعمل الرسالي والإنساني، ومواجهة كل التحديات لأجل الصالح العام، والارتقاء بوعي الناس.

وفي ظل وجود أنظمة مستبدة وسلطوية أو شبه سلطوية، يصبح لزاما التعاون بين النخبة المثقفة والمؤسسة الدينية ومؤسسات المجتمع الأهلي، لمواجهة محاولات استعباد الناس وسلبهم حقوقهم و ثرواتهم، ومقدراتهم، وسرقتها وبيعها بالرخيص للقوى الكبرى، فيختل ميزان العدالة، ويصبح هناك سيد وعبد، وهو خلاف إرادة الله تعالى في تحرير الناس من كل العبوديات سواه، وتحقيق العدالة في الأرض.

“لقد أدركها التنويريين الفرنسيون الكبار، لقد حلّوا لغز التناقض الحضاري والتاريخي بين الحداثة والتنوير من جهة والهوية والانتماء من جهة ثانية. فالاقتداء الحضاري والفكري والعلمي بأمّة متقدّمة أو حضارة متقدّمة لا يلغي أبداً العداء السياسي لها والالتزام الوطني والقومي ضدها، وهذا هو بالضبط الموقف الذي اتخذه التنويريين الفرنسيون إزاء التفوق الحضاري الإنكليزي.

إنه ذلك الحل الجدلي الاستثنائي لعلاقة الحداثة والهوية، الجمع الجدلي الذي على إثره «كان النور…» فترتبت واحدة من أعظم الثورات في التاريخ الأوروبي الحديث الثورة الفرنسية. إن كل الأمم التي تمكّنت من عبور منصة الحضارة والدخول في ركب العصر الحديث لا بد لها أولاً من أن تكون قد حلت هذه الجدلية مقدَّماً. والفكر العربي المعاصر لا يزال واقفاً حائراً أمامها إلى اليوم. فعلى المستوى الفكري العربي العام نصطدم اليوم بالتيارين الكبيرين المقتسمين للساحة الفكرية والسياسية. التيار الأول هو التيار المتبنّي لقيم الحداثة الغربية من الليبراليين والعلمانيين الذين يجدون في انتمائهم إلى الغرب انتماءً كاملاً تامّاً لا يقتصر على الفكر وحسب، بل يمتد إلى التأييد السياسي الذي سيترجم في أغلب حالاته إلى الخيانة الوطنية، والولاء للمشاريع الاستعمارية والخضوع والرضوخ للمطامع الإمبريالية في عالمنا العربي والعمالة لها. إنهم أصحاب نظرية «الصفر الاستعماري» ورواد المنظمات والجمعيات والمراكز الأميركية والأوروبية والليبراليون والحقوقيون… إلخ الذين يجدون أن كل ما يأتي من الغرب حضاري وتقدمي. خطط البنك الدولي والقواعد الأجنبية والتدخلات والإملاءات وخروقات السيادات الوطنية، بل حتى الغزو المسلّح، تقع عندهم ضمن إطار الدور الحضاري والتمديني المبارك للغرب. وتماشياً مع المنطق الضحل هذا، يكون الموقف الاستهزائي واللامبالي لانتمائنا الحضاري التاريخي العربي والإسلامي الذي عندهم يجب تنسيقه كله بوصفه إرثاً رثّاً لا يستحق أكثر من نظرة ازدراء! فتكون الخلاصة في وصفة تغريبية لا تمتّ إلى الحداثة بصلة، فاشلة وتتضمن ضياعاً مؤكداً شاملاً على المستوى الوطني والاجتماعي والثقافي قد كنا وما زلنا نختبره على أكثر من صعيد في واقعنا العربي المعاصر. التيار الثاني الكبير الذي يحتل الجزء الآخر من ساحة الفكر العربي الحديث لا يختلف عن التيار السابق في حقيقة «رميه للطفل مع الأقماط الوسخة» … فبحجّة معاداة الاستعمار ونزعته التوسعية والاحتلالية وميوله الإمبريالية والإمبراطورية، يعادى كل ما هو قادم من الغرب) وصولاً في بعض الحالات المتطرفة إلى رفض حتى منتجاته التقنية) جملة وتفصيلاً. ليس معاداة سياسية فقط، بل حضارية وفكرية عبر التفافة متطرّفة ومتقوقعة نحو الذات والهوية ثم الانغلاق والتمترس فيها لتغدو فخاً وسداً يعوق أي نوع من أنواع التقدم والتحرر.

إنها تيارات الأصولية السياسية وأحزاب الإسلام السياسي بمختلف تلويناتها وأحزابها وتشعباتها. أي فكر نقدي وأي تحرّر يغدو خيانة، وكلّ ما يجب أن يكون قد كان وانتهى، وما علينا نحن أبناء هذا العصر اليوم إلا الاستمرار في المضي على نهج السلف الصالح ومكافحة البدع وهجاء الغرب مع متابعة حملات ردح مدح الذات والإعجاب بها. وليغدُ التراث والماضي والإرث مصدر الحكمة والصلاح والعلم الوحيد ولا حاجة إلى مزيد. إنه توجه نعي الأمة بأنها قد بلغت كفافها وانتهينا. ومع ذخيرة وعتاد فكري على هذه الدرجة من الضعف والضحالة لا تكون وسائل هذا التيار في مواجهة الغرب في نزعاته الاستعمارية إلا ضعيفة عاجزة ومشوّهة تعجز، كما هو واضح، في مواجهة أي من المشاريع العسكرية والغربية في أي ساحة من الساحات عربية، لنكون قد خسرنا الحداثة والهوية في آن واحد.

تقف مسألة الحداثة والهوية اليوم في العالم العربي على مفترق طرق، والحلّ يعني أولاً التمييز بين الموقف السياسي والموقف الفكري، حيث يكون الأول ملتزماً، أما الثاني، فيكون منفتحاً نحو آفاق تتجاوز الحدود والهويات.”[19]

فكلمة مثقف كما أسلفنا عرفها الدكتور علي شريعتي[20]: “تعني بعيد النظر أو مستنير، وتعني ذلك الذي لا يتصف بالتقيد والتوقف ولا يفكر بجمود عقائدي، بل يفكر بوضوح وسعة أفق، ويميز عصره والأرض التي يقف عليها، وموقع البلد الذي ينتمي إليه والمشاكل التي تطرح في مجتمعه ويستطيع تحليلها وتقديم الحلول لها”.ومن يدرك عصره وزمانه ويتفهم ما يجري حوله من أحداث وله إطلالة على السنن التاريخية, وقدرة على تشخيص وتمييز المشاكل الحقيقية التي تؤثر في مصير المجتمع من المشاكل الوهمية التي تدخل المجتمع في مزيد من الحيرة والجهل، ويكون فاعلا في الميدان، يمتلك رؤية منصفة وموضوعية وواضحة ثقافيا وعلميا ودينيا، هو من المثقفين.

وظيفة المثقف:

أنظونيو غرامشي (١٨٩١ ـ ١٩٣٧م). وهو المناضل والصحافي الذي سجنه موسيليني عامي ١٩٢٦ و١٩٣٧، كتب في دفاتر السجن: أن بإمكان المرء القول “إن كل الناس مثقفون، ولكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا دور ووظيفة المثقف في المجتمع”[21]

ويلعب المثقف دورا محوريا في حركة النهضة والتنمية الثقافية والاجتماعية على المستوى الفكري في المجتمع، ويمكن أن نلخص أهم أدوار للمثقف[22] بالتالي:

١. التنمية الثقافية والعلمية والفكرية، ولا يكون ذلك بعيدا عن قابلية المجتمع وإشكالياته العالقة، بل تكون التنمية والنهضة خارجة في هيكليتها العامة ومحتواها وأدواتها من حاجة المجتمع، بمعنى أن الاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى ليس ممنوعا، بل يجب أن يكون وفق أسس أهمها دراسة الفارق الاجتماعي الثقافي والمعرفي، ودراسة فارق الإشكاليات الموجودة من مجتمع إلى آخر، فلا يمكن للمثقف أن يقوم بطرح إشكالية اطلع عليها في مجتمعات أخرى، وطرحها في مجتمعه وهي لا تشكل إشكالية حقيقية في هذا المجتمع، أو أنها تقع ضمن سياقات الأسبقيات المعرفية لمجتمعات دون مجتمعات، فلا يكترث لها المجتمع، بل على المثقف أن يفهم محيطه ويدرك أهم إشكالياته المعرفية والثقافية، ويضع لها حلولا تتناسب وقابلية المجتمع الثقافية والمعرفية، دون أن يكرس ما يرغب به الجمهور، بل أن يبلور رؤيته النهضوية من واقعه الاجتماعي لينهض به.

٢. يلعب المثقف دورا هاما في عملية التغيير والاصلاح في المجتمع، وهو ما يعني انخراطه في واقع المجتمع، فهو” ليس ثمرة البناء الفوقي والفرعي الذي تبلور نتيجة لحتمية النظام الاقتصادي والبناء التحتي للإنتاج، بل المثقف عامل ومسبب يحمل على عاتقه رسالة متغيرة، بناءة وهادية في التاريخ.[23]

حيث تكون حركته في التغيير لا تقتصر على الزمن الذي يحيا به، بل تكون لديه نظرة آنية في أفق النظرة الاستراتيجية التاريخية الملهمة للأجيال.

٣. لا يقتصر عمل المثقف على البناء التحتي والفوقي الثقافي والفكري، بل يحمل هم الفقراء في مجتمعه فالفقر معيق غالبا للمعرفة، بل هو أحد أهم معوقات العلم، ويملك لهم رؤى تكافلية تنهض بهم اقتصاديا وفكريا، فهو المعنى بالتغيير في كافة أشكاله بما فيه التغيير الاقتصادي.

 ٤.المساهمة الفاعلة في حل المشاكل في كافة أشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع تحمل ما يلزم ذلك من محاذير وتضحيات على المستوى الشخصي، خاصة ما سيقدمه من تضحيات شخصية قد تؤثر علي وضعه النفسي والصحي والاقتصادي.

٥. مراقبة السلطة وتنوير المجتمع بخفايا سياسات السلطة، فهو لا يمارس دور المعارض مطلقا، ولا الموالي مطلقا، بل هو بمثابة المراقب الذي يكشف التقصير للمجتمع، وفي ذات الوقت يدعم مسيرة التنمية في حال بدأتها السلطة، ويشجع المجتمع على الانخراط بها. هذا إضافة لدوره في نقد أداء السلطة وتطويره، دون الانخراط في شبكة مصالح خاصة معها.

٦. التفاعل مع مؤسسات المجتمع الأهلي، والإسهام في تفعيل دورها في المجتمع، والمشاركة الفعالة في تطوير رؤاها، وتفعيل وجودها خاصة في مجال التنمية الثقافية والفكرية في المجتمع.

٧. التفاعل مع المؤسسات الدينية، ويكون ذلك بالإسهام في رسم الصورة الواقعية للمجتمع للمؤسسة، والإسهام في تطوير القراءة الدينية للنص، ورفد النص بإشكاليات الواقع، من خلال تفاعله مع الفقيه، ورفده بآخر الدراسات العلمية الحديثة خاصة في العلوم الإنسانية وفروعها، والتي تسهم في تطوير قراءة النص الديني.

٨. المراقبة الذاتية وتطوير الذات القائم على أساس العودة للذات، والخروج من كل محاولات الاغتراب عنها، ومحاولات الاستلاب لهويتها، وفهمه العميق لجوهر المعارك الثقافية والفكرية على مستوى الهوية، حتى لا يكون جسرا لسلب الهوية، ولا أداة في تكريس التطرف تحت شعار الحفاظ على الهوية، بل دوره امتلاك القدرة في الحفاظ على الأصالة من جهة، وعلى مسيرة التطور والمواكبة من جهة أخرى. فلا يفقد هويته بحجة التنمية الثقافية، ولا يكرس الجهل بحجة المحافظة على الهوية، والتي فيها ثوابت ومتغيرات تخضع في متغيراتها للزمان والمكان، دون المساس بثوابتها.

هذا ملخص لأهم الأدوار التي يقوم بها المثقف، وهنا نحن لسنا بصدد عمل فردي للمثقف في هذا العصر المتشابك والمتشعب والمتكثّر معرفيا، بل ضمن هذه الأدوار الكبيرة والمهمة والنوعية، يكون العمل هنا مؤسساتي، بمعنى أن يسير العمل الثقافي والمعرفي ضمن عمل مؤسساتي، يقوم في عمله على شبكة من المثقفين من كافة التوجهات، التي تعمل على استقراء الساحات المعرفية، والتصدي للإشكاليات الداخلية والخارجية ضمن خطة عمل مؤسساتي وليس فردى. أي هو دمج لدور المثقف مع فكرة مؤسسات المجتمع الأهلي، لأن الدور الموكل للمثقف في راهننا لا يمكن أن يقوم به منفردا، بل يتطلب جهودا جماعية ضمن عمل مؤسساتي منظم.

ولعل نظرة عابرة إلى مجتمعاتنا يجعلنا نقف لنتساءل: ما هو الدور الذي يقوم المثقف به؟ وما هي علاقته بالناس وهمومهم؟

لست في صدد الحكم والإطلاق وإنما بصدد الإنصاف من النفس, فما لدينا اليوم يمكن تقسيمه إلى عدة أقسام:

١. مثقف هيئة (صوري)، يمارس هنا الشخص دور صوري للثقافة، متلبسا بها بصورة وهيئة مثقف، وقد اتخذ من الثقافة الصورية وسيلة لتحقيق نفوذه الاجتماعي وهيمنته على عقول الناس، أو لتحصيل نفوذ في السلطة أو نيل ثقة جهات نافذة، وهذا لا يعني أنه مارس الفعل الثقافي، بل هو بالأصل ادعى الثقافة واستخدمها لتحقيق مصالحه[24].

٢. مثقف السلطة، ورغم ثقافته فعليا، إلا آنه سلوكيا بات مرتبطا بالسلطة فتخلى عن وظيفته النقدية والمتصلة بفعل الوعي، وارتباطه بالسلطة يمنعه من النقد والتقويم والتصويب، ويجعل منه مجرد تابعا منفذا للأوامر، في مقابل تحصيله لمنافع ذاتية تختلف باختلاف رتبة ارتباطه بالسلطة، وقدرته على تحقيق ما يريد مه، حتى لو خالفت قناعاته الثقافية والفكرية. فهو مدفوع الأجر[25].

“إن موضوع المثقف بدأ مع قضية الضابط الفرنسي اليهودي “الفريد دريفوس” المتهم بقضية تجسس لصالح ألمانيا (1894)، هذه القضية كانت بمثابة عود الثقاب الذي أشعل نار الكراهية الفرنسية ضد اليهود الفرنسيين، فحكمت المحكمة العسكرية بتجريده من رتبته العسكرية ونفيه، ثم شدد عليه الحكم بالسجن عشر سنوات إضافية لثبوت التهمة عليه. إلا أن بعض المثقفين الفرنسيين قادوا حملة تشكيك بالتهم المسوقة ضده، منهم المفكر الفرنسي أميل زولا الذي كتب مقالته الشهيرة “إني أتهم”، والذي أدى بدوره إلى ظهور بيان حمل توقيع “المثقفين” في فرنسا على وثيقة تطالب بإعادة محاكمة “دريفوس”، وذلك بعد ظهور أدلة تشير إلى براءته ومحاولة الحكومة اليمينية طمس الأدلة الجديدة على براءته، وأن القضية ملفقة للإساءة إلى يهود فرنسا. وتحت ضغط تلك الحملة أعيدت محاكمة “دريفوس” (1906)، وحكمت المحكمة المدنية ببراءته، وأعيد له اعتباره.

لا أريد هنا أن أبرئ “دريفوس”، خصوصاً عندما نجد أن رئيس قسم التاريخ في الجيش الفرنسي يصدر قبل بضعة سنوات تقريراً يشكك فيه بحكم البراءة وصحة حكم الإدانة، ثم يتحرك اللوبي الصهيوني الفرنسي ضده، الأمر الذي أدى إلى عزل رئيس قسم التاريخ في الجيش من منصبه، لمجرد نشره لتقرير يعبر عن وجهة نظر في قضية تاريخية. لا أريد هنا أن أبرئ “دريفوس”، وإنما أريد التركيز على التداعيات التاريخية في أوروبا لموقف مثقفين دافعوا عن قضية اعتقدوا أن السلطة تحاول فيها طمس الحقيقة.

 رسمت تلك القضية صفات معينة للمثقف ترتكز على شرطين: أولهما إصراره على كشف الحقيقة، وثانيهما أن يكون شجاعاً وأن يكون مستعداً للنقد إلى أبعد مدى، وأن يحدد ويحلل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ مجتمع أكثر إنسانية……هذا هو الوجه الأول الناصع من عملة المثقف.

الوجه الثاني القبيح لعملة المثقف، نجدها في قصة فرناندو كاردوسو، التي تقف على نقيض القصة السابقة. كاردوسو هو مثقف برازيلي مشهور وعالم اجتماع يساري، اختير مفكر العام بسبب كتاباته الجريئة عن الفقر وظهور الطبقات الاجتماعية نتيجة لطغيان الرأسمالية، وحظي كاردوسو بشعبية لانتصاره لمآسي الفقر وتدني مستويات الضمان الاجتماعي. خلال تلك الفترة، وصلت ديون البرازيل إلى مستوى غير مسبوق، بسبب ضغط الدائنين على الحكومة لإعادة الهيكلة، وتنفيذ سياسات مالية تضمن عائد مالي يسدد على الأقل فوائد الديون، ويسمح بسياسة اقتصادية تقشفية لصالح الدائن الأمريكي. كان لابد من منفذ للسياسات المتشددة والموجهة ضد الإنسان الفقير. وحدث أن اختير كادوسو وزيراً للمالية، لشيوع حالة الرضى عنه وسط الشارع البرازيلي. وشعر الدائنون بتخوف من تاريخه النضالي ضد الرأسمالية المتطرفة، لكن سرعان ما اطمأنت عندما قال في اجتماع مع كبار المصرفيين والصناعيين: “انسوا كل ما كتبته.

هاتين القصتين بالغتا الدلالة، وضعت علاقة المثقف بالسلطة تحت السؤال، وأصبح هذا السؤال موضع اهتمام مفكري العالم، لأنها لفتت الانتباه إلى ظاهرة جديدة. القصة الأولى رسمت وجهاً مشرقاً للمثقف الملتزم الذي يقف مع الحق في وجه السلطة السياسية، وإن أدى موقفه إلى تقديم تضحيات جسيمة، كالنفي والسجن والتصفية الجسدية، فضلاً عن التهميش الاجتماعي والتصفية المعنوية. والثانية رسمت وجهاً بشعاً للمثقف الذي يتحدث عن المبادئ، ويرفع شعارات الدفاع عن المظلومين، ويصعد على أكتاف الجماهير، ثم يخون الأمانة ويضع يده بيد السلطة، بمجرد أن يوجه إليه عرضاً سخياً، يحقق مصالحه الضيقة على حساب المستضعفين، الذي كان ينادي يوماً بحقوقهم”[26].

وخطورة هذا النوع من المثقفين ـ كما أسلفنا ـ تكمن في ما يمتلكه من سلطة علمية تمكنه من أسر عقول الناس في ظلها، وسوق وعيهم إلى ما تريده السلطة، خاصة مع ضحالة المستوى المعرفي لأغلب الجماهير، ومع ميل الجمهور العربي والإسلامي للترميز السريع، بل لتقديس الرمز وتصديق كل ما يصدر منه، وهي عقلية تم بناءها تاريخيا، وتضافرت في بناءها الأنظمة المستبدة، من خلال نُظُم التعليم المتبعة في المدارس، وهيمنة الجانب الديني واستغلال هذه الهيمنة وتجييرها لصالح تغييب وعي الجمهور، وتخدير قدرتهم على النقد والمراقبة.

٣. مثقف نرجسي[27]، وهو الذي يمتلك رصيدا معرفيا وعلميا عميقا، لكنه يعيش في برج عاجي، فيجعل من معارفه وعلومه سببا للتعالي المعرفي على من حوله، وتسفيه كل رأي، فهو كمن يرى أنه يسيل منه السيل ولا يرقى إليه الطير في ثقافته، فيعيش في صندوق الذات يطوف حولها، دون أن تؤثر معارفه وثقافته في تغييره هو أولا، بالتالي لن يكون قادرا على تغيير من حوله ولا تغيير واقعه.

٤. المثقف المنكفئ[28]، وهو الذي يمتلك معارف وثقافة غزيرة، لكنه يصطدم بالواقع، ويعيش في مثالية مفرطة لا توجد إلا في الكتب، ونتيجة صدمته بالواقع والفارق بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، انكفأ على ذاته واكتفى بالمشاهدة والتشخيص من بعيد.يتفاعل مع واقعه لكن لا من خلال الاحتكاك بالجمهور، بل من خلال ما يكتبه من آراء.

٥. مثقف ميداني أو مثقف مشتبك[29]، وهو المثقف الذي يمتلك رصيد معرفي وثقافي وازن، واستطاع أن يوائم بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، محاولا إصلاح مواطن الخلل، ومتصديا لميدان المجتمع، لكنه لا يرضخ لأي ابتزاز شعبوي أو نخبوي أو سلطوي، فهدفه إصلاح الواقع، والنهوض بوعي الجماهيردون الرضوخ لإرادتها.

 “إنّ مهمّةَ المثقّف الثوريّ هي أن يكون في قلب المواجهة، وأن يعيشَ متمرِّدًا على الواقع وشروطِه، من أجل تجاوزه، لا من أجل قبوله أو التكيّف معه؛ ومهما ضاقت السبلُ بكَ، واشتدّ الحصار، فسيظلّ في وسعك أن تصنع ثقافةَ الاشتباك كطريقة عيشٍ وسلوكٍ وحياة، ولو بدا الانتصارُ الآن أقربَ إلى المستحيل.

الوعي الثوريّ لا يأتي دفعةً واحدة، بل أساسُه العملُ والتجربةُ المعيشة، ومرجعيّتُه حقائقُ الواقع الماديّ، فإنّ تعميقَه وترسيخَه يقتضيان امتلاكَ أدوات البحث والمعرفة والمنهج العلميّ”[30]

  فالمثقف يلازمه مفهوم النهضة المسبوقة بالمعرفة، كون الثقافة ميدانها المعارف والعلوم والفنون، وهذه كلها أدوات رصينة في مشروع النهضة، بل تشكل القاعدة التأسيسية لها.

ولكن هناك انقلابا للصورة في أغلب الساحات العربية والإسلامية وخاصة الخليجية منها، حيث دخل المثقف من بوابة المجتمع إلى السلطة وعالم السياسة، فاستخدم المجتمع لأجل الوصول لما يحقق له المكاسب السياسية والمواقع المتقدمة في السلطة[31], بدل أن يكون هو صمام أمان لوعي الناس والمشخص لحقيقة همومهم، والناهض بوعيهم والموجه لأولوياتهم، من أولويات بسيطة وبعيدة عن واقع وأسباب معاناتهم، إلى أولويات ناهضة وحقيقية تصب في صالح نهضتهم ورقي الوطن.

وتحول المثقف في هذه الحالة إلى متثاقف، ليصبح عبارة عن كم من المعلومات السياسية والعلمية الغير نافعة، ولكنها تشكل سلطة له يستضعف بها عقول الناس البسطاء[32], إذ أن المثقف الحقيقي هو من يحمل شعاع المعرفة وينير به عقول الناس، لينعكس على سلوكياتهم ووعيهم، بدل أن يصبح وعاء معلوماتي لا انعكاس له ولا نفع له في الحياة العامة والتغيير والاصلاح.

ولا ندعي خلو المجتمع من المثقفين الحقيقيين، إلا أنهم لا يشكلون قوة قادرة على تغيير الوعي[33] والنهوض به وذلك للأسباب التالية:

 ١. غياب المشروع الهادف، بمعنى عدم وضوح الصورة وعدم القدرة على التشخيص السليم نتيجة مستوى الوعي المحيط في بيئته، وموقعيته في تلك البيئة، مما يؤثر على مقدرته في تشخيص الأولويات، وتقديم الأصول على الفروع في مشروع الوعي والمعرفة، بالتالي تشتت الطاقات في مشاريع فرعية لا تحدث تغييرا كما يجب.

٢. الافتقار للدعم المادي والمعنوي[34]، رغم امتلاك مشاريع ناهضة ومحورية وهادفة.

٣. وجود دعم مادي ومعنوي، ولكن غياب المنهجية السليمة لتحقيق النهضة[35]، وهدر الدعم المادي وفق تشخيصات للأولويات خاطئة، نتيجة التشخيص وفق رؤية مذهبية أو طائفية أو قبلية، أو رضوخ للجهة الداعمة وأولوياتهـا لا أولويات المجتمع ومتطلباته الحضارية.

٤. التهميش لفئة المثقفين الميدانيين[36]، لتضارب حراكهم مع مصالح القوى النافذة، أو بسبب الصراعات الشخصانية على الساحة، التي ينخرط فيها الأشخاص في سباق وهمي مع الآخر، لحصد مواقع متقدمة، وأسبقية موقعية في المجتمع، رغم عدم كفاءته ومكنته، أو بسبب قدرة هذا المثقف الميداني على تشخيص مكامن الخلل في عمل المتصدين، ونقدها ورصدها والإفصاح عنها، أو نتيجة الصراعاتالحزبية والتيارية التي تجد هذا النوع من المثقفين يقف عقبة كؤود في سبيل تحقيق أجنداتها التي تتطلب وعيا موجها للجمهور.

 المثقف وخديعة العقل:

 تكمن مشكلة أغلب مثقفي هذه الأيام، ـ وفقا لرأي جوليان بندا (١٨٦٧ ـ ١٩٥٦م) في كتابه خيانة المثقفين ـ في أنهم تنازلوا عن سلطتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميه في تعبير تنبؤي،” تنظيم العواطف الجماعية”، مثل الروح الطائفية، والمشاعر الجماهيرية، والعدوان القومي، والمصالح الطبقية، وقد أدرك بندا كم هو هام للحكومات أن تحول أولئك المثقفين إلى خدام لها، والذين من الممكن أن يطلب منهم ألا يطلقوا الدعاوى ضد الأعداء الرسميين، واستعملوا العبارات الملطفة، وأن يبتكروا، على نطاق واسع، أنظمة كاملة في اللغة الموربة، التي يمكنها إخفاء حقيقة ما يجري باسم”النفعية”، المؤسساتية أو “الشرف القومي[37].

فالمثقف بذلك التنازل عن مجموعة قيمه الأخلاقية، وأفكاره التي انتصر فيها لقيمة الحق، ورفع الظلم، حتى لو كان تنازلا خفيا عن الجمهور، تحت شعار الصالح العام، أو استخدام شعارات طائفية ومذهبية وقبائلية، فإنه بذلك يعمد إلى خديعة كل من :

١. عقله الذي تم التنازل عنه لصالح منفعته المادية .

٢. عقل الجمهور، والذي يعتبر هو مسؤول عن وعيه، فيقوم بخديعة مركبة، أولها خديعة تقومم بصناعة وعي مزيف، وثانيها تقوم بنوعية هذا الوعي القائم على وهم، وليس حقائق، فأي حركة وفعل اجتماعي يكون على أساس انفعال عاطفي جمعي منشؤه العصبيات بكافة أشكالها، هو وعي مزيف ووهم يعمد إلى خديعة العقل الكبرى.

وقد قام غرامشي بتصنيف الذين يؤدون الوظيفة الفكرية في المجتمع إلى نوعين: يضم أولهم المثقفين التقليديين مثل المعلمين، ورجال الدين، والإداريين، ممن يواصلون أداء العمل نفسه من جيل إلى جيل. ويشمل ثانيهما المثقفين العضويين، الذين اعتبرهم غرامشي مرتبطين على نحو مباشر بطبقات أو بمؤسسات تجارية تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح، واكتساب المزيد من القوة، وزيادة السيطرة. فيصف المثقف العضوي قائلا:” إن منظم الأعمال الرأسمالي يخلق إلى جانبه التقني الصناعي، والاختصاصي في الاقتصاد السياسي، ومسؤولين لإنشاء ثقافة جديدة أو نظام قانون جديد، إلى ما هنالك”[38] فهؤلاء يسعون لتوجيه رأي المستهلك، و كسب رضا الزبائن في سبيل زيادة إنتاج الشركة التي تستخدمه في تجارتها، وهي خديعة للعقل يمارسها في حق نفسه لأنها تخالف ما انطلق منه إلى مجتمعه، واستخدامه المعارف والقيم في سبيل جذب الجمهور حوله وتصديقه والثقة به، ومن ثم استخدام هذا الالتفاف الكمي من الجمهور وهذه الثقة في سبيل صناعة مجده المادي، وخديعة في حق عقل الجمهور، وصناعة وعي بعيدا عن الحقيقة، بل هو في واقع الأمر وهم.

وهناك صورا أخرى لخديعة العقل يمارسها المثقف، وهي تتعلق بالخطاب، كون المثقف يهتم بالجمهور وقضاياه، ويدافع عن الحقوق والحريات، ويرفض الظلم وينقد الواقع، وهو ما يتطلب خطابا يفهمه الجمهور ويعيه، بالتالي يسهل من خلال هذا الخطاب تشكيل وعي الجمهور، إلا أن اليوم تحول المثقف العالمي، الذي كان يتكلم بلغة مفهومة للجمهور بل لكل الجماهير، إلى مثقف اختصاصي أو متخصص، يخاطب نظرائه بلغة لا يفهمها إلا من هم من طبقته المعرفية، ويكون الجمهور هنا مجرد مشاهد لا يعي ما يقوله هذا المثقف في خطابه، وما هي حركة الوعي الكامنة في الخطاب، وهذه خديعة أخرى لعقل الجمهور، في مخاطبته بما لا يدرك من لغة ومصطلحات، بدل التبسيط دون الإخلال بعمق القضية. إن أي ممارسة طبقية يسلكها المثقف، هي ممارسة تكتنز استبدادا غير مباشر، كون استغلال المكنة المعرفية والخطابية في سبيل تطويع ثقة الجماهير، هو استعمال للقوة المعرفية في استعباد عقول الجمهور وإن بشكل غير مباشر. وقد يكون خطاب المثقف متحيز معرفيا ضمن نطاق قبلي أو مذهبي أو طائفي أو حتى منهج فكري ومدرسة معرفية، وهذا التحيز هو خديعة أخرى للعقل.

 

وقد يمارس المثقف خديعة أخرى لعقله، حينما يتحول في دوره من إنتاج المعرفة والوعي إلى سياسي، بحجة إصلاح الواقع من باب السياسة، فيعتقد أنه لو أصبح برلمانيا، أو وزيرا يمكنه أن يقدم قوانينا إصلاحية، أو أن يعالج إشكاليات اجتماعية، أو أن يساهم في تطوير الخدمات للمجتمع، إلا أن ارتباط المثقف بهذه المواقع، هو تغيير لهويته الحقيقية، ولأهم وظيفة من وظائفه وهي النقد والمعارضة وصقل وعي الناس، وهذا تداخل للمعرفي مع السياسي، ستكون الغلبة فيه للسياسي على حساب المعرفي، وسينكمش المثقف في دوره، ويحدث هنا التحول في الوظيفة، ويغرق في متاهات السياسة التي تكبل دوره الناقد والمعارض، وهو ما يشوه صورة المثقف في ذهن الجمهور، خاصة بعد أن يكون قد كسب ثقتهم وصنع في وعيهم مصداقيته، وطبعا هنا لا أنكر ضرورة وعي المثقف سياسيا وإلمامه بدهاليزها وخدعها، ولكن في ظل غياب نظام حكم عادل، ووجود أنظمة مستبدة تهيمن على مقدرات الناس، فإن انخراط المثقف في سلطات كهذه هو محرقة حقيقية له ولعقله، لأنه سيعمل في منظومة فساد متوغلة في الدولة من الهرم إلى القاعدة.

فالمثقف وُهِب ملكة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة وتجسيدها وتبيانها بألفاظ واضحة للجمهور، ومع محاذير هذا الدور، إلا أنه يتطلب شعور المثقف بالقدرة على طرح أسئلة محرجة للعلن لمناقشتها، وقدرته على مجابهة المعتقدات التقليدية التراثية دون دليل، ومواجهة التصلبات العقائدية، ولا يكون سهلا على الحكومات والشركات التجارية شراؤه أو استغلاله[39]، فإن الخديعة تقع من المثقف حينما يعيد إنتاج ما هو موجود من فساد فكري، ووهم تم دسه في وعي الجمهور باسم الحقيقة، بل تقع أيضا حينما يستغل موهبته في إنتاج المعرفة، لإنتاج رأسماله الخاص.

 

المثقف وجدلية الحرية والعدالة:

 

حينما يؤمن المثقف بمبدأ الحرية كقيمة أداتية مفتاحية لتحقيق العدالة، فهو يؤمن بها كمبدأ ثابت وليس نسبي على مستوى النظرية، وحتى في كثير من الأحيان على مستوى الفعل. فالحرية الأداة المفتاحية التي يحتاجها الإنسان ليحقق فاعلية إرادته واختياره، فلو فقدت حرية الإنسان لن يكون بمقدوره أن يختار ما يريد، ولذلك كان من أهم القيم التي يجب أن يدافع عنها المثقف ويقاتل لأجلها هي الحرية.

 

وقد قمنا بعمل إطلالة على مفهوم الحرية[40]، وتكمن أهميتها المحورية فإنها البوابة التي من خلالها تتحقق العدالة ومن ثم الكرامة.

 

 

إذ أن تحقيق العدالة بكافة مصاديقها تتطلب بداية إزالة كل ما تم تحميله من فهم لهذا المصطلح، فهو يشكل المدخل السليم والحقيقي للتوحيد، وأهم ما تحققه العدالة هو رفع الحجب التي فرضتها المسلكيات البشرية نتيجة الفهم البشري المتراكم للنص الديني والحياة ومسارها المعرفي، والذي غالبا ما انحرف عن واقع الأمر، مما أدى إلى حجب الحقيقة وتشويه المفاهيم وتغييب منظومة القيم، مما انعكس بالتالي على السلوك فتشكلت منظومة مفاهيمية بعيدة عن الحقيقة، ورست على ضوئها منظومة سلوكية بعيدة عن الواقع، فحجبت الحقيقة وعلى ضوئها حجبت المعارف، وألبست العدالة لباس آخر تحكمه الأهواء والاستمزاجات الشخصية.

 

إن تحقيق العدالة وفق واقع الأمر يعني رفع كل تلك الحجب عن العقل البشري، واستجلاء المفاهيم وفق دلالاتها واستعمالاتها وبناءاتها الصحيحة، ليتجلى الأمر بحقيقته بعد ذلك في النفس، فترى الحقيقة وتستقيم الذات وفق أسس العدالة السليمة، وتنعكس عدالة الذات على تحقيق العدالة في الخارج فترتفع الحجب عن كثير من المعارف والعلوم، وتنتظم الحياة تحت عنوان القيم وجوهرها ألا وهي العدالة.

إن العدالة هي مطلب قيمي مهم في المجتمع، لأن مقصد تحقيق العدالة هو تحقيق كرامة الإنسان، وتحقيق كرامة الإنسان مطلب لأداء وظيفته وفق الرؤية الإلهية ومصادر المعرفة في الأرض ليقيم المشروع الإلهي فيها.

فوفق مقولة العدالة تتحقق الحريات بما يحقق العدالة، وتكون المساواة وفق ما يحقق العدالة، وتنتظم لذلك مجموعة الحقوق والواجبات وفق مطلب تحقيق العدالة، وإذا تحققت هذه القيم في طول مطلب العدالة، تحققت بذلك كل مقومات الكرامة الإنسانية، وتأهلت النفس لأداء وظيفتها.

فكلما ازداد منسوب العدالة في النفس كلما ازداد في الخارج، كلما انتظمت القيم وبالتالي ارتقت كرامة الانسان، فالعلاقة بين العدالة والكرامة علاقة طردية.

 فإذا قلنا نريد أن يرتفع سقف الحريات، تكون الحريات المطلوبة هي تلك التي تحقق العدالة، بحيث لا يمكن لهذه الحرية أن تحقق نقيض العدالة بالظلم أو سلب الاخرين لحقهم، فتكون الحرية المطلوبة حرية عادلة، وهكذا المساواة وموضوعة الحقوق.

ولكن هل العدالة المطلوبة هي كما يراها الإنسان وعقله؟

عقل الإنسان محدود، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، قد يدرك هذا العقل حسن العدل وقبح الظلم، ويدرك أهمية العدالة في بناء الكرامة الإنسانية، ولكن ماهية العدالة وكيفها لا يمكن أن يدركه إلا بتعليم من الوحي أو من بذل الجهد في ولوج أبواب مصادر المعرفة الأخرى التي هي في طول الوحي كمصدر معرفي، وهو ما سيصل له العقل إذا أدرك العدالة وأهميتها، والتي يعتبر إدراكها مدخلا مهما لإدراك التوحيد وعلى ضوء إدراك التوحيد من بوابة العدل، ستبنى منظومة المفاهيم والقيم وفق الرؤية الإلهية التي تحقق حتما كرامة الإنسان بما يرتقي به إلى وظيفة..”إني جاعل في الأرض خليفة”.

إن السعي نحو الكمال الذي فطر عليه الإنسان هو الداعي العقلي الذي يدفعه دوما لإقامة العدل، والبحث عنه، ولكن تكمن المشكلة في فهم الكمال وآليات تحقيقه ومصاديقه، فكلما ابتعد الانسان عن السماء ـ إن صح التعبيرـ كلما ابتعد عن تحقيق العدالة المطلوبة وكلما أصبحت كرامته عرضة للانتهاك.

 فرغم السعي التاريخي الحثيث للإنسان نحو تحقيق العدالة في الأرض، إلا أننا ما زلنا إلى الآن لم نقم جوهرة القيم) العدالة) ولم نحققها، ولعل أبرز الأسباب في هذا القصور هو الجدل الانساني الذي ينعكس في الواقع الخارجي إلى جدليات متشابكة الأهواء والمصالح ومتناقضة القيم والغايات، وهذا الجدل أدى إلى تشويه مفهوم الكمال بعد الانحراف عن المبدأ والغاية والهدف، وبالتالي انحراف آليات تحققه. لذلك كان التشديد على معرفة”من أين وفي أين

 وإلى أين”، وهي معرفة ترسم خارطة طريق كاملة للإنسان في هذه الدنيا ليحقق هدف الكمال وآليات الوصول اليه.

إن القيم غاية يتطلب تحقيقها وقيامها قيام جوهرها أي العدالة وهذه الجوهرة تتطلب أن تحقق في ذات الإنسان كي تصبح لها قيامة في الأرض” أقم العدل في نفسك يقوم العدل في أرضك”، فالله لا يغير ما في القوم إلا إذا تغير ما في أنفسهم.

فالعدالة هدف السماء لأهل الأرض، لأن بها تستقيم أمور الإنسان ويهتدي إلى الطريق الذي من خلاله تتحقق كرامته، لتقوم إنسانيته ويؤدي بها وظيفته. ولذلك كان من أهم ما يجب على المثقف تحقيقه أولا هو عدالته النفسية التي تخلق لديه حالة الإنصاف من النفس وللعدو أيضا، ومن ثم تجعل تحقق العدالة الخارجية بالنسبة له هدفا هاما، وأدوات تحقيقه يجب ألا تحيد أيضا عن العدل، فيصبح كل مشروعه بأهدافه وأدواته معروضا على قيمة العدل، كمرجعية معيارية له، وفي ذات الوقت يبذل كل جهده لتحقيق الحريات المنضبطة كونها بوابة أداتيه للعدل، ولأنها بوابة فلا بد أن تكون تلك الحريات لا يتم تحقيقها بالظلم، ولا تمارس ظلما تحت شعار الحرية. ووضوح الصورة بهذه الطريقة في ذهنية المثقف، يملكه القدرة على تشخيص الحرية التي تحقق العدالة، من تلك التي تكرس الظلم. فالمثقف يرتكز في حراكه وفي جوهر هذا الحراك على الحرية والعدالة، اللتان تحققان كرامة الإنسان، وهي غاية وجوده.

 المثقف والحياد:

 الحياد كمفهوم عام هو عدم الانحياز والميل لطرف أو لهوى، وبعد الحربين العالميتين بات تعريفه سياسيا في النزاعات بين الدول هو عدم الانحياز لطرف صراع على حساب آخر.

والحياد الثقافي هو الذي يجب أن يكون عليه المثقف، وهو خروجه ثقافيا ومعرفيا من كل صناديق العصبيات بكافة أشكالها ومصاديقها، فتصبح عينه المعرفية تحفر فقط بحثا عن الحقيقة والأمر الواقع، دون الالتفات لانتماءات هذه الحقيقة، لأن الاصلاح والنهضة توأما الحقيقة، والمعرفة عدوها التعصب، ولأن المثقف هو طاحونة رياح التغيير والاصلاح والنهضة، فلا يمكن أن ينتمي معرفيا لغير الحقيقة، والحقيقة تتطلب إنصاف نفسي واعتدال داخلي على مستوى عالي جدا، ويقع المثقف تحت ضغط الحياد المعرفي فريسة الخلط بين هذا الحياد، والحياد السلبي، الذي يجعله يقف على مسافة واحدة من الحق و الباطل، فالحياد هنا حياد ضد الحقيقة وليس معها، فلا يوجد حيادا مطلقا، بل هناك حياد إيجابي وآخر سلبي، فالأول هو حياده لأجل الحقيقة والحق وعدم انتمائه معرفيا و خروجه من كل العصبيات والصناديق المغلقة التي تحجبه عن رؤية الواقع، أما الحياد السلبي فهو أن يقف المثقف على مسافة واحدة من جبهة الحق والباطل بحجة عدم الانتماء، أو بحجة عدم التعصب، متناسيا أو متغافلا أن كل أتواع التعصب مرفوضة ومنبوذة إلا التعصب للحق والحقيقة، لأن وظيفته تجلية الحق والحقيقة وقولها على حساب المصلحة، فحينما يكون هناك مثلا مستعمر ومحتل ويكون هناك مُسْتَعْمَرا، فهنا موقف المثقف لا حياد فيه بل عليه أن يكون إلى جانب المظلوم وليس الظالم، لأن أحد أهم أدواره المهمة هو الدفاع عن الحق والحقيقة ورفض كل أنواع الظلم والاستبداد والقهر. وعندما يكون هو مثقفا عربيا ويقع الجور على غير العرب، فلا يمكنه بحجة الانتماء القومي أن يقف على حياد، ولا أن يخاف مواجهة الدفاع عن نظرائه في الإنسانية بحجة أنهم غير عرب، حتى لو كان كل الجمهور والمجتمع يقف في خط معاكس بدافع العصبيات القومية ويواجه المختلف الغير عربي دفاعا عن من ينتمي لنفس قوميته والعكس بالعكس، فعلى المثقف أن لا يرضخ لعامة الناس وانفعالاتهم العصبوية، بل عليه أن يكون القنديل الذي يضيء الزوايا المعتمة في عقولهم، ويتخذ الموقف الذي يمليه عليه الحق وتمليه عليه الحقيقة، ويمليه عليه الإنصاف والعدل، حتى لو كان في هذا الطريق وحيدا، فعليه أن لا يخون الحقيقة والحق، بحجة الكثرة ورغبة الجمهور.

فالحياد موقف نسبي متوقف على حقيقة الموضوع وعنوانه، والمثقف وظيفته دوما أن يقف في جانب الحق والحقيقة، وأن يكون محايدا في انتماءاته كي يرى الواقع كما هو. والحياد هنا حيادا متعلقا بالميل والهوى المعرفي والهوياني، فلا يتعصب بسبب انتماءاته، ولا يحايد إلا للحق والحقيقة. والمرجعية المعيارية لهما، وقبل التعرض لموضوع المرجعية المعيارية، يدفعنا موضوع الحياد إلى مفهوم التحيز المعرفي وموقف المثقف منه.

 

المثقف والتحيز المعرفي:

 

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي[41].

 

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨:” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ”.

 

 

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي[42].

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطئ. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة, لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة[43].

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم اطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: “التحيّز”, بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي, وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما, مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان, كما كان يرى, وهي ظاهرة[44]

ووضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها, فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً، ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة, ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية[45].

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١. أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢. استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣.المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثقفين الآخرين.

٤. التجرد من الأنماط والرغبات الاجتماعية معرفيا “الشعبوية”، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥. والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١. البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢.مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣.الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤.الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن تكون نفسيا وشعوريا متحررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥.الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦. التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، والأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف.

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية. لذلك كان لزاما على المثقف الرسالي الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد على عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالإنصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة، فهناك مثقفون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وأيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف عليه ألا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

المثقف بين أزمة التاريخ وحاجة التوثيق:

إن القراءة التاريخية المنصفة، هي القراءة التي تبتعد عن أي أهواء طائفية ومذهبية، وتدرس حراك الشخصيات التاريخية المهمة والمعصومة على أنه حراكا هادفا لتحقيق غايات عليا أهمها رضا الله تعالى وتوحيده على الأرض، وإقامة العدل ورفع الظلم عن المظلومين مهما كانت مذاهبهم ومرجعياتهم الفكرية، لأن الظلم ومواجهته لا يختص بإنسان دون إنسان، وصريح القرآن يخاطب رسول الله في سورة الأنبياء آية (١٧) قائلا: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. لتوحيد الجبهات في وجه الظالمين والمستكبرين مهما كانت هوياتهم وانتماءاتهم، لأن الظلم والاستكبار لا يخص جهة دون جهة وفئة دون فئة.

ونحن هنا لا ننكر نقل الأحداث التاريخية، ولكن ننكر تقديس هذه الأحداث والوقوف عندها بطريقة تبث الفتنة والفرقة وتضرب وحدة الصف، بدل أن تحقق أهداف هذه الأحداث وغاياتها وعللها.

فالقراءة المقاصدية والغائية المنصفة للتاريخ والبعيدة عن الأهواء والمنطلقات الشخصانية والمذهبية والطائفية، هي الكفيلة في أن تجعل من تاريخنا كتابا ذاخرا نبني منه مستقبلا مشرقا وحضارة بناءة، ونخرج من أسر الأموات إلى سماء الأحياء لنرسم لهم الحاضر بأصالة الماضي وثقافة الحاضر، فلكل حقبة زمنية أهلها وهم المسؤولين عنها، والقرآن يؤكد حينما يروي قصص الأولين على عدة أمور أهمها:

١. أخذ العبر والدروس من تلك القصص.

٢. استلهام السنن والقوانين التي تحكم التاريخ.

٣. أن تلك الأمم لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وهو ما يعني عدم استجلاب الإشكاليات التاريخية في ذلك الزمن أو في الماضي، إلى حاضرنا وعيشها دون الالتفات إلى تداعياتها ودراسة إشكالياتها وجذور نشأتها والفحص عن مكتنزاتها المعرفية، وعن مناهجها وفهم غثها من سمينها والاستفادة من ذلك لحاضرنا، ولسنا معنيين بأفعالهم بل معنيين بالاعتبار منهم وأخذ ما يسير في الطريق المستقيم، وعدم تكرار ما قاموا به وأدى لتفتتهم واندثار هويتهم وحضارتهم ومكتسباتهم ومنجزهم المعرفي، والتعرف على صناع التاريخ الحقيقين من المزورين له، لتوثيق المصادر ومعرفة الثقاة من غيرهم.

فالسنن التاريخية حتميات تقع مهمة تمظهرها كواقع على إرادة الإنسان واختياره، وهما العلة التي بها تكتمل العلة التامة، و من يسير عكس السنن فإن سيره سيصل إلى نقطة مفصلية، لتنقلب ضده الأمور بعد ذلك وتعود المسيرة نحو سيرها الطبيعي التكاملي.

المثقف وأزمة التاريخ:

تختلف البنية المعرفية للمثقف ما بعد العولمة، عن بنيته ما قبل العولمة، وهو ليس اختلافا في الجذور وإنما في التشكيلات المعرفية الفوقية، التي ضعضعت عند بعضهم الأصول بسبب الكشوفات المعرفية التي أماطت اللثام عن حقيقة التاريخ، ومدى وثاقة ما تم نقله إلينا من رواية تقص علينا أحداثه بما تحمله من موروث ديني من جهة، وما تحمله من دلالات ومحمولات معرفية من جهة أخرى.

 

وخاصة مع إماطة اللثام عن مناهج علمية رصينة في قراءة التاريخ، استطاعت رسم خارطة طريق أولية لأحداث التاريخ في الماضي، وكيف على ضوء هذه المناهج تهاوت كثير من المسلمات المعرفية، التي شُيِّدت عليها ووفقها كثير من الأفكار والمعتقدات والمسارات، وانهيارها بعد تطبيق المناهج الجديدة في قراءة التاريخ عليها، قوض أغلب تلك التركيبة الذهنية المعرفية المرتبطة بها. خاصة مع غياب الممارسة النقدية السليمة، والتسالم الإطمئناني في النقل بين الشخصيات العلمية الكبيرة، التي طغت علميتها وعظم إنجازاتها رغم بشريتها على الجو العلمي العام، وساهم ذلك في نشوء هيبة علمية في ذهنية اللاحقين، منعتهم عن النقد والتقييم والمراجعة لنتاجهم المعرفي ونقلهم التاريخي خاصة فيما يتعلق في النصوص الدينية، أو ما يتعلق بالأحداث التاريخية بشكل عام والمشهد الديني فيها بشكل خاص، مع اكتشاف مخطوطات جديدة وحفريات أماطت اللثام عن حقب تاريخية كشفت لنا مشهدا آخرا من التاريخ الموروث كتابة ونقلا.

طبعا نحن هنا لا نقيم المناهج القارئة للتاريخ، ولا ما توصلت له من نتائج، ولكننا نوصف مسارا معرفيا في شكل البنية المعرفية وكيفية تكوينها ومصادر هذه المعرفة التي شكلت معارف المثقف، والمؤثرات التي لعبت دورا في تغيير هذه البنية وتقويض بعض أسسها، أو تغيير بعض مساراتها ومسلماتها، بل وثوابتها.

ومع تطور الحركة العلمية ومناهجها في قراءة التاريخ، وما تحقق من انكشافات على يد كثير من روادها، وإعادة استثمار هذه المناهج من قبل المتخصصين في التاريخ الاسلامي، وكشف كم التزوير الذي تم في كتابة التاريخ من قبل المؤرخين أو ضياع أحداث تاريخية لأسباب أهمها:

 ١. قيام السلطة الحاكمة بالهيمنة على عملية كتابة التاريخ، من خلال شراء كثير من العلماء والمؤخرين بشكل مباشر أو غير مباشر، ودفعهم لكتابة تاريخ يتناسب ومرادهم وطموحات السلطة.

٢. ونتيجة هذا الدس من قبل السلطة تولد رد فعل معاكس من قبل تيار حاول كتابة التاريخ، لكنه فعل ذلك كرد فعل، وهو ما قد يخضعه لانفعالات ذاتية تجعله غير موضوعي في النقل، وغير منصف حتى مع السلطة التي لا يواليها، فينقل التاريخ من وجهة نظره هو.

٣. هناك من حركته العصبيات المذهبية والقبلية، وتحت شعار الدفاع عن الدين، أو الكذب بحجة الحفاظ على مدرسة هو ينتمي إليها، فقام بكتابة التاريخ ونقل الموروث منطلقا من هذه المنطلقات والتحيزات، التي عادة تبعد المؤرخ أو الراوي عن الموضوعية والإنصاف العلمي، بل تمنعه من التحيز للحقيقة، حتى لو خالفت مراده وأهدافه.

٤. هناك من كتب التاريخ ورواه ونقل الموروث بموضوعية وإنصاف، لكن هؤلاء قلة، وقد تصدى عبر التاريخ لهم إما السلطة الحاكمة، أو المخالفين لهم مما لا يريدون للتاريخ أن ينقل كما هو، فتمت إما ملاحقتهم، أو تم إخفاء كل منتجهم المعرفي وروايتهم التاريخية المنصفة، وقد كشفت بعض حملات التنقيب عن الأحافير والآثار، عن بعض المخطوطات المهمة في تلك الحقب الزمانية.

٥. الحروب وما خلفته من دمار طال المكتبات الإسلامية بما فيها من مخطوطات وموسوعات، كانت تضم كثير من أحداث التاريخ ونصوصه خاصة النص الديني، وحرق كثير من المكتبات الخاصة ببعض الشخصيات الدينية، لأسباب بعضها مذهبي وطائفي، وبعضها جاء نتيجة الحروب الداخلية أوالإغارات من قبل الأعداء الخارجيين.

 إذا نحن أمام أزمة ثقة بالمنقول من الموروث، لا تدفعنا للرفض المطلق له، ولا التسليم الأطمئناني الساذج إليه، بل تدفعنا لفتح باب دراسة هذا التاريخ على مصراعيه للمتخصصين، واستخدام المناهج الحديثة في عمل حفر عميق في بنيته الداخلية والخارجية، وإعادة كتابته بعد تخليصه من التزييف الذي أحكم الخناق عليه، وأيضا يدفعنا إلى توثيق حاضرنا بطرق منهجية علمية تحفظ هذا الحاضر من أي محاولات تزوير للأجيال القادمة، لحل إشكالية وأزمة الثقة بالموروث التاريخي التي ظهرت كسمة في هذا العصر بعد العولمة.

والمثقف الناقد للاطمئنان التواضعي من قبل كثير من العلماء والنخب لما نقل من التاريخ، عليه أيضا أن لا يقوم بالرفض المطلق للموروث التاريخي بحجة فقدان الثقة ضمن تفكير عشوائي غير منظم، بل عليه أن يبدأ الحفر لمعرفة الموروث التاريخي الواقعي وأحداثه الصحيحة والاستفادة من سننه وتجربته البشرية في حاضره، وهو ما يتطلب منه تفكيرا منظما، يبني فيه رؤيته فكرة فكرة دون القفر من العام إلى الخاص أو بالعكس، ودون الاكتفاء بالنظرة السطحية للتاريخ، بل عليه الولوج إلى العمق والحفر في الداخل بتأني وصبر ليصل إلى نتيجة علمية رصينة غير متحيزة.”لأن عشوائية التفكير قد تفقد النقد قدرته على إصابة كبد الحقيقة، بل قد تقضي في بعض الأحيان إلى ضبابية الأفكار، والابتعاد عن جوهر الموضوع، وإرباك العمليات البحثية بتطويل المسافات عليها”[46].

إذا المثقف أمام مطلبين:

١.الأول: دراسة الموروث التاريخي دراسة منهجية معمقة غير عشوائية، وإعادة قراءته وفق مناهج علمية رصينة تكشف غثه من سمينه.

 .٢ كتابة الحاضر وأحداثه ومجرياته بطريقة علمية منهجية، تحفظ هذا الحاضر من محاولات التزوير، حتى ينقل للأجيال اللاحقة كتاريخ دون أن يحمل عقدة الثقة والدس، التي عانى منها المثقف مع تاريخه قبل تمحيصه.

ويمكن لهتين الخطوتين أن تتما في موازاة بعضهما البعض.

ويمكنهما حل كثير من الأزمات والإشكاليات المعرفية الراهنة، التي ظهرت نتيجة التناقضات الكثيرة في الأفكار المعرفية، التي تعتبر العمدة الرئيسية في تشكيل بنية المعتقدات والثوابت المعرفية. بل إشكالية أزمة النظرية مع التطبيق في كثير من الموروثات التاريخية خاصة الدينية منها.

هوامش الدراسة :

[1] العصور الوسطى Middle Ages، هي فترة تاريخية تمتد من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلادي. بدأت العصور الوسطى في أعقاب سقوط الإمبراطورية الرومانية في عام 476 وامتدت حتى العصر الحديث المبكر. تتراوح العصور الوسطي من نهاية الإمبراطورية الرومانية الغربية حوالي القرن الخامس حتي قيام الدول الملكية وبداية الكشوفات الجغرافية الاوروبية وعودة النزعه الإنسانية وحركة الإصلاح الديني البروتوستانتي بداية من عام 1517. هذة الأحداث هي التي أدت الي دخول أوروبا في مرحلة بداية الحداثة التي تلتها مرحله الثوره الصناعية. المصدر:  https://www.marefa.org/العصور_الوسطى

[2] المثقف ومسؤوليته/ علي شويعتي/ص ٥/ دار الشهيد/ ط ٢٠٠٦ م

[3] المصدر السابق/ ص١٠ـ ١١ بتصرف.

[4] فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وكاتب سيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي

[5] إشكالية التحيز ـ رؤية معرفية ودعوة اجتهادية / بحث بعنوان الخصوصية الحضارية للمصطلحات/ د. محمد عمارة / ص ١٢٥ ـ ١٢٦ / اصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي ج١ ط١ بتصرف

[6] المصدر السابق ص ٨   

[7](معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص30 للدكتور معن زيادة ينقله عن كتاب إدوارد ب تايلور (الثقافة البدائية) الصادر عام 1881م والجدير ذكره أن تايلور لا يفرق بين الحضارة والثقافة فهذا التعريف لديه ينطبق على كل من الحضارة والثقافة على السواء.)

[8] (معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص30.)

[9]المصدر السابق ص31.

[10]المصدر السابق.

[11]المصدر السابق.

[12]المصدر السابق.

[13] التركيز على الدكتور علي شريعتي في موضوع المثقف يعود إلى سبب جوهري، وهو أن مصطلح المثقف من المصطلحات التي شاعت وراجت في عصر شريعتي وأولى لها اهتمامات كبيرة لتخصصه في علم الاجتماع واطلاعه في ذلك الوقت على الجدليات الغربية الشرقية في هذا الصدد

[14] الأعمال الكاملة، مج ٢٠، ص ٢٥٥

[15] المصدر نفسه، مج ٤، ص ٢٥٩

[16] القطيعة بين المثقف والفقيه؛ يحيى محمد، أفريقيا الشرق ، ص ٤٣.

[17] دنيس كوش؛ مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م، ص ١٩

 

[18] محمد أركون/ العلمنة والدين، الإسلام ـ المسيحية ـ الغرب ـ دار الساقي، ص ٥٦  

[19] جدلية الحداثة والهوية في المشهد العربي اليوم / يزن زريق / يوم الثلاثاء 2019/2/26 ـ /العدد 3697

 / https://al-akhbar.com/Opinion/266772

[20] في مصدر سابق ص ٢٩ من هذا الكتاب

[21] صور المثقف/ إدوارد سعيد/ محاضرات ريث سنة ١٩٩٣/ نقله إلى العربية غسان غصن/ راجعته منى أنيس/ ص ٢١

[22] تنويه: هنا حينما أعرض وظيفة المثقف لا أعني تمثيل المثقف كفرد يمثل المنقذ للأمة، بل هي وظيفة تخص كل مثقف، ومع التحديات الراهنة لم تعد الوظيفة فردية بل قد تكون مؤسساتية، بمعنى مؤسسة تضم مجموعة من النخب المثقفة تقوم بهذه الأدوار مجتمعة.

[23] الأعمال الكاملة/ دكتور علي شريعتي/مج ٥/ ص ١٦٣

[24] مثقف مستبد

[25] مثقف مستبد

[26] المثقف ودوره/ الشيخ د. مرتضى فرج/محاضرة ألقيت في ديوانية الأكاديميين في الكويت/ يوم الأحد الموافق 27/3/2005

[27] مثقف مستبد

[28] مثقف مقهور

[29] مصطلح آطلقه الشهيد الفلسطيني المثقف باسل الأعرج والذي اغتالته يد العدو الصهيوني وهو في ساحات الانتفاضة الفلسطينية في ٦/آذار ـ مارس /٢٠١٧ وكان آيقونة هذا المصطلح حيث جسدت حياته مصداق لمصطلح المثقف المشتبك.

[30] باسل الأعرج المثقف الثوري في زمن الاشتباك / خالد بركات

http://al-adab.com/article/باسل-الأعرج-المثقّف-الثوريّ-في-زمن-الاشتباك-ملفّ

[31] مثقف مستبد

[32] مثقف مستبد

[33] مثقف مستبد

[34]  مثقف مقهور

[35] مثقف مقهور قهر ذاتي، أي هو من مارس القهر على نفسه ببذل جهد أكبر للتخطيط

[36] مثقف مقهور

[37] صور المثقف/إدوارد سعيد/مصدر سابق/ ص٢٤

[38] المصدر السابق ص ٢٢

[39] المصدر السابق بتصرف

[40] راجع عنوان الثقافة وسقف الحريات وما بعدها من هذا الكتاب

[41] إشكالية التحيز/رؤية نقدية معرفية ودعوة للاجتهاد/ تحرير عبد الوهاب المسيري/المعهد العالمي للفكر الإسلامي/١٩٩٨م/ بحث بعنوان كلمة في التحيز ـ د. علي جمعة ص ١٧ـ ١٨ بتصرف

[42] د.سالم موسى/جامعة الملك خالد/ أبها / التحيزات المعرفة التصديق الزائف / https://middle-east-online.com/التحيزات-المعرفية-والتصديق-الزائف/ تم الاطلاع في ١٥/ مايو / ٢٠١٩م

كندرا تشيري /خبيرة علم النفس/ المصدر السابق     [43]

[44] امفهوم التحيز عند الدكتور عبد الوهاب المسيري/رغداء محمد أديب زيدان/ تم الاطلاع في ٢٤ـ مايوـ٢٠١٩/ http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=16515

[45] المصدر السابق

[46] الشيخ حيدر حب الله ـ التفكير النقدي ـ محمد باقر الصدر أنموذجا

مقالات أخرى

مواءمة مناهج التعليم العالي مع مجالات الثورة الصناعية الرابعة ومتطلبات سوق العمل

محاضرة الدكتور علي أسعد وطفة حول بيداغوجيا النقيب

الاجتماع الديني الشيعي للدكتور علي المؤمن:

2 تعليقان

ما هو التاريخ المتغير – ما هو المتغير في العلوم؟ (أنواع المتغيرات) – SaEdu 6 يوليو، 2022 - 8:33 ص
[…] المثقف: الوظيفة والتفاعل مع الواقع – إيمان شمس الدين […]
المثقف بين المشاركة والانعزال.. مشاهدات صحفية - الطليعة نيوز 28 ديسمبر، 2022 - 6:00 م
[…] ظلّ ذلك، يمكن تقديم حلول، من مثل إيمان المثقف بدوره وثقته بحتميّة إسهامه في تكوين الرأي العام […]
Add Comment

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد