ماذا لو امتلك العرب القنبلة النووية؟ فوزي مهنا


26 أغسطس، 2015  

ماذا لو امتلك العرب القنبلة النووية؟ فوزي مهنا

1008 مشاهدات اترك تعليق

ماذا لو امتلك العرب القنبلة النووية؟

فوزي مهنا

أكاد أجزم أن الرحمة الوحيدة التي حلّت على العرب أنهم لا يملكون القنبلة النووية، وإلا لهلكوا بعضهم البعض، تصوروا لو امتلك القذافي أو صالح أو صدام أو أبو نضال أو رفيقه أحمد جبريل، أو غيرهم هذه القنبلة، أية كوارث ستحل بنا؟ لذلك كان عبد الناصر على حق عندما نصح القذافي في أول زيارة له لمصر بأن لا فائدة من القنبلة النووية لأنها ستؤدي بالنتيجة إلى تدمير العرب أكثر من اسرائيل، وفقا لما رواه الكاتب محمد حسنين هيكل.
يقول كارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة” أليس هذا هو حال أمتنا العربية اليوم التي تتنقل من مهزلة إلى أخرى، ومن سيء إلى أسوأ، انتقلنا خلالها من حدود دول لحدود مزارع، باتت كل منها بحجم الحاكم وأبنائه، بل قبيلته وطائفته وحزبه القائد، لذلك ما الذي يخسره الحاكم العربي عندما يُخِّير شعبه بين البقاء على الكرسي وإما خراب الأوطان؟
مالذي يريده المخلوع علي عبدالله الصالح؟ برسالة المساومة التي وجهها للسعوديين سلمها ابنه أحمد قبل يومين من بدء الهجوم العسكري الذي شنه التحالف الخليجي على اليمن، في 26 مارس 2015 نشرتها قناة «العربية» تضمنت صفقة مفادها أنه مستعد للوقوف معهم وبيع حلفائه الحوثيين، مقابل تحقيق مصالح شخصية تتمثل برفع العقوبات المفروضة عليه من قبل مجلس الأمن، ومنع سفره وتجميد ثرواته في البنوك اليمنية والخارجية، وكذلك السماح لابنه وذريته بالحكم.
ثم مالذي خسره ويخسره صالح؟ من راع غنم لدى قبيلة آل الأحمر قبل أن ينخرط في الجيش بوظيفة سائق مدرعة، ليقوم بإطلاق الرصاص على الرئيس حسين الغشمي في عام 1978 من ثم إقدامه على إعدام 29 شخصا من القياديين المحسوبين على الناصريين، إلى حكم اليمنيين أكثر من ثلاثة عقود متواصلة من النهب والإفقار، بات اليمن خلالها وفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية من أكثر بلدان العالم فسادًا سياسيًا واقتصاديًا (حوالي نصف الشعب اليمني تحت خط الفقر، وأمية تزيد نسبتها عن 50%) قبل أن يخلعه الشعب اليمني ليعود من جديد راعيا لدى آل الحوثي.
مالذي خسره ويخسره الفريق عمر البشير؟ بتوعده المدعي العام الدولي “أوكامبو” أنه ومحكمته وقضاتها «تحت جزمته» إذا كان ثمن ذلك زيادة إفقار الشعب السوداني وتقسيم وطنه بتنازله عن “إقليم دارفور” الذي يمثل ثلث مساحة السودان، وثلاثة أرباع إنتاجه النفطي ونصف إيراداته الحكومية وثلثي احتياطاته من العملة الصعبة، وإذا كان ثمن ذلك بقائه بقصره الأضخم في عموم القارة الإفريقية، حتى لو كان شعبه السوداني يتضور جوعا.
مالذي خسره عميد الحكام العرب بقوله “طز أمريكا” أو قيامه بإسقاط طائرة البان أمريكان، إذا كان الثمن تبديد أموال الشعب الليبي بكل اتجاه، وتدمير ما لديه من طاقة ذرية وكيماوية أُنفق على شرائها بلايين الدولارات، مقابل بقائه وخيمته متجولا فيها مع ثلاثمائة سيارة مرافقة، من ثم ضمان انتقال مملكته لذريته من بعده، ما الذي خسره صاحب أم المعارك أو يخسره الممانعون اليوم؟ بسياساتهم الإقصائية المكابرة! مع أن ثمن ذلك هو ما نشهده من تهديم الأوطان.
ماذا فعلوا بنا هؤلاء حتى أصبحنا في الدرك الأسفل؟ هذا أخذ يتشبّه بتشاوشسكو وذاك بستالين، وثالث بروبسبير ومقصلته فيما الرابع مُعجبا بالزعيم الكوري الشمالي الذي يُبدع بفنون الإعدام، يعرف كيف يطعم ابن عمته للوحوش الضارية، وكيف يعدم وزيره بطلقة مدفعية.
بعد نصف قرن على تلك الزعامات أين أصبح العرب اليوم؟ تجمع الدراسات المتخصصة عن العالم العربي بأن خمس المواطنين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، وأن هناك 70 مليون بالغ أمي وعشرة ملايين طفل لا يذهبون للمدارس، وأن مجموع ما يُنفق في مجال البحث العلمي على المواطن العربي سنويا لا يتجاوز أربع دولارات مقابل 972 دولار لكل إسرائيلي واحد، وأن كل ما تُرجم من الكتب للغة العربية خلال سنة واحدة هو أقل مما ترجمته اسبانيا في اسبوع، كان هذا قبل أن تتحلّل الأوطان.
ثم أين أصبحت إسرائيل التي وعدونا أنهم سيرمونها في عِباب البحر؟ غير أنها لم تعد في أولوياتهم في الشعارات على الأقل، فبدلا من أن يرموها في البحر كنا نحن المرميون! انظروا لجثث الضحايا من السوريين والليبيين الذين أخذت البحار تغصُّ بهم اليوم، ليكتمل الفرح الاسرائيلي بعد أن أصبحت مصر لم تعد تخاف من آريل شارون 1956 وإنما من شارونها الداخلي الذي بات منها وفيها، سورية المكلومة خرجت من كل المعادلة بعد أن شُرِد شعبها وفقَدت أكثر من مئتي ألف شهيد، العراق الذي كان يُرسل قواته لدعم الجبهة الشرقية يُرسل اليوم إليها قوات أبو الفضل العباس وعصائب الحق، وكذلك حزب الله الذي أسس عقيدته على أساس مقاتلة المحتل الصهيوني، ها هو يُقاتل اليوم في معظم أنحاء سورية.
ماذا بعد؟ لقد بقي البعثيون في كل من العراق وسورية يتحدثون عن القومية وكيفية بناء الوحدة حتى سخَّفوها، فأصبحت وحدة أعرق شعبين وأهم دولتين من المحال، عندما دخلَت في متاهة التخندق الطائفي والاثني المؤدي للخراب والضياع الطويل، لماذا؟ لأن التمسك بالسلطة كان أكثر أهمية من بقاء الأوطان، لذلك كانت ولادة “داعش” من رَحِم مخاض طويل الأمد من الظلام والتحجّر الطائفي وإسكات جميع الأصوات المخالفة الداعية للحرية والمساواة والعدالة، وكانت أن أصبحت الطريق إلى الموصل والرقّة ولبغداد تحت العلم الأسود.
مُضحِك أمر العرب! طيلة حرب الثمان سنوات والرفاق يقفون لجانب إيران ضد رفاق الحزب الواحد، تخّوف الخليجيون من التهديدات الإيرانية لسفنهم الراسية في شط العرب والمنطلقة منه، فما كان من فاروق الشرع وزير الخارجية السوري آنذاك سوى الذهاب للكويت ليعرض على الأشقاء الخليجيين رفع العلم السوري عليها، كي تتجنب ضربات وتهديدات الشقيق الإيراني، ذُهل الشيخ صباح الأحمد كما يروي الشرع في مذكراته قائلا: إن رفعنا العلم السوري فسيقصفنا صدام! الأفضل أن تقنعوا خامينئي بوقف قصف سفننا، توسل الشرع لدى الفقيه الإيراني فأجابه: إن الله هو الذي يقصف سفنهم!.
في عشرينات القرن الماضي جابت الرحالة البريطانية “فريا ستارك” اليمن وهي على ظهور الحمير، وعن تلك الرحلة تروي بكتابها “رحلة في حضرموت” إنها سألت مرافقيها سليم وسعيد: لماذا لا يكملان الرحلة معها؟ «قال سليم: بكل طيبة خاطر، لا مشكلة لدينا في الذهاب لأنك ومندوب الحكومة معنا، لكن سنعود بمفردنا والقبائل الأخرى سوف تسطو علينا» ألم يعيد المخلوع صالح وغيره الأوطان إلى عشرينات القرن الماضي؟
دوما أبحثوا عن القائد المُخّلِص، وعذرا للتكرار، لقد اختصر أحدهم حال العرب في النصف القرن الماضي بأنهم وقَعوا تحت حُكّام “محدودي الكفاءة” شهواتهم السلطوية كانت بلا حدود، فلا مكان للناس، ولا احترام لحياتها، وحتى وجودها، لقد تصرّف الحاكم العربي بالبلدان والشعوب كأنها قطعان مسخَّرة، يأخذها للحروب ولا يعيدها منها، وإذا ما فكَّر يوماً في السلم يكون ذلك دائماً في الذُّل والخسارة، في مثل هذا المناخ من التشقّق والعبودية والصمت وعدميّة الحوار وعبادة الشخص وارتفاع السوط، تفتَّقت أمّة منعدِمة المستقبل، معدومة التطوّر والتقدّم والتعلّم، محرومة جميع طرق الأمم العادية ودروبها ومسالكها، حروبها فيما بينها أكثر من سلمها، وتخلُّفها أعمق من رؤيتها.
نعم لم يكونوا بحجم شعوبهم، ألم يتركوا هذه البلاد قفارا ويبابا؟ يكفي أن نستحضر ما رواه يوماً أحد أعمدة عصر النهضة جورجي زيدان أنه عندما توّلى عمرو بن العاص، ولايته على مصر كتب إلى الخليفة “دخلت مدينة أستطيع فقط القول إنها تضم 4 آلاف قصر و4 آلاف حمام و400 مسرح و1200 بقالة خضار” يكفي أن نتذكر أن مصر وسورية في خمسينات القرن الماضي كانتا أفضل حالا من دول عديدة كالهند ونمور شرق آسيا وغيرها، لكن يبقى العتب على الشعوب، فعندما تصبر على الأخ العقيد وجور أبنائه أكثر من أربعة عقود فسوف يسمّيها الجراذين، وعندما تصفق للفريق والمشير وقائد المسيرة وللعائلة وسلالتها، من الطبيعي أن تتحول عندها لمجرد خونة وجراثيم وإرهابيين.
كاتب سوري