الحرية الأكاديمية … لماذا؟ – د. سوسن الشريف


14 يونيو، 2015  

الحرية الأكاديمية … لماذا؟ – د. سوسن الشريف

1006 مشاهدات اترك تعليق

الحرية الأكاديمية … لماذا؟

 

د. سوسن الشريف

 المدينة الفاضلة هي المدينة الأسطورية التي اخترعها أفلاطون، وكذلك الحرية الأكاديمية هي الحلم الذي اخترعها الباحثين. يكاد يتفق العديد من الباحثين على أننا نعيش في وهم الحرية الأكاديمية، ولعل هذا من أهم الأسباب التي دعت للاهتمام بهذه القضية بشكل خاص.

فمن لا يمتلك حرية فكره، حرية رأيه، حرية قلمه … يظل سجين للأبد حتى لو لم يكن لهذا السجن قضبان.

لطالما شغلت قضية الحرية رجل الشارع والمفكر والعالم، فهي مطلب وحق أساسي للجميع وليست ترفاً، وهذا ما تؤكده المعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فالحرية وجدت مع بداية الخلق، وهي متاحة لمن يستطيع تحمل عواقبها. والحرية ليست مطلقة بل لها حدود وقيود أخلاقية ترتبط بها، ومن غير المسموح تخطي هذه الحدود، وإلا أصبحت انتهاك وتعدي على حرية الآخرين.

وإن كانت الحرية بوجه عام مطلب للجميع، فإن الأكاديميين والعلميين يطالبون بنوع من الحرية ألا وهو “الحرية الأكاديمية”، والتي تعني حرية الفكر والرأي والتعبير والبحث داخل المؤسسة العلمية، باعتبارها أولى الخطوات للتجديد والإبداع وبالتالي التقدم.

الحرية بوجه عام نظام متكامل به قواعد ومسئوليات، وليست فقط تحرر من القيود، والحرية الأكاديمية كجزء من الحرية ينطبق عليها ذات الوصف من حيث كونها حرية مسئولة. وهي ترتبط إلى حد كبير بالشفافية، وحدودها تضيق وتتسع وفق منظور الباحث، ومنظور المؤسسة التي يعمل بها، ومدى علاقة كل منهما بالسلطة.

رغم أن مفهوم الحرية الأكاديمية نسبي ويختلف من باحث لأخر، إلا أن هناك معايير أساسية يتخذها الباحث كقاعدة وأساس لعمله، ويتفق عليها كل من يعمل في البحث العلمي، وهذه المعايير هي الحدود والضوابط التي يلتزم بها الباحث الجاد. والمقصود بهذه الضوابط الارتقاء بالحرية لا تقييدها، وهي مطلوبة في بعض الأحيان، وواجبة وفرض في أحيان أخرى. إن الباحث يضع حدود لحرية تعبيره عن رأيه وفقاً لمعتقداته واتجاهاته الشخصية، أو وفقاً لأعراف وتقاليد المجتمع الذي يعيش به. ويعتبر المعيار الأخلاقي هو المُحدد الأساسي للحرية الأكاديمية، من حيث الإنسانية أو الأخلاق -كخلق إنسان أو مجالات الدمار الشامل- وحدود البحث العلمي المنضبط المسئول، وجدية الباحث والتزامه وموضوعيته في تناول بحثه، ومصلحة المبحوثين فلا ضرر ولا ضرار، وعدم فرض الوصاية على الآخرين وتقبل الرأي الأخر مهما كان الاختلاف، فالفيصل في هذا الصدد لابد وأن يكون الضمير الإنساني وحده.

خيط رفيع هو الذي يفصل بين الحدود والقيود، وهذا ما يجب أن يعتبره الباحث العلمي، فدرجة التزامه بالحدود تعتبر مؤشر لاتجاهه الفكري. فالالتزام الجامد الصارم يعوق الفكر والتجديد والإبداع، وبالتالي تتحول الحدود التي من المفترض أن تنظم عملية البحث إلى قيود، قد تحول دون تحقيق الهدف منها. وكذلك الحال إذا فُقد الالتزام بحدود للحرية سيتحول الأمر إلى فوضى، وقد يصل إلى الاعتداء على حرية الآخرين والحجر على آرائهم.

الأساس إنه لا قيود على حرية البحث العلمي، ولكن الواقع العملي يُخبرنا غير ذلك. فبداية من الباحث المبتدئ إلى الأستاذ المخضرم والطريق مليء بالأشواك، وعليك أن تتحمل ألم وعناء حتى تصل إلى الطريق الصحيح، أو انك تختصر المسافة والعناء وتقدم التنازلات من البداية، قد تصل فعلاً إلى نهاية الطريق أسهل وأسرع، وستحصل على المكاسب المرجوة من درجة علمية أو مكانة مادية، لكنك حتماً ستخسر احترامك لذاتك واحترام الآخرين لك.

وفي اعتقادي الشخصي أن أي شيء وكل شيء قابل للتعويض، إلا احترام الفرد لذاته، حتى لو أظهر لك كل من حولك التقدير الزائف، سيظل صوت خافت بداخلك يتردد متسائلاً “هل تشعر براحة وسلام؟” ولا اعتقد إن الإجابة ستكون بالإيجاب. والمشكلة الأكبر إذا لم تستمع لهذا النداء الخفي، لأن وقتها تكون بالفعل خسرت كل شيء، وهي خسارة فادحة لا يعوضها أي مكسب دنيوي.

د. سوسن الشريف

خبير اجتماعي وتربوي

sawsan73@aucegypt.edu