هل نحن إزاء ثورة تربوية – علي أسعد وطفة


15 فبراير، 2018  

هل نحن إزاء ثورة تربوية – علي أسعد وطفة

574 مشاهدات اترك تعليق

هل نحن إزاء ثورة تربوية؟

ترجمة – د. علي أسعد وطفة

لقد قدر لشبكة الأنترنيت أن تحدث ثورة هائلة في مجال الحصول على المعرفة وتحقيق الثورة الرقمية في مجال الاتصال والمعلوماتية. وأدى ذلك بالضرورة إلى تغيرات مذهلة في الحياة الإنسانية، وإلى انقلابات ثورية في مجال التربية والمؤسسات التعليمية. ومن المعروف سوسيولوجيا أن المؤسسات التربوية تتطور ببطء وتثاقل لأنها مؤسسات تقليدية محافظة، ولأنها مقاومة للتطور والتجديد بطبيعتها ، ولكن الطفرات الثورية التي حققتها الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال والمعلوماتية استطاعت أن تقلب المعادلة وأن تكسر جمود هذه المؤسسات وأن تنطلق بها إلى التفاعل مع الجديد المبتكر في عالم التكنولوجيا والميديا. وتبين الملاحظات السوسيولوجية اليوم أننا على أعتاب تغيير كبير ومذهل في أنماط الحياة والوجود والتعبير، وأن هذا التغيير المرتقب لا يمكن أن يكون نتاجا عفويا لوجود التقانة بل هو تعبير عن التغيرات الأعمق التي تتوغل وتعتمل في أعماق الحياة الاقتصادية والثقافية للمجتمعات المعاصرة.

 في مقاله التربوي الموسوم “التسونامي الرقمي” « Tsunami Numérique » يلاحظ ايمانويل دافيدنكوف Emmanuel Davidenkoff أن المراهقين في الدول المتقدمة ينفقون مزيدا من الوقت أمام شاشاتهم في الفصول الدراسية، والأمر لا يقف عند عدد الساعات التي تُقضى في القراءة الرقمية، بل في التغيرات الكبيرة التي أصابت عادات التواصل المعرفي ومسارات التفاعل مع للمعرفة العلمية المتاحة، ومن الأمور التي يمكن ملاحظتها في هذا السياق زيادة القدرة على المشاركة، والنزوع إلى التعلم، والرغبة في الحصول على المعرفة، وازدياد القدرة على التركيز. ومثل هذا التغير بدأ يتزايد ليشمل أعدادا متزايدة من الأطفال والمراهقين والطلاب في البلدان المتقدمة وفي غيرها من البلدان النامية.

من الإصلاح إلى الثورة: 

غالبا ما نجد تداخلا كبير بين مفهومي الإصلاح والثورة، ومع ذلك فهما يشكلان في حقيقة الأمر منهجين مختلفين لإحداث التغيير في الحياة والمجتمع. فالمنهج الإصلاحي يعتمد دورات زمنية هادئة مديدة في إيقاعاتها الزمنية وقد تستمر عقودا في عملية التغيير وتحقيق الغابات المنشودة، أما المنهج الثوري فيعتمد على طريقة التغيير الجذري الشامل والخاطف في عملية التغيير المطلوب وتحقيق الأهداف المحددة المطلوبة.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن التغيير في التربية لم ينتظر دوما تحقق الثورة الرقمية وحضورها في الميدان التربوي. ففي عام 1999 احتفلت منظمة اليونيسكو بتحقيق ما يسمى “بالثورة التربوية “révolution de l’éducation ” التي تمثلت في عملية التوسع بالعملية التربوية وانتشار التعليم، وتطوير المناهج التربوية. ففي غضون بضعة عقود من الزمن استطاعت الأنظمة التربوية أن تجسد النظريات التربوية لماريا مونتيسوري وجان بياجيه وبستالوتزي وفروبل وروسو وأن تستوعب نظريات المجددين الراديكاليين وأفكارهم من أمثال باولو فرايري Paulo Freire ونيل A. S. Neil وإيفان إيليتش، Ivan Illich الذين قدموا أفكارا جريئة جدا حول حرية الطفل والتعلم الذاتي ومركزية المتعلم والتعليم القائم على التفرد والإبداع وغير ذلك من النظريات والأفكار التربوية التي أسست لنظام تربوي جديد ومختلف بالمقارنة مع التعليم في العصور القديمة. ومنذ 1999 بدأت الدراسات والأبحاث تشارك في عملية التطوير التربوي وتطبيق النظريات والتجارب العالمية الجديدة مثل التجربة الفنلندية وغيرها من التجارب العالمية الناجحة.

وعلى هذه المسافة، منذ عام 1999 نحن هنا الآن في عام 2015، نستطيع القول بأن نظريات التحديث التي نادى بها إصلاحيو اليونيسيف تتميز بالتناغم والتجانس، ولكن يبدو لنا على الضفة الأخرى أن جيلا من المفكرين الشباب الراديكاليين استطاعوا أن يطرحوا نظريات جديدة تتميز بطابعها الراديكالي في مجال تطوير التعليم والنهوض بالعملية التربوية على أسس حداثية مغايرة للطبيعة الإصلاحية التي نجدها عند جيل الرواد العاملين في منظمة اليونيسكو. وغالبا ما يلاحظ أن هؤلاء المفكرين الراديكاليين غير متخصصين في مجال التربية وهم يشكلون نمطا من الكتاب الذين اعتادوا على التفكير من “خارج الصندوق“، وهم أكثر دراية بطبيعة التطورات الاجتماعية الحادثة، وأكثر قدرة على فهم وإدراك حجم التغييرات الرئيسية التي تؤثر على العالم ولاسيما في مجال الطفرات الحادثة في مجال التكنولوجيا الذكية والميديا والحاسوب ومختلف الثورات العلمية المتجددة.

ويمكن الإشارة في هذا المقام إلى كتاب سيث غودين Seth Godin المشهور بعنوان “التوقف عن سرقة الأحلام” (Stop Stealing Dreams) الذي نشر في عام 2012. وفي هذا العمل المتميز يبين غودين أن الأنظمة التربوية تطورت وتشكلت في ظل الثورة الصناعية، وهي تحمل علامات النظام الصناعي المميزة: فالأطفال يجلسون بانتظام في مقاعدهم المدرسية المعهودة لتلقي التعلميات والمعارف، وعليهم أن يكونوا منتظمين مؤدبين ومواظبين، ويتم ذلك كله تحت إشراف معلم. وهذه الوضعية وظفت في اقناع النخب السياسية والاجتماعية في المجتمع الصناعي في مرحلة تطور المدرسة العمومية بأن الأطفال المتمدرسين المتعلمين سيصبحون في المستقبل القريب عمالا مروضين مطيعين ومنتجين في المؤسسات الصناعية الرأسمالية. وهذا يعني أن المدرسة لم تؤسس في جوهر الأمر لإنتاج مفكرين مبدعين وعلماء مميزين، بل أسست في الحقيقية لتقديم طاقة بشرية مناسبة لعملية الإنتاج الصناعي سعيا إلى تزويد المجتمع في المستقبل براشدين قادرين على مواكبة النظام الاقتصادي القائم. وضمن هذه الرؤية الوظيفية للنظام التعليمي فإن الاهتمام بالكم المدرسي أكبر بكثير من الاهتمام بالنوع، وذلك على النحو الذي نلاحظه في المجال الصناعي. فالنظام المدرسي في آليات عمله واشتغاله التقليدية لم يكن سوى صورة تربوية لماهية النظام الصناعي ووظيفته، وهذا يجعل من المدرسة التقليدية صورة مجانسة لنظامها الاجتماعي الصناعي وهي تحمل البصمات الواضحة لهذا النظام.

وعلى مبدأ التماثل شهدت البلدان الأوروبية ولادة رؤية نقدية متطورة حول دور المدارس الألمانية والفرنسية ووظائفها في القرن التاسع عشر، وفي دائرة هذه التوجهات النقدية وصفت هذه المدارس بأنها تعمل على تكوين جنود ومقاتلين لخوض الحروب الاستعمارية لهذه البلدان في العالم كما هو المدارس الألمانية تحديدا. ويتضح هذا الأمر من خلال التركيز على عمليات الترويض والإخضاع والنظام والمواظبة، وهذه السمات المنهجية في التعليم تعبر في جوهر الأمر عن حاجات المجتمع والاقتصادية والثقافية والعسكرية ولاسيما الحاجة إلى الجنود والعمال في المصانع.

يتناول غودن، في دراسته الطريقة التي يتم فيها التعليم في المدارس “الرأسمالية” ويلفت الانتباه إلى الاختبار الامتحاني الذي صممه فريدريك كيلي Frederick J. Kelly عام 1914 ، وهو الاختبار المعروف بالاختبار ذي الإجابات المتعددة المعتمد دائما في قياس مدى تحصيل الطلاب. وهو اختبار  يطبق في المدارس والمؤسسات العلمية اليوم، ويلاحظ أن وظيفة هذا الاختبار تتجه إلى تبسيط المعرفة وتفكيكها، لأن المطلوب في هذا الاختبار  أن يقوم الطالب بوضع إشارة في مربع الإجابة الصحيحة بين عدة خيارات أحدها صحيح. ويرى غودن في معرض نقده لمثل هذه الاختبارات أن الهدف منها تسطيح المعرفة وتجزئتها وتدمير القدرة الحقيقية للطالب على التأمل والتفكير، ومثل هذه الاختبارات مخصص لتأهيل الطلاب في ميدان العمل الصناعي الذي يحتاج إلى البساطة والتجزئة والفعالية اليدوية التي نجدها في المصانع والمعامل.

وتتضح هذه الرؤية الوظيفية للمدرسة بالنظر إلى الوظيفة الاقتصادية للعولمة حيث يكون الإنتاج مؤتمتا ومنظما على هذا النحو الذي لا يتطلب غير مهارات عملية متدنية توفرها المدارس في مسار وظيفتها الاستلابية. ويشرح لنا غودن هذه القضية الاستلابية للتعليم في المجتمعات الصناعية في العبارة التالية: ” إذا قمت بعمل تحت أمرة شخص ما يقول لك ما تفعله بدقة، فإن هذا الشخص سرعان ما سيجد شخصا آخر أفضل منك للقيام بالعمل نفسه. والمدرسة لا تفعل شيئا آخر غير تأهيل الأطفال في المستقبل للبحث بصعوبة عن عمل يملي فيه رب العمل على العمال تفاصيل ما يجب عليهم أن يقوموا به “.

ويستحضر غودن في هذا الخصوص مسألة الإنسان الآلي “الروبورت Robots ” وهو النموذج الذي يعزز حجاجه في تأكيد الدور الوظيفي الصناعي للمدرسة. فالروبوت يقوم اليوم بعدد هائل من المهارات الوظائف الإنسانية وهو بذلك يقلص عدد الوظائف التي يحتاجها المجتمع الصناعي، فالروبوتات تقوم بعدد هائل من المهارات والأنشطة بدرجة أفضل وأسرع وبتكلفة أقل من العامل البشري، لا سيما هذه الروبورتات المؤهلة للقيام بسلسلة من المهارات العقلية والإجراءات المنطقية.

ويتضح في هذا السياق أن التكنولوجيا الاتصالية الجديدة تتناقض مع آليات اشتغال المدرسة الصناعية التي نعرفها وترفضها في الآن الواحد ، أي هذه التي تقوم على نمط من العلاقات الروتينية التلقينية بين المعلم والتلميذ حيث يتلقى المتعلم وينفذ كل ما يصدر عن المعلم. ولا نعني بالتكنولوجيا الجديدة هي التي تقدم الهواتف الذكية التي تجعلنا نتأمل فيها بدلا من الاصغاء إلى المعلم فحسب، بل تلك التكنولوجيا الرقمية الهائلة التي تقوض الاقتصاد الرأسمالي وتعيد النظر في مفهوم العمل الإنساني بذاته.

التكنولوجيا الجديدة:

لا تقف الانتقادات التي يوجهها غودن إلى المدرسة في وضعيتها الحاضرة بل يتعدى ذلك ليقدم لنا تصورا نقديا حول مستقبل العمل المدرسي في ظل التقانات الفائقة. وهو في دائرة هذا التوجه المستقبلي يحدثنا عن مبدأ التواصلConnexion أو الاتصال وهو السمة الرئيسة البارزة في المجتمعات الحديثة اليوم.

فالثورة الصناعية لم تقف عند حدود إبداع نظام العمل الصناعي اليدوي (مانيفاكتورا Manufacture) بل عملت على تطويره إلى درجة استطاعت فيها أن تغيره كليا وأن تجاوزه في الآن الواحد . وعلى هذا المنوال يمكن القول: إن الثورة التقنية الجديدة لم تبدع لنا “الاتصال” بل جعلت منه السمة التي تهيمن على الاقتصاد: الربط بين الناس، والربط ما بين الأفراد والمعطيات، والربط ما بين المؤسسات، وتحويل الروابط العائلية والقبلية إلى مؤسسات عضوية أكثر فعالية.

ويتضح أن تأثير هذه الثورة في مجال الاتصال أعمق مما نتصور: ” ففي العالم الاتصالي تكون الشهرة وانتشار أفضل وأهم من النتائج الحقيقية . فالوصول إلى المعلوماتية لا يعني أبدا أن المعلومات والمعطيات هي نفسها التي تحظى بالأهمية، ذلك لأن طريقة المعالجة والوصول إلى المعطيات هي الأهم والأكثر خطورة.

وفي عالم الاتصال يتم الاحتفاء دائما بهؤلاء الذين يمتلكون الرغبة الجارفة في اتخاذ القرار والتصرف. ففي عالم ما قبل الاتصال كانت المعلومات نادرة وكان الذكاء يقاس بمدى الحصول عليها وتخزينها، وهو الزمن الذي كانت فيه المعلومات تعالج بطريقة فردية منعزلة دون تواصل مع الآخرين. وقد اعتاد التلاميذ بعد الانتهاء من المدرسة أن يقوموا بتفريغ المعلومات وتنظيمها. وعلى خلاف ذلك نجد أن المعلومات متدفقة وهائلة في المجتمع الاتصالي المعاصر، حيث نجد غزارة في المعلومات والمصادر عبر الشبكات التفاعلية والمصادر الإليكترونية الهائلة”.

ويمكن القول في هذا السياق إن تدفق المعلوماتية يفرض نمطا معرفيا جديدا في النظام المدرسي ويشرعن نمطا آخر من العلاقات القائمة بين الأفراد في المؤسسات المدرسية: ” تقتضي البنية الرأسمالية للمدرسة أن نعطي المعرفة للتلاميذ، بطريقة تكون فيها الأشياء واضحة وبطريقة تكون فيها مؤكدة. وبعد ذلك إذا كانت الأشياء والمعلومات قابلة للمناقشة، فمن الذي يمكنه أن يناقش؟ هل هم الطلاب؟ نعم هم الطلاب في الحقيقة، ولكن الطلاب مع الأسف ليسوا هنا في المدرسة من أجل المناقشة والحوار والتفاعل الذهني !  إنهم هنا في المدرسة من أجل التعلم والترويض على ذهنية القبول والخضوع والتكرار . وعلى خلاف هذه الصورة تكون الوضعية في الحياة المدنية الجديدة، فكل شيء يتحول إلى موضوع للمناقشة والبحث والشك بالنسبة لرجال العلم والمهنيين والطلاب. والميزة الأساسية هنا هي إخضاع كل الأمور للمناقشة سواء أكان ذلك في مجال الاقتصاد أو السياسة، والأهم من ذلك عملية البحث والتفكير في المستقبل في القادم من الأحداث والتوقعات.

وينتهي غودن إلى الدعوة بهجر النموذج الصناعي للمدرسة الذي يعدّ الطلاب في قوالب الخضوع والتطبيع وهجره إلى نموذج تربوي إنساني يعتمد على الشخصية الإنسانية، إلى نظام معاصر وجديد أكثر قوة وقدرة من أجل إعداد أجيال تتصف بالقدرة والذكاء في مجتمعات صناعية شديدة التفوق والذكاء. وكما يتضح فإن غودن يريد أن يقدم تصورا جديدا لصالح التلاميذ الذين لا يملكون هذه القدرة الإبداعية التي تجعلهم مخترعين ومبدعين. ومع ذلك لا يسع المرء إلا أن يقف مشدوها بما تميزت به نظريته من دقة وأصالة وقدرة على وصف التحولات الخطيرة التي تشهدها الأنظمة التعليمية في ظل التطورات الجديدة الحادثة.

ومن موقع هذا النداء يدعونا غودن إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم الأساسية في المجال التربوية، مثل: مفهوم التلميذ، ومفهوم المعلوم، والصف، والمعرفة والنشاطات المدرسية والتعلم والمعرفة. ففي الماضي كان كل شيء بسيطا وسهلا: فالمعلم يصنع التعليم وهو يشكل المصدر الوحيد للمعرفة، والمدرسة اليوم ليست أكثر من تشكيل تاريخي مضى عليه الزمن أما المستقبل فيشكل بالنسبة للأجيال المعاصرة فضاء ذكيا مفتوحا.

ومن أجل مواكبة التطور الحادث في عالم الفضاءات الذكية يقترح غودن عددا كبيرا من المشاريع الرائدة لمجاراة التطور الحادث في العوالم الذكية، ومن هذه المشاريع طرح أفكار جديدة في مواجهة التحديات التكنولوجية العاصفة واقتراح مبادئ جديدة للعمل والتطوير ومن أهم ما يقترحه الدعوة إلى التفكير في المفاهيم التربوية خارج صندوق الممنوعات والتابوهات الكلاسيكية، مثل: الواجبات المدرسية، والواجبات المسائية، والدروس الإبداعية، والمناقشة والاتصال في المناخ المدرسي، وهذه المستجدات تمثل نهاية الاختبارات ذات الإجابات المتعددة (الأسئلة الموضوعية كما يسميها طلابنا)، حيث يكون مفهوم التعاون وتبادل الأدوار، والوصول إلى نوع من التعليم الحقيقي الذي يستمر مدى الحياة بما يمكن أن نطلق عليه التربية المستمرة. والقائمة التي يطرحها غودن مفتوحة وطويلة جدا.

هل بدأت الثورة:

تأخذ التصورات التي يقدمها غودن مكانها في سياق محدد ضمن وضعية التصادم بين اتجاهين أساسيين. فالثورة التربوية كما يرى هي نتاج طبيعي للتغيرات الحادثة في هذه المرحلة التاريخية والتي تتمثل في هجمة المعلوماتية والثورة الرقمية هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن عددا من التحولات التقنية بدأت تشكل قوة حاكمة قادرة على تقديم تصورات أكثر دقة.

فالمقالات المتتابعة حول الثورة التربوية تعمل على فحص بعض مؤشرات هذا التغير الثوري في عالم التربية وميدان المعارف المدرسية. لقد كرس معهد العلوم والتكنولوجيا في باريس ParisTech, ou Institut des sciences et technologies de Paris مجموعة من النصوص: حول توظيف اللعب في عملية التعليم، الاكتشافات في مجال علم الأعصاب، وهذا غيض من فيض من المقالات والأبحاث التي قدمها المعهد في مجال التغيير الثوري الذي يشهده المجتمع الإنساني.

يقول ماركوس وايت Markus Witte الرئيس التنفيذي لشركة بابل Babbel، وهو مركز لتعلم اللغة في هذا الصدد ” إن الثورة في التعليم بدأت تأخذ مكانها في الحياة العامة للمجتمعات الإنسانية. وإذا ما كان هناك من أسباب وجيهة لنتوقع أن هذا التغيير يأخذ مساره في الاتجاه الصحيح ليحقق تقدما حقيقيا، فإننا نعتقد أن الحكومات والإدارات واللجان ليست حتى الآن جاهزة لاعتماد التكنولوجيات الرقمية الجديدة. ومع ذلك يجب علينا ألا ننتظر أن تحدث هذه التغييرات من خلال المنظمات الوطنية، لأنه الثورة في التعلم لا تحدث بذاتها أيضا بل تتم عبر الأفراد وليس المؤسسات، ويضيف وايت أن التغييرات الحقيقية تحدث في البنية المجتمعية الدنيا أي من الأسفل إلى الأعلى في المجتمع، والأفراد في نهاية الأمر هم الذين يتبنون التكنولوجيات الجديدة ويعتمدونها في عملية التغيير التربوي “.

ويعلن إيمانويل دافيدنكوف Emmanuel Davidenkoff من جانبه بأن الجانب المهم من التحولات الجارية صدرت في كاليفورونيا وهذه التحولات لا تحدث على نحو عفوي من خلال الأفراد فحسب بل من خلال تأثير قوة السوق الذي يفرض نفسه ويتمدد يقول دافيدنكوف: “من الشمال إلى الجنوب الكالفيوروني فإن مؤسسات التعليم العالي، والشركات، ومراكز البحوث العامة، ومؤسسات التعليم الخاص تتبنى نظاما تربويا خاصا في جداول أعمالها، وهذه الأنظمة التربوية الجديدة تأخذ مكانها على قدم المساواة مع الأولويات الأخرى لهذه المؤسسات مثل: تكنولوجيات النانو nanotechnologies، والتكنولوجيا الحيوية biotechnologies، والطاقة الخضراء énergies vertes.

ويمكن القول في هذا الصدد أن النظام الإيكولوجي الذي استطاع خلال عقود قليلة من الزمن أن يوفر حاجات ملايين الناس خلال عدة عقود إلى الهواتف الذكية وشبكة الإنترنت ، استطاع في الوقت نفسه أن يضع قوته المتنامية في عملية التجديد والابتكار ضمن عملية ” اختراع التعليم ” وابتكاره . ويحدد لنا دافيدنكوف ثلاث نتائج أساسية في هذا الصدد: تحول كبير للنظام الاقتصادي أدى إلى انخفاض الأسعار في القطاع الخاص. وتحولات جوهرية راديكالية في المؤسسات المدرسية والجامعية؛ تزايد معدلات الاستهلاك المدرسي على حساب المواطنين والمستخدمين للخدمة العامة؛ وأخيراً ظهور المنظمات التعاونية على حساب المؤسسات التقليدية.

فالتكنولوجيا الجديدة لا تؤدي إلى توليد حاجات جديدة فحسب بل تؤدي في حقيقة الأمر إلى توليد نمط من الخيارات والإمكانيات الجديدة: الصفوف الافتراضية، والتدريس عن طريق الإنترنت، ودردشة الفيديو، خدمات الترجمة من جانب المستخدمين، والمشاركة في المعرفة العلمية بين مستخدمي الأنترنيت.

وهنا يجب علينا أن نعود للتفكير في الأسئلة الجوهرية حول العلاقة بين التلميذ والمعلم والمعرفة ضمن دائرة هذه الثورة التربوية: فالتلميذ اليوم وبفضل هذه التحولات يتعلم ذاتيا من تلقاء نفسه، ويقرر من تلقاء نفسه. ولكن السؤال الأهم هو: من يعلمه كيف يتعلم ذاتيا؟ وكيف يتخذ قراراته بنفسه؟ ومن المؤلم أن المؤسسات التعليمية لم تقل كلمتها النهائية في هذا الخصوص. فالمدرسة وخلال القرنين الماضيين كانت تدور في فلك المؤسسات التربوية القريبة من منازل الأطفال في القرى والأحياء والمدن. أما اليوم فهي تواجه تحدي السقوط بصورتها التقليدية السائدة القائمة على احتكار المعرفة لتأخذ شكل مؤسسات تقوم على التعلم الذاتي والتفاعل الذاتي وتعدد مصادر المعلومات. فالمدرسة التي عرفناها وعشناها تنتمي إلى الماضي ومع ذلك كله فإن هذه المدارس ستستمر في الوجود لأننا ما زلنا نحتاج إليها.

والسؤال الذي يمكن طرحه هنا ما هي طبيعة هذه المؤسسات التربوية الني نريد استمرارها وما هي سماتها أي ما الذي يشبهها؟ وقد جاء الوقت كي نفكر في هذا الأمر. وهذا هو موضوع هذه المقالات المتعددة التي نقوم بنشرها. ولنترك الكلمة النهائية إلى ستانيسلاس دوهين Stanislas Dehaene وهو أحد علماء الأعصاب الذين عكفوا على التفكير والحوار في مجال التعلم والتدريب، إذ يقول: ” يجب على المدرسة أن تزود الإنسان المعاصر – هذا الكائن الإعجازي المذهل- ببيئة معرفية منظمة تتصف بالغنى وتفيض بالمعطيات، وأن تكون في الوقت نفسه مشوقة مبدعة ومتسامحة على نحو استراتيجي “.