مفهوم التنوير على ضوء مقالة ايمانويل كانط ما التنوير؟ بقلم: السعدية دنكير


16 فبراير، 2018  

مفهوم التنوير على ضوء مقالة ايمانويل كانط ما التنوير؟ بقلم: السعدية دنكير

409 مشاهدات اترك تعليق

مفهوم التنوير على ضوء مقالة ايمانويل كانط ما التنوير؟

 بقلم: السعدية دنكير

2018-02-16

11:25:48

  يعد مفهوم التّنوير من بين أهم المفاهيم التي شغلت عقول الفلاسفة والمفكرين في القرون الأخيرة، ونظرا لأهمية الموضوع والحاجة الماسة إليه في زماننا الراهن. سأعمل في هذا المقال على تسليط الضوء على مفهوم التنوير، وما هو التنوير؟ وأين ظهر؟ وماهي العوامل التي ساهمت في ظهوره؟ وأهم ما جاء في هذا الصدد في مقالة إيمانويل كانط ما التنوير ؟

المعنى الاشتقاقي لكلمة ” تنوير ” – سواء في العربية أو في الإنجليزية – يعني الإضاءة، وهي كلمة مشتقة من النور. فعنصر التنوير مصطلح يشير إلى القرن الثامن عشر في الفلسفة الأوروبية ويشير أيضا إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية سميت بالتنوير وقامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة بدلا من الدين .أما فيما يخص الفكر العربي الإسلامي فإن مفهوم التنوير والأنوار والتنور ارتبط بالتراث الصوفي، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصد به اليوم، فإذا كان التنوير هو إعمال العقل في الشؤون كلها وتدبير شؤون الإنسان بنفسه باعتباره المسئول عنها، فإن التنوير عند الصوفية مثلا، يفنى في تدبير الإله ،لان الله حسب الصوفية هو مدبر حياة الإنسان كلها.وقد عرفت الثقافة العربية الإسلامية عبر تاريخها تيارا تنويريا قاده مجموعة من المتنورين أمثال ابن رشد، إلا أن هذا الفكر اصطدم بعوائق وعقول متحجرة منعته في الانطلاق والاشتغال في مساحات أكبر، ومنذ ذلك الحين والعالم العربي الإسلامي في ركود وانحطاط.

وقد شكلت هذه الحركة التنويرية التي انطلقت في الغرب، أساسا وإطارا للثورة الفرنسية ومن ثم للثورة الأمريكية وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية.كما مهدت هذه الحركة بالتالي لنشوء الرأسمالية ومن ثم ظهور الاشتراكية.

وكان الهدف الرئيسي الذي سعى عصر التنوير إلى تحقيقه هو تكوين “فلسفة جماهيرية ” تكون بديلا لفلسفة الطبقة الارستقراطية المحافظة وتهيئة الأذهان لتغيير الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي باتت لا تتلاءم مع روح العصر، وكان محورها الأساسي هو فكرة التقدم الإنساني الذي ينبثق عن قدرة العقل البشري على السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان والمجتمع البشري. وكان من نتائج عصر التنوير احترام العقل ومناهضة التفكير الميتافيزيقي، انطلاقا من أن العقل البشري هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة.

ومن أهم الحركات التي ساعدت على تبلور الفكر الاجتماعي والفلسفي في القرنين السابع عشر والثامن عشر الحركة الإنسانية، والتي انطلقت من نقض الفكر الميتافيزيقي الذي ساد في العصر الوسيط،ونادى بالعودة إلى الطبيعة الإنسانية التي تنبع أصلا من الظروف الاجتماعية التي تحيط بها تلك الحركة التي عبرت عن موقف فكري واضح المعالم يؤكد على أن منبع الأفكار هو الواقع الاجتماعي بذاته. وكان من ابرز ممثلي هذه الحركة جان جاك روسو وجون لوك وفولتير وديفيد هيوم وغيرهم، وجميعهم قاموا بمهاجمة مؤسسات الكنيسة والدولة القائمة. أما الحركة الثانية فكونت مشروعا سياسيا هدفه تأسيس دولة تنزل السلطة، بما فيها سلطة الأفكار،إلى المجال الشعبي، وتمثلت في الثورة الفرنسية ومبادئ حقوق الإنسان.وظهور أول دعوة ليضع البشر قوانينهم بأنفسهم بعيدا عن الكنيسة حتى يسود السلام الاجتماعي ولقد جاءت على يد المفكر الانجليزي جون لوك وكتابه الشهير”القانون المدني”.

ومن الأسباب التي ساعدت على ظهور التفكير التنويري، الحروب والقتل باسم الدين ، فلقد كان البروتستانت يساقون للمذابح الجماعية في الميادين العامة في النمسا وفرنسا،قتل مفكرو أوروبا الأحرار باسم الهرطقة مثل كوبرنيكوس الذي قال أن الأرض كروية الشكل ،وكفرته الكنيسة وأحرقته باسم الزندقة.وهو الذي كان سيتكرر مع جاليليو لولا انه تراجع وقال لهم جملته الشهيرة”لا تريدونها كروية إذن فهي ليست كروية “ثم قال لهم بعد أن أفرجوا عنه، ولكنها تبقى كروية.بالإضافة إلى ظهور الطائفة البروتستانتية وانشقاقها عن الكنيسة، وساعد على ذلك أيضا انتشار الرشديين حاملين معهم شروحات أرسطو، وآراء ابن رشد.بالإضافة إلى ادعاء رجال الدين امتلاكهم الحقيقة المطلقة، مما أدى إلى أن يعيش مفكرو أوروبا الأحرار حياتهم كلها أو معظمها أو جزء منها، متخفين عن الأنظار خوفا من أن يقتلوا من قبل من يتبنى الفكر الكنائسي.وقد كانت هولندا ملجأ للفلاسفة والمفكرين بعد أن تمكنت منها البروتستانتية وأصبحت أكثر لبرالية من الدول الكاثوليكية المجاورة.

وخلال هذه الظروف التي بدأت فيها مسألة التنوير تشغل الأذهان وتصطدم من ناحية بعقول متحجرة راحت ترفضها، ومن ناحية ثانية بدهنيات متحمسة حمّلتها أكثر مما كانت تحتمل. ومن هنا أتى «جواب» كانط واضحاً عن ماهية التنوير،وذلك سنة 1784 فجاء رد إيمانويل كانط كالتالي:

التنوير هو خروج الإنسان من قصوره ، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. والكسل والجبن هما علة بقاء البعض من الناس عاجزين وقاصرين طوال حياتهم، رغم أن الطبيعة حررتهم منذ زمن طويل من كل سلطة ووصاية خارجية وغريبة عليهم،إن مبدأ التنوير هو ” كن شجاعا واستخدم عقلك بنفسك!

نخلص من هذا النص التنويري إلى فكرة أساسية وحولها يتمحور النص كله ألا وهي: مسؤولية الإنسان عن المأزق الذي وضع فيه نفسه، والذي يتجلى في عجزه في إعمال عقله الخاص بكل شجاعة في معزل عن وصاية الآخرين ففي وضع كهذا يشوبه الكسل والجبن وقيود مختلفة يصعب التخلص منه بسهولة، في حين أن الذين نجحوا في ذلك هم قلة قليلة.ولم يحصل ذلك إلا بجهدهم الفكري لينطلقوا بخطى ثابتة.

هناك إذن مصلحة في إبقاء الناس على قصورهم وعجزهم، وهم مسئولون عن ذلك. ويرتبط تطوع الآخرين في فرض وصاياهم عليهم بمصلحة تحقيق السيطرة على القاصرين منهم، لان الأوصياء يجدون صعوبة في تحقيق سيطرتهم إذا لم يكن هناك أفراد يعجزون عن استخدام عقولهم ويتركون للآخرين اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية نيابة عنهم.

ويعطي كانط ثلاثة أمثلة على ذلك، فالمرء يكون في حالة من “القصور” عندما يقوم كتاب ما مقام فهمه، أو عندما يقوم مرشد ديني مقام ضميره، أو عندما يقرر طبيب في مكانه نظام أكله.

إن للإنسان عقل يميزه عن باقي الكائنات الحية ويوجهه نحو المعرفة الصحيحة والعمل المفيد والقرار الصائب إذا استطاع استخدامه بشكل صحيح وبدون توجيه من إنسان آخر. و ليس هناك شيء يتطلبه التنوير بقدر ما يتطلب الحرية، ويعني ذلك حرية الاستخدام العلني للعقل وفي كل الأمور.ويرى كانط، انه إذا كانت ثورة ما كافية لإنهاء اضطهاد يمارسه طاغية، فإن الجميع لا يمكن له أن يتحرر ويتنور إلا في شكل بطيء وتدريجي، وذلك لأنه منذ اللحظة التي لا يكون فيها هذا الجمع قد ربّي بحيث يفكر بنفسه ولنفسه، لن يكون هذا الجمع سوى لعبة في أيدي الحكام الجدد، الذين يحلون محل الطاغية المخلوع، فما هو المطلوب إذن؟ إن المطلوب هو تلك الحرية التي تعتبر، عادة أكثر الحريات براءة: حرية أن يعقل الإنسان الأمور في رأسه وفي ما يتعلق بأي موضوع من المواضيع.

و يجد كانط أنَّ كمال الأنوار لا بدّ له من عقلانيّة مشروطة بالطاعة؛ كأن يقول “فكِّروا قَدْرَ ما تشاءون وفيما تشاءون، ولكن عليكم أن تطيعوا”. ويبدو أنه زواج بين حرّيّة الفكر وطاعة الحاكم واحترام القوانين.وتوضيحا لهذا يقيم كانط التمييز بين استخدام عام للعقل واستخدام خاص. أما العام فهوما يقوم به المرء حين يكون عالما، وفي اتجاه الجمهور الذي يقرأ والاستخدام الخاص للعقل لا بدّ أن يخضع لتحديد صارم جدًّا، دون أن يكون ذلك من الموانع المحسوسة في “طريق التنوير” وهو استخدام يمكنه أن يكون، على أية حال، محدوداً. ففي قضايا المصلحة العامة مثلاً، يتوجب أن يكون ثمة قسط من الانتظام العام… وهنا في رأي كانط، لا تعود المسألة مسألة عقلنة الأمور، بل الطاعة. ولكن بالنظر إلى أن عضواً من جهاز الدولة الحاكم يبدو منتمياً إلى الإنسانية وهمومها، يحق لهذا بل يتوجب عليه، أن يصوغ علناً، لفائدة الجماعة، كل ما لديه من ملاحظات ونقد. وهو لأنه دافع ضرائب ملتزم، يمكنه بعد تسديد كل ضرائبه أن يقول كل ما يختمر في ذهنه بصدد عدالة فرض الضرائب وما شابهها. أما إذا كان هذا الشخص قسيساً، فإن عليه، بعد أن يعرض أفكار كنيسته بأمانة أمام جمهوره، أن يورد ما قد يكون لديه من ملاحظات على هذا الخطأ أو ذاك، على هذا النقصان أو ذلك.

ويستخلص كانط أن الواجب الأول الذي يتعين على كل دولة متنورة أن تمارسه إنما يكمن في تربية الناس على مفهوم الحرية. أما احترام النقد والاستقلال الفكري فيتعين أن يعتبر واحداً من المبادئ الأساسية في الوجود.ويرفض كانط التعاقد الذي يتم بهدف أبعاد النوع البشري عن كل نور جديد، فلا يمكن لعنصر أن يستحجر العصر الذي يليه ويعتبر ذلك جريمة، ومن حق الخلف رفض جميع القرارات التي اتخذت بطريقة غير شرعية ولم تعد تخدم الإنسان و إنسانيته.وبالمقابل يمكن الإبقاء على قانون ما ويسنه الشعب لنفسه حفاظا على النظام، في انتظار قانون أفضل والإبقاء في نفس الوقت على حرية كل مواطن في إبداء رأيه علنا حول العيوب التي تشوب المؤسسة الحالية (المؤسسة الدينية) وهكذا يشير كانط إلى أن الانتقال التنويري في المجال السياسي يكون تدريجيا ،ولا يحق للحاكم أن يتواطأ مع استبداد ما مستغلا نفوذه ليفرض تشريعات لا تتلاءم وحق الحياة للأفراد الذي يعتبر سابقا على باقي الحقوق.

أخيرا وعلى ضوء النص التنويري لكانط يجوز لنا أن نتساءل: ألم يحن الوقت بعد لتنهض المجتمعات العربية والإسلامية من سباتها العميق ؟

في ظل هذا الركود والجمود الذي يعيشه العقل العربي والإسلامي المكبل بأغلال التراث والأوصياء السنا اليوم في أمس الحاجة إلى ثورة فكرية وفلسفية للدفاع عن العقلانية ومبادئها؟