مراسلة علمية، بتأصيل إسلامي – بقلم الدكتور- محمد فكري

ليس هناك متعةٌ في الدنيا تُمْتِعُ الروحَ الإنسانية كمُتْعَة تحمُّل المشقَّة في كشف حقائق المعرفة…”. أ.د/ محمد محمد أبو موسى

شرفتُ بمراسلة علمية جديدة من “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” بالقاهرة، محتواها صدور كتابٌ موسوم بــــــ” الجوانب العاطفية فى حياة الأنبياء – كشف وتأملات نفسية” للراحل الأستاذ الدكتور / مالك بدري، الاستاذ الجامعي الذي دَرّس فى العديد من الجامعات العربية والإسلامية، وساهم فى إنشاء العديد من الجمعيات النفسية بل ترأس البعض منها، ويُعد كتابه الصادر حديثًا عن المعهد بالتعاون مع جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، ومعهد فيرفاكس، أحدث مؤلفاته العلمية، والذي جاء فى (مائة واثنان وسبعون) صفحة من القطع الكبير.

وقد جذبني عنوان الكتاب، فتصفحت محتواه، وتنقلت بين صفحاته، وأنا أتذكر كلمة شيخنا البلاغي أ.د/ محمد محمد أبو موسى “ليس هناك متعةٌ في الدنيا تُمْتِعُ الروحَ الإنسانية كمُتْعَة تحمُّل المشقَّة في كشف حقائق المعرفة…”.

وقد حاول المؤلف فى هذا الجانب التأكيد على أهمية التأصيل الإسلامي، وكأنه قد شعر بقرب المنيَّةُ فأراد أن يضع بين أيدينا كتابه الأخير الذي تكون من سبعة فصول، بدأها بمقدمةٍ وضّح بها استخدامه لمصطلحي “العاطفة” بدلًا من “الانفعالات” التى تحمل الجانب السلبي فى علم النفس، وبين الناس كونها تدل على الغضب، بالإضافة إلى أن مدلولها فى اللغة العربية لا يناسب صفات وشمائل الأنبياء، وأنّ العاطفة تحمل من المعاني التى يتمتع بها خير البرية، كما أنّها تتناسب مع طبيعة وخصال الأنبياء، كما ركز على مصطلح “التأمل” القائم على التعمق فى النفس الإنسانية، والتى دفعته بعد شروعه بالكتابة عن جانب العاطفة والحنين لدى الحبيب المصطفي أنّ يجد نفسه لديه رغبة فى الحديث عن تلك الجوانب فى ضوء خصال وشمائل الأنبياء، فكانت نقطة تحول بالكتاب على أن يكون الجزء الأول، ويُلحق به جزء ثانٍ عن حياة الرسول – صلوات الله عليه وسلم – بعنوان” العاطفية والحنين فى حياة سيد المرسلين”.

وعلى الرغم من صرامة الباحث الأكاديمية واتباعه للمنهجية العلمية القائمة على التحليل والتفسير وتقديم طرح يستفيد منه الجميع، وعلى أن يكون مرجعًا فى علم النفس الإسلامي، لكنه اتبع أسلوبًا يتسم بالبساطة فى تقديمها كمحاضرات علمية بعيدًا عن التعقيد.

وقد اتضح ذلك في طرحه لفصول الكتاب التي بدأها بتساؤلٍ بالفصل الأول: هل يصلح علم النفس الحديث لدراسة شمائل الأنبياء؟ مركزًا على أهم النظريات فى علم النفس وممارساته، التى تحتاج للتحليل والتأصيل قبل استخدامها فى تناول شمائل وخصال الأنبياء، وكانت أولى هذه النظريات نظرية “التحليل النفسي الفرويدي”، مستعرضًا الانفعال بالعاطفة فى الدراسات النفسية والعصبية الحديثة بالفصل الثاني من الكتاب، والذى أشار إلى وجود اختلاف بين النفسانيين حول ماهية الانفعالات، إلا أنه بيّن وجود اسهاماتٍ ايجابية اثبتتها الدراسات الميدانية بأن التغيرات الخارجية فى ملامح الوجه التى تصاحب الانفعالات المختلفة، فطرية موروثة، يُمكن التعرف عليها من قبل الأفراد فى مختلف الحضارات والبلدان، كما جاء بالفصل الثالث طارحًا تساؤلًا: هل يَكمل إيمان المسلم بالاكتفاء بعبادة الله بالجانب المعرفي للإسلام من دون أن يتعبد بعاطفته؟ هذا التساؤل الذى أراد به إثارة انتباه القارئ وجذبه، مؤكدًا على كافة أنشطة الإنسان النفسية والنفسجسمية، تقوم على ترتيبٍ منطقي يبدأ من الجانب المعرفي الساعي لاكتساب معلومات جديدة قد تُغير من نظرته لنفسه وبيئته، ثم الجانب السلوكي القائم على الأفعال والتى تحدث نتيجة اكتسابه للمعلومات والمعارف، ثم الجانب الروحي القائم على الفرح والحبور، لتأتي خاتمة هذا الفصل بعبارةٍ أوجز بها كل ما أراد توضيحه لنا حول الانفعالات الإنسانية والتى وهبها الخالق للإنسان ودورها الفعال فى “تسخين” الناحية المعرفية الايمانية وما يتبعها من أفعال الجوارح المختلفة.

ثم ينتقل بنا المؤلف إلى تأملات نفسية حول استجابات الأنبياء العاطفية من حيث كونهم بشرًا، أو من منظور شأوهم العظيم أنبياء معصومين، وهو عنوان الفصل الرابع، والذي ركز فيه على تصنيف المثيرات الانفعالية إلى أربعة في ضوء تأملاته، ويستجيب لها النبي كما يستجيب لها باقي البشر، مستشهدًا بالآيات القرآنية، موضحًا بأنها خصاله – صلى الله عليه وسلم- قبل بعثه أما بعد البعث أصبح خلقه القرآن الكريم.

أما الفصل الخامس: تأملات حول اختيار الله للبيئة والوراثة المناسبة لكل نبي، يضعنا أمام قضية شغلت علماء النفس وغيرها من العلوم وهى قضية “الوراثة والبيئة” وأثره فى تشكيل سلوك البشر وسماتهم الشخصية، لكن تناوله من منظور تأملات حول الحكمة الإلهية فى اختيار البيئة والوراثة للأنبياء والرسل، محاولًا تجاوز العديد من المغالاة والتعصب من قبل علماء النفس لمدارسهم التى تمجّد البيئة، أو التى تعظم أثر الوراثة، مستعرضًا تأملاته حولها فى تكوين صفات الأنبياء، فى حين جاء الفصل السادس: تأملات حول دقائق حكمة الله فى تدبير البيئة والوراثة لموسى عليه السلام، والفصل السابع: تأملات حول دقائق حكمة الله فى تدبير البيئة والوراثة ليوسف عليه السلام، الذى تناول الأحلام والرؤى وتفسيراتها الروحية سواء الرمزية منها أو غير الرمزية من جانب سيدنا يوسف عليه السلام، بالإضافة إلى التعرف على رفض علم النفس للجانب الروحي والتنبؤي للأحلام والرؤى، وتصور الإسلام لها.

وبقراءة متأنية فقد جاء تناول الفصل الأول والثاني من الكتاب متضمنًا معلومات عامة عن الانفعالات والعواطف بالدراسات النفسية والعصبية الحديثة من وجهة نظر الأصول المادية العلمانية، مقارنة بالتصور الإسلامي، لتكون باقي الفصول تأملات تأصيلية أبدع الكاتب بها.

وأخيرًا: فإن الباحث النفسي يقف أمام رؤية علمية ذات تأصيل إسلامي يُمكن أن تثري المكتبة العربية بأفكار تتصف بالعمق فى التحليل والتأمل المبني على أسس علمية أكاديمية على غرار هذا الكتاب الرائع، والذي أعلن عن حفل إشهاره فى الرابع والعشرين من يونيو لعام 2021م.

* الدكتور محمد فكري فتحي صادق: مصري، استاذ أصول التربية المساعد، كلية العلوم التربوية، الجامعة الإسلامية بمينيسوتا الأمريكية، عمل بجامعتي الملك سعود وأم القرى، له العديد من المقالات العلمية والصحفية التربوية، والاجتماعية والسياسية، والأدبية.

مقالات أخرى

التربية الجنسية في الفلسفة الكانطية

صابر جيدوري : ثنائية الفرد والمجتمع وانعكاساتها التربوية

ثنائية المعرفة: من العقل إلى التجريب

16 تعليقات

ياسر رمضان 19 يونيو، 2021 - 5:19 م
كلام محترم وتحليل محترم ونأمل في نسخة منه للاطلاع والاستفادة
ابراهيم الزهراني 19 يونيو، 2021 - 5:31 م
نقلت فابدعت وشرحت فأجدت شكرا دكتور نا الفاضل على هذا الطرح الرائع جدا
مرفت النبوي 19 يونيو، 2021 - 8:12 م
تحليل رائع دكتور د محمد فكري موفق ان شاء آلله وكتاب يستحق القراءة لفضائل تمييز الله لرسله بالعاطفة وغيرها من المميزات الوراثية والبيئية
محمد ضيف 19 يونيو، 2021 - 5:33 م
تحليل ممتاز د محمد ربنا يوفقك
د. ساره محمد 19 يونيو، 2021 - 6:22 م
كتبت فأبدعت .. مراجعة وتحليل أدبي مُتميز
ريم 19 يونيو، 2021 - 11:12 م
كل التقدير والاحترام د. محمد بالتوفيق 👏
ريم 19 يونيو، 2021 - 11:13 م
ممتاز د. محمد تحليل رائع
هاني الشناوي 19 يونيو، 2021 - 11:16 م
اشتقنا لقراءه الكتاب يا دكتورنا الفاضل
د نعيمه الشبكي 19 يونيو، 2021 - 11:28 م
وفقت يا دكتور محمد تحليلا وتوضيحا وسردا لفصول الكتاب بوركتم ووفقتم ونفع الله بكم اينما كنتم
رشيدة الحسين 20 يونيو، 2021 - 12:39 ص
افدتم و أجدتم بارك الله في جهودكم
محمد إكرام الله 20 يونيو، 2021 - 4:31 ص
ماشاء الله تبارك الله ... بوركت الأنامل .. تم طرح الكتاب بشكل رائع وسلس وهذا وإن دل فيدل على ملكة راسخة في النقد البناء والتقيييم الفعال
د.امل 20 يونيو، 2021 - 9:03 ص
موضوع رائع ومفصل بشكل جميل موفق يارب
rashaelnagar1973@gmail.com 20 يونيو، 2021 - 9:28 ص
أحسنت التوضيح للكتاب دكتور محمد فأطلعتنا على جناباته دون ملل وبرشاقة الكلمات تجولنا به نشكر لك هذا الإيضاح
Randa A. Elhelaly 20 يونيو، 2021 - 1:26 م
تحليل ممتاز و أكثر من رائع د.محمد . تناولت الموضوع بسلاسه و بساطه و وضوح . بارك الله فيكم و نفع بكم . تحياتي
محمد عبد الحليم 20 يونيو، 2021 - 2:48 م
عرض ممتع وشيق ينتقل بنا بسلاسة من موضع لاخر، وقد اشتقنا للكتاب
سعد ال عارم 20 يونيو، 2021 - 4:14 م
فتح الله عليك د. محمد فعلآ نحتاج لمثل هذا النظرات والتأملات من منظور أسلامي يقدم المعرفة النقية والتي تتفق مع قيمنا ومبادئنا الإسلامية بعيداً من التبعية العمياء ونشكر لك د. محمد تسليط الضوء على مثل هذه المؤلفات والمؤلفين الرواد.
Add Comment

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. اقراء المزيد