قامشلو … تقرر الزواج المدني بقلم الدكتور – محمد حبش


13 مايو، 2015  

قامشلو … تقرر الزواج المدني بقلم الدكتور – محمد حبش

2060 مشاهدات التعليقات

قامشلو … تقرر الزواج المدني

بقلم الدكتور – محمد حبش 

إنها وثبة إصلاحية طامحة تنسجم مع مطالب الإصلاح الديني الإسلامي منذ فجر النهضة.

مع أن المرحلة الدامية من تاريخ سوريا لا تحتمل الجدل في الاجتهادات الفقهية التقليدية ولكن صدور صك الزواج المدني عن الادارة الذاتية في القامشلي طرح تساؤلات مباشرة حول مستقبل قانون الاحوال الشخصية في سوريا وامكانية تطوره نحو قاون مدني حر، وأثار حفيظة آخرين باعتباره تحدياً للشريعة وخروجاً عن القوانين السائدة في البلاد العربية وفي سوريا التاريخية بشكل خاص.

والحقيقة التي سيفاجأ بها كثير من المتابعين ان الزواج في الإسلام مدني في الأصل، ولا يشترط لصحة الزواج في الاسلام اي شرط ديني كهنوتي ولا يشترط ان يكون في الجامع ولا يشترط حضور شيخ من الجامع، بل يكون الزواج بالاتفاق الحر بين طرفي عقد الزواج رجلا او امرأة وبالتالي بوجود الشهود يصبح العقد شرعيا وملزماً ولا غبار عليه، وليس أمام المحكمة الشرعية الا الاعتراف به وتصديقه من حين حصوله وترتب الحقوق والالتزامات عليه حين يشهد الشهود بذلك.

وفي الدساتير السورية المتعاقبة التي التزمها المجلس النيابي ومجلس الأمة وأخيرا مجلس الشعب بكل دوراته هي أن قانون الأحوال الشخصية ينطبق عليه ما ينطبق على سائر القوانين السورية الأخرى فهو يأتي إلى البرلمان عبر وزارة العدل وعبر لجان حقوقية متخصصة، وتتم مناقشة بنوده في البرلمان كسائر القوانين الأخرى.

وترد مواد قانون الأحوال الشخصية وتعديلاته إلى مجلس الشعب كسائر القوانين، وتناقش وفق الأسلوب إياه الذي تناقش به كل القوانين، فيكون للنائب المسلم صوت وللنائب المسيحي صوت بدون تمييز، ويصل القانون إلى مجلس الشعب عبر لجان وزارة العدل المتخصصة وليس عبر مؤسسة دينية رسمية.

وربما يختلف التوصيف في الزواج المسيحي في سوريا حيث يعتبر زواجاً غير مدني حيث لا ينعقد إلا في الكنيسة وبدور خاص لرجل الدين، كما أن قانون الأحوال الشخصية للطوائف يرد عادة إلى البرلمان من الرئيس الديني للطائفة، وقد تلقيت خلال خدمتي في مجل الشعب ثلاثة قوانين كنسية للأحوال الشخصية كانت تردنا عبر البطريرك بوصفه رئيساً للطائفة على الشكل التالي:  لقد قمنا بإقرار هذا القانون على رعايانا، ويهمنا أن تطلعوا عليه!! وعادة يقبل مجلس الشعب مشروع القانون الكنسي دون مناقشة فيه.

ولأجل ذلك فقد تكون الحاجة للانتقال من الزواج الديني الى الزواج المدني حاجة مسيحية في المقام الأول، ولكنها على كل حال ليست بيوريتانية في الجانب الإسلامي أيضاً.

ولكن المشهور أن قانون الأحوال الشخصية دستورياً لا يصدر عن الفقه الإسلامي وحده، ومع أن المشهور أن سوريا كما سائر البلاد العربية ملتزمة بالفقه الإسلامي في قانون الأحوال الشخصية، والحقيقة ان هذه النتيجة ليست بسبب ان الدستور ينص على شيء خاص بهذا الشأن ولكن بسبب ان الشعب السوري عموماً لا يرغب بالخروج من أحكام الفقه الإسلامي على الأقل ديمقراطياً، وفق قراءة الأغلبية من السكان، وهناك شعور عارم بان الفقه الإسلامي ضمانة للأخلاق وحماية للأسرة.

ومع أن قانون الأحوال الشخصية السوري ينص على وجوب الرجوع الى الراجح من الفقه الحنفي عندما يسكت القانون ولكن هذا لا يعني ان القانون ملتزم بالمذهب الحنفي، بل يتخير من مدارس الفقه المختلفة، ولكنه يحيل فيما سكت عنه المشرع وليس فيما نطق فيه، ومن الطبيعي أن تكون بيد القضاة والحقوقيين مرجعية يؤوبون إليها عندما تسكت النصوص، والحقيقة أن قانون الأحوال الشخصية ينطبق عليه ما ينطبق على سائر القوانين من أن الفقه الإسلامي مصدر رئيس للتشريع وليس مصدراً وحيداً للتشريع.

وفي الواقع فإن العلمانيين الذين يطالبون بالزواج المدني كانوا يلومون النظام على عدم تدخله في موضوع الزواج المدني، ويعتبرون أن النظام يستهتر بمبادئه في التقدمية حين يترك القانون دون تطوير في حين أنه يوقع على الاتفاقيات الدولية شأن حقوق المرأة والطفل، ولكنه يلتزم الصمت إزاء تطوير قانون الأحوال الشخصية.

ومع أن غالب العلمانيين يريدون التحول إلى الديمقراطية ولكنهم في هذا الجانب بالذات يطالبون الاسستبداد بالتدخل، حيث من المعلوم أن ثلثي اعضاء المجلس من حزب البعث وحلفائه في الجبهة وهطذا فإن النظام قادر أن يؤمن أغلبية تمرر قوانين حداثية تقدمية ولو كان الشعب لا يقبلها.

ولكن هذا الموقف ليس ديمقراطياً ولا يعكس حقيقة رأي الشعب، ومن الأمانة القول إن النظام لم يحاول ممارسة هذا الشيء في حراكه السياسي وفضل أن يكون التحول طبيعياً ولكنه اكتفى بالتفرج ولم يقم بدور كاف في تهيئة الراي العام للقبول بتحولات تقدمية في قانون الأحوال الشخصية عبر الفقه الإسلامي المستنير على غرار ما أنجزه المغرب الذي يلتزم نطامه السياسي تقاليد إسلامية واضحة ولكنه في الواقع حقق هذه القفزة بسبب وجود الإرادة السياسية بتطوير أحوال المرأة في المغرب.

وفي الحقيقة فإن البعث كان يستهتر بمبادئه التقدمية لاعتبارات سياسية وتكتيكية، حيث عمل زمناً طويلاً على استرضاء التقليديين على حساب المشروع التنويري، ولم يكن وفياً للمبادئ التي ينادي بها من المساواة وتمكين المرأة والأسرة التقدمية، وقد وفر ذلك كله الجو المناسب لبقاء القانون عتيقاً وغير نهضوي.

قناعتي أن معظم مطالب دعاة الزواج المدني ممكنة تماما في الفقه الإسلامي المستنير، فالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة ليست مطالب ضد الفقه الإسلامي، وهناك محاولات جادة للفقهاء لتحقيق هذه المطالب من داخل دوحة الفقه الإسلامي، وقد كتبت قبل خمسة عشر عاماً كتابي المرأة بين الشريعة والحياة وفيه تفاصيل كثيرة في إمكانية تحقيق المساواة ويكفي أن أنقل هنا أن ثلاثة من أكبر أئمة الإسلام وهم ابن حجر وابن حزم والقرطبي جزموا بان المراة لا تصد عن أي منزلة وقد تبلغ رتبة النبوة كما في حال مريم ويوحانذ، والتفاصيل في هذا المعنى كثيرة ولا يتسع لها مقال صحفي.

ما الفقه ؟ إنه ديوان العقل الحقوقي الإسلامي في فترة صعود حضاري، ومن الواقعي تماماً أن تكون في سياق نهضة الفقه الإسلامي محاولات جريئة لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل ولحماية المرأة من تجاوزات الماضي الثقيل.

ومن الجوانب التي أرادت المذكرة أن تقتحمها تقييد حق الرجل في تعدد الزوجات، ومع أن هذا المطلب يبدو محادة للشريعة ولكنه في جوهر الأمر ليس كذلك، والتعدد ليس حقاً مطلقاً للرجل، وفي قانون الأحوال الشخصية السائد تملك المرأة أن تشترط في عقد نكاحها ما يمنع الرجل من التعدد إلا بإذنها، وهو موقف جريء ومباشر في تقييد تعدد الزوجات ولا يمكن تجاهله، ومستنده الشرعي قول الرسول الكريم إن أحق ما وفيتم به من العقود ما استحللتم به الفروج، ومعنى ذلك أن الشرط أملك، وأن المرأة إذا اشترطت في عقد نكاحها أن لا يتزوج عليها فهي تملك هذا الحق، بل إنني أجزم أن رسول الله شرط هذا الشرط بعينه على أصهاره الثلاثة أبا العاص بن الربيع وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وكان دائم الثناء على أبي العاص بن الربيع ويقول إنه وعدني فوفى وذلك أن زينب تعرضت لسلسلة محن قاسية وأشدها الفراق الذي كان بينها وبين زوجها حن اعتقلت قافلته قبل ان يدخل في الاسلام، وكذلك مرض زينب الطويل، ومع ذلك فلم يتزوج عليها وكان ذلك محل ثناء الرسول، وأيضا فان عثمان وعليا لم يتزوجا على بنات الرسول، وهناك رواية في البخاري أن عليا فكر بالزواج على فاطمة فغضب الرسول أشد الغضب، وأقسم أن لا يكون ذلك أبداً.

إن مبدأ المساواة في الشهادة والميراث ومبدأ تقييد تعدد الزوجات ومبدا إجراء العقد خارج سلطة المشايخ كلها لا تخرج هذه العقود عن وصفها بالاسلامية، ولا حاجة لتصور ان هذه الشروط ستجعل الزواج غير إسلامي.

بالطبع النقاش في الأمر فقهياً يستغرق مجلدات طوال، ولكننا نكتب هنا فقط في زاوية واحدة وهي أن التحول إلى خطوات إصلاحية حقيقية في قانون الأحوال الشخصية لا ينزع عنه صفته الإسلامية، فالفقه الإسلامي غني وواسع وهو يحتمل هذه الاجتهادات التي تبدو مطلباً شعبياً ولكن الخطاب التقليدي لا زال يعتبرها خروجاً عن ثوابت الدين.

وربما كانت أشد المسائل إشكالا هي الزواج المختلط بين الأديان، وهو أمر يمكن التغلب عليه بتسجيل صك يقدم فيه طرفا العقد الاحترام الكامل لهدي الأنبياء الذين تنتمي لهم الأسرتان، ومن الممكن لصيغة كهذه أن تسجل الغاية المطلوبة من اشتراط الدين في النكاح هو توفير احترام حقيقي بين الأسرتين، وهو أمر لا يبعد حقيقة عن اجتهاد فقهاء كبار خلال التاريخ الإسلامي ومن المعاصرين الشيخ القرضاوي والترابي حيث أفتى كل منهما بالزواج المختلط في حالات متعددة تؤسس لهذا الفهم الديمقراطي.

قناعتي أن ما قامت به الإدارة الذاتية في القامشلي هو خطوة إصلاحية داخل الفقه الإسلامي الكريم وليست خارجه، وأنها تعكس بحق رغبة كثير من السوريين، ولكن لا يمكن وصفها بأكثر من صك تعليمات أطلقته هيئة مدنية بآمال تجديدية، وليست قانوناً بالمعنى التقليدي للكلمة، وربما تكون هذه الوثيقة هادية في المستقبل لإنتاج قانون جديد للأحوال الشخصية في سوريا الجديدة يحقق مساواة المرأة ويؤمن حقوق الطفل، ويحقق الأمل المنشود لطرفي الزواج في في بناء أسرة آمنة مستقرة.