مدرسة فرانكفورت؛ نقد أسس التنوير والماركسية بقلم: سعد محمد رحيم


9 مايو، 2015  

مدرسة فرانكفورت؛ نقد أسس التنوير والماركسية بقلم: سعد محمد رحيم

1789 مشاهدات اترك تعليق


مدرسة فرانكفورت:  نقد أسس التنوير والماركسية

بقلم: سعد محمد رحيم

طبقاً لمبادئ ومعايير عديدة يمكن وضع مفكري مدرسة فرانكفورت تحت خيمة الـ (ما بعد ماركس والماركسية). وهم على الرغم من افتراقهم عن ماركس على أصعدة متنوعة فإنهم ظلوا مستندين إلى أرضية ماركسية غير صلبة وغير نقية (غير أرثوذكسية بالمرة )، في تحليلهم التطور الاجتماعي في أوروبا النصف الأول من القرن العشرين. وكان رائدهم هو المنهج النقدي المشبع بالروح الماركسية، والذي تبنوه في مواجهة المناهج والنظريات الاجتماعية البرجوازية السائدة في حينها.

لم يكونوا ماركسيين بمعايير الستالينية، بطبيعة الحال، ولا حتى بمعايير الاشتراكية الديمقراطية والأوروشيوعية.. كانوا ماركسيين إلى الحد الذي لا يتورعون معه من نقد فكر ماركس نفسه، ناهيك عن الماركسية الرسمية السائدة التي طبعت سياسات العالم الشيوعي وخطابه بقوة، في ذلك الوقت، سواء في الاتحاد السوفياتي أو في أوروبا الشرقية.

مثلت مدرسة فرانكفورت النظرية الاجتماعية النقدية، وانتقدت عقلانية الحداثة التي رأوا أنها تحولت إلى عقلانية تقنية أداتية خسرت جانبها الأخلاقي، وهي التي ستقود، إلى تسيّد الفاشية وما صنعتها من أهوال. وقد مارس أقطاب هذه المدرسة النقد الجذري لإرث التنوير ومن خلاله للواقع الأوروبي الذي عاصروه. وركزوا، على عكس توجهات الماركسية التقليدية، على فعل البنى الثقافية التي تمارس هيمنتها على حركة المجتمع، ولم يكتفوا بتفسير الظواهر فقط، تبعاً لفعل البنية الاقتصادية ـ التحتية، لأنهم شهدوا عالماً كانت الرأسمالية فيه أكثر مرونة وقدرة في معالجة أزماتها والتكيف معها. ولم يعد الصراع الطبقي فيه بتلك الحدّة التي ستصل بتناقضات المجتمع الرأسمالي إلى لحظة الثورة الاشتراكية. إلى جانب استحواذ الإيديولوجيات على عقول الناس وتحكمها بسلوكياتهم، وأحياناً إلى درجة لا معقولة، تصل حد الجنون الجماعي كما في النازية والفاشية.

إن التنوير بحسب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وهما من أبرز مفكري هذه المدرسة يعد “وعلى مر الزمن، بالمعنى العريض تعبيراً عن فكرة التقدم، وهدفه تحرير الإنسان من الخوف وجعله سيداً… كان برنامج التنوير برنامجاً يهدف إلى فك السحر عن العالم. لقد أراد التحرر من الأساطير وأن يحمل للمخيلة سند العلم”.

لم يتحرر العقل من الأسطورة، وإنما أوجد أسطورته الخاصة، وقع ضحية الأسطورة ثانية.. وما تحقق من تقدم في مجالات العلم والتقنية لم يحرر الإنسان من الخوف ولم يجعل منه سيداً.. تشيأ العقل وتشيأت الذات الإنسانية في إطار السيرورة التقنية، وأضحى العقل نفسه مساعداً للآلة الاقتصادية التي تشمل كل شيء؛ “إنها تعمل كما لو كانت أداة كونية تناسب صناعة كل الآلات الأخرى العقلانية المحضة المثقلة بالأخطار شأن مداولات الإنتاج المادي المحسوبة جداً والتي لا يمكن للناس احتساب نتائجها”. هكذا اكتست طروحات أغلب مفكري مدرسة فرانكفورت بصبغة تشاؤمية شككت بمشروعي التنوير والحداثة. لكن مفكراً آخر هو يورغن هابرماس، سليل تقاليد تلك المدرسة ووريثها كتب، وأيضاً من مواقع اليسار، أن الحداثة مشروع مستمر، ودافع عن مبادئها التي هي مبادئ التنوير؛ العقل والحرية والأخلاق.

يكشف هابرماس في كتابه ( القول الفلسفي للحداثة ) كيف أن العقل بصورته الغائية انتهى إلى الالتباس بالسلطة متخلياً عن قوته النقدية. وها نحن في عالم متصدع، معقد، من العسير تحديد شبكات علاقاته وأشكال صراعاته وكيفية تداخل خنادقه.. يقول هابرماس؛ “إن المجتمعات التي باسمها كان هيجل وماركس، وأيضاً ماكس فيبر ولوكاتش قد ميزوا داخل سيرورة العقلنة والاجتماعية، الجوانب التي تحمل التحرير والمصالحة من جهة، والجوانب القمعية وأسباب الانقسام من جهة أخرى باتت مثلومة. ومنذ ذلك الحين استولى النقد الهدّام على المفاهيم نفسها التي كانت تسمح بالتمييز بين هذه الجوانب، لكي يسلط الضوء على وحدتهما المفارقة, ومذ ذاك يختلط كل شيء؛ العقل المحرِّر والتلاعب، الشعور واللاشعور، القوى المنتجة وقوى التدمير، التحقق الذاتي المعبِّر وعملية التسفيه القامعة. النتائج التي تضمن الحرية وتلك التي تحرمنا منها، الحقيقة والإيديولوجيا”. ويضيف؛ “إن الفروق والتعارضات باتت ملغومة، وأكثر من ذلك متداعية، إلى درجة أنه في الأفق المسطح والكالح لعالم يُدار كلياً ويخضع للحساب والسلطة، أمسى النقد عاجزاً عن تمييز التباينات والتلوينات المزدوجة”.

لا نريد الخوض في تفاصيل رؤى هابرماس حول مشروعي التنوير والحداثة وإنما أردنا الإشارة لبعض منطلقاته النظرية حول ذينك المشروعين تمهيداً لشرح مقارباته في الماركسية باعتبار الأخيرة وريثة التنوير البرجوازي وناقدته.

استخدم هابرماس، بحسب المترجم الفرنسي لكتاب ( بعد ماركس )، المقاربات البنيوية والاجتماعية ـ التطورية والوظيفية والنفسية لإكمال الماركسية قبل أن يتجاوز هذه المقاربات بدورها، بالاعتماد على البنيوية التكوينية لبياجيه، ليحدد في النهاية منظوريته الخاصة”. حيث أن المادية التاريخية ليست دلالة كشفية فحسب بل نظرية للتطور الاجتماعي. وقد تحدّث عن ( إعادة بناء للماركسية )، وعلى وجه التحديد للمادية التاريخية من طريق اشتغاله على مفاهيم ( نظرية التواصل ) حيث “لا يمكن أن يوجد تطور للقوى المنتجة دون ابتكارات مصاحبة على مستوى سيرورات التعلم ذات الطابع ( التواصلي ) أو ( العملي ) تتيح انبثاق أشكال جديدة للاندماج الاجتماعي، أي علاقات جديدة للإنتاج” وهكذا تعوّض “المزدوجة: قوى إنتاج وعلاقات إنتاج، بمزدوجة أكثر تجريدية، عمل وتفاعل”.

بدا هدف هابرماس وكأنه تعزيز للمادية التاريخية بوساطة مزاوجتها بنظرية التواصل. فما يهمّه، في النهاية، هو حيازة تفسير جديد للتطور الاجتماعي، بالانطلاق من مبدأ يعدّ “الأنظمة الاجتماعية شبكات للأفعال التواصلية”. وفي ضمن السياق التحليلي الذي يمضي فيه، وهو سياق دقيق ووعر ومقعر، لا يمكن تلخيصه في هذا المقام ويتصل بمفاهيم ( تطور الأنا والإدراك والوعي الذاتي والنقد والتعلم والهوية والعقلنة والذات الفاعلة والتمييز والتفاعل الاجتماعي والتطور الاجتماعي، الخ… ). هنا نجده يقوّض بعضاً من أهم أسس النظرية الماركسية التقليدية ( المادية التاريخية ) كما عُرفت منذ عهد ماركس وأنجلس، إذ تصبح البروليتاريا “ليست المتلقي المفضّل ( أو الخاص للخطاب الماركسي ) ولا موضوع التاريخ. ولا يرى في “منطق رأس المال مفتاح كل منطق للتطور الاجتماعي، لأنه لا يمكن بالفعل تعميم الطريقة التي تحدث بها اضطرابات سيرورة إعادة الإنتاج داخل الأنظمة الرأسمالية واستكمالها من الخارج بالنسبة إلى تشكّلات اجتماعية أخرى”.

يصل هابرماس إلى استنتاج مثير بخصوص صلة ماركس بالمادية التاريخية فيؤكد أن هذه النظرية كانت خيطاً ناظماً ومنهجاً بالنسبة إلى أنجلس فيما لم يتخذ ماركس “موقفاً أساسياً ومنظّماً في ما يتعلق بالتصور المادي للتاريخ إلاّ مرتين… وبشكل لا مثيل له في الثامن عشر من برومر لويس بونابرت”. يضيف هابرماس؛ “إن لنظرية تطور الرأسمالية التي أنشأها ( ماركس ) في ( Grundisse ) و ( رأس المال ) موقعها كنظرية جزئية ضمن المادية التاريخية”.

في عام 1938 قنن جوزيف ستالين المادية التاريخية بالنسبة للمستقبل. والفهم الذي كرّسه لها هو الذي يستدعي إعادة البناء، بحسب هابرماس، الذي يستحضر بعض المفاهيم الأساسية الشائعة للنظرية بقصد دراستها أبرزها القاعدة والبنية الفوقية. إلى جانب جدلية العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج.. وهنا يعود إلى الصياغة الأكثر شيوعاً لمقولة البنية الفوقية مثلما وردت في كتاب ( مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ) لماركس؛

“يقيم الناس في الإنتاج الاجتماعي لأسباب حياتهم علاقات محددة وضرورية ومستقلة عن إرادتهم. علاقات إنتاج توافق مرحلة من مراحل تطور معين لقواهم الإنتاجية المادية. تشكل جملة هذه العلاقات الإنتاجية البنية الاقتصادية للمجتمع والقاعدة الحقيقية التي تنبني عليها بنية فوقية قانونية وسياسية وتوافقها بعض أشكال الوعي للمجتمع. يكيّف أسلوب إنتاج الحياة المادية، الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عموماً. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم بل وجودهم الاجتماعي، على العكس من ذلك، هو الذي يحدد وعيهم”.

هذا الأمر لا يصح في منظور هابرماس إلاّ بالنسبة للمجتمعات الرأسمالية. فوظيفة علاقات الإنتاج “المتمثلة في تنظيم امتلاك وسائل الإنتاج، وبصفة غير مباشرة توزيع ثروات المجتمع” تخص النظام الرأسمالي حين تؤدي فيه السوق مع الرأسمالية “وظيفة تثبيت العلاقات الطبقية إلى جانب وظائفها الخاصة بالتنظيم”. أما في المجتمعات البدائية والتقليدية فليس الذي يؤدي هذه الوظيفة سوى أنظمة القرابة، وأنظمة السيطرة، إذ لا تظهر العلاقات الطبقية بالشكل الذي تظهر فيه في ظل النظام الرأسمالي.

مرة أخرى ينطلق هابرماس من مقطع قصير وشهير لماركس ورد، كذلك، في كتاب ( مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ) في سعيه لإعادة ترسيم العلاقة الجدلية بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في ضوء نظرية التواصل.. يقول ماركس؛

“تدخل قوى الإنتاج المادية للمجتمع في مرحلة معينة من تطورها في تناقض مع علاقات الإنتاج السائدة التي تكون قد تطورت داخلها، أي مع علاقات الملكية التي لا تمثل إلاّ التعبير القانوني عنها. تتحوّل هذه العلاقات إذن من أشكال للتطور بالنسبة إلى قوى الإنتاج إلى عوائق”.

في البدء يطرح هابرماس فهمه الخاص للمقطع الآنف الذكر، أو لصورة العلاقة بين المفهومين الرئيسين داخل نظرية ( المادية التاريخية ) بوساطة صياغة جديدة ستكون بمثابة المقدمة لاستجلاء أبعاد أخرى بقصد إنعاش النظرية وتوسيع نطاق اشتغالها وقدرتها على التفسير والتطبيق في الآن نفسه. ويلخِّص أطروحته، أي فهمه الخاص للنظرية بتضليعها رباعياً؛

“أ) توجد أوالية للتعلم الداخلي تضمن: نمواً ذاتياً للمعرفة القابلة تقنياً وتنظيمياً للاستعمال، واستخدام هذه الأخيرة داخل القوى المنتجة.

ب) لا يكون أسلوب الإنتاج متوازناً إلاّ إذا وجدت تطابقات بنيوية بين مستوى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج.

ج) ويُبرز تطور القوى المنتجة الحاصل بشكل داخلي تعارضات بنيوية بين هذين النمطين من العوامل.

د) تُحدث هذه التعارضات اختلالات في التوازن داخل أسلوب الإنتاج المعني وتؤدي بالضرورة إلى قلب علاقات الإنتاج الموجودة”.

ثم يستوقفنا ما يلاحظه من كون “تطور القوى المنتجة على أنه أوالية تنتج المشاكل وتحفز لكنها غير كافية لتحدث تغييراً في علاقات الإنتاج وتجديداً تطورياً في نمط الإنتاج”. ويردف؛ “حسب هذا الطرح لا يمكن الدفاع عن النظرية”.

يمضي هابرماس في تحليله فيميّز بين طاقة المعرفة المتاحة واستخدام هذه المعرفة: استغلال وسائل الطاقة الإدراكية التي تصبح قاعدة تقسيمات العمل التي تبنين المجتمع: النمو الداخلي للمعرفة بعدِّه شرطاً للتطور الاجتماعي.. والمعرفة التي تحفِّز وتغذي تطور القوى المنتجة وهذا عبر ظهور إطار مؤسسي جديد ينتج عنه نمو القوى المنتجة.. ويستدرك؛

“لا يوجد التعلم الخاص بالنوع في مجال المعرفة ممكنة الاستعمال تقنياً، والحاسمة بالنسبة إلى تطور القوى المنتجة فحسب، بل كذلك على مستوى الوعي الأخلاقي والعملي الحاسم بالنسبة لبنى التفاعل. وتتطور قواعد الفعل التواصلي استجابة للتغيرات الحاصلة في مجال الفعل الأداتي والستراتيجي، لكنها لا تخضع لذلك أكثر مما تخضع لمنطقها الخاص”.

ترافق الاختراعات التقنية الكبرى عهوداً جديدة ولكنها لا تتيح تحديد التشكيلات الاجتماعية. فليس تطور القوى المنتجة هو العامل الحاسم والأكيد في حصول التطور الاجتماعي.. هذا ما يلح عليه هابرماس مقترحاً إطاراً نظرياً يفصل فيها بين “أ) البنى العامة للفعل؛ ب) البنى الخاصة بالرؤى للعالم، على قدر ما تساهم في تحديد الأخلاق والحق؛ ج) بنى الحق الممأسس وكذلك التمثلات الأخلاقية ذات الطابع الإلزامي”.

وفي ما يخص المسألة الطبقية يقارن هابرماس بين نشأة البنى الطبقية في مجتمعات القرابة التي يسمّيها بالمجتمعات ( القباتفاقية ) وبين نشأتها في المجتمعات الحديثة ( الاتفاقية )، ويلاحظ كيفية تمفصل شكلين متناقضين للتطور داخل التطور الاجتماعي، أي “سيرورة التعلم التجميعي ( Cumulative ) التي لا يمكن للتاريخ بدونها أن يُفسّر كتطور، أي كسيرورة موجَّهة من جهة، واستغلال الإنسان المتزايد من قبل الإنسان في المجتمعات الطبقية من جهة أخرى”.

لقد حدث تقدّم من أشكال نظام القرابة إلى أشكال المجتمعات الطبقية الحديثة غير أن “الاستغلال والقمع مثلما يمارسان بالضرورة في المجتمعات الطبقية، تراجعاً بالنسبة لأشكال التفاوت الاجتماعي الأقل أهمية التي يتيحها نظام القرابة. لذلك تكون المجتمعات الطبقية غير قادرة بنيوياً على تلبية حاجة الشرعنة التي تسببها هي نفسها. هنا بالذات في الواقع يوجد مفتاح الديناميكية الاجتماعية لصراع الطبقات”.

بذلك، يجد تفسيراً لجدلية التقدم: مسار التقدم في تقاطعه مع مسار الاستغلال الطبقي، وبروز مشاكل جديدة تولّد بدورها حاجات جديدة؛ “الحاجة إلى سلطة مادية سهلة البلوغ تقنياً، والحاجة إلى أمن تضمنه الدولة، والحاجة إلى قيم ينتجها الاقتصاد، والحاجة إلى معنى تعطيه الثقافة”.

يتبنى هابرماس ترسيمة أخرى للمادية التاريخية يموضع فيها إلى جانب القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج تطور الرؤى إلى العالم، وتطور المعارف الممكن استخدامها تقنياً، وأنماط المأسسة المكوّنة في ظل شروط اجتماعية ـ تاريخية، ووساطة الإيديولوجيات.. هكذا تحتاج المادية التاريخية إلى “تحليل بنيوي لتطور الرؤى للعالم. يضمن تطور الرؤى للعالم الوساطة بين مراحل تطور بنى التفاعل وتطورات المعرفة التي يمكن استعمالها تقنياً. وإذا عبّرنا عن ذلك حسب مفاهيم المادية التاريخية فإنه يعني أن جدلية القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج تمر عبر وساطة الإيديولوجيات”.

أما هربرت ماركوز، وهو الآخر أحد أقطاب مدرسة فراكفورت، وكان يشتغل في منطقة نظرية/ نقدية أخرى فقد حاول، من جملة ما تناوله في مؤلفاته، الإجابة على السؤال؛ لماذا باتت البروليتاريا في الغرب الصناعي المتقدم تفقد طاقتها الثورية وتندمج في ضمن النظام الرأسمالي القائم؟ ولماذا أصبحت الثورة البروليتارية مستبعدة في الدول التي تنبأ ماركس قيامها فيها؟.

ينطلق ماركوز في كتابه ( الماركسية السوفياتية ) من إشارات وردت في كتابات أنجلس مؤداها أن طبقة البروليتاريا لعدم نضجها ترى في الرأسمالية النظام الاجتماعي الممكن الوحيد، وأنها “ستشكل سياسياً ذيل الطبقة الرأسمالية، وجناحها الأيسر المتطرف”. وهي في فترات الاستقرار والازدهار ستسقط حتماً تحت سيطرة الأفكار الرأسمالية فتغلب مصالحها الاقتصادية المباشرة على مصالحها الواقعية التاريخية. وفي هذا التمييز كما يرى ماركوز مفتاح “لفهم العلاقة القائمة بين النظرية والتطبيق، بين الستراتيجية والتكتيك”. وكان ماركس وأنجلس على دراية تامة “بالهوّة التي تفصل الماهية عن الظاهرات، وبالتالي النظرية عن التطبيق”.

في ما بعد، في القرن العشرين، لاسيما في مراحل تحسن ظروفها المعيشية وشروط حياتها الإنسانية فإن الطبقة البروليتارية ستكفّ، أو تجمّد مسألة كونها طبقة ثورية مهمتها التاريخية تحطيم النظام الرأسمالي القائم، لأنها حينئذ ستقامر بخسارة امتيازاتها المحدودة. وما ستخسره فعلاً، بنظرها هو أكثر بكثير من مجرد أغلالها. وهذه الفكرة سيطوِّرها ماركوز في كتابه الأشهر ( الإنسان ذو البعد الواحد ) حيث سيدرس ميل المجتمع الصناعي المعاصر “بحكم طريقة تنظيمه لقاعدته التكنولوجية، إلى النزعة الكلية الاستبدادية. والنزعة الكلية الاستبدادية ليست مجرد تنميط سياسي إرهابي، بل هي أيضاً تنميط اقتصادي ـ تقني غير إرهابي يؤدي دوره عن طريق تحكمه بالحاجات باسم مصلحة عامة زائفة”. أي أن النظام سيخلق حاجات كاذبة، بوساطتها يجري لجم المعارضة وترويضها، وتخدير الحس النقدي عند الأفراد، فأن يكون “العامل ورب العمل يشاهدان نفس البرنامج التلفزيوني. وإذا كانت السكرتيرة ترتدي ثياباً لا تقل أناقة عن ابنة مستخدمها، ,إذا كان الزنجي يملك سيارة من طراز كاديلاك، وإذا كانوا جميعاً يقرأون الصحيفة نفسها، فإن هذا التماثل لا يدل على زوال الطبقات”. وإن كانت تفند مبدأ: الفقراء يزدادون فقراً. وبالتالي تبعد احتمال قيام الثورة الاشتراكية، في المدى المنظور.

ويتحدث ماركوز عن التناقض الملازم للحضارة الصناعية المعاصرة والتي تتجلى في مسألة أن “عقلانيتها تعبّر من جهة عن نفسها في الميل إلى الكمال التقني، ومن الجهة الثانية تبذل كل الجهود الممكنة لحبس هذا الميل في المؤسسات القائمة”. وهذا ما سيطلق عليه بالصفة اللاعقلانية لعقلانية الحضارة هذه.