حول لقاء استانبول….. نحو إسلام ديمقراطي الديمقراطية لون من التوحيد – د.محمد حبش


28 أغسطس، 2015  

حول لقاء استانبول….. نحو إسلام ديمقراطي الديمقراطية لون من التوحيد – د.محمد حبش

661 مشاهدات اترك تعليق

حول لقاء استانبول….. نحو إسلام ديمقراطي

الديمقراطية لون من التوحيد

د. محمد حبش 

كانت ندوة استنبول في الاسلام والديمقراطية (اغسطس 2015) تحدياً تحتاجه الأمة في بيان موقفها من المطلب الديمقراطي الذي يضعه العالم المتحضر شرطاً لدعم أي حراك سياسي، وهو ما أوحى لكثير من أهلنا وشبابنا أن الديمقراطية مشروع غربي يراد به القضاء على الإسلام.

لقد حاولت الندوة أن تملأ الفراغ الكبير بين الإسلاميين والعلمانيين، وحاولت أن تقدم الإجابات الممكنة للعالم بأن الإسلام ليس موقفاً إقصائياً إلغائياً للآخر، بل هو رسالة تشاركية يعيش الناس فيها متجاورين ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.

والديمقراطية ليست ديناً، إنها أسلوب حياة تشاركي، ومن الممكن تماماً أن نتحدث عن ديمقراطية إسلامية وديمقراطية مسيحية وديمقراطية يهودية وديمقراطية بوذية وديمقراطية لا دينية…

وفي إطار نقاش الفهوم المتقابلة للديمقراطية فإننا نستعرض اثنين من الآراء ولك أن تدرك ما بين هذه الآراء من تباينات ورؤى، من اختيار جودت سعيد بأن الديمقراطية هي التوحيد الخالص لله، إلى اختيار محمد قطب الذي يسميها: الطاغوت!!

وما بين القراءتين يمكننا أن نقرأ ألف دليل على مقاصد المدرستين، وهي حقائق يجب أن نتعود على إدراكها في الإسلام منذ قال الخليفة الراشدي الحكيم علي بن أبي طالب: إن القرآن جمال أوجه!!

فإلى أي مدى كان الخيار الديمقراطي نقيضاً للمشروع الإسلامي؟

ظل إشكال علاقة الإسلام بالديمقراطية يؤرق الباحثين منذ أمد بعيد بهدف الوصول إلى مشترك حقيقي بين الإسلام والديمقراطية، ومضى كثير من الكتاب الإسلاميين إلى تبني التناقض المطلق بين الإسلام والديمقراطية واختاروا رجم الديمقراطية بالحجارة كما لو كانت سلعة أمريكية يتعين مقاطعتها في غمار حملة مقاطعة البضائع الأمريكية.

وفي هذا السياق يمكن أن نقرأ ما كتبه محمد قطب في جاهلية القرن العشرين وسيد إمام في كتابه العدة وتقي لدين النبهاني في الدولة الإسلامية، وسيبدو للقارئ أن لا سبيل على الإطلاق لأي نوع من التقريب بين الديمقراطية والإسلام.

فالمرجعية في الديمقراطية للشعب والمرجعية في الإسلام للرب، ولا سواء ولا لقاء!!

ومضى كثير من الكتاب الإسلاميين إلى رجم الديمقراطية بالحجارة، كما لو كانت بضاعة أمريكية يتعين مقاطعتها في إطار مقاطعة البضائع الأمريكية.

 وفي الشهور الأخيرة وقعت الديمقراطية في عثارين اثنين: الأول في أمريكا حيث تمكن دعاة الشذوذ والإباحية أن يحققوا نجاحاً هائلاً في أمريكا عبر إقرار الزواج المثلي وفق قرار المحكمة العليا في الولايات المتحدة، والثاني في مصر حين قام العسكر في مصر بالانقضاض على الديمقراطية وزج الشرعية في السجون، وسط تأييد العالم الديمقراطي الكاسح لهذه الممارسات، ولم تستطع الديمقراطية فعل شيء لحماية الديمقراطيين أو حتى التضامن معهم في عذاباتهم أو حتى السكوت بل انخرطت الديمقراطية الأوربية والأمريكية في تأييد العسكر والاستهزاء بالمخرج الديمقراطي، في مشهد لا يمكن وصفه بأقل من النفاق الديمقراطي.

لن نطيل هنا في تعريف الديمقراطية والمدارس السياسية التي تتولى التعريف بها، وأعتقد أنها أصبحت من باب المعروف الذي لا يعرف، وغاية ما نذكره هنا هي أنها مرادفة للعدالة في اللغة العربية، وبإمكانك أن تسقط مفردة العدل على كل مفرزات الديمقراطية فهي المساواة بين الناس وتداول السلطة واحترام القانون واحترام الحريات وتحقيق الشورى، ويدخل في مقاصدها كل ما أنجزه الإنسان في باب العدالة الاجتماعية، وقد كان من الممكن أن نكتفي بالاسم العربي القرآني وهو العدل، ولكن المصطلح اكتسب صفة عالمية إنسانية، وأصبح له تراث وتاريخ تجتهد الأمم في شرحه وتمثله والعمل في سبيله، ولا أعتقد أن من المصلحة في شيء أن يدير المجتمع الإسلامي ظهره للمنجز الإنساني في العدالة بحجة أنه يستخدم مصطلحاً آخر، بل المنطق يقتضي أن نستفيد من الكفاح الإنساني وتجارب الأمم وفق قاعدة قرآنية شريفة : نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم.

إن ما نتجه إلى تقريره هنا هو أن الديمقراطية في مؤداها العالمي ليست منجزاً إقليمياً ولا يحق احتكارها فلسفة ولا منشأ ولا تطبيقاً لأي شكل من أشكال النظام السياسي في العالم، وعلينا إدراك أن الديمقراطية وحقوق الإنسان منجز إنساني عالمي دفع الإنسان خلال التاريخ ثمنه بدمه وكفاحه، واشترك في إنجازه وبنائه، ومن حق سائر الأمم أن تنعم بما تم إنجازه في هذا السبيل على أساس أنه تراث عالمي متاح لكل شعوب الأرض.

ولإدراك هذه الحقيقة يتعين أن نجري قراءة تحليلية للعلاقة التشريعية بين النص الديني ومصالح الناس المعتبرة التي أنتجت الديمقراطية، وإلى أي مدى يمكن أن يكون الإسلام ديمقراطياً أو تكون الديمقراطية إسلامية، وهل الديمقراطية والإسلام مصطلحان متقابلان بحيث يتعين الترجيح بينهما، أم أنهما مصطلحان متوازيان لا يلغي أحدهما الآخر ويمكن أن يتعاونا على تحقيق مصالح الناس.

وباختصار: حين يكون الإسلام هو تطبيق نمط حياة محدد مارسه السلف قبل عشرة قرون، لا يجوز الابتداع عليه ولا الزيادة فيه، ويكون كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، وحين نقول نحن أمة النص، وحين يصير العقل تهمة، وتؤلف الكتب في الرد على العقلانيين واتهامهم بالردة والكفر فسيكون ذلك بالطبع مناقضاً للقيم الديمقراطية ولا أظن أنه سيكون هناك معنى لأي لقاء.

ولكن حين ندرك جهود الفقهاء المستمرة تاريخياً لعقلنة النص وتخصيصه وتقييده، وفق آليات الاستحسان والاستصلاح العميقة، ويمكننا أن نقول عندئذ الديمقراطية آلة اجتماعية هدفها تدبير حياة الناس بما يسعدهم ويحقق حاجاتهم، وفق ما يعتقدون ويؤمنون فإن الديمقراطية هنا تغدو آلة من آليات العدالة، وهي من يحقق للناس حقوقها وأمانيها بما في ذلك الحقوق الدينية والاعتقادية.

وقد ظهر هذا التناقض في فهم الديمقراطية فيما كتبه كثير من الكتاب الإسلاميين في الخمسينات والستينات من قراءة نقدية للديمقراطية على أساس أنها معارض حتمي لمنطق حاكمية الله، وأنه لا يمكن القبول بحكم النص الديني والاحتكام إلى إرادة الشعب في آن، ذلك أن إرادة الناس منبثقة في الغالب من الهوى وهو ما يتعارض بشكل حاد مع الشريعة الإلهية المنبثقة عن مصدر مختلف تماماً هو الوحي!

وهكذا فإن بعضهم ذهب إلى حد القول إن العدالة والمساواة وغير ذلك من القيم الإنسانية النبيلة ما هي إلا انحرافات عن هدي الوحي الذي يدل ظاهره على عدم المساواة بين الرجل والمرأة وبين الحر والعبد وبين المؤمن والكافر، وأن البحث عن إرادة الأغلبية هو جحود لمنطق القرآن الكريم: ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقوله: وإن تطع أكثر من في الأرض جميعاً يضلوك عن سبيل الله.

وصرح النبهاني تقي الدين بالقول: إن الديمقراطية هي أوثان القرن العشرين، وأن البرلمانات هي الأصنام الجديدة! وكتب سيد إمام في العمدة ما نصه: الديمقراطية شرك بالله وكفر أكبر صريح، إذ تسلب حق التشريع من الله وتعطيه للبشر، وقال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ}، ويكفي في كفر الديمقراطية أن قرارات البرلمان تخرج مُصَدَّرَة (باسم الشعب) وليس (باسم الله) فهم قد وضعوا الشعب موضع الله سبحانه، ولهذا فإن الديمقراطية هي من صور تأليه البشر من دون الله، وقد حرمها الله في قوله تعالى: {وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}. وهذا النظام الشركي قد لجأت إليه الأمم الكافرة كاليهود والنصارى بعد ما بَدَّلوا دينهم ولم يبق لهم شرع صحيح.

وبالمقابل فقد أطلق منكرو الوحي خطابهم في الحكم على الإسلام بأنه معاد للقيم الإنسانية وأنه غير معني بالمساواة في الأرض، وراحوا يستحضرون الدليل تلو الدليل على الاستبداد الذي وقع في التاريخ الإسلامي، للتدليل على أنه كان نتيجة اعتماد خيار الوحي وتنكب الخيار الديمقراطي!

الديمقراطية صعود حضاري وهي في الجوهر غير متعارضة مع قيم الإسلام في الشورى والعدالة، وأن الإسلام لا يسعى في جوهره ومقاصده لفرض نمط ثيوقراطي ميتافيزيقي يحكم الناس بقواعد الغيب ويقاسمهم ما يجمعونه في عالم الشهادة.

إن الثيوقراطية الدينية مرفوضة في الإسلام، وإن إقامة حكم ديني في الإسلام بالمعنى القروسطي الذي عرفته أوروبا هو منطق مرفوض إسلامياً، وأن ما يتوجه الإسلام لبنائه في الأرض هو نظام مدني، بشروط ديمقراطية تتفاوت اتساعاً وضيقاً بين علماء السياسة الشرعية في الإٍسلام.

إن المشكلة تتمثل في أننا نعمد إلى منهج انتقائي في قراءتنا للتاريخ الإسلامي بحيث نعمد إلى أشد الآراء تطرفاً وظلامية فنحمل الأمة بأسرها وزر ذلك، وكأن ليس في التاريخ الإسلامي غير هذا الخيار، وفي مسألة الديمقراطية فإن ما يستحضره العلمانيون من مخاوف على الحريات والديمقراطيات إنما يتبدى من شعار مثل  لا حكم إلا لله، وهو بالضبط الشعار الذي تقاتل اليوم تحت لوائه اليوم الحركات الراديكالية في العالم الإسلامي، وهو ما أسس مباشرة لثقافة الإلغاء والإقصاء ولموجات متلاحقة من العنف والعنف المضاد الذي اصطلى به العالم الإسلامي في العقود الأخيرة وهي ذكريات مرة دامية لا يريد أحد أن يتذكرها في الخيال فضلاً عن استدعائها في الواقع.

ولكن شعار لا حكم إلا لله على طهارته ومصداقيته هو شعار حاربه الوعي الإسلامي إبان الرشد وخاض الإمام علي حرباً ضروساً في مواجهة الخوارج دفاعاً عن حقوق الناس في الحريات والإرادة الشعبية، مع عدم الاعتراض على الشعار من جهة المبدأ، وهو ما قال عنه الإمام علي: كلمة حق أريد بها باطل .

إن التنوير الإسلامي عاش مصاحباً لحركة الفكر في الإسلام ومضت حركة ترجمة العلوم والمعارف الإنسانية وهي في قماطها اليوناني والسرياني على يد أبرز الخلفاء الأمويين والعباسيين، إلى حد زنة الكتاب المترجم بالذهب، على الرغم من أنه بداهة قد يكون طافحاً بمعارضات حادة مع أساسيات العقائد الإسلامية، والأمر نفسه كان في مكتبات الأديرة والمعابد التي كانت طافحة بثقافات الشرق المسيحي السرياني والآرامي واللاتيني ولم تمتد إليها يد إساءة على الرغم من اشتمال كتب كثيرة منها على عقائد التثليث والأقانيم وقدم العالم، وذلك كله مخالف للشريعة، ومع ذلك لم يمسسه المسلمون بسوء، وبقاؤها إلى اليوم حاضرة شاهدة خير دليل على ذلك الانفتاح الذي عاشه المجتمع الإسلامي أيام الرشد وهو أولى بكل تأكيد في الاعتبار من الأساطير التي راجت عن إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية وهي الأساطير التي تورط في روايتها للأسف مؤرخ محترم كديورانت، ومضى ذلك إلى حد تقبل العقل الإسلامي وجود فلاسفة إسلاميين كبار كانوا لا يكتمون ميولهم المشائية، كالكندي والفارابي وابن سينا، بل إن هذا الأخير منح لقباً هاماً ذا مغزى حين سمي بالمعلم الثاني، وأصبح الحديث عن المعلم الأول واضحاً في الإشارة إلى أرسطو، على الرغم من التفاوت الهائل من الجانب الفكري بين كل من الاتجاهين الإسلامي واليوناني .

لقد ظلت العلوم الكونية لعدة قرون علوماً مسيحية أو صابئية، وسجل لهم في هذا السبيل إبداع كبير، وبسبيل من ذلك ترد أسماء كبيرة مثل حنين بن إسحاق، وحنين بن ماسويه، ويوحنا بن بختيشوع، وجبرائيل بن بختيشوع، ويوحنا بن ماسويه، وإسرائيل بن زكريا الطيفوري، وغيرهم، ويرجع ذلك إلى معرفة هؤلاء باللغات السريانية واللاتينية واليونانية التي كانت تحتوي على معارف الطب القديم.

بالطبع فإن هذه الإنجازات الديمقراطية الهائلة ينظر إليها المتشددون على أنها تفريط من الحكام بإقامة حدود الله، وأن هؤلاء الحكام اختاروا مرجعية العقل بدل مرجعية النص وكان عليهم أن يقاتلوا الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وليس أن يجاملوهم وفق الشروط الديمقراطية، على الرغم من أن الشريعة طافحة بنصوص الرحمة والإحسان إلى الخلق بدون تمييز، قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

إن حالة الانفتاح و(الديمقراطية) التي قدمت شواهدها هنا كانت دائماً تواجه مداً ظاهرياً يشتد آناً، ويهن آناً آخر، ولكن يجب التأكيد في الواقع أن هذا التيار التجديدي الانفتاحي هو الذي كتب له النصر أيام مجد الحضارة الإسلامية وأن الاتجاه الظاهري الماضي إلى إلغاء الآخر وتطبيق ظاهر النص بدون اعتبار المصالح هو تيار منهزم عبر تاريخ المجد الإسلامي؟

وباختصار فإن القيم الديمقراطية ليست في الحقيقة إلا خلاصة ما أنجزه الإنسان في كفاحه من أجل العدالة والمساواة، وهي ليست احتكاماً إلى الشعب ضد إرادة الله، وإنما هي اكتشاف إرادة الله من خلال خيار الجماعة، أو البحث عن حكم الشريعة من خلال الإجماع، أو قراءة الفطرة التي فطرها الله في ضمائر الناس.

إنني لا أنظر إلى الشريعة كتراث مائت نحوم من حوله فنتلمس ما فهمه السلف، بل أنظر إليه كتراث حي متجدد، ثبات في النصوص وتحرك في الدلالات، وما كنا نقرؤه في عهد النبوة من الوحي المتلو عبر جبريل، نقرؤه اليوم عبر آليات الديمقراطية حيث نصل إلى النفحة التي نفحها الله لعباده مسملين وغير مسلمين، وفي القرآن إنها فطرة الناس وليست فطرة المسلمين وحدهم، وأنا على يقين أن ما سنجده في مستودع الفطرة الإنسانية هو عينه ما كان يأتي به الوحي الطاهر يوم لم يكن هناك آليات تبلغ مكامن الفطرة الأولى.

أليس هذا هو قوله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.