ثنائية الفكر التربوي كما يراها الجابري- بقلم الدكتور صابر جيدوري


9 مارس، 2018  

ثنائية الفكر التربوي كما يراها الجابري- بقلم الدكتور صابر جيدوري

397 مشاهدات اترك تعليق

ثنائية الفكر التربوي كما يراها الجابري

بقلم الدكتور صابر جيدوري 

     من المعروف أن النظام التعليمي أصبح ساحة لآراء ورؤى متباينة، فهناك من ينادي بالأصالة، وهناك من ينادي بالمعاصرة أو الجمع بينهما، وتحت هذه العناوين توجد آراء متعددة واتجاهات مختلفة، وهذا يعني تذبذب الفكر التربوي، مادام هناك آراء تُفكر داخل إطار ايديولوجي معين، وتبني مواقفها وتلتمس الحلول للتحديث التربوي من داخل النموذج، سواء التراث أو الغرب أو منهما معًا. يقول الجابري: “عملية التأطير الايديولوجي التي يقوم بها النظام التعليمي تستند تارة إلى الفكر الليبرالي الغربي، ولكن بخجل وتحفظ، وتارة إلى الفكر التقليدي الرجعي، ولكن بكثير من التردد وبدافع المصلحة الوقتية فقط، وهذا ما يفسر التقلبات التي عرفها التعليم في بلادنا”.

     وبهذه العملية تحرص الطبقة المسيطرة على إعادة انتاج الوضعية السائدة نفسها بكل تناقضاتها، لأنها لا تستطيع العيش إلا في إطار هذه التناقضات، التي تحاول تغطيتها بالجمع الكاذب بين “الأصالة والمعاصرة”. هناك إذًا، تأطير رأسمالي بورجوازي متخلف يعمل على إعادة انتاج البورجوازية الهجينة الحالية نفسها، بالشكل الذي يؤهلها لأن تواصل القيام بدور الوكيل والوسيط للإمبريالية العالمية وتطوراتها التقنية، وأدواته كل ما هو “عصري” “ومعاصر” في تعليمنا، أي كل ما يمكن إدراجه في إطار المعاصرة: (المواد العلمية، الشعب التقنية المتخصصة، المدارس الحرة النموذجية، مدارس البعثات..).

     وهناك في الوقت نفسه، وفي النظم والهياكل والأساليب نفسها تأطير ذو مضمون إقطاعي، مهمته القيام بدور الحصار للجانب “العصري للحيلولة دونه، ودون بلوغ الابعاد الثورية للأيديولوجيا البورجوازية من جهة، وإعادة انتاج الفكر التقليدي الاقطاعي نفسه لاستعماله في مقاومة الأفكار التقدمية من جهة أخرى، وأداة هذا التأطير الاقطاعي وشبه الاقطاعي هو التعليم الأصلي بمختلف فروعه، والمواد التراثية في التعليم العصري نفسه. وهكذا باسم الأصالة المزعومة، يُستغل تراثنا العربي الاسلامي استغلالًا رجعيًا يجعل منه الحاجز الواقي ضد ما هو تقدمي وثوري في الفكر المعاصر، بل وفي الفكر الاسلامي نفسه. إن الجمع بين الأصالة والمعاصرة بهذا الشكل هو جمع تلفيقي توفيقي، الهدف منه خدمة أغراض ايديولوجية واضحة. (الجابري، 1981)

     وكذلك، فقد أشار الجابري إلى أن هذا التذبذب أو تعدد الأنماط الفكرية، كان نتيجة للطابع الأيديولوجي الطبقي الذي أقامه تعليم الاستعمار للعالم العربي، إذ يقول: “لقد وجدنا أنفسنا غداة الاستقلال أمام عقليتين، أو نمطين فكريين متنافرين إلى حد كبير: النمط الغربي الذي أنتجته المدارس الفرنسية الأوربية منها، والنمط العربي الإسلامي الذي أنتجته المدارس العربية الحرة، وكليات التعليم الأصلي وجامعات الشرق، ولقد جذر هذا التنافر اختلاف الوضعية الاجتماعية للمنتمين لهذا النمط أو ذاك، مما جعل الصراعات الفكرية والاختلافات الثقافية تعكس، إلى حد بعيد، الصراعات الاجتماعية والطبقية”. (الجابري، 1985)

     وهذا يعني أن التعليم قد أدى في نهاية المطاف إلى تركيز الانفصام في الشخصية العربية، وتعميق الهوة بين النخبة العصرية التي تلقت تعليمها في المدارس الرسمية (الإسلامية منها والأوروبية)، وبين النخبة التقليدية التي أنتجها التعليم الوطني (الأصلي والحر)، مما أدى إلى خلق عقليتين مختلفتين، أو نمطين فكريين متنافرين إلى حد بعيد، فقد كان النمط الأول في جملته، غربيًا في تكوينه وميوله، مؤطرًا ضمن قوالب الثقافة الاستعمارية التي تلقاها، ولكنه يطمح إلى الأخذ بالنموذج الفرنسي في جميع مرافق الحياة، وكان يجد نفسه يعاني من تناقض وجداني حاد، لأن شعور الإعجاب بالغرب وثقافته وتقنيته وأساليبه وكل مظاهر حياته، يكبله شعور بالحذر والتحفظ ازاء هذا الغرب نفسه، الذي هو المستعمر ذاته، ويشوش صفاءه احساس غامض بماض مزدهر، وحضارة يعترف بها التاريخ، والمُعبّر عنها بالماضي العربي والحضارة العربية الإسلامية.

     أما النمط الثاني، فقد كان عربيًا إسلاميًا تقليديًا مشدودًا إلى الماضي بألف وثاق، الماضي الممجد إلى أبعد حد، مما جعله ينتزع منه، بوعي أو دون وعي، صورة المستقبل المأمول. لم يكن هذا الفريق في قطيعة مع الغرب، بل إنه كان بالرغم من صورة الماضي الممجد التي استحوذت على ذهنه استحواذًا، يعيش بعض مظاهر الحضارة الغربية، ويتوق إلى أن ينال منها أبناؤه حظًا أوفر، ولذلك بقي مستعدًا في حدود معينة للدخول مع الغرب في حوار ما، حوار محدود، تلفه بطانة وجدانية سميكة من التحفظ والحذر”. (الجابري، 1985)

     بناءً على ما سبق يمكن القول: إنه لا يمكن تحقيق النهضة والحداثة بعقل غير ناهض، لأن التحديات والعراقيل التي يواجهها العالم العربي تتطلب الفعل، والفعل في العصر الحاضر هو أولاً وقبل كل شيء عمل العقل. وعلى هذا الأساس فإنه بممارسة العقلانية النقدية في تراثنا، وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحًا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة: الشرطين الضروريين لكل نهضة”. وهكذا فإنه لا يؤمل أن تحدث تغيرات وقفزات تنموية كبيرة في السياسات التعليمية المتذبذبة بين ماضيها وحاضرها، دون تحديد موقفًا واحدًا من ماضيها وحاضرها، وكذلك من ثقافتها وثقافات العصر.