لماذا فشلت التربية في بناء الإنسان العربي؟ بقلم: صابر جيدوري


8 مارس، 2018  

لماذا فشلت التربية في بناء الإنسان العربي؟ بقلم: صابر جيدوري

412 مشاهدات اترك تعليق

لماذا فشلت التربية في بناء الإنسان العربي؟

 بقلم:  صابر جيدوري

     أصبح من المسلم به أن كل من يرغب في جعل هذا العالم مكانًا أفضل للإنسان حاضرًا ومستقبلًا، عليه أن يبدأ بإصلاح التربية وتحسينها، وأن ينظر إلى التربية باعتبارها الوسيلة الوحيدة المعنية بتنمية رأسمال الحقيقي للمجتمع، ألا وهو الإنسان بكل ما فيه من إمكانيات وقدرات واستعدادات. هذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الأدلة والبراهين، لأن نظرة بسيطة إلى أنظمة التعليم في العالم المتقدم، وإلى دور مخرجاتها في عملية التنمية الشاملة تغني عن البيان والتوضيح.

     ثم أن التربية هي الوسيلة الوحيدة لنقل التراث الثقافي والمحافظة عليه، ومن خلالها نعدّ جيل المستقبل ونكسبه تراثه، ونغرس فيه روح المحبة والانتماء إلى الوطن، وبالتربية أيضًا نُمكّن الجيل الجديد من تنمية المهارات والخبرات التي يحتاجها الفرد للنمو، والمجتمع للتقدم والازدهار. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نمط التربية العربية الحالي ما زال صالحًا لمواجهة المتغيرات التي ظهرت في الساحة العالمية؟ وهل تستطيع هذه التربية إعادة صوغ الأهداف الأساسية والقيم لتناسب الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمجتمع الإنساني؟

     إن الإجابة عن هذين السؤالين تُشير إلى أن التربية العربية مازالت تقليدية، تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها منذ مئات السنين، كما أنها لا زالت في جوهرها غير متغيرة في عالم سريع التغير، ولا يعني هذا أن بعض التغيرات لم تحدث أثرًا في جسد التربية العربية، ولكن هذه التغيرات بقيت شكلية وليست جوهرية، فبالرغم من إعادة تنظيم الأجهزة والوحدات الإدارية التربوية، وبالرغم من بناء مدارس جديدة، وتأليف كتب جديدة تعكس محتوى بعض التطورات العلمية، ظلت التربية العربية تُركز على هدف رئيس واحد هو تمكين المتعلم من النجاح في الامتحانات، وهذه الامتحانات بقيت بصورة عامة محور النشاط التربوي بعيدة عن جوهر الحياة خارج المدرسة.

     ورغم تعاظم الإنتاج العلمي في حقول التربية وعلم النفس التربوي وعلم نفس النمو، ورغم الاهتمام الكبير بإعداد المعلمين لتأهيلهم لهذه المهنة، فمازال التلميذ المثالي في نظر المعلم هو التلميذ الخاضع المطيع الذي يحضر دروسه بانتظام، ويبقى دائمًا متقبلًا لسلطة المعلم وسلطة المدير، وسبب فشل هذه النظرة أنها ترفض روح المحبة الخلاقة عند التلميذ، وتعرقل نموه، وتعيق تطوره في الحصول على الاستقلال الفكري والعاطفي.

 أزمة التربية العربية:

     رغم التغير الاجتماعي الملحوظ في المجتمعات العربية، ورغم كثافة السكان، وظهور مشاكل جديدة تتحدى الفرد والمجتمع، نلاحظ أن التربية العربية مازالت تتجاهل الكثير من علوم الثلث الأخير من القرن العشرين، كعلم الكمبيوتر وعلم البيئة وعلم الفضاء، وعلم السكان، وإن كانت بعض أنظمة التعليم في العالم العربي تعلن دخولها هذه المجالات، فإعلانها هذا لم يوضع موضع التطبيق الحقيقي، وبقي شعارًا فارغًا من مضمونه.

     ومع أن التربية العربية نجحت نجاحًا ملحوظًا في إعداد الأخصائيين من أطباء ومهندسين ومحاميين، وأساتذة وغيرهم، إلاّ أن نجاحها في صقل الإنسان وخلقه، وتطوير مفاهيمه الاجتماعية والوطنية والإنسانية، وتمكينه من التعامل مع عالم معقد متغير مازال محدودًا جدًا، ويتضح فشل النتاج التربوي من خلال الممارسات الاجتماعية السائدة في المجتمع، إذ أصبح الطابع العام لسلوكنا يزداد في سلبيته، كعدم الاكتراث بحقوق الآخرين وحرياتهم، واللامبالاة تجاه المسؤولية العامة والإنسانية وغيرها.

     وعلى الرغم من التوسع الكمي السريع الذي يحدث في البلدان العربية من زيادة في الخدمات التربوية والأبنية المدرسية والإنفاق، لا تزال المجتمعات العربية عاجزة عن تعميم التعليم على جميع الأطفال، وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنما يدل على عجز النظم التربوية القديمة والتقليدية عن مسايرة التفجر السكاني السريع في العالم بشكل عام، وفي البلدان النامية بشكل خاص.
ولعل ما يؤكد وجود هذه الأزمة في التربية العربية هو مظاهر الانفصام بين السياسة التربوية والسياسة الاقتصادية والاجتماعية المتجسدة في الواقع من خلال بطالة واسعة لدى المثقفين، ولدى أصحاب الاختصاصات التقنية أنفسهم، وما نجده في الوقت نفسه من حاجات المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية إلى الكثير من الاختصاصات التي لا يوفرها نظام التربية السائد.

     ومن مظاهر هذا الانفصام البارزة في الجانبين، السياسة التربوية من جانب، والسياسة الاقتصادية والاجتماعية من جانب آخر، ضعف العناية بتعليم الكبار، وضعف العناية بشتى أشكال التربية غير النظامية، رغم الدور الكبير الذي تُمارسه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية السريعة، فضلًا عن ضعف الكفاية الداخلية للنظم التربوية العربية، وارتفاع معدلات الرسوب والتسرب، وبالتالي ارتفاع كلفة التعليم. ولعل المستقرئ لواقع التربية العربية يجد أن أهم مظاهر أزمة التربية العربية هو غياب الفلسفة التربوية الواضحة، التي يقع على عاتقها نقد وتحليل وتنسيق وتوجيه العمل التربوي من جوانبه كافة، وأن عدم وضوح هذه الفلسفة في معظم البلدان العربية أدى إلى انخفاض كفاية الأنظمة التعليمية العربية، ونظرة سريعة إلى مخرجات هذه الأنظمة تدلنا على مدى الضعف والانهيار الذي وصلت إليه، وبخاصة إذا ما قارنا مخرجات العملية التعليمية في بلداننا مع مخرجات العملية التربوية في دولة مثل اليابان مثلًا.
ليست الأزمة في جيل الشباب:

     والمشكلة لا تقف عند هذا الحد، لأن عجز النظم التربوية العربية عن الاستيعاب الكمي لعدد الطلبة المتزايد يُعدّ واحدًا من متغيرات المشكلة الرئيسة، مع أنه ربما يكون سببًا لعدة مشاكل أخرى تربوية. فالتعليم العربي اليوم في إطاره التقليدي، لا يُكسب الفرد الاتجاهات والمعارف والمهارات التي تجعل منه أداة صالحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعه، بعبارة أخرى، إن حصيلة التعليم لا تتلاءم مع متطلبات المجتمع وحاجاته، والدليل على ذلك أن آلاف الطلبة من خريجي الثانويات الصناعية – في دولة مثل سورية – لم تتوفر لهم فرص الدراسة الجامعية، فهم ضائعون تائهون، غير نافعين لا لأنفسهم ولا للمجتمع، يعيشون في حالة قلق شديد، فاقدي الثقة بأنفسهم، في الوقت الذي يجب أن يكونوا فيه أمل المستقبل.

     وحتى يكونوا كذلك لابد من تربية مشتركة تتمخض عنها أشكال تربوية جديدة، تهدف إلى تعليم يوفر للتلاميذ فرص التفكير بحرية، والانتقال للنقاش الديمقراطي، كبديل للتعليم القائم على التلقين والتبعية في التفكير. تعليم يُمكّن التلاميذ من إظهار قدرتهم على التحليل والخلق والإبداع والأصالة، كبديل للتعليم الذي يُشجع على الحفظ والتقليد والاقتباس، تعليم يُدرب التلاميذ على أن يفكروا “كيف يعرفون” بدلاً من أن يفكروا “ماذا يعرفون”. تعليم يكشف المواهب وينميها، بدلًا من تعليم يطمس المواهب ويقتلها.

     ومع أن الأزمة التربوية التي تعاني منها الدول العربية، هي امتداد للأزمة السياسية التي تعاني منها هذه الدول، فهذا لا يبرر الحالة السيئة التي وصلت إليها التربية، فإذا كانت طبيعة الأزمة في المجتمع العربي والمجتمعات النامية الأخرى ناجمة عن عدم التوافق بين التربية وحاجات المجتمع التكنولوجي السريع وقيم هذا المجتمع، فإن القيم الاجتماعية في هذه المجتمعات أخذت تتداعى أمام التقدم التقني المذهل، الأمر الذي أدى إلى انفصال الجيل الجديد عن قيم مجتمعه، وأخذت التربية تلهث وتجمع أنفاسها للحاق بهذا التطور التقني السريع، ولمواجهة المشاكل الإنسانية والقيمية التي رافقت هذا التطور.

     إن هذا الذي يحدث في مجتمعاتنا، والذي يعود في مجمله إلى السياسات العامة للدول، هو الذي دفع الأستاذ الدكتور محمود السيد إلى التأكيد على ضرورة إعادة النظر في أنظمتنا التربوية لتكون قادرة على اللحاق بالتقدم السريع للعلوم التقنية، وذلك عن طريق التربية التغيرية لا التدويمية، والتربية الإبداعية لا تربية الذاكرة، وتكريس التربية الحوارية الانفتاحية لا التربية التسلطية الانغلاقية، واستخدام التكنولوجيا القادرة فعلًا على تعليم جميع قطاعات المجتمع عن طريق تجاوز السن المحددة للتعليم، وهذا يشمل نظام جميع مراحل العمر، تمشيًا مع مفهوم التربية مدى الحياة (التربية المستمرة).

المركزية في التعليم:

     تبين الدراسات في مجتمعاتنا العربية، أنه بالرغم من التوسع الكمي الكبير في مراحل التربية، لا تزال الأنظمة التربوية عاجزة عن تلبية مطالب الضغط الاجتماعي المستمر، والتزايد السكاني الكبير، ولا تزال التربية مقصرة في توفير حاجات التنمية الاقتصادية الاجتماعية. وبالرغم من الجهود المبذولة لتحسين نوعية التعليم، إلاّ أن حصيلة التعليم عاجزة عن مساعدة الفرد على تنمية شخصيته فكريًا ونفسيًا واجتماعيًا.

     ويبدو من الدراسات التنبؤية أنه إذا ما تابعت المجتمعات العربية سيرها المألوف، وإذا ما جاء مستقبلها امتدادًا عاديًا لحاضرها، ستكون في المستقبل من بين المجتمعات التي لا تتمكن من تعميم التعليم الابتدائي على جميع الأطفال، وسوف تتعاظم الهوة بينها وبين المجتمعات المتقدمة، فعلى المجتمعات العربية أن تقفز بتطورها إذا ما أرادت لنفسها التقدم العلمي والتقني، وعليها أيضًا أن تُحدث تغيرات جذرية في النظم والأهداف التربوية إذا ما أرادت لنفسها قيمًا اجتماعية إنسانية، تقوى على جعل هذا التقدم في خدمة الإنسان والمجتمع.

     وفي ضوء واقعنا التربوي، فإن أهم ما تحتاجه المؤسسات التربوية، هو التغيير الجوهري في النظم التربوية، كي تصبح أكثر ملائمة لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والإفادة من التكنولوجيا الحديثة في هذا الشأن، وأول ما ينبغي تغييره هو “مفهوم المركزية في التعليم”، من منطلق أن القيادة التربوية ليست دائمًا الأوسع نظر في كل الحالات، فبالرغم من التغيرات والتوسعات التي أحدثتها المؤسسات التربوية في أجهزتها الإدارية والفنية، إلا أن النمط الإداري لا يزال خاضعًا لنظام الروتين البيروقراطي المركزي، الذي يهتم بالأمور الشكلية قبل اهتمامه بجوهر العملية التربوية، ويهتم بروتين العمل أكثر من اهتمامه بنوعية النتاج التعليمي، وهذا ما أكده الأستاذ الدكتور “علي وطفة” بقوله: “إن الإدارة التربوية – في أغلب البلدان العربية – يغلب عليها طابع التسلط، وكثيرًا ما يؤخذ هذا التسلط شكل المركزية الشديدة، التي تعني الاتجاه نحو تركيز السلطة والرجوع إلى ديوان الوزارة في اتخاذ القرارات المنظمة للعمل كافة، كما أن مركزية الإدارة التربوية تُشكل أكبر المشكلات التي تواجه التربية العربية المعاصرة، إذ تجعل من الهيئات المدرسية أدوات لتنفيذ تعليمات وأوامر الجهاز المركزي”. ومن المعلوم أن المركزية في العمل تحرم المسؤولين الإداريين والفنيين من الانطلاق وتحمل المسؤولية، وتدفعهم إلى الإتكالية والتقيد بالتعليمات وحرفيتها وتفقدهم القدرة على التفكير والمبادرة والثقة بالنفس.

     إن النظام البيروقراطي السائد في التربية العربية، يُخضع المعلم للسير في طريق مرسوم، رسمته له المناهج والتعليمات والامتحانات، وأصبحت مقاييسنا للمعلم الجيد هو المعلم الذي يتقيد بحرفية التعليمات، وبحدود الكتاب المقرر حتى لو كان سيئًا وجافًا، وعليه أن ينفذ السياسة التربوية التي تنسجم مع فكر السلطة، وإن هو ابتعد عنها أو خالفها لضرورات تربوية، يكون مصيره الإقصاء عن مهنة التعليم كما يحصل في بعض الدول العربية.

     كما أصبحت مقاييسنا للتلميذ الناجح المفضل، هو التلميذ الذي يفكر كما يفكر المعلم ويحفظ ما يطلب منه المعلم، لذلك فالتغيير المطلوب في هذا المجال هو الاتجاه نحو اللامركزية والديمقراطية في أنظمتنا التربوية، حتى تصبح التربية العربية بمقدورها أن تربي الإنسان العربي المفكر المسؤول والمواطن المنتج، وهذا لا يتم إلاّ عن طريق إعادة النظر جديًا في المناهج المدرسية التقليدية وتطوير محتواها، بحيث تتلاءم مع مراحل نمو الطفل وإدراكه من جهة، ومع متطلبات المجتمع القائمة وتطلعاته المنتظرة من جهة أخرى، فضلًا عن ضرورة تضمين المناهج قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام، وحتى يتحقق هذا لابد من صياغة فلسفة تربوية جديدة تنطلق منها أنظمة التعليم العربي، وترتد إليها عندما تتعثر تربية الإنسان العربي في تحقيق أهدافها.

     بعبارة مختصرة، نحن بحاجة إلى فلسفة تربوية عربية تكون قادرة على تحديد غايات التربية وأهدافها، بحيث تنظر إلى الحاضر والواقع المجتمعي القائم بأوضاعه ومتغيراته الراهنة، وتعمل على الموازنة بين الرهان على ما هو كوني في مضامين التربية والتعليم، وبين ما ينبغي أن يظل مرتبطًا بالواقع المحلي مساهمًا في بناء علاقة سليمة معه، وذلك عبر تدعيم مواطنية إنسانية منفتحة واعية من جهة، ومتفاعلة مع المتغيرات المعرفية والقيمية والحضارية للنظام العالمي القائم من جهة أخرى.

————

                                             أ.د. صابر جيدوري

                                             أستاذ أصول التربية بجامعة طيبة

                                          المدينة المنورة

مراجع المقالة

– السيد، محمود (1997) من التحديات التي تواجه التعليم العربي في المرحلة القادمة، بحث مقدم إلى المؤتمر التربوي الأول، كلية التربية، جامعة السلطان قابوس، 7 – 10 ديسمبر 1997م.

وطفة، علي (1999) بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.