هل نحن بحاجة إلى تعليم السلام؟ أ.د. صابر جيدوري


18 فبراير، 2018  

هل نحن بحاجة إلى تعليم السلام؟ أ.د. صابر جيدوري

470 مشاهدات اترك تعليق

هل نحن بحاجة إلى تعليم السلام؟

أ.د. صابر جيدوري


الحديث عن تعليم السلام ليس جديدًا، فقد تحدث عنه الكثير من المفكرين والفلاسفة، وعُقدت من أجله الكثير من الندوات والمؤتمرات، وضمنته اليونسكو في ديباجة ميثاقها التأسيسي التي تقول: “لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام”. ولكن الجديد في الموضوع هو أنه آن الآوان لنا كسوريين أن نتحدث عن ثقافة السلام، بعد أن فعلت الحرب أفاعيلها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتربوي، إذ مزقت النسيج الاجتماعي، وفككت الوحدة الوطنية، وانهكت الاقتصاد الوطني، وعززت ثقافة العنف والقتل في كل مفاصل المجتمع السوري.

لهذا كله، وأكثر منه بكثير أصبح من واجب كل سوري حر شريف أن يوجه قلمه باتجاه ما يُقوي النسيج الاجتماعي، ويُمتن الوحدة الوطنية، ويُحارب المفسدين والمجرمين من الاتجاهات كافة، بعد أن اكتشفنا ما تحيكه لنا دول الشر والجريمة من مصير يزداد بؤسًا عامًا بعد عام، وبعد أن ثبت بأدلة قاطعة أن الكثير من السوريين، ممن تصدروا المشهد السوري، لديهم القابلية للاستعباد والتبعية، والعمل على تحقيق مصالح الدول على حساب مصالح الدولة السورية والشعب السوري.

من هنا يجب على النخب المثقفة، وبخاصة النخب التربوية، أن تستدعي كل المفاهيم والمبادئ والقيم التي تُساعد على صياغة الإنسان السوري صياغة جديدة، وتدفع باتجاه تحقيق السلام الاجتماعي والتعاون والتفاهم بين مكونات المجتمع السوري على أسس عادلة، تُجسد مبدأ احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتُقرن التعليم بالأهداف والمبادئ الإنسانية المعمول بها عالميًا، وتستلهم الفكرة التي حمل لواءها الفلاسفة الرواقيون منذ القرن الثالث قبل الميلاد، حين أهابوا بالإنسانية أن تُحرر نفسها مما يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان من فروق اللغات والأديان والأوطان، حتى نصل إلى أن قناعة مشتركة بأننا أسرة واحدة قانونها العقل ودستورها الأخلاق.

هذا الكلام ليس مثاليًا ولا عاطفيًا، بعد أن تشكل لدينا من الخبرات المؤلمة والمحزنة ما لا يتحمله عقل بشر، فقد خذلنا القريب قبل البعيد، وأصبحت دماء أطفالنا تُباع وتُشترى في السوق الدولية.. دفعونا إلى المحرقة ثم تخلوا عنا، وأغلقوا أبوابهم في وجوهنا. أصبحنا نستجدي لقمة العيش على موائد اللئام ولا نجدها.

ثم انه ليس مثاليًا ولا عاطفيًا، لأنه لو كانت فكرة الحرب فكرة صائبة لما كتب الفيلسوف الألماني “كانط” كتابه “مشروع للسلام الدائم” الذي أعلن فيه “إن إنشاء حلف بين الشعوب هو السبيل الوحيد للقضاء على شرور الحرب وويلاتها”. ولا كان الفيلسوف الإنكليزي برتراند رسل كتب كتابه “آمال جديدة في عالم متغير” الذي أشار فيه إلى أن بقاء الحضارة الإنسانية مرهون بإنشاء الحكومة العالمية، وحتى يتحقق ذلك لا بد من إرساء فكرة السلام، والتوسع في فكرة المواطنة، ولا كانت اليونسكو قد مارست في هذا المضمار دورًا رائدًا.

من هنا فإن الحاجة إلى تعليم السلام في سورية، وتعميمه على مراحل التعليم كافة، أصبح ضرورة ملحة لوقف هذه الحرب المجنونة، التي خرج الجميع منها خاسرًا. وبما أن التربية من أجل السلام هي إحدى السبل التي من شأنها إقامة مجتمع سوري خالٍ من النزاعات والصراعات، فإن ما يجب أن تقوم به المؤسسات التربوية الرسمية، وتلك التي تعمل في مخيمات اللاجئين، هو أن تُعزز في نفوس التلاميذ احترام الاختلافات الثقافية والاجتماعية والعرقية، وتؤكد على حق الجميع في العيش في سلام وأمان، وتشيع ثقافة احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في فضاءاتها كافة، وتُنمي ثقافة التفاهم والتسامح والحوار مع الآخر المختلف، من أجل مقارعة ثقافة العنف، كمدخل إلى خلق اتجاهات ايجابية لديهم نحو ثقافة السلام الاجتماعي.

ولذلك، فإن إعداد الشباب للعيش في مجتمع سوري يستطيعون فهمه وتطويره باستمرار بوحي من القيم الديمقراطية، يُعدّ من أكبر الواجبات الملقاة على مؤسسات التعليم العام والجامعي، لأن ذلك من شأنه أن ينزع من نفوس وعقول الشباب الميول العدوانية، ويعزز أجواء العفو والصفح والأمان الاجتماعي.

ومن أجل ذلك لا بد أن يعمل التعليم من أجل السلام في المجتمع السوري على ثلاثة محاور:

أولها، المحور المعرفي الذي تُقدم فيه للمتعلم حقائق ومفاهيم ومعلومات، غرضها توسيع مدارك المتعلم حول ايجابيات السلام وأخطار العنف وأشكاله، ونتائجه السلبية على الفرد والمجتمع والعالم.

وثانيها، المحور الذي يتجه نحو تشكيل مواقف المتعلم واتجاهاته نحو تفضيل السلوك اللاعنفي (السلمي).

وثالثها، المحور الذي يُركز على تنمية قدرات المتعلم ومهاراته على استخدام الاستراتيجيات وتطبيقها، والأساليب التي تساعد في حل الخلافات وتجنب العنف. مع ملاحظة أن تعزيز المحاور الثلاثة في سلوك الطلبة، يتطلب من المؤسسات التربوية استثمار القيم والمثل الدينية والثقافية والاجتماعية والإنسانية، المؤيدة للسلام والنابذة للعنف في تشكيل شخصية تعيش بسلام حقيقي مع ذاتها ومجتمعها المحلي والعالمي.