شكرًا محروس الغبان – بقلم : أ.د/ صابر جيدوري


7 نوفمبر، 2016  

شكرًا محروس الغبان – بقلم : أ.د/ صابر جيدوري

1160 مشاهدات اترك تعليق

شكرًا محروس الغبان

أ.د/ صابر جيدوري

 

يتردد منذ ثلاثة أيام على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي هاشتاغ “شكراً محروس الغبان على ما قدمته لجامعة طيبة”، إذ تفاعل معه الآلاف من أعضاء هيئة التدريس والطلبة في العالم العربي عموماً، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص.. مع التأكيد أن مثل هذا الشكر هو أقل ما يقدم إلى قامة فكرية وعلمية وإدارية قلّ نظيرها بين التربويين العرب.. قامة شكّلت من خلال فكرها وممارساتها علامة فارقة في فضاءت الجامعات العربية عموماً، وفضاء جامعة طيبة بالمدينة المنورة بشكل خاص.. في هذا المقال المتواضع اتحدث عن هذه القامة الفكرية التي فتحت لمنسوبي جامعة طيبة (أعضاء هيئة تدريس وطلاب وموظفين) أبواب التعبير الحر على مصاريعها من أجل الحوار البناء في قضايا التربية والمواطنة والبحث العلمي وبرامج التطوير والتحديث للدفع بجامعة طيبة إلى مصاف الجامعات المتقدمة.

من فضائل الدكتور الغبان أننا لم نرصد له يوماً موقفاً يشير إلى أنه يحب البابوية، ولا استعلاء الجماعة على الجماعات أو الشيخ على المريدين، أو القول على الأقوال، أو الرأي على الآراء… كان يبحث عن المجتهدين المتفقّهين المتمكّنين العاملين، يستمع لهم ويسمع منهم، ويقرأ ردود أفعالهم، ويرسم لهم ملامح الطريق، ولا يكاد يعطيهم تفصيلاً إلا في أمر يكون حريصاً على التفاصيل فيه. كان دقيقاً لا تستغرقه التفاصيل، مشهدياً لا يحب الخرائط الصغيرة، يلخّص آراءه في أحكام نهائية قويّة السبك عميقة المدلول، تماماً كما يفعل الفيلسوف مع طلابه، لم يقدم لنا يوماً عقلاً جاهزاً، وإنما كان همه الأول أن يثير لدينا فعالية الروح النقدية.

كان نشيطاً مفرطاً في اجتهاده وسعيه، فحجم العمل الإداري الذي كان يُنجزه كمديراً مكلفاً لجامعة طيبة كبير جداً، ومع ذلك كان يحرص حرصاً شديداً على حضور مناقشات الرسائل العلمية، والاشراف عليها وتحكيمها، لم يفوته سيمنار ولا ندوة ولا أي نشاط علمي على مستوى الجامعة والجامعات الأخرى.. وما أزال أذكر ذاك السيمنار العلمي الذي امتد لأكثر من ست ساعات شارك فيها دون كلل أو ملل مناقشات أكثر من عشر خطط معدّة للتسجيل في درجة الماجستير في التربية تخصص أصول التربية.

كان إذا تكلم تكلم بقدرٍ وميزانٍ، يَزِن كل كلمة، ويعني كل كلمة، وإذا لم تسعفه المفردات استخرج من القاموس العريض عنده كلمات تستطيل لتتسع لمراده، كيف لا وهو الفصيح المفوه، والمفكر التربوي الذي ينسج أفكاره بكل دقة واقتدار.

كان كريماً مسرفاً في كرمه، لا تكاد تخرج من مكتبه إلا بضيافة كريمة تليق بمقامه وكرمه، بشوشاً يملأ عينيكَ هيبةً وربما خوفاً، إذ أن عينيه تتسللان بسرعة إليك ليكتشفك .

أراد أن يكون مفكِّراً عاملاً، فلم يقبل أن يكون من هؤلاء المفكرين الذين يكتبون ويكتبون وينظّرون في بحر من الورق بلا تجربة ولا معركة، فخاض معاركه بنفسه، وعاش تجاربه كاملة، بدءاً من رئاسة قسم أصول التربية، ثم عميداً لشؤون أعضاء هيئة التدريس، ثم وكيلاً للجامعة ثم تكليفه مديراً لجامعة طيبة، مستخرجاً من كل هذه التجارب رؤى وأفكار كان لها أثر طيب في الدفع بجامعة طيبة إلى مصاف الجامعات المتقدمة محلياً وإقليمياً.

لا شك أن هناك الكثير مما يمكن قوله في أستاذنا الدكتور محروس غبان، والقليل مما عليه، لكنه يبقى محطة فكرية استثنائية يجهلها البعض من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس ويعلمها الكثير، وربما يعود الناس لقراءته بعد مضيّ زمانه فيختاروا من بين اجتهاداته مساراً مصوَّباً نافعاً.

لأستاذنا المفكر الدكتور محروس الغبان أجزل الشكر وأوفاه بمناسبة تقاعده ومغادرته لجامعة طيبة التي أعطاها الكثير من الجهد والعمل الدؤوب، الذي أنتج لنا من خلاله تربية من أجل الحياة والأمل والوحدة الوطنية ومبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.. لأستاذنا الغبان كل الحب والتقدير.. كما أرجو من الله التوفيق والسداد  لمدير الجامعة الجديد الأستاذ الدكتور عبد العزيز السراني.

أ.د/ صابر جيدوري

أستاذ فلسفة التربية بقسم أصول التربية بجامعة طيبة