سقط البشير فهل سقط الاستبداد ؟ بقلم – علي أسعد وطفة


12 أبريل، 2019  

سقط البشير فهل سقط الاستبداد ؟ بقلم – علي أسعد وطفة

226 مشاهدات اترك تعليق

سقط البشير فهل سقط الاستبداد؟

 أين هي الدروس والعبر؟

 

بقلم – علي أسعد وطفة

في البداية نبارك لأهلنا في الجزائر والسودان على ما حققوه من إنجاز عظيم في إزاحة الطغاة ونبارك لهم جميعا هذا النضال المظفر الذي أثمر في طلب الحرية والكرامة. فنحن اليوم نعيش لحظة تاريخية يتحقق فيها بعض الحلم-  حلم الشعوب العربية في إسقاط رموز الاستبداد بداية أملا بالانتصار على قوى القهر والاستبداد السياسي جميعها بمختلف تجلياته وتعيناتها في الزمان والمكان ، هذا ومن حق الشعب العربي أن يبتهج ويغرد فهي لحظات تاريخية لن تنسى في نضاله من أجل الحرية والكرامة .

      فالشارع العربي يشهد اليوم حالة من الفرح والشعور بالانتصار على الطغاة مع سقوط البشير في السودان وإزاحة  بوتفليقة في الجزائر الحيبيبة. والجميع على وسائل الاتصال الاجتماعي يغرد فرحاً وشامتا” … والكثير من الأفراد يطلقون مشاعر الفرح ويبتهجون للانتصار .. والجميع يبارك للشعبين السوداني والجزائري هذا الانتصار المظفر … وكأن نظام العبودية في العالم العربي قد سقط مرة واحدة وإلى الأبد وكأنما الشعوب العربية نالت حريتها واستقلالها وبدأت مسيرتها الكبرى نحو الحرية والكرامة .  ويبقى السؤال ماثلا أمام العين وهو : أليس علينا أن نتريث قليلا قبل أن نسكن إلى هذا الانتصار؟ أليس من المبكر الإعلان عن الانتصار النهائي على الاستبداد بسقوط طاغية هنا أو هناك ؟ فسقوط الطاغية لا يعني سقوط الاستبداد أو سقوط النظام بحد ذاته في أي بلد من البلدان.

يبدو لي أننا شعوب تغني على ليلاها …. شعوب لا تريد الاستفادة من الدروس التي تقدمها لنا الأيام ولا العبر في أحكام الزمن . فالشارع العربي يتدفق هرجا ومرجا استبشارا بسقوط البشير وهو أحد الطغاة الذين مزقوا السودان واستنزفوا موارده ودمروا كل أشكال الحياة الإنسانية والاقتصادية فيه . ووسائل الاتصال الاجتماعي تتدفق بمئات الألوف من أهازيج الفرح والتعبير عن الفرحة الكبرة بانتصار شعب السودان الأبي على طاغيته الجبار . ومن حق الجميع أن يفرح وأن يبتهج ولكن باعتدال لأن هذا السقوط ليس إلا مرحلة قد ينهض فيها جبار آخر وهم على قافلة الانتظار.  

وتكمن المشكلة اليوم مع الأسف أن مثقفينا وأنصاف المتعلمين منا وفينا لا يستطيعون التعلم من الدروس وأن الثقافة الشعبوية لا تمكنهم من فهم الأحداث . فأغلب الناس في بلداننا يعاونون من أمية ثقافية مرعبة وأكثرهم لا يستطيع أن يدرك بأن ما يراه لا يشكل إلا جزءا من الحقيقة. ومع أن الأحداث الجسام التي مرت بها أغلب الدول العربية كان يمكن أن تشكل دروسا في السياسية ولكن أغلب الناس لا يدركون الأبعاد الحقيقية للأحداث في أبعادها الاستراتيجية.

ويبدو لنا أننا لم نستطع الخروج حتى اليوم من ثقافة الأهازيج والشماتة وصب اللعنات على هذا الطاغية أو ذاك .  ولم نستطع أن نتعلم من الدروس التي عشناها وشاهدناها في مختلف البلدان العربية من العراق إلى الشام إلى مصر إلى ليبيا وتونس الخضراء . نعم سقط الطغاة ولكن أنظمتهم الاستبدادية ازدادت قوتها ورسخ بنيانها. غاب صدام  طاغية  العراق وظهر على أثره مئة صدام ، وابتلى العراق بطغاة جدد حتى بات عينا بعد أثر تحت تأثير الطغاة ونهبهم حتى أن قسما كبيرا منه كان ليفضل صدام أو أي طاغية آخر على وقع الحالة المأساوية التي يعيشها العراق . وغاب القذافي وهو طاغية عنيد وها نحن نشاهد صولة القوة والسطوة وجبروت “حفتر” نظاما سياسيا عسكريا جديدا قويا لا يقل نشوة وقوة عن عهد القذافي صولةً وجولةً واستبداداً . وغاب طاغية مصر وها هي مصر تعود إلى أيدي العسكر من جديد وبقوة أبعد وأكثر . غاب طاغية اليمن واصبح اليمن هبابا يبابا دمر فيه الشجر والحجر فلا ضرع ولا زرع والموت حصاد لا يتأخر .  

هذه دروس سياسية ثورية عشناها ومارسناها ولم نستطع أن ندرك مع كل الغنى الكامن فيها بأن سقوط عرش البشير لا يعني سقوط العسكر ونظامهم الراسخ في ممارسة التسلط . وإذا كان الطاغية قد عانى من الشيخوخة فهناك  طغاة شباب حالمون بالانقضاض على السلطة باسم العسكر ولم يكونوا اقل استبدادا وطغيانا من سلفهم العجوز الأكبر.

يجب علينا أن نتريث اليوم لنرى كيف سينقشع الغبار وكيف سيؤول حال السودان والجزائر أيضا . في السودان سقط الرجل الطاغية ولم يسقط النظام، وكذلك هو الحال في الجزائر . وقد تكرر هذا في أغلب الدول العربية التي شهدت حراكا ثوريا . وكم أخشى أن السودان القادم سيكون سودانا محزنا ومأساويا  على غرار أشقائه العرب فالعسكر هناك كما في غيره من الدول العربية يمسكون بزمام السلطة والقوة والاستبداد . والخوف كل الخوف من التدخلات الخارجية التي تنذر بالويلات وعظائم الأمور . ولذا علينا أن نتريث وأن نؤجل الفرح إلى اليوم المعهود .

لقد بينت لنا الأيام أن النصر يحصده أولياء القوة والعسكر في مجتمعاتنا ، فما أن يسقط طاغية حتى يحمل الراية آخر وكل عزمه حديد وتطلعه إلى الاستبداد جديد عنيد . ونحن شعوب لا تقرأ التاريخ جيدا ولا تستفيد من التجارب لأننا الشعوب تعاني من الأمية السياسية .  فنحن في الغالب شعوب لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم ،  وإذا فهمت لا تعتبر ولا تتعلم ، كما أننا لا نستفيد من الدروس التاريخية والعبر .  

سقوط طاغية لا يعني سقوط النظام، وانتفاضة في الشارع لا تعني ثورة. فكم نحن اليوم في أمس الحاجة إلى الدروس الثورية السياسية الحقّة ، إذ يجب علينا أن نتعلم كيف تكون الثورة ثورة ، وكيف يكون النظام نظاما . فالثقافة التي نمتلك عليه ثقافية شعبوية آنية مزاجية انفعالية وسطحية . وهذه الثقافة تشكل بحد ذاتها عناصر للهزيمة في أي موقف وفي أي مجال . ومما لا شك فيه أن الأنظمة الاستبدادية قد مارست دورها في تجهيلنا وتكريس عناصر الثقافة السلبية الآنية التي تحكم عقولنا وأفئدتنا . يجب أن نعلم أن الطاغية لا ينفرد بالطغيان وأن كل طاغية يقوم طغيانه على بنيان ونظام، وإن موت الطاغية لا يعني موت النظام، وأنه في النظام الاستبدادي تكمن كوكبة من الطغاة مستعدون في أي لحظة لأداء الدور المطلوب في قهر شعوبهم وتدمير أحلامها.

وإنني في هذا المقام أتمنى لأهلنا في السودان الحبيب وفي الجزائر الغالية أن يحققوا مآربهم الثورية في حياة ديمقراطية حرة كريمة. ولكنني أقول علينا أن نتريث قليلا لأن السودان والجزائر اليوم يعيشان اليوم مرحلة الخطر، وهي مرحلة الوقوف على الراس كما يطلق عليها ماركسيا ، فالثورة العارمة قد تُخطف إن لم تكن قد خُطفت وقد ترتد إن لم تكن قد ارتدت ، وشر البلية قادم يتمثل في التدخل الخارجي الذي يريد أن يحيل السودان والجزائر خرابا يبايا ودمارا وويلا وثبورا. ونسأل الله أن يحمي السودان وشعب السودان والجزائر وشعب الجزائر وأن يكون سقوط الطاغية في كليهما خطوة كبرى نحو الحرية والكرامة لشعبنا الأبي في السودان والجزائر على حدّ سواء .