العروبة والقراءات المتناقضة في المدارس الفكرية والسياسية – توفيق المديني


25 أغسطس، 2015  

العروبة والقراءات المتناقضة في المدارس الفكرية والسياسية – توفيق المديني

801 مشاهدات اترك تعليق

العروبة والقراءات المتناقضة في المدارس الفكرية والسياسية

 توفيق المديني

لاتزال العروبة تشكل موضوع نقاش محتدم ومتجدد داخل المدارس الفكرية والسياسية العربية، بسبب القراءات المتناقضة بشأن مضمونها،بين دعاة التجديد والتجاوز للمفاهيم والأطر الأيديولوجية التي سجنت العروبة في قوالب جامدة، ودعاة التشكيك في معناها ووجودها. فالأولون يرون أن العالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج العربي، يتكون من شعوب عربية متوحدة في المصالح والمشاعر والتطلعات الواحدة، لكن تعيش بين ظهرانيها أقليات دينية وعرقية مختلفة أخفاها الدين الواحد واللغة الواحدة التي ارتبطت به، وهي في طريقها لأن تستعيد وعيها بذاتها وهويتها الخاصة، خلال العقود الأخيرة، حيث رأت الأقليات المحصورة سابقاً كثيراً في فرصها الاستراتيجية بالنسبة لعلاقة قوى غير مؤاتية ونطاق مؤسسي ثابت وصارم، دفعة واحدة يتسع إلى ما لا نهاية في مجال الممكنات.

وهناك قطاعات من العرب تنزع إلى نكران عروبتها أو تجاهلها أو عدم إعطائها قيمة ومعنى، أحيانا لأسباب أيديولوجية، أو لأسباب سياسية، فلا شك في أن حركات الإسلام السياسي، أو قسماً كبيراً منها، تنفر من العروبة لأنها تخشى أن تكون بديلاً للانتماء الديني الأوسع، ترى بعضها فيها «عصبية جاهلية»، ومثل ذلك كان يفعل الكثير من أصحاب الأيديولوجيات القطرية المتمحورة حول الدولة بعامة في الماضي القريب، والحداثيون أو العلمانيون الذين ينظرون إلى العروبة على أنها أيديولوجية قومية، وهي. «لا تبدو أبداً أمراً بدهياً» حسب رأيهم.

منذ نهاية القرن التاسع عشر، مروراً بالقرن العشرين، وليومنا هذا، شكل مفهوم العروبة، أي ميدان الاستثمارات المتنوعة الذي يتم فيه توظيف الخصائص الإثنية الموضوعية في مشروع ثقافي أو سياسي يتطلع إلى المستقبل، القاطرة التي سعى المثقفون والمفكرون والساسة العرب، أو كثير منهم، إلى استغلالها لنقل الأمة العربية من وهدة التأخر التاريخي إلى عناق العصر الحديث، وإعادة تشكيل حياتها حسب القيم والمعايير الحديثة، الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

1- تبني العروبة مقولات النهضة الأوروبية

لقد تقمصت العروبة في القرن التاسع عشر أفكار عصر النهضة الأوروبية، فأوروبا كانت ماثلة في ذهن المثقفين والسياسيين المتحمسين لإحياء العروبة من سباتها العميق، حيث إن نمط تفكيرهم كان منشداً نحو أوروبا يسألونها سبل تقدمها – وفي ذهن النخبة العربية كتحد خارجي. لكن هذا التحد لم يكن مباشراً بعد، ولم يكن الوعي محكوماً بهذا العامل تماماً. لذا يمكن القول إن سؤال النهضة العربية الأولى انطلق من شعور الحاجة إلى التقدم. وهنا تقبع أهمية هذا المنطلق، علماً بأن مفهوم التقدم عند مفكري النهضة العربية لم ينتقل إليهم ابتداء من فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين من أمثال: فولتير وكوندورسيه ومونتسكيو وغيرهم، وإنما جاءهم من مصدرين أساسيين لم تكن أفكار التنويريين الأوروبيين إلا رافداً ثالثاً لهما، أما المصدر الأول فهو وعيهم للهوة التي باتت تفصل عالم العرب والشرق والإسلام عن عالم الغرب الذي لاحظوا أنه يحث الخطا بثبات واطراد في طريق الرقي والتقدم والتمدن، وأما المصدر الثاني، فهو قراءتهم لابن خلدون التي تحتل فيها مشكلة أفول العمران أي التقهقر الحضاري، المرتبة الأولى. ومع قراءتهم لابن خلدون ووعيهم لحالة التدني والتقهقر لم يكن بد من أن تجد آراء فلاسفة التنوير بعض الرجع والصدى، ولذلك بدأت محاولات جدية للاصلاح الإداري والسياسي، وأبرز محاولتين لدراسة مفهوم التقدم وبخاصة في شق العمران، هما رفاعه الطهطاوي وخير الدين التونسي….

إن سؤال النهضة سؤال محلي ارتبط بمشروع سياسي يصل مصر بالمشرق العربي، في سيرورة بناء دولة مركزية شرقية قوية و«متأوربة» تطمح إلى الاستقلال الكامل عن السلطنة العثمانية المتزعزعة والمحتضرة، وهذا ما أرهب آنئذٍ السلطان العثماني والغرب الأوروبي في آن معاً، أي «خطورة» هذا المشروع السياسي عليهما الذي يعمل لتحقيقه نظام محمد علي المركزي، ويلاحظ هنا وقوف أوروبا الغربية الحديثة بقيمها العقلانية والديمقراطية، والحاملة «لرسالتها» المزعومة أي، «رسالة الديمقراطية» المسماة بـ الليبرالية وذات النزعة الفردية ضد مشروع نهضوي تحديثي عقلاني في مصر وسورية بزعامة الحاكم المستنير، وتحالفها مع قوة تقليدية متخلفة ممثلة بالسلطان العثماني، مجافية لكل مبادئ الديمقراطية الليبرالية، وهذا يعني أن أوروبا لم تكن أمينة لقيم ومُثل الثورة الديمقراطية البرجوازية المتناقضة جذرياً مع الدولة الاقطاعية وكل مخلفات القرون الوسطى، بل هي أمينة لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية الجيو – سياسية، وهذه المداورة الانتقائية للديمقراطية الليبرالية، ولمفهوم حقوق الإنسان، أصبحت سياسة متأصلة عند الغرب الذي يحرك آلة حرب «حقوق الإنسان» ضد الأنظمة في الوطن العربي التي يصنفها على أنها معادية له من وجهة نظره، سواء كانت قومية علمانية أو جذرية، ويضرب جداراً من الصمت على الأنظمة الموالية له، حتى لو كانت ديكتاتورية ومعادية للحرية والديمقراطية، وتطبق الشريعة الإسلامية على الطريقة المتشددة.

كانت عوامل النهضة الفكرية والسياسية والاجتماعية بمفهوم العروبة تشكو من عدم الانسجام، فمن ناحية أولى لم تتمكن تلك اليقظة من إحداث بلورة جذرية للبنى الفكرية والاجتماعية المتوازنة (بما في ذلك البنى الاقتصادية والسياسية). ومن ناحية ثانية، عجزت تلك اليقظة عن استيعاب الطبيعة الحقيقية لمفهوم الحداثة، فعلى الصعيد الفكري والثقافي كان هناك تياران: تيار الإصلاح الديني، وتيار ليبرالي، أما على الصعيد الاجتماعي السياسي، فقد كانت هناك حركتان متعاكستان حركة مجتمع متأخر بدأ يتلمس تأخره نتيجة الصدمة مع الغرب، ويريد إعادة بناء ذاته وصياغة هويته، وتحديث بنيته بأدوات بعضها محلي ذو أبعاد تاريخية، وبعضها مضاد، مصدره الضغط الخارجي، الذي كان يدفع إلى إعادة إنتاج المجتمع المدني وفق معطيات العصر الحديث وشروطه، ولاسيما تحكم المراكز الاستعمارية، وإلى إعادة تشكيل بنى المجتمع وفق المصالح الرأسمالية الغربية، ومنطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ لمصلحة ظهور رأسمالية تبعية و«هامشية» في العالم العربي، إذ أصبح هذا الأخير منطقة هامشية وآمنة للسوق الرأسمالية العالمية، الأمر الذي قاد إلى ترسيخ علاقات التبعية البنيوية في المجالات الاقتصادية والثقافية إزاء الغرب، والحذو حذوه في نماذج الفكر والثقافة وأساليب المعيشة والحياة والاستهلاك…. إلخ.

هناك مسافة زمنية فصلت الحركة السياسية القومية عن محاولة النهضة الفكرية، لكن أصداء تلك النهضة ظلت تتردد في أذهان المؤسسين. وتعرف المسألة القومية العربية بأنها فرع من المسألة الشرقية، وتدخل في نطاق النزاع الذي كان سائداً آنذاك بين العثمانيين الذين استأثروا بالسلطة في الماضي، ويريدون الاستئثار بها في المستقبل أيضاً، والعرب الذين يطالبون بالمساواة وفق الحق والقانون، وتحقيق مطالبهم القومية. وقد كانت المسألة العربية من أهم أسباب الحرب ولاسيما الحرب العثمانية لأن أطماع ألمانيا في البلاد العربية بلغت حداً لم يسع إنكلترا وفرنسا وروسيا السكوت عنه ولأن الاتحاديين الذين تآمروا على كيان العرب مع الألمان لم يروا بّداً من دخول الحرب شداً لأزرهم ورغبة في انتهاز الفرصة لضرب الأمة العربية ضربة لا تقوم لها قائمة بعدها.

نصل إلى استنتاج أن العروبة التي ولدت في القرن التاسع عشر وحتى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى تبنت مبادئ وقيم عصر النهضة الأوروبية، واتسمت بطابع إنساني كوني، وارتبط نشوؤها بمفهوم ايجابي لا نزال نردده إلى اليوم هو عصر النهضة، تيمنا بعصر النهضة أو الانبعاث الأوروبي في القرن السادس عشر، وما رافقه من ازدهار في الآداب والفنون والعلوم وجميع أشكال التغير الايجابي والتقدم والإبداع. فقد مثلت في ذلك العهد بداية اكتشاف العرب أو مثقفيهم للعالم الحديث الصاعد من حولهم، وما يعنيه من تطور للعلوم والتقنيات والنزعات العقلية والأخلاقية، وكان جوهر العروبة هذه هو الانفصال بالعرب أو الابتعاد بهم عن عصر الثقافة القروسطية وتقاليدها وتراثها، أي عصر الإمبراطورية العثمانية الآيل للأفول،وإدراجهم في عصر الثقافة الحديثة، والعمل على استيعاب مفاهيمها وقيمها وتطلعاتها العقلية والإنسانوية. وفي هذا العهد سيرتبط مفهوم العروبة الناشئ بالمفاهيم الجديدة الصاعدة مثل الحرية والوطنية والدستور والمواطنة، ويتطابق مع عملية البحث عن تأصيل الثقافة الزمنية وتنمية العلوم العصرية المتميزة عن العلوم الدينية. لم تكن العروبة في هذه الفترة بنت الحداثة فحسب، وإنما كانت أداتها وجوهر مفهومها في المجتمعات العربية التي كانت بالكاد قد بدأت تعي وجودها المتميز على هامش تفكك الدولة الامبراطورية العثمانية وانحلالها. وقد استثمرت العروبة هنا لتحقيق النهضة بالمعنى الحديث للكلمة، وتوجيه العرب نحو الفكرة الكونية والإنسانية بما تشتمل عليه من قيم ومعايير اجتماعية. فكانت أداة لتجديد التراث وإحياء القيم الزمنية المدفونة والعودة إلى العلوم العقلية وتجديد التراث العربي القديم نفسه عن طريق الاجتهاد العقلي والإصلاح الديني.

2- العروبة الجديدة في عصر صعود الحركات القومية الأيديولوجية

بعد أن كان المشروع الفكري والسياسي والثقافي للعروبة في عصر النهضة العربية الأولى يتمثل في بناء ثقافة عربية جديدة تجسد القطيعة مع الثقافة الدينية التقليدية، وتتبنى مقولات الحداثة الأوروبية، أصبحت العروبة الجديدة بعد فشل الثورة الدستورية العثمانية واغتيالها على يد السلطان عبد الحميد، والقمع الذي أعقب ذلك في المناطق العربية، منزاحة بشكل متزايد نحو الحقل السياسي، وبعد حقبة تحكم فيها المثقفون ورجال الدين المصلحون بمفهوم العروبة وجيروه لخدمة أهدافهم الإنسانية والتحديثية، دخل المفهوم على أيدي رجال السياسة في سجل تاريخي جديد، مع بروز الحركات القومية الأيديولوجية الراديكالية التي أسست في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، ولاسيما، حزب البعث، الذي كانت «عصبة العمل القومي »كحركة سياسية معارضة نواته الأساسية. وكان ميشال عفلق وصلاح البيطار من الآباء المؤسسين لحركة البعث العربي التي كان المعلمون والطلاب وبعض المثقفين قوامها. أما القواعد الإيديولوجية الأساسية لحركة البعث في المرحلة الأولى من تأسيسها فقد كانت تتكون من الإيديولوجية القومية المستمدة من أفكار قومية حديثة، وافدة من الغرب، ومطعمة بالتراث العربي الإسلامي، خصوصاً أن عفلق يعد حياة النبي «ص» «ممثلة للنفس العربية في حقيقتها المطلقة». يؤكد عفلق أن كل عربي، في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ولو بصورة جزئية مادام ينتسب إلى الأمة التي أنجبت محمداً «ص» .« وهكذا لم ينظر البعثيون إلى الإسلام من زاوية طابعه الإلهي والديني، وإنما عدّوه مفصحاً عن عبقرية الأمة العربية».

لقد سيطرت الأيديولوجية القومية العربية على المنطلقات النظرية، والنهج السياسي لحزب البعث العربي الاشتراكي، باعتبار أن القضية القومية هي القضية المركزية في صراع الأمة العربية من أجل التحرر والتقدم. لذا كانت بقية المسائل الأخرى من بناء الديمقراطية والمجتمع المدني، والصراع الاجتماعي، يتم التعامل معها على أساس أنها فروع من القضية الأم، لا على أساس أن هذه المسائل جميعها تتقدم معاً وتتراجع معاً، ضمن الفهم الجدلي للحركة التاريخية.

في ظل سيطرة الحركة القومية العربية ذات المضمون الأيديولوجي المناهض للاستعمار الغربي والإمبريالية، والكيان الصهيوني، في الخارج، وللطبقات الإقطاعية والرأسمالية في الداخل، كان منطلق العروبة الجديدة مفاهيم مختلفة تماماً عن المفاهيم الكونية للثقافة الحديثة في القرن التاسع عشر، وعن مفاهيم الثورة الاستقلالية والدستورية التي سيطرت على الحركة العربية داخل الأقطار المكافحة من أجل الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي، ولهذا لم تبق، كما كانت في الحقبة الاستعمارية، أساساً أو مبدأ لرابطة سياسية، تكرس حلم الدولة العربية في الاستقلال وتكوين دول سيدة ومستقلة، يمكن أن تتوحد في المستقبل لتعوض عن انهيار حلم المملكة العربية، وإنما تحولت إلى حركة شعبوية تجمع بين العداء للاستعمار الأوروبي والكفاح ضد النخب والطبقات الاجتماعية الارستقراطية التي ستظهر وكأنها الحليفة الرئيسة للغرب الاستعماري، ولذلك ستنسلخ العروبة من جديد عن جلد الوطنية الدستورية الليبرالية الذي لبسته في حقبة ما بين الحربين، في الصراع ضد الاستعمار الغربي ومن أجل الاستقلال وتكريس سيادة الدول، لتتخذ شكل الثورة والانقلاب الاجتماعي والسياسي الذي يشكل مدخلاً لاستكمال العمل من أجل الاستقلال غير الناجز والسيادة الناقصة. وهكذا ستنبثق الحركة القومية العربية منذ البداية كحركة انقلابية وثورية، وتراهن على التعبئة الشعبية بدل تفاهم أصحاب المصالح والنفوذ والحظوة من أبناء النخب المدينية والريفية الذين كانوا يسيطرون على الدولة ويشكلون أداة التواصل بين الأغلبية الشعبية الفقيرة والمهمشة والسلطة الاستعمارية صاحبة القرار الحقيقي في السياسة والاقتصاد.

على الرغم من وجود هذه الحركات القومية الأيديولوجية الراديكالية التي تطرح في برامجها السياسية المواجهة مع الغرب والأنظمة الرجعية التقليدية، واحتدام الصراعات الوطنية والقومية في مرحلة تصاعد حرارة الأحداث السياسية في المشرق العربي، خصوصاً لجهة الاستقطاب السياسي والاجتماعي بين المعارضة القومية والديمقراطية والإقطاع والبرجوازية الكبيرة في الداخل، والمعسكر الرأسمالي والمعسكر الشرقي على الصعيد الدولي، فإن هذه الحركات لم تتوصل إلى الاتفاق فيما بينها بصدد تشكيل جبهة قومية تطرح برنامجاً سياسياً يعبر عن برنامج الجماهير الشعبية وقواها الطليعية لانجاز ثورة ديمقراطية في أي جزء من العالم العربي، والقضاء على القاعدة المادية للسيطرة الغربية، ومصالح الطبقات الوسيطة الإقطاع والبرجوازية الكمبرادورية، والنضال لإقامة نظام ديمقراطي تعددي، وبناء مجتمع مدني حديث، وتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية، ولهذا السبب، فإن هذه الأحزاب لم تكن تملك مفهوم ثورة ديمقراطية وبناء مجتمع مدني حديث في أيديولوجيتها السياسية، وفي برامجها، ولم تكن تتبنى قيماً وتقاليد ديمقراطية تعددية.

وفي ظل ارتباط العروبة بالمشروع القومي العربي المتصادم مع المشروع الإمبريالي – الصهيوني، وارتباطها بالطليعة السياسية الثورية، فإنها لم تعد ترى أي قيمة للقيم الديمقراطية والتمثيلية القانونية والدستورية، ولم تعد للوحدة في منظور هذه العروبة التقدمية والثورية قيمة مركزية مادامت تعتمد بشكل أكبر في ضمان تقدمها واستقرارها على قوى الثورة العالمية والمعسكر الاشتراكي. ومن الممكن القول: إن هذه الطبعة الجديدة من العروبة قد طلقت تماماً قيم العروبة السابقة في الاستقلال والوحدة والسيادة.. وبهذا المعنى، تشكل عروبة الخمسينيات والستينيات أنموذجاً لما أطلقت عليه الأدبيات الماركسية اسم حركة التحرر الوطني كجزء من حركة التحرر العالمي من السيطرة الغربية والرأسمالية.

3- الحركة القومية العربية وأزمة العروبة القومية:

لا يزال الفكر السياسي العربي بجميع تلاوينه لا يميز بين الفكر القومي، والإيديولوجية القومية، والأحزاب والحركات القومية التي تتبنى إيديولوجية قومية، ووصلت إلى السلطة، ويحمل مسؤولية وأزمة الأوضاع الراهنة المزرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية في العالم العربي إلى الفكر القومي العروبي الوحدوي، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعد أن الهزيمة تشمل الأفراد والجماعات، والطبقات، والأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية، والحركة القومية العربية لأنها لم تكن ديموقراطية، حيث يمثل إخفاقها وعجزها عن تحقيق أطروحاتها في الوحدة والنهضة العربية،ـ على الرغم من التأييد الأدبي والسياسي للجماهير الشعبية العربية لها، إخفاقاً تاريخياً عادلاً.

لا شك في أن الذي يتحمل وزر هذا الإخفاق التاريخي والهزيمة السياسية للأمة ليس الفكر القومي العروبي ولا المشروع القومي، وإنما الحركة القومية، التي يعد انهيارها وهزيمتها هي ذاتها هزيمة المجتمع المدني وضموره، وتهميش الشعب، وإخراجه من السياسة، وتسيد الدولة القطرية التسلطية، التي حطمت كل المبادئ والنماذج الثابتة في الوجدان الاجتماعي (الديموقراطي، الرابطة القومية، التنمية بشروطها الوطنية والقومية) إشباعاً لنزواتها وخدمة لذاتها… فالدولة القطرية إذاً هي التي تتحمل وزر هذه الأوضاع لأنها أدارت ظهرها للإيديولوجية القومية ولإيديولوجيا الإسلام فصنعت لنفسها إيديولوجيا منغلقة متأخرة أوصلت الأقطار إلى حالة البؤس، فهي لا تطيق الوضع الذي تصبح فيه ممارستها الخاطئة موضوعاً للنقاش والجدل العلمي والوطني والقومي والديني البناء.

يعيش العرب اليوم أزمة هوية، بسبب أزمة العروبة القومية التي مسحت كل ما قبلها من النسخ، وارتبطت بصعود الحركات القومية إلى السلطة في كل من مصر وسورية والعراق، حتى بات من الصعب فك مفهوم العروبة الأول عن استخدامه العروبي القومي اللاحق، فقد أصبحت العروبة هي الهوية الحقيقية الجامعة للشعوب العربية، بالرغم من انعدام التواصل السياسي، ثمرة الحركة القومية الشعبية وضحيتها في الوقت نفسه، فمن دونها ما كان من الممكن للعروبة أن تتغلب على الأفكار القطرية أو القومية المنافسة لها التي انتشرت في العديد من الأقطار، ولا أن تحل محلها، لكن إخفاق الحركة القومية الشعبية وضع العروبة في مأزق صعب نتيجة مطابقة العروبة في الوعي الداخلي والخارجي مع قيم القومية واختياراتها.

ومع صعود حركات الإسلام السياسي بعد هزيمة الحركة القومية العربية، تعمقت أزمة العروبة، بسبب العلاقة المتوترة بين العروبة والإسلام. وفي ظل مرحلة ما بات يعرف بالربيع العربي الذي احتلت فيه حركات الإسلام السياسي جزءاً كبيراً من الفضاء الذي كانت تشغله العروبة القومية في عقود مضت، فإن هذه الحركات التي تسعى إلى الحلول محل العروبة، من دون آفاق ولا مرتكزات سياسية وثقافية عميقة، لن يكتب لها النجاح، لأن أحد أسباب نجاحها هو المال. إن هذا الإسلام السياسي المرتبط بالمال، والمنفصل عن العروبة الذي بات يشكل الذراع للولايات المتحدة الأميركية، وجه ضربة قوية للعروبة التي نهضت في إطار التحرر من الاستعمار، وكانت ولاتزال لها مضامين مناهضة للهيمنة الغربية والصهيونية.

. ولذلك، فإن هذا الإسلام السياسي الأميركي هو ضرب للعروبة، وهو يختلف عن الإسلام المقاوم الذي تؤمن به الشعوب في منطقة المغرب العربي، ويؤدي دوراً مهماً وكبيراً في مواجهة ومحاربة الكيان الصهيوني.كلما انخرط الاسلامويون في الكفاح من أجل الاندماج في العصر، أي التفاعل بنجاعة وفعالية معه، وتحقيق السيادة والاستقلال السياسي والثقافي والفكري، والانخراط في إدارة الدولة وتسيير الاقتصاد، سيجدون أنفسهم مضطرين إلى التراجع إلى موقع العروبة وخندقها، وإعادة بناء عقيدتهم أو مرجعيتهم الإسلامية بالترابط معها. فهي وحدها التي تستطيع أن تستوعب عصرنة المجتمعات الإسلامية أو تحديثها، من دون أن تخاطربالانفصال عن الإسلام أو الوقوف في مواجهته.

4- مستقبل العروبة وتبني مسائل العصر الحديث :

إذا أرادت العروبة أن تكون الخيار الأيديولوجي والمشروع الثقافي للأمة العربية في القرن الحادي والعشرين، والهوية الثقافية المميزة للعرب عن غيرهم من الأمم والشعوب، والهوية السياسية المؤسسة لسياسة ودولة فاعلة في النظام الدولي العالمي، فعلى العروبة أن تتبنى مفاهيم التعددية الفكرية والسياسية، والمواطنة، وإعادة تثمين الوطنية المحلية الدستورية والليبرالية، والتأكيد على مرجعية احترام حقوق الإنسان، والحريات الشخصية والاعتقادية، والديمقراطية.فالمشروع الديمقراطي النهضوي، هو الخيار العروبي الوحيد، الذي من خلاله يمكن للعرب أن يبنوا مستقبلهم السياسي والاقتصادي والثقافي، وأن يؤسسوا عبره وحدتهم الوطنية والقومية الحقيقية، بعيداً عن الانقسامات المذهبية والطائفية: سواء تمثلت في صعود الانقسامات المذهبية داخل الدين الواحد أو تنامي العصبيات الجماعية على أساس ديني بين أصحاب العقائد المختلفة. فالطائفية تعبر عن إخفاق السياسة القومية في بناء إطار تضامنات فعلية وطنية ما فوق طائفية.

كما أن الاستثمار في العروبة مقترن بروح العصر، يقتضي الإيمان بأن الإسلام المستنير يحتاج وعاء قومياً يحمله، يتمثل في العروبة المتجددة القائمة على التعددية، وفكرة المواطنة، وبناء دولة القانون، أي دولة المؤسسات الدستورية، والتأكيد على أن الثقافة العربية الحديثة لا تزال ثقافة واحدة، ولا يزال التواصل فيما بينها عبر الأقطار العربية أقوى تأثيراً في حركتها من التواصل داخل كل قطر من أقطارها، وليس أمام الدول سوى الاختيار بين مرجعية العدمية القومية التي تعني اليوم خيار التغريب الذي يعزز تبعيتها وتخارج بنياتها وتطلع أبنائها الدائم إلى الهجرة والاندراج في الغرب، أو العودة إلى الاستثمار في مفهوم العروبة التي تشكل وحدها منطلقاً لحداثة أصيلة عالمية ومرتبطة في الوقت نفسه بثقافة محلية عميقة وفاعلة.

* كاتب تونسي