مفارقة التعليم والأخلاق- أ.د. صابر جيدوري


17 فبراير، 2018  

مفارقة التعليم والأخلاق- أ.د. صابر جيدوري

483 مشاهدات اترك تعليق

مفارقة التعليم والأخلاق

أ.د. صابر جيدوري 

           

     لم يعدّ من النادر أن نرى قادة دول، على قدر مرتفع للغاية من التعليم والمعرفة، ينشرون الكراهية ويشعرون بالحقد يغلى في صدورهم، ولا يتورعون عن قيادة عمليات الإرهاب الفردي أو إرهاب الدولة، ويرسلون جيوشها عبر آلاف الأميال لشن حروب تسبب دمارًا كبيرًا وتترك الآلاف أو الملايين قتلى وجرحى ومعاقين، كما تترك بلادًا بكاملها وقد عمها الخراب والدمار، وحرمان أهلها من أبسط الخدمات والحقوق الإنسانية، ولنا في سورية والعراق واليمن وليبيا ومصر وفلسطين خير دليل.

     إن الذين يقومون بالتعذيب والمعاملة المهينة لمواطنيهم، أو يأمرون به، هم قادة كبار في أجهزة الشرطة والجيش في الكثير من الدول العربية، هؤلاء حصلوا على قدر لا بأس به من التعليم، وتتاح لهم أفضل الفرص للتدريب والثقافة، فضلاً عن أنهم لا يتورعون عن القيام بعمليات فساد مضرة للاقتصاد الوطني، إذ يحرمون بذلك الآخرين في الوطن من الفرص الدنيا لتلقى التعليم المناسب، أو الحصول على لقمة عيش عزّ وجودها، أو مجرد التمتع بالحد الأدنى من الخدمات الصحية والوقائية. هؤلاء الذين يفعلون ذلك اليوم في سورية والعراق واليمن هم أيضًا ممن تلقوا تعليمًا عاليًا. ويمكننا أن نمضي في رصد الأمراض الخطيرة التي تفتك بالأخلاق العامة، وتسبب أشد الأضرار بالبشر وننسبها لأفراد حصلوا على مستويات عالية من التعليم.

     وإذا كان لا يمكننا أن نعزو هذه الأمراض كلها للتعليم بذاته، فكذلك لا يمكن أيضًا تجنب الاستنتاج بأن التعليم لم يوفر قاعدة مرضية للتطور الأخلاقي. كما أن هذه الحقائق تنبهنا إلى أن التعليم المعاصر أصبح منفك الصلة بالتربية الأخلاقية والإنسانية. بل يمكننا أن نذهب إلى ما هو أبعد لنقول: إن التعليم ربما يكون أحد العوامل التي تُحفز الأشخاص على الشعور بالتفوق، وبالتالي الدخول إلى عالم الجريمة من أوسع أبوابه.

     لهذا كله، لا بد من تفعيل تدريس القيم، وإنهاء التناقض بينها وبين العلم والمضامين المعرفية، واستعادة الدّور الأخلاقي للمؤسسة التربوية، والبحث عن الآليات والوسائل التي تمكّنُ من تفعيل القيم الرُّوحية في الإنسان، الأستاذ والطالب على حد سواء، لأننا ننطلق من أن المؤسسة التربوية ليست فضاء للتَّدريب وتخزين المعرفة وحسب، وإنّما هي فضاء لتعلّم الفضيلة، أو أنها الحَلَقةُ الأقوى في مشروع مُواصلة فعل التَّكميل الخُلقي والعقلي للطَّالب في مؤسسات التعليم المختلفة.

     وهكذا، فإن التعليم قد لا يكون المسؤول الأول أو الوحيد عن تلك التشوهات المخيفة للشخصية الإنسانية التي ترتبط بالحروب، ومختلف ضروب القسوة والفساد والكراهية، ولكن التعليم يظل مسؤولًا عن الفشل في الحيلولة دون بروز هذه التشوهات على النحو الذي نشهده في اللوحة السياسية والاجتماعية الإقليمية والدولية.

     كما أنه يظل مسؤولًا، بين عوامل وقوى أخرى كامنة في صميم المجتمع، عن انفكاك الصلة بين المعرفة والأخلاق الرفيعة، فضلًا عن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية. ولذا يجب أن نبحث بصورة ميدانية لماذا يفشل التعليم في إنتاج الشعور بالمسؤولية الأخلاقية؟ وعن جعل المعرفة صنواً للرقى الإنساني بكل أبعاده.

     فالتعليم ليس شيئًا متجانسًا في جميع المجتمعات، أو حتى في المجتمع الواحد. بل وقد لا يكون للمصطلح المعاني نفسها والدلالات المبثوثة فيه عبر الثقافات والمجتمعات والدول. ولذلك يتعين علينا أن نرصد تلك المسؤولية بصورة ميدانية في السياقات الوطنية والقومية والثقافية والجغرافية، وأن نقوم ببحوث تفصيلية عن تلك الارتباطات المشكوك فيها بين التعليم والرقى الأخلاقي والمعرفي.

     لا شك أنه يوجد صعوبات كثيرة تعترض المدرسة تحول دون التطبيق السليم للتربية على القيم، وتعزيز البعد الأخلاقي للمنظومة التربوية، إذ لا تزال المدرسة عاجزة عن نقل قيم الحقوق والواجبات والمواطنة المسؤولة، بوصفها قيمًا ضرورية لتحقيق اندماج اجتماعي فعلي للمتعلمين، كما تشهد على ذلك بعض المظاهر السلوكية والأخلاقية غير المدنية، كالعنف والغش في الامتحانات، وإتلاف المرافق المدرسية، علمًا أن تنمية القيم المدنية تُعدّ مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع.

     إن أزمة القيم أو تصدع منظومة الأخلاق أصبح لها مؤشرات كثيرة داخل المؤسسات التربوية، وقد أرجعت الكثير من الدراسات غياب البعد الأخلاقي في العملية التربوية إلى التركيز على المعلومات، ومحدودية التجسيد الفعلي للقيم الأخلاقية. فأكثر نظم التعليم الراهنة تكتفي بالتركيز على إجبار الطلاب على استيعاب قدر كبير من المعلومات، ولا تلقى بالًا إلى التربية الأخلاقية. ويلاحظ أن هذا التركيز الأحادي وسقوط أجندة التربية من لائحة المسؤوليات والمهام التي يقوم بها جهاز التعليم، يرتبط إلى حد كبير بالأوضاع السائدة في المجتمع ذاته، نتيجة التركيز على إطلاق حريات الفرد، وإعلاء القيم المادية كركيزة لولادته ولادة حرة، وذلك على حساب الروابط الاجتماعية المشتركة، والمسؤوليات الأخلاقية التي يجب أن تحميها وتنميها وتطورها على الدوام.

     وربما يعود هذا التركيز الأحادي على المعلومات دون الجوانب الأخلاقية، إلى الفشل المتأصل في نظم التعليم البيروقراطية ذاتها، لأن بيروقراطية التعليم تجد من الأسهل لها القيام بشروح لمعلومات تبدو موضوعية، أو حقائق مطلقة ذات أهمية في السوق والاقتصاد، وذلك بالمقارنة بواجب القيام بشروح مستفيضة للواجبات الأخلاقية.

أ.د. صابر جيدوري

أستاذ أصول التربية بجامعة طيبة